أثره لا يقتصر على جسدك فقط.. تلوث الهواء يؤثر على عقلك أيضا

الهواء المُلوث لا يؤذي تنفُّسك فحسب، بل يترك بصمته على ذهنك أيضا، هذا ما تُخبرنا به الدراسات الحديثة على ما يبدو. لقد عرف الباحثون منذ السبعينيات أن المستويات العالية من تلوث الهواء يمكن أن تضر بصحة القلب والأوعية الدموية والجهاز التنفسي، ويمكن أن يزيد التعرُّض للتلوث من خطر الوفاة المبكرة بسبب أمراض القلب والرئة. لكن الآن، هناك أدلة متزايدة على أن الهواء الملوث مُضِر لصحتك العقلية أيضا، وأن الأمر قد يصل إلى الإضرار بالقدرات الإدراكية للأطفال، ويزيد من خطر التدهور المعرفي لدى البالغين، وربما يساهم في زيادة حالات الاكتئاب.

من المعروف أن معظم تلوث الهواء ناتج عن البشر، فهو يحدث بسبب انبعاثات المصانع، أو السيارات، أو الطائرات، كذلك يُعتبر دخان السجائر أحد ملوثات الشباب. تُسمى مصادر التلوث التي من صنع الإنسان بالمصادر البشرية (1)، لكن هناك بعض أنواع التلوث الأخرى تحدث طبيعيا، مثل العواصف الترابية والرملية ودخان حرائق الغابات أو رماد البراكين.

عادة ما تُعاني المدن الكبيرة في الدول الفقيرة والنامية من معدلات أعلى لتلوث الهواء مقارنة بالمدن في الدول المتقدمة. وفقا لمنظمة الصحة العالمية، يقتل تلوث الهواء ما يُقدَّر بسبعة ملايين شخص في جميع أنحاء العالم كل عام. تُظهِر بيانات منظمة الصحة العالمية أن 9 من كل 10 أشخاص يتنفَّسون هواء يتجاوز حدود إرشادات منظمة الصحة العالمية لمستوى الملوثات. (2)

التدهور المعرفي لكبار السن

ركَّزت معظم الأبحاث حول تلوث الهواء على نوع من الملوثات يُعرف باسم الجسيمات الدقيقة، تتكوَّن هذه الجسيمات الدقيقة من الكبريتات والنترات والأمونيا وكلوريد الصوديوم والكربون والغبار المعدني والماء، وهو مزيج مُعقَّد من المواد العضوية المُعلَّقة في الهواء في الصورتين الصلبة والسائلة. (3) تُصنَّف تلك الجسيمات إلى نوعين حسب قُطْرها، الأول هو: "PM10″، وهي جسيمات ذات قُطْر أقل من 10 ميكروغرامات، النوع الثاني هو جسيمات "PM2.5″، وهي جسيمات ذات قُطْر أقل من 2.5 ميكروغرام، والميكروغرام هو جزء من المليون جزء من الغرام.

تنبعث هذه الجسيمات الدقيقة من محطات توليد الطاقة والمصانع والسيارات والشاحنات، وهي معروفة بتأثيراتها القلبية الوعائية الضارة، لكن يبدو الآن أن من المُحتمَل أن تتجاوز الآثار الضارة للمواد الجسيمية تلف الأوعية الدموية لتشمل حدوث آثار سلبية على الصحة العقلية، حيث وجدت جينيفر ويف، الأستاذة المساعدة للطب الباطني، أن النساء المُسِنات اللائي تعرَّضن لمستويات عالية من الملوثات عانين من تدهور إدراكي أكبر مقارنة بالنساء الأخريات في سِنهن. (4)

جمع فريق ويف بيانات أكثر من 19000 امرأة في جميع أنحاء الولايات المتحدة، تتراوح أعمارهن بين 70-81 عاما. وباستخدام سجل عناوين النساء، قدَّرت ويف وزملاؤها مقدار تعرُّض المبحوثات للمواد الجسيمية على مدى الفترة السابقة. وجد الباحثون أن التعرُّض طويل الأمد لمستويات عالية من التلوث أدَّى إلى تفاقم التدهور المعرفي لدى النساء، وهو ما قِيسَ من خلال اختبارات المهارات المعرفية.

تتوافق نتائج ويف مع نتائج دراسة مماثلة أجرتها مادلينا باور، طالبة الدكتوراه في علم الأوبئة والصحة البيئية في كلية هارفارد للصحة العامة. درست باور وزملاؤها العلاقة بين الكربون الأسود، وهو أحد مكونات الجسيمات الدقيقة، والإدراك لدى 680 رجلا من كبار السن في بوسطن. (5)

استخدم فريق باور التعرُّض للكربون الأسود مؤشرا لقياس التلوث المرتبط بالمرور عموما. تماما مثل نتائج ويف في النساء الأكبر سِنًّا، وجدت باور وزملاؤها أن الرجال الذين تعرَّضوا لمستويات عالية من الكربون الأسود ساء أداؤهم الإدراكي، وعانوا من الشيخوخة أبكر بنحو عامين مقارنة بالرجال الذين تعرَّضوا للكربون بدرجة أقل.

مشكلات الصحة العقلية لدى الأطفال

لا تقتصر مخاطر تلوث الهواء على كبار السن كما هو واضح. يقول بول موهاي، أستاذ في كلية الموارد الطبيعية والبيئة بجامعة ميتشيغان، بعد دراسته للصلة بين تلوث الهواء والأداء الأكاديمي لدى الأطفال: "يجب أن يؤخذ هذا على محمل الجد، لا أعتقد أن القضية قد حصلت على الاهتمام الذي تستحقه".

وجد موهاي أن مدارس ميتشيغان العامة الواقعة في المناطق ذات المستويات الأعلى من التلوث الصناعي لديها أدنى معدلات الحضور وأكبر نسبة من الطلاب الذين فشلوا في تلبية معايير الاختبار الحكومية، وهو ما يعني أن تلوث الهواء حول المدارس يرتبط بتدهور صحة الطلاب والأداء الأكاديمي. (6)

في سياق مُشابه، تابعت شاكيرا فرانكو سوجليا، أستاذ مساعد في كلية الصحة العامة بجامعة بوسطن، وزملاؤها أكثر من 200 طفل من بوسطن منذ الولادة وحتى متوسط ​​عمر 10 سنوات، ووجدوا أن الأطفال المُعرَّضين لمستويات أعلى من الكربون الأسود سجَّلوا درجات أسوأ في اختبارات الذاكرة والذكاء اللفظي وغير اللفظي، ما جعلهم أكثر عُرضة للتأخُّر الأكاديمي في مرحلة المراهقة مقارنة بأقرانهم. (7)

كذلك تابعت فريدريكا بيريرا وزملاؤها من كلية ميلمان للصحة العامة بجامعة كولومبيا الأطفال في مدينة نيويورك منذ ما قبل الولادة وحتى سن 6 أو 7 سنوات، واكتشفوا أن الأطفال في المناطق الحضرية الذين تعرَّضوا لمستويات أعلى من ملوثات الهواء المعروفة باسم الهيدروكربونات العطرية متعددة الحلقات، الناتجة عن حرق الوقود الأحفوري مثل الفحم والنفط، أثناء وجودهم في الرحم، كانوا أكثر عُرضة للإصابة بمشكلات الانتباه، كما ظهرت لديهم أعراض القلق والاكتئاب. (8)

علاوة على ذلك، تُشير دراسة حديثة نُشرت خلال إبريل/نيسان من العام الجاري في دورية "جاما" (JAMA) إلى أن الشباب الذين تعرَّضوا لتلوث الهواء أثناء طفولتهم يُعانون معدلات أعلى من تحديات الصحة العقلية في سن 18 بالمقارنة مع أقرانهم الأقل تعرُّضا للتلوث. (9)

يؤثر تلوث الهواء، الناجم عن الضباب الدخاني والأمطار الحمضية والسيارات وأسباب أخرى، سلبيا على الجهاز العصبي المركزي، ما قد يؤدي إلى مشكلات الصحة العقلية. لذا، تؤكِّد نتائج الدراسات أن أولئك الذين يعيشون بالقُرب من الطرق أو في المناطق الأخرى التي يزيد التعرُّض فيها لملوثات الهواء هم أكثر عُرضة لخطر آثار التلوث السلبية على الصحة العقلية بسبب التعرُّض المزمن.

توضِّح هيلين إل فيشر، الباحثة في علم النفس المرضي التنموي في "كينجز كولدج لندن" (King’s College London)، أن قضايا الصحة العقلية تضمَّنت حالات مُعبَّر عنها داخليا، مثل الاكتئاب والقلق، بالإضافة إلى الحالات التي يُعبَّر عنها خارجيا، مثل اضطراب السلوك وتعاطي المخدرات، وحدوث تشوهات في التفكير مثل الهلاوس ورؤية أو سماع أشياء غير موجودة. تؤكِّد فيشر أن تلوث الهواء يساهم مساهمة كبيرة في العبء العالمي للأمراض النفسية، وقد تؤدي التدخُّلات لتحسين جودة الهواء إلى تحسين الصحة العقلية عالميا. (10)

كيف يؤثر تلوث الهواء على الدماغ؟

يجد الهواء الملوث طريقه إلى الدماغ مباشرة عن طريق السفر من الأنف على طول الجهاز العصبي، ويمكن أن يؤثر تأثيرا غير مباشر على الدماغ من خلال حدوث الالتهاب الجهازي (Systemic inflammation). من المعروف أيضا أن تلوث الهواء يدخل إلى نظام الأوعية الدموية، رُبما يخلق له هذا مسارا لدخول الدماغ من خلال الحاجز الدموي الدماغي (Blood brain barrier) الذي يتحكَّم في تدفُّق العناصر الغذائية للدماغ. كذلك تلعب الناقلات العصبية، التي تحمل الإشارات بين الخلايا العصبية، دورا مهما في الصحة العقلية، ونتيجة لذلك فإن أي اختلالات فيها ناجمة عن التعرُّض للملوثات سوف تؤثر مباشرة على الصحة العقلية. (11)

عادة ما تكون آثار تلوث الهواء على الدماغ مزمنة وتراكمية، وقد لا تُسبِّب أعراضا ملموسة لسنوات عديدة، لذا يُصبح التلوث مصدر قلق خاصة على الأطفال الذين لم تتطوَّر أدمغتهم تطورا كاملا.

من أجل الوصول إلى صورة أفضل حول كيفية تأثير الملوثات على الدماغ، حقَّقت ليليان كالديرون جارسيدويناس، أخصائية أمراض الأعصاب في جامعة مونتانا والمعهد الوطني لطب الأطفال في مكسيكو سيتي، في الآثار العصبية للضباب الدخاني السيئ السمعة في المدينة، وذلك عبر تشريح أدمغة الكلاب التي تعرَّضت لتلوث الهواء في مكسيكو سيتي ومقارنتها بأدمغة كلاب من مدينة أقل تلوثا، حيث وجدت أن أدمغة كلاب مكسيكو سيتي أظهرت زيادة في الالتهابات والأمراض بما في ذلك "لويحات الأميلويد"، المكوَّنة من أميلويد بيتا، وهو بروتين يتراكم في شكل لويحات تُدمِّر نقاط الاشتباك العصبي التي تصل بين الخلايا العصبية، ما يؤدي إلى تدهور في القدرات المعرفية للمريض. (12)

في دراسة أخرى فحصت كالديرون 55 طفلا من مكسيكو سيتي و18 من مدينة بولوتيتلان الأقل تلوثا، وكشفت فحوصات التصوير بالرنين المغناطيسي أن الأطفال المُعرَّضين للتلوث الحضري كانوا أكثر عُرضة للإصابة بالتهاب الدماغ وتلف الأنسجة في قشرة الفص الجبهي. توضِّح كالديرون أن الالتهاب العصبي يُعرقل عمل الحاجز الدموي الدماغي، وهو عامل رئيسي في العديد من اضطرابات الجهاز العصبي المركزي، بما في ذلك مرض الزهايمر ومرض باركنسون. خلال الدراسة، سجَّل أطفال مكسيكو سيتي درجات أقل في اختبارات الذاكرة والإدراك والذكاء. (13)

تلوث الهواء والإصابة بالقلق والاكتئاب

تُظهِر الأدلة الوبائية ارتباطا ناشئا بين بعض ملوثات الهواء ومجموعة من نتائج الصحة العقلية، بما في ذلك الاكتئاب والقلق والذهان والانتحار. (14) في هذا السياق، توصَّلت دراسة أُجريت في برشلونة إلى أن مُعدلات الاكتئاب تتزايد تزايدا ملحوظا لدى أولئك الذين تعرَّضوا لمجموعة من ملوثات الهواء، وجدت الدراسة أيضا أن هناك ارتباطات بين التركيزات العالية لملوثات الهواء واستخدام الأدوية النفسية. (15) وبالمثل، أظهرت دراسة أخرى زيادة ملحوظة في خطر الإصابة بأعراض الاكتئاب، خاصة الأعراض العاطفية، لدى كبار السن الذين تعرَّضوا لتلوث الهواء في سيول بجمهورية كوريا. (16)

أفادت دراسة ثالثة أُجريت على مجموعة من الممرضات الأميركيات أن هناك احتمالات أعلى بشكل ملحوظ لحدوث أعراض حادة من القلق لدى الممرضات المعرَّضات لمستويات أعلى من الجسيمات "PM10″ و"PM2.5" في الشهر والسنة السابقين للدراسة. (17) كان لدى الممرضات اللاتي تعرَّضن لزيادة 10 ميكروغرامات لكل متر مكعب من "PM2.5" في المتوسط ​​في العام السابق احتمالات أعلى بنسبة 1.15 إلى 1.26 للإصابة بأعراض القلق.

تُشير دراسة رابعة في هذا الصدد إلى أن هناك روابط بين تركيز الجسيمات الدقيقة وأعراض القلق، كان هذا الارتباط أكثر وضوحا لدى الفئات الاجتماعية والاقتصادية الأقل، وأولئك الذين يعانون من اضطرابات صحية بدنية موجودة سابقا. (18)

التلوث في الدول العربية

حسنا، إذا كنت تظن أن تلوث الهواء مشكلة خاصة بالدول الصناعية الكبرى، فدعنا نخبرك أن الأمر ليس كذلك. تُعاني جميع الدول العربية من تلوث الهواء، بما يتجاوز الحدّ الإرشادي لمنظمة الصحة العالمية، فمتوسط ​​التركيز السنوي من "PM2.5" أعلى من 10 ميكروغرامات لكل متر مربع، مع تجاوز 11 دولة عربية من أصل 22 المتوسط ​​العالمي المُحدَّد عند 45 ميكروغراما لكل متر مكعب.

لكن هناك بعض الأخبار الجيدة في هذا الصدد، حيث أثَّر الإغلاق العالمي بعد انتشار جائحة فيروس كورونا المُستجد إيجابيا على جودة الهواء في مدن معينة في المنطقة العربية بين ديسمبر/كانون الأول 2019 ويونيو/حزيران 2020. وبناء على مؤشر جودة الهواء العالمي، انخفض تركيز ثاني أكسيد النيتروجين (NO2) في الزرقاء بالأردن من 14.4 إلى 7.7، وكذلك في الرياض بالمملكة العربية السعودية من 17 إلى 3، وفي أبو ظبي بالإمارات العربية المتحدة من 18.3 إلى 4.5.

يتزامن الانخفاض في تركيز ثاني أكسيد النيتروجين مع الإجراءات الوقائية التي اتخذتها البلدان في جميع أنحاء المنطقة ضد كورونا المُستجد، التي تضمَّنت فرض قيود على حركة المركبات والأنشطة الصناعية، لكن من المرجَّح أن نِسَب الملوثات في أجوائنا سوف تعود للارتفاع تدريجيا مع عودة الحياة إلى طبيعتها في أعقاب الجائحة. (19)

________________________________________________________

المصادر:

  1. Air pollution
  2. Air pollution
  3. اليوم العالمي للبيئة/ ورقة بحثية
  4. Exposure to particulate air pollution and cognitive decline in older women
  5. Traffic-Related Air Pollution and Cognitive Function in a Cohort of Older Men
  6. Air Pollution Around Schools Is Linked To Poorer Student Health And Academic Performance
  7. Prenatal exposure to air pollution is associated with childhood inhibitory control and adolescent academic achievement
  8. Prenatal Polycyclic Aromatic Hydrocarbon (PAH) Exposure and Child Behavior at Age 6–7 Years
  9. Association of Air Pollution Exposure in Childhood and Adolescence With Psychopathology at the Transition to Adulthood
  10. Air Pollution Exposure in Childhood Linked to Mental Health Concerns at Age 18
  11. Smog in our brains
  12. Air Pollution and Brain Damage
  13. Air pollution, cognitive deficits and brain abnormalities: a pilot study with children and dogs
  14. Air pollution, mental health, and implications for urban design: a review
  15. Effect of long-term exposure to air pollution on anxiety and depression in adults: A cross-sectional study
  16. Air pollution and symptoms of depression in elderly adults
  17. The relation between past exposure to fine particulate air pollution and prevalent anxiety: observational cohort study
  18. Association of Ambient Air Pollution with Depressive and Anxiety Symptoms in Older Adults: Results from the NSHAP Study
  19. ENVIRONMENT
المصدر : الجزيرة