دورة الألعاب البارالمبية.. كيف يتحول البشر إلى سايبورغ؟!

دائما ما يبحث العدَّاء جنوب الأفريقي أوسكار بيستوريوس عن تحدٍّ جديد. أوسكار هو شاب مبتور الأطراف من تحت الركبة، لفت انتباه المهتمين برياضات المعاقين بعد نجاحه في دورة أثينا للألعاب الأولمبية للمعاقين 2004. في ذلك الحدث، دمَّر بيستوريوس الملعب في سباق 200 متر، مُحقِّقا رقما قياسيا عالميا جديدا في سباق ضمَّ رياضيين كانوا قد تعرَّضوا لبتر طرف واحد ويعتبرون أقل إعاقة منه.

 

كان من الواضح أن بيستوريوس رياضي فريد، ليس فقط بسبب إنجازاته البدنية، ولكن أيضا لأن عدم وجود أطرافه السفلية تطلَّب اعتماد طرفين اصطناعيين قذفاه أبعد من أُفق الحركة البارالمبية إلى النقطة التي كان فيها على بُعد خطوات قليلة من الأهلية للمشاركة في الألعاب الأولمبية نفسها!

 

غالبا ما يستخدم الرياضيون مبتورو الأطراف السفلية، مثل بيستوريوس، "شفرات" من ألياف الكربون تعمل كأقدام، ونتيجة لذلك أُشير (1) إلى بيستوريوس باسم "Blade Runner"، ويعني استخدام هذه التكنولوجيا من قِبَل الرياضيين البارالمبيين أنه يمكن تصوُّرهم على أنهم تجسيد للسايبورغ (cyborg)، وهو جسم هجين ناتج عن اندماج كائن حي وتقنية من صنع الإنسان. (2) لكن هل يمكن أن يتخطى هذا الهجين قدرات البشر العادية؟ أم أن امتلاك ذراع تعويضية ميكانيكية بالكاد يضع صاحبه في المستوى العادي للبشريين؟

 

رياضيو السايبورغ

عزَّزت التقنيات مثل الكراسي المتحركة الخاصة بالسباقات والأقدام المرنة (flex foot) (الأرجل الاصطناعية المصممة للجري) أداء الرياضيين المعاقين جسديا، وباتت أساسية في هوية الحركة البارالمبية. غالبا ما يُحتفل بهذه الأجساد الرياضية السايبورغية (3) من قِبَل اللجنة البارالمبية الدولية المهتمة بالتطورات على مستوى تكيُّف الأجسام مع التكنولوجيا من أجل تطوير أداء الرياضيين البارالمبيين.

 

مما لا شك فيه أنّ هذه الثورة في استخدام الأجهزة مثل الأطراف الصناعية عالية التقنية المُصمَّمة خصيصا للرياضة جاءت استجابة للضغط العام لقبول دور أكبر للتكنولوجيا في المجتمع، ولكنها وافقت في الوقت نفسه هوى الرياضيين في تحسين كفاءة أدائهم. واليوم، يعمل نخبة من الرياضيين مع كبار مزودي الكراسي المتحركة والأطراف الاصطناعية لتطوير التقنيات المستخدمة وأنظمة التدريب. ونتيجة لذلك، يحصل أفضل رياضيي السايبورغ أيضا على مكافأة تجارية لمشاركتهم في تطوير أحدث التقنيات وتصنيعها. بعبارة أخرى، باتت التكنولوجيا اليوم أحد المحركات الأساسية للحركة البارالمبية.

 

مجرد جسد

في المملكة المتحدة، يُعَدُّ ريتشارد وايتهيد، الرياضي المبتور الساقين، أحد أكثر الرياضيين شهرة وتميُّزا في تغطية دورة الألعاب البارالمبية، إلى درجة أنه أصبح نجما ساطعا يظهر في الأفلام والمقتطفات الترويجية الأوسع نطاقا. في الواقع، أصبحت الأفلام الترويجية للرياضيين البارالمبيين أشبه بمسابقات "الجمال السايبورغي" (5) التي تتبارى في إظهار المنافسة بين أشخاص أجسادهم مُثقلة بالمعدات التكنولوجية.

فيديو لريتشارد وايتهيد

 

من المهم في هذا السياق التأكيد أن الحصول على هذه التقنيات يتطلَّب شراءها، وبالتالي فإن الحركة البارالمبية تُمثِّل سوقا متطورا لبيع المساعدات المُتقدِّمة تقنيا. لا يمكن الوصول إلى العديد من أحدث التقنيات الموضَّحة في هذا التقرير للرياضيين من معظم دول العالم "النامي"، حيث يكون السكان عموما أفقر. وبهذا المعنى، قد يُنظر إلى ألعاب القوى على أنها متطورة تقنيا من ناحية، ولكنها انعزالية وإقصائية من ناحية أخرى (4).

 

هذا الاستبعاد الاقتصادي المُحتمَل يجعل الكثير من سكان العالم من البارالمبيين المُحتمَلين غير مؤهلين للمنافسة. في رياضات النخبة للمعاقين، هناك أعداد متزايدة من الرياضيين ذوي الأجسام الميكانيكية المُصمَّمة صناعيا، الأمر الذي يزوِّدهم بقدرات رياضية فائقة لا يتمتع بها أقرانهم. هؤلاء الرياضيون هم الأكثر شهرة، لأن رياضة ذوي الاحتياجات الخاصة تطوَّرت وهم في مركزها بتقنياتهم، كما أن التكنولوجيا التي يستخدمونها باتت أكثر قدرة على التكيُّف مع أجسادهم وبذلك أنتجت "سايبورغ رياضي". وكما هو متوقَّع، ينال هؤلاء الرياضيون داخل الحركة البارالمبية وخارجها نصيب الأسد من الأضواء لأنهم يزيدون من قابليتها للتسويق. (6).

 

صحيح أن الاحتفاء بقدرات السايبورغ الفائقة، التي تتجلَّى في الأجسام المغمورة تكنولوجيا لأفضل الرياضيين الذين يرتدون الكراسي المتحركة والأطراف الاصطناعية، هو أمر جيد لهؤلاء الأفراد الذين تتوفر لهم هذه الإمكانات ويُكرَّمون من الدولة والمجتمع، ولكنه قد يؤدي في المقابل إلى تعجيز الرياضيين الآخرين ذوي الإعاقة وإضافة عجز إلى عجزهم الأساسي. في نهاية المطاف، تخاطر الألعاب البارالمبية بأن تصبح عرضا للتكنولوجيا بدلا من كونها عرضا للألعاب الرياضية، تاركة وراءها أولئك الذين لا يستطيعون تحمُّل تكاليف استخدام تقنيات تحسين الأداء.

لا يختلف التقدُّم التكنولوجي فيما يتعلَّق بالرياضة البارالمبية إذن عن التغيُّرات الأخرى في المجتمع، فمن الواضح أنها نعمة لكننا أسأنا استخدامها. تعمل التكنولوجيا على تمكين البعض، بينما تترك وضع الآخرين في أحسن الأحوال دون تغيير، وفي أسوأ الأحوال تزيد من معاناتهم. وكما يظهر احتفاء الحركة البارالمبية بقدرات السايبورغ الفائقة، فإن المساواة بين البشر لا تزال بعيدة المنال.

 

جسد جديد..هوية جديدة

بمناسبة السايبورغ، يُعَدُّ "سايبورغ: 009" أحد أشهر مسلسلات الأنمي في التسعينيات. يتحدَّث المسلسل عن تسعة بشر يمتلكون قدرات خارقة لوجود أجزاء ميكانيكية متصلة بأجسادهم، التي بدورها سبَّبت لهم الاغتراب وفي بعض الأحيان كُره الذات. يتعامل أبطال المسلسل مع شخص شرير يُدعى "الشبح الأسود"، وهو مُصمِّمهم الذي يريد استخدامهم لشن حروب، لكنهم يضطرون للعمل معا متكاتفين ضده ساعين للقضاء عليه، وآملين في الوقت نفسه في فهم ذواتهم الجديدة.

يرتبط الجسد وتكوينه ارتباطا لا ينفصم بمسألة الهوية، حيث يُمكن للتقنيات المُستخدَمة في "سَيْبَرة" البشر أن تؤثر على الهوية البشرية من خلال التأثير على تصوُّر المرء لذاته (7). نحن لا نتكلَّم هنا عن تحسين قدرات الفرد، بل عن تغيير هويته وأن يصبح شخصا جديدا. في المسلسل السابق الإشارة إليه، يؤثر تغيير الهوية الفردية على قصص الأبطال ونموهم وقدراتهم العقلية. لكن دع عنك الأنمي، في الحياة الواقعية قد تجد من الشرور ما قد يكون أقسى حتى من ذلك الشبح الأسود، عدو أبطال المسلسل.

 

فحتى إذا كنت أنت نفسك شخصا طبيعيا ومعافى بالكامل، فإنك لن تعدم مَن يتنمر على أنفك، أو على حجم شفتيك، وربما على لون بشرتك. الآن تأمَّل حالة أحدهم وهو يمتلك جهازا متصلا بجسده، قد يتهم أحدهم هؤلاء السايبورغ بعدم الأصالة أو بكونهم "وحوشا"، ناهيك بكون هذا يُمثِّل انتهاكا للخصائص الأساسية البشرية للفرد. تشمل هذه الخصائص النمط النفسي الداخلي، والشخصية، والذكاء العام، وضرورة النوم، والشيخوخة الطبيعية، والجنس، وغيرها. تُهدِّد التقنيات بتغيير الذات جذريا إلى الحد الذي تكون فيه النتيجة شخصا مختلفا تماما، إلى درجة أن علاقة الشخص بالآخرين ربما تتغيَّر تماما بعد الانغماس في هذه التقنيات لأنها ستُسبغ عليه في النهاية هوية جديدة.

 

وفقا لديبرا شوجان، المُنظِّرة الاجتماعية والناقدة في مجال الأخلاقيات، يبدو أن التقنية المُستخدَمة في رياضات المعاقين غير طبيعية لأنه يُنظر إليها على أنها تجعل الرياضيين مختلفين عن البشر. نعلم أنّ ما يطرأ على بالك أولا عند ذكر "البارالمبياد" هو "القوى البشرية الخارقة" التي تحقَّقت من خلال استخدام الكراسي المتحركة الحديثة أو الأطراف الاصطناعية (8)، لكن في أثناء سعي هذه التكنولوجيا الحيوية إلى أن تجعلنا أفضل فإنها تُحوِّلنا في النهاية إلى أشخاص آخرين.

بالطبع قد تُعطي الأطراف الصناعية حياة جديدة لمالكيها (9)، بشكل يجعل الحديث عن قضايا الهوية والذات مجرد ترف، لكن إدخال عنصر صناعي إلى الجسد هو تجربة أعقد بكثير مما يظن الجميع. وبحسب قول "دونا ج. هاراوي"، أستاذة تاريخ الوعي وقسم الدراسات النسوية الأميركية في جامعة كاليفورنيا، في كتابها "Simians, Cyborgs and Women" فإن الأمر أشبه بـ "امتزاج الإنسان بالآلة".

 

في المقابل، يرفض عالم ما بعد الإنسانية هذا الانقسام من خلال فهم الإنسان على أنه كيان متشابك مع بيئته، ما بعد الإنسان هو مفهوم نشأ في مجالات الخيال العلمي، وعلم المستقبل، والفن المعاصر، والفلسفة، ويعني أن إنسان اليوم صار في حالة أوسع بكثير من كونه إنسانا بالمفهوم التقليدي. فهل دخلنا إلى عصر ما بعد الإنسانية بالفعل؟ وهل وصل الإنسان إلى نسخته المطورة "Human 2.0″؟ يبدو أن الإجابة هي "نعم"، ولا أحد يعلم إذا ما كان ذلك أمرا جيدا أم أنه يستدعي المزيد من القلق.

————————————————————————-

المصادر

  1. Cyborg anxiety: Oscar Pistorius and the boundaries of what it means to be human
  2. Simians, Cyborgs and Women,1991, Donna J. Haraway
  3. The fiddle of using the Paralympic Games as a vehicle for expanding [dis]ability sport participation:
  4. Charles JM (1998) Technology and the body of knowledge.
  5. Cyborg and Supercrip: The Paralympics Technology and the (Dis)empowerment of Disabled Athletes
  6.  A Companion to the Anthropology of the Body and Embodiment
  7. Enhancement Technologies and Human Identity
  8. The Social Construction of Disability: The Impact of Statistics and Technology
  9.  Posthuman podiums: Cyborg narratives of elite track and field athletes. Sociology of Sport Journal, Butryn TM (2003)
المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

يدرك مخرج الأفلام والمالك الجديد لروما “دان فريدكين” بكل تأكيد الفارق بين شركة الإنتاج السينمائي ونادي كرة القدم، لكن لماذا اختار “مورينيو” تحديدا؟ وهل يمكن لتجربة روما أن تكون مختلفة؟

25/8/2021
المزيد من مقالة
الأكثر قراءة