اكتئاب كرسي الشاطئ.. لماذا لا يمكننا الاسترخاء في العطلات؟

لماذا لا يمكننا الاسترخاء في العطلات؟

يحدث كثيرا أن تنتظر قدوم العطلات طوال العام بفارغ الصبر، سواء الأسبوعية أو العطلات الصيفية الأكبر، لكي ترتاح وتتخلص من التوتر، تغلق الحاسوب في آخر أيام العمل وأنت تحلم بالراحة، وتوقن أنك ستعود إلى مكتبك في حال أفضل بالتأكيد بعد عطلة مريحة تنسى فيها قلق أيام العمل.

 

لكن بعد أيام على الشاطئ، تنتهي العطلة، وبينما تستعد للعودة إلى مكتبك صباح اليوم التالي، تدرك أنك في الحقيقة لا تشعر بأي تغيير، ولم تأخذ أي قسط من الراحة، ربما تمكنت من التخلص من مهام مثل مراقبة رسائل البريد الإلكتروني أو الاجتماعات أو التقارير، هذا إن لم تظل تراقبهم وتتابع العمل عن بعد، لكنك تكتشف أن هناك ما أبقاك في حالة تأهب، وأنك ما زلت في حاجة إلى مزيد من الوقت لتشعر ببعض الراحة.

 

بنظرة على الإنترنت ستجد آلاف الشكاوى والإرشادات حول هذه المشكلة، ببحث سريع عن كلمة "الاسترخاء" ستظهر 20,400,000 نتيجة، وهو ما يخبرك بمدى الحيز الذي يشغله الأمر في تفكيرنا، إننا مهووسون بتعلم الاسترخاء، لكننا لا نعرف كيف نسترخي في الحقيقة، فلماذا لا يمكننا الحصول على الراحة حتى في العطلات؟

 

دماغنا لم يتوقف بعد

العمل وعدم الاسترخاء

يشبه الأمر أن تقطع سيارة ما طريقا سريعا، وبينما يهدر محركها، يضغط السائق على الفرامل فجأة، بالطبع ستنزلق وتدور وربما قد تصطدم بشيء ما قبل أن تتوقف، هذا بالضبط ما يحدث في دماغك حين تبدأ عطلة بعد كثير من العمل والاتصال الدائم بالبريد الإلكتروني وإجراء مكالمات العمل ثم يتوقف كل ذلك لتذهب في عطلة. فبينما يكون جسمك مستلقيا على كرسي أمام مياه البحر، يكون عقلك لا يزال هناك، يتصفح قوائم مهام العمل.(1)

 

وفقا للتقرير السنوي لموقع "InfoJobs-ESADE" عن حالة سوق العمل في إسبانيا عام 2019، كان 51٪ من القوى العاملة الإسبانية يردون على رسائل البريد الإلكتروني ومكالمات العمل خلال فترة إجازتهم، كثيرون منهم يبادرون بهذا، بينما 30٪ منهم يفعلون بناء على طلبات رؤسائهم الذين يرون أنه من المنطقي أن يكون الموظفون على اتصال دائم بالعمل مهما كان للأمر من نتائج سلبية. كان لدى 34٪ من الموظفين شعور بأنه لا بديل لهم في العمل، وأنهم سيواجهون مشكلات كبيرة بعد عودتهم من العطلة، كما كان 8٪ منهم لا يقضون أكثر من أسبوع على التوالي في إجازة، خوفا من أن العمل لن يمضي قدما في غيابهم، وهذا هو الشعور الذي ينتاب كثير منا.(2)

 

على الرغم من أن التقنيات الرقمية المعاصرة سمحت بأن نستغل بعضا من وقت الفراغ لتنفيذ المهام المتعلقة بالعمل، فإنها تركت لنا مشكلة، حيث لم يعد بإمكاننا إدراك ما إذا كنا قد انفصلنا تماما عن بيئة العمل أم لا، ويصل الأمر إلى الإصابة بأعراض مرضية، حيث قد تشير علامات مثل الصداع وآلام العضلات أو المعدة وتقلبات الشهية وسوء المزاج وانعدام الرغبة في فعل أي شيء إلى أنك تعاني مما يمكن تسميته بضغوط الإجازة، أو اكتئاب كرسي الشاطئ، وهو مصطلح ظهر في عام 2004 للإشارة إلى أعراض القلق التي يعاني منها البعض بسبب صعوبة نسيان العمل أثناء الإجازات، فيلازمهم شعور بالإحباط بعيدا عن العمل، ويعانون من مزاج متقلب، ويغزو التوتر وقت راحتهم.(3)(4)

 

لماذا نجد صعوبة في الانفصال عن العمل؟

الانفصال عن العملة بالعطلة

لدى علماء النفس عدة أسباب لتفسير هذه الظاهرة. في الأغلب، تعتاد أجسامنا في الأيام العادية على رفع مستويات الأدرينالين والكورتيزول -المعروفة باسم هرمونات التوتر- لمواجهة الأحداث اليومية، لكن استمرار القلق يرفع هذه المستويات الهرمونية بشكل كبير، فيحدث اختلال في الجسم بحيث يستمر الارتفاع حتى في أثناء فترات الراحة -في عطلات نهاية الأسبوع أو العطلات الطويلة- ويبقى البعض غير قادر على التوقف عن القلق حتى حين يحاول ذلك.(5)

 

في المقابل، ترى "كريستينا ماي وود"، المتخصصة في علم النفس وعلاج القلق، أن هناك سببا آخر، هو أن دماغنا لا يحب التغيير، فإذا كنت تبدأ يومك بتفحص البريد الإلكتروني والرد على المكالمات مثلا، فسيستمر عقلك خلال الإجازة في انتظار القيام بهذه العادة.(6)

 

على جانب آخر، فإن الخوف من المستقبل والرغبة المفرطة في التحكم في كل أمور حياتنا تقودنا لأن نكون أكثر قلقا، فيجد بعضنا صعوبة في التخلي عن الروتين والتصرف دون قيود والتزامات، والتكيف مع بعض الراحة، وهذا ما يُولّد مزيدا من التوتر، كما تكثر ضغوط الإجازة أيضا لدى من يعتبرون العمل أهم جوانب حياتهم، فلا يخصصون وقتا لعائلاتهم وأطفالهم، وفجأة عندما يكونون في إجازة، لا يعرفون كيف يمكنهم التعامل مع كل وقت الفراغ هذا.(7)

 

كذلك فإن مبالغتنا في تقدير العمل تعد جزءا من المشكلة، فنحن نحدد قيمتنا وتقديرنا لذواتنا من خلال قدرتنا على الإنجاز. ففيما يبدو، فإن الحياة في عالم من المتطلبات اليومية المكثفة، جعل مفهوم كثيرين منا عن النجاح مرادفا للإنجاز، فأصبح الإنجاز وحده هو ما يشعرنا بالسعادة، ولذلك يصعب على دماغنا التوقف لبعض الراحة.(8)

 

عادة ما تسهم بعض السمات الشخصية في حدوث المشكلة، فهي تزيد لدى الأفراد الذين يسعون إلى الكمال ويعملون دائما وفق جملة "يجب أن أفعل" أو "كل شيء أو لا شيء"، ويجدون صعوبة في تفويض غيرهم للقيام بمهامهم، كما تزيد لدى من يعتقدون أنه لا بديل لهم في العمل، فيترددون في الذهاب في إجازة لأنهم يخشون ما سيواجهونه من مشكلات بعد عودتهم، كما أنها تزيد لدى بعض من اعتادوا العمل تحت ضغط.

 

كما تزيد المشكلة لدى من يعانون من تدني احترام الذات، فيرتبط تقديرهم لذواتهم بقدر إنتاجيتهم وإنجازهم، كما تهدد أيضا أولئك الذين يميلون إلى المماطلة في القيام بمهام العمل، إذ تظل المهام العالقة تسبب لهم شعورا بالذنب وعدم الراحة(9). وبعيدا عن العمل، اعتاد البعض السيطرة على كل مجريات حياته، فيحرص على تنظيم كل أيام الإجازة، بوضع خطط للقراءة، أو فقدان بعض الوزن، أو الخروج في رحلة ما، ويشعر بالقلق حين لا ينتهي من القائمة التي خطط لها.(10)

 

خطورة عدم الاسترخاء

الضغوط بالعمل اثناء الاجازة

لكن أيا كانت أسباب المشكلة، فإن الأمر الوحيد الذي نجزم به هو أنه لا ينبغي الاستسلام لها أبدا. تشير دراسة لباحثين من جامعة "رادبود نايميخنط الهولندية إلى أن الحصول على إجازة -بصرف النظر عن مدتها- يؤثر إيجابيا على الصحة النفسية والفسيولوجية، كما يدعم القدرة على العمل على المدى الطويل، ويؤثر في قدرة الفرد على الإبداع، ويمنحه مرونة نفسية تحميه من التوتر في المستقبل، كما أشارت الدراسة إلى أن عدم الحصول على إجازات سنوية يرتبط بالمرض أو حتى الموت المبكر.(11)

 

يتسبب عدم الابتعاد نفسيا عن العمل في مشكلات صحية، مثل الإرهاق العاطفي، وأعراض الاكتئاب والقلق، ومشكلات النوم، وبين الآثار السلبية أيضا التي تحدث حين تطول فترات التوتر أن يستمر الجسم في إفراز هرمون الأدرينالين والكورتيزول (هرمونات التوتر)، وهو ما يتسبب في مشكلات في كل أجزاء الجسم، مثل الالتهابات والصداع وآلام المعدة ومشكلات الجلد.(12)

 

تنشأ إثر ذلك أيضا مشاعر الحزن والإحباط وقلة الرغبة في فعل أي شيء، فلا يعود الفرد يستمتع بما يفعله، وينتابه الغضب سريعا، ويفقد الرغبة في القيام بأنشطة ترفيهية، ولهذه عواقبها السلبية على العلاقات الزوجية والعائلية والاجتماعية بشكل عام(13). ويتفاقم التأثير في الجوانب المعرفية والجسدية والسلوكية، فتحدث مشكلات في الانتباه والتركيز والذاكرة، ومشكلات النوم وانعدام الطاقة وبعض أعراض الاكتئاب وتدني الحالة المزاجية.(14)

 

خطط لإجازتك مبكرا

التخطيط للاجازة

أحيانا يتسبب الاستعداد لقضاء إجازة ضغوطا كبيرة جدا، فوفق ما يذكره موقع "Harvard Business Publishing"، فإن أكثر من نصف الأميركيين يتخلون عن إجازاتهم لأسباب، من بينها الشعور بأن أعباء العمل كثيرة ولا أحد يستطيع القيام بعملهم أثناء الإجازة، لكن البعض يحاول وضع حل آخر لا يقل سوءا، وهو إنجاز الأعمال قبل الإجازة، بدلا من تفويض أحد الزملاء أو تأجيل بعض الأعمال، حينها يحدث أن تجد نفسك مرهقا جدا وفي حاجة إلى ساعات من النوم قبل أن تبدأ إجازتك.(15)

 

لكي لا تقع في هذا الفخ، ينصحك الخبراء بالتخطيط للإجازة قبل أسبوعين أو ثلاثة، بحيث يمكنك القيام بالمهام دون ضغوط، وإخبار زملاء العمل قبل أسبوع ونصف من موعدها، بحيث تبدأ في توزيع المهام على المسؤولين وتشعر تدريجيا بالتحرر منها، ولمزيد من الاطمئنان على سير العمل، خطِّطْ لأن يكون لديك يوم أو اثنان بعد العودة من الرحلة قبل أن تنتهي إجازتك وتعود إلى المكتب، سيمنحك هذا الفرصة للعودة التدريجية إلى العمل، وربما تصفح رسائل البريد الإلكتروني التي فاتتك.(16)

 

وإذا كان الأمر ضروريا، أو كانت إجازتك طويلة جدا، خصِّصْ ساعة يوميا لفحص الرسائل النصية الواردة من الزميل الذي فوضته، بحيث لا يتوقف سير العمل، ولا تدع الأمر يمتد لفحص البريد الإلكتروني والانخراط التام في العمل.(17)

 

لا بأس ببعض الملل

 

لا يتعلق الأمر فقط بالانفصال عن الضغوط، بل يتعلق بالاستمتاع أيضا. تهدئة الروح أو إراحة المخ أو إبطاء ضربات القلب ليست مهمة سهلة، إنها مهارة علينا تعلمها، والإجازات هي الوقت المناسب للقيام بذلك. تأكد لدى وصولك من وجود مكان مناسب ومريح للنوم، ودع تفاصيل أخرى، كأن يكون المسبح دون المستوى مثلا، حتى لا تعكر صفو رحلتك، وينخفض هرمون الدوبامين بما يحدثه ذلك من أثر سيئ في مزاجك.(18)(19)

بينما أنت مستلقٍ على كرسي بجانب المسبح ومعك كتاب تنوي قراءته، ستداخلك الرغبة في أن تفحص هاتفك، وإذا ما طردت الفكرة ربما تشعر بالرغبة في أن تنهض لتسأل عن تجهيزات العشاء، أو رحلة المركب القادمة، أو غيرها من الأمور التي تعتقد أنها ستجعل رحلتك أفضل، لا تنشغل بكل هذه التفاصيل، إنه دماغك لا يزال يحتال بحثا عن التحفيز، وعليك أن تقاوم هذه الحاجة المستمرة لفعل شيء مثير وقطع الملل.

 

تعتبر أفضل وسيلة يمكن اللجوء إليها للحد من التوتر هو ممارسة نوع من التمارين، قد يكون ذلك بتمرين بسيط للتنفس العميق الذي يُحدِث فرقا كبيرا أمكن ملاحظته لدى المحاربين القدامى بعد عدة مرات، كما ينصح المتخصصون بالاندماج في نشاط مثل المشي لمسافات طويلة والغطس أو الحياكة، فهذه الأنشطة الجديدة وغير المألوفة التي تقوم بها أدمغتنا بمهام عقلية بسيطة، تزيد قدرتنا على الإبداع.

 

أخيرا، تبقى هناك خطوة لا تقل أهمية لتحقيق الراحة والاسترخاء في الإجازة، لكن سيكون عليك أن تفعلها خلال أيام العمل: حاول الشعور بمزيد من الرضا خارج الحياة العملية، وتجربة الانفصال عن العمل يوميا، بالاعتياد على التوقف عن متابعة الهاتف قبل ساعة من موعد النوم يوميا مثلا، وعدم النظر إليه في الصباح الباكر. والانفصال لبعض الدقائق خلال مواعيد العمل بقضائها في المشي أو رفع القدمين على المكتب وإغلاق العينين لمدة 10 دقائق.(20)

————————————————————————————-

المصادر

  1. Vacation Sabotage: Don’t Let It Happen to You!
  2. Esto es lo que tienes que hacer para desconectar lo antes posible del trabajo en vacaciones
  3. ¿Cómo podemos desconectar del trabajo en vacaciones?
  4. ¿Te estresan las vacaciones? Siete consejos para desconectar del trabajo y disfrutar del descanso
  5. ¿Por qué nos cuesta tanto desconectar en vacaciones?
  6. ¿Por qué a los españoles les cuesta desconectar durante las vacaciones?
  7. ¿Por qué nos cuesta tanto desconectar en vacaciones?
  8. Por qué no conseguimos relajarnos ni en vacaciones y qué hacer al respecto
  9. ¿Por qué a los españoles les cuesta desconectar durante las vacaciones?
  10. ¿Te estresan las vacaciones? Siete consejos para desconectar del trabajo y disfrutar del descanso
  11. Vacation (after-) effects on employee health and well-being, and the role of vacation activities, experiences and sleep
  12. ¿Por qué a los españoles les cuesta desconectar durante las vacaciones?
  13. ¿Por qué nos cuesta tanto desconectar en vacaciones?
  14. ¿Te estresan las vacaciones? Siete consejos para desconectar del trabajo y disfrutar del descanso
  15. How to Take the Stress Out of Taking Time Off
  16. REDBOOK: Don’t Sabotage Your Own Vacation
  17. How to Take the Stress Out of Taking Time Off
  18. REDBOOK: Don’t Sabotage Your Own Vacation
  19. Vacation Sabotage: Don’t Let It Happen to You!
  20. المصدر السابق
المصدر : الجزيرة