تقديس العمل واستحقار الراحة.. هل حطمت الحضارة الحديثة أدمغة البشر؟

workplace wellbeing

مقدمة

هل يمكن تلخيص حالنا في مَثل "الثور المربوط في الساقية" يدور طوال الوقت، وما إن يتوقف للراحة قليلا حتى يفكر فيما سيفعله حينما يبدأ الحركة من جديد؟ ربما يكون الوضع كذلك بالنسبة إلينا أيضا، فنحن نفكر في العمل طوال الأسبوع، سواء كنا في أوقات العمل أو حتى في أوقات الراحة، والواقع أن الوضع لم يكن دائما كذلك، فقد كانت هناك في تاريخنا أوقات فعلنا فيها العكس، حيث كنا طوال الوقت، سواء وقت العمل أو وقت الراحة، نفكّر فيما سنفعله في وقت الراحة لنُمتّع أنفسنا. فما الذي حدث؟ وكيف يمكن لعلوم مثل السوسيولوجيا والأنثربولوجيا وعلم النفس أن تجيب بعمق شديد عن هذا السؤال الذي لن نكون مبالغين إذا قلنا إنه ربما يكون الأهم في حياتنا المعاصرة؟!

 

نص الترجمة

قبل عدة أشهر، خضتُ نقاشا طويلا مع زميل حول أصول مشاعر الخوف التي تنتابنا بحلول يوم الأحد (اليوم الثاني في إجازة نهاية الأسبوع)، ويُطلَق على هذه الحالة "رعب الآحاد"، وهو فيضان من القلق الذي يُغرقنا بمجرد التفكير في أن العطلة على وشك الانتهاء، وأن العودة إلى العمل تقترب. يرى صديقي أن الجاني كان واضحا منذ البداية، وهو الرأسمالية التي تفرض مزيجا مدمرا من ضغوط العمل وانعدام الأمن الوظيفي، لكن الغريب أن الرأسمالية موجودة أيضا باقي أيام الأسبوع، فلماذا يُثير يوم الأحد بالأخص كل هذا القلق؟

 

رعب آخر يوم في الإجازة

اعتقدتُ أن السبب الأعمق لهذا الرعب قد يكون ذا علاقة بعلم النفس الحديث المهتم بدراسة الزمن، تصوّر أن العامِل الآن، في أي وظيفة بالقرن الحادي والعشرين، يستطيع التفكير بطريقتين: عقل إنتاجي، وعقل يميل إلى أوقات الفراغ والترفيه. عندما يسيطر علينا العقل الأول، نتحول إلى مخلوقات تعمل بأقصى طاقتها للاستفادة من الوقت وتحسين النتائج، مبرهنين للعالم مدى اجتهادنا وعملنا الدؤوب، والأهم من ذلك كله، مبرهنين لأنفسنا قدرتنا على ذلك. أما عندما نكون في حالة من الاسترخاء، حينما يتولى عقل الفراغ زمام الأمور، فإن جميع الأصوات المزعجة تخفت بداخلنا، ونتمكّن بسهولة من مشاهدة فيلم أو إنهاء مشروبنا دون التفكير في كيفية تأثير سلوكنا على سمعتنا وتقييم أدائنا.

شرارة الحرب النفسية بين هذين النمطين من التفكير تبدأ وتستمر لعدة ساعات مساء كل أحد، قبل يوم العمل، فيظهر الشعور بالذنب ويكدرك إن لم تنفض عنك الخمول الآن، تستمر هذه المعركة بداخلك، ومع اقتراب الوقت يُثارالعقل الإنتاجي، ويتزايد الخوف من ضغوط العمل في الوقت الذي يتنازل فيه العقل الترفيهي عن السلطة، وهكذا دواليك كل أسبوع.

ربما تتساءل: ماذا لو تمكّنا فقط من التنقل بسهولة تامة بين هاتين العقليتين؟ الإجابة المفاجئة عن هذا السؤال هي أن المشكلة ليست إن كان هذا ممكنا أم لا، لكن معظمنا قد لا يريد هذه السهولة من الأساس! لتوضيح ذلك، رَاجَع جون روبنسون، وهو عالم اجتماع أميركي في جامعة ميريلاند بالولايات المتحدة، استطلاعات عن السعادة واستخدام الوقت، أُجريت على الأميركيين على مدار 40 عاما، وتضمنت سؤالهم عن عدد المرات التي شعروا فيها بأنهم "في عجلة من أمرهم" أو لديهم "فائض وقت".

ما خلص إليه عالم الاجتماع في بحثه ربما كان متوَقَّعا، إذ أظهرت النتائج أن أسعد الناس كانت المجموعة التي أفادت بكلمة "أبدا"، أولئك الذين أقرّوا بأنهم نادرا ما شعروا بالعجلة وقت الإنتاجية، أو بالملل وقت الفراغ، وهذا لا يعني أنهم كانوا مسترخين تماما، بل يعني أن جداولهم تناسبت مع مستوى طاقتهم، وأن العمل استحوذ على انتباههم دون استنفاده. لخّص عالم الاجتماع جون روبنسون بحثه في مقالة نُشرتْ بمجلة "ساينتفيك أمريكان (Scientific American)"، مقدما صيغة شاقة ومرهقة للفرح: "السعادة تعني أن تكون هرولتك في الحياة كافية لتحقيق ما تريده".

 

جداولنا المزدحمة أم أوقات الفراغ الزائدة؟

على الرغم من أن التركيز الرئيسي في بحث روبنسون كان عن السعادة، فإن معظم أفكاره غير المتوقعة دارتْ حول الاستياء الذي أبداه الأميركيون من أوقات الفراغ. ربما نشكو باستمرار من جداول أعمالنا المزدحمة، لكن يبدو أن القاتل الحقيقي للسعادة هو عدم التخطيط لأي جدول زمني على الإطلاق، وقد رأى روبنسون في بحثه أن الأشخاص الذين امتلكوا الكثير من وقت الفراغ، كانوا أتعس بكثير من أولئك الذين ازدحمتْ جداولهم (المهرولون لتحقيق الإنتاجية).

توصل روبنسون -مثلما توصلتْ دراسات أخرى أُجريت على أماكن العمل- أن الناس يجتاحهم قلق شديد عندما لا تُوكَل إليهم المهام، سواء كانت مدفوعة الأجر أو غير مدفوعة، بل إن هؤلاء وُجِدوا في أسفل تصنيفات البحث مسجلين "مستوى غير مسبوق من التعاسة". وعلى الرغم من شعورهم الدائم بأنهم ليسوا مقيّدين بجدول زمني معين، فإن الغريب حقا هو إحساسهم الدائم بالاندفاع (الهرولة) نحو شيء ما. هذا هو البؤس النفسي الذي يعاني منه شخص بلا وجهة معينة، فتتحول رغبته المُلحّة في التغلب على الكسل إلى مصدر للتوتر. لطالما أدهشني هذا الوضع باعتباره أكثر أنواع القلق الحديث غرابة، إنه نفسه الرعب الذي يتملّكنا بحلول يوم الأحد ويستمر معنا طوال الأسبوع.

لحل هذا الوضع الغريب، يحتاج المرء إلى أن يشعر بالانشغال، أو أن وقته منظم، حتى وإن كان ممددا على الأريكة بعد الظهيرة في عطلة نهاية الأسبوع. وقد تتساءل: من أين يأتي ذلك التفسير؟ هل هو مدرج في حمضنا النووي "DNA"، أم أنه اختراع من اختراعات الثقافة الصناعية؟ للإجابة عن هذا السؤال، يتعيّن علينا أولا فهم تركيبة الحياة البشرية لمعظم تاريخنا قبل أن تشق الحضارة وأسابيع العمل المرهقة طريقها إلى الصورة، لذا سنحتاج للعودة بالزمن قليلا والعيش بين الصيادين في المجتمعات البدائية ومراقبتهم، واختبار العلاقات التي تربطهم بالعمل والوقت والمتعة.

 

ماكينة للسفر عبر الزمن

خاض عالم الأنثروبولوجيا (علم دراسة الإنسان)، جيمس سوزمان، رحلة تشبه العودة بالزمن إلى الوراء، فقد كرّس ما يقرب من ثلاثين عاما من حياته لدراسة قبائل جو/هانسي، أو ما يطلق عليهم شعب "بوشمن"، وهم قبائل عاش أفرادها حياة منعزلة في ناميبيا وبوتسوانا في جنوب إفريقيا حتى أواخر القرن العشرين، إلى أن دمرت الغارات التي شنتها الحكومات المحلية طريقتهم في الحياة. في كتابه الجديد بعنوان "العمل.. تاريخ عميق بداية من العصر الحجري إلى عصر الروبوتات (Work: A Deep History From the Stone Age to the Age of Robots)"، يصف سوزمان أفراد قبائل جو/هانسي بأنهم شعب يتمتع بصحة جيدة ومبتهج دائما وراض تماما بأقل قدر ممكن من العمل، ولم يكن من قبيل الصدفة أن يظهر ذلك في ابتكار العادات التي تُثبِّط المنافسة والسعي إلى المكانة.

من خلال الجمع بين البحث الأنثروبولوجي الدقيق والرحلات الاستكشافية في علم الاجتماع وعلم النفس، يتساءل سوزمان كيف وجدنا أنفسنا أكثر اضطرابا وقلقا -وبَدَونَا أكثر تعاسة- من المجتمعات البدائية الصغيرة التي نشأت منها الحضارة؟ فإن كانت هناك طريقة أفضل للتعامل مع ما سببته الحداثة من ضغوط -تتناقض مع ما منحته من وعود- فربما يمكن لقبائل الجو/هانسي أن تنير لنا الطريق.

يرى سوزمان أن ما يميز الكائنات الحية -وعلى رأسها الإنسان طبعا- عن المواد الخاملة هو العمل والحركة، فيقول: "إن الكائنات الحية فقط هي التي تسعى بنشاط وتحصل على الطاقة للعيش والنمو والتكاثر". ومع ذلك، هناك تاريخ مقداره مليون سنة من العمل وأوقات الفراغ، يحمل مفتاحَ استثنائية البشر عن بقية الكائنات الحية، حققنا خلاله تقدما ملحوظا، لكن هذا التقدم أحيط بجانب من الاستياء والسخط.

 

من محاربو السافانا إلى مهاويس العمل

حسنا، لِنَعُد إلى الخلف أكثر في الزمن، كان الأسترالوبيثكس (وهم جنس من أشباه البشر اكتشفهم العلماء في جنوب إفريقيا منذ ما يقرب من 2.5 مليون سنة) يشبهون الرئيسيات الحديثة، وهي رتبة من طائفة الثديات مثل قرود الشمبانزي التي تقضي حوالي 8 ساعات يوميا في البحث عن الطعام وأكله، وفي الفترة التي يستغرقها مضغ اللُّب والساق والأوراق وهضمها. تنام الغوريلا وقرود الشمبانزي أيضا من 9-12 ساعة، وبالطبع لا يوفر مثل هذا الروتين الكثير من أوقات الفراغ لممارسة الأنشطة الترفيهية التي تستهلك الطاقة بالنهار.

جاءت النار، وبقدومها تغير كل شيء، لا يعرف علماء الأنثروبولوجيا بالضبط كيف أشعل البشر النار لأول مرة لاستخدامها منذ ما يقرب من مليون عام، لكن من الواضح كيف شكّلت النار حياة البشر بداية من تسوية اللحوم والخضروات، ما ساعد على هضم الطعام، فتمكّنوا من تناول المزيد من السعرات الحرارية والاحتفاظ بها في وقت أقل من السابق. ساعدت النار أسلافنا أيضا على إبعاد الحيوانات المفترسة، فاستطاعوا النزول من أعلى الأشجار والنوم بهدوء على الأرض. تسببت النار أيضا في تحويل أدمغة البشر إلى أدمغة ضخمة جشعة للطاقة تلتهم حوالي خُمس السعرات الحرارية لديهم، وهي نسبة أكبر بكثير مما تستهلكه أدمغة الرئيسيات الأخرى.

بتوسيع آفاقنا وزيادة أوقات فراغنا، تمكّنت النار من إثارة قدرة البشر على الشعور بالملل والضجر، بجانب الشعور بالتسلية أيضا، ومزاولة الأعمال الحرفية، وتذوق الفنون وممارستها، وكانت أكثر الأشياء المميزة حقا احتفال أسلافنا من الجنس البشري بشغف حقيقي تجاه وقت الفراغ الذي يعتبرونه هدية.

وفقا لما استخلصه عالم الأنثروبولوجيا سوزمان من الأبحاث والإثنوغرافيا (دراسة منهجية بحثية لثقافات البشر على مدار فترات زمنية طويلة)، فإن قبائل الجو/هانسي قضت ما يقرب من 17 ساعة أسبوعيا في العثور على الطعام، مستهلكة حوالي 2,140 سعرة حرارية في اليوم الواحد، بجانب تكريس 20 ساعة أخرى أسبوعيا للأعمال المنزلية. وفرت لهم طريقة الحياة هذه أوقات فراغ أكبر بكثير من الموظف المعتاد بدوام كامل في عصرنا الحالي بالولايات المتحدة مثلا، والذي يقضي حوالي 44 ساعة من العمل أسبوعيا، وهذا لا يشمل بالطبع الأعمال المنزلية ولا رعاية الأطفال.

المثير للدهشة أن قبائل الجو/هانسي ظلت متحررة على مدى قرون من الرغبة في ملء أوقات فراغها بأي نوع من الأنشطة التي نصنفها على أنها مُنتِجة (وهي في الحقيقة مدمرة لأعصابنا)، وبدلا من ذلك قضوا نهارهم في نزهات مع الأطفال لتعليمهم كيفية قراءة الصحراء بتتبع آثار أقدام الحيوانات، لكن نهارهم لم يقتصر على التعليم فقط، بل كانوا يتسكعون ويثرثرون ويتغازلون، أما في الأمسيات المليئة بالحيوية مع تلألؤ النجوم و شعلات النار حولهم، غنوا ورقصوا وسردوا الحكايات.

وصف أحد علماء الأنثروبولوجيا الذين درسوا قبيلة أخرى من الصيادين في المجتمعات البدائية، وهي قبيلة "هادزا" التي تسكن منطقة نائية في شمال تنزانيا، أن أفرادها في ستينيات القرن الماضي كانوا مقامرين اعتادوا على رهانات صغيرة، وامتلأت أيامهم بممارسة هوايات معينة، مثل الفوز أو الخسارة بالسهام في ألعاب الحظ.

 

ما الذي حدث للبشر؟

إذن، كيف انتقلنا من هذا العالم الذي يقدِّس أوقات الراحة أو الفراغ إلى ثقافة تجعل منها مجرد تجهيز لأوقات العمل؟ حتى إننا نكتشف أن الأنشطة الحالية التي نمارسها في أوقات الفراغ (مثل استخدام وسائل التواصل الاجتماعي) باتت مكتظة بمعايير الأداء والتفوق، ناهيك بألعاب الطفولة (كالانضمام للفرق الرياضية) التي أصبحتْ مدعاة للتفاخر وتعزيزا للسيرة الذاتية فقط، والتي بدورها ترتبط بالعمل.

بالنسبة إلى هذا الوضع تحديدا، لا يوافينا سوزمان بإجابة منظمة للغاية، لكنه على الأقل سلّط الضوء بوجه عام على ظاهرة أن الحياة الحديثة صعّبت على البشر نسيان عملهم، كذلك فإنه يلفت انتباهنا إلى الطبيعة المتغيرة للعمل، معتمدا في ذلك على كتابات الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي إميل دوركايم الذي أشار إلى اختلاف جوهري بين المجتمعات البدائية والمجتمعات المعقدة، وأسماه "قابلية التبادل"، بمعنى قدرة المرء على امتهان وظيفتين مختلفتين كليا، فنجد مثلا أن زعماء القبائل والشامان (سحرة دينيون يدّعون أن لديهم قوة تتغلب على النيران) في المجتمعات البدائية تمكّنوا -بجانب وظيفتهم هذه- من الخروج أيضا للصيد وجمع الثمار. حافظتْ المهام المتداخلة المسندة إلى الأفراد على الحس القوي بالترابط المجتمعي الذي تعززه العادات والأديان التي قلصت جميع الفروق الفردية في القوة والمهارة والطموح لصالح الإيمان بالعمل المشترك والقيم المشتركة.

في المقابل، إذا نظرنا إلى مجتمعاتنا الحالية التي تعتمد على الاقتصادات الصناعية، فسنجد أن الأمور مختلفة كليا، فلا يُجرِي المحامون جراحات الدماغ، ولا يحصد رقباء التدريب العسكري القمح، فالوظائف المختلفة باتت تتطلب مهارات مختلفة، وغالبا ما ترتبط بأجور مختلفة إلى حد كبير. ومع انتشار التخصصات والمكافأة التي تُمنَح للأداء المتفوق، ظهرت عبادة المنافسة، اعتقد المتفوقون أنهم قادرون دائما على المحاولة باستماتة وبذل المزيد من الجهد، بل ويجب عليهم ذلك للحصول على زيادة أعلى، أو منزل أكبر، أو شرف أعلى، أو تحقيق تقدم باهر في مسيرتهم.

تخيل معي أن الراحة التي كان يتمتع بها أسلافنا في يوم من الأيام تحولت إلى قلق الآن. لا يختلف أحد على ازدهار وضع الإنتاجية في وقتنا الحاضر، وربما ننسب الفضل (بجانب الحظ) إلى التقدم العلمي والإبداع التكنولوجي، لكن هذا لا ينفي حقيقة أن هذا نفسه كان السبب فيما أسماه عالم الاجتماع الفرنسي دوركايم "مرض الطموح اللامتناهي"، والذي اكتشفنا الآن أنه مرض مزمن.

عندما سأل استطلاع حديث أجراه مركز بيو للأبحاث الأميركية، الذي يوفر معلومات حول القضايا الاجتماعية والرأي العام، عن سر السعادة، كانت الإجابة المشتركة لمعظم الأميركيين من جميع الأعمار هي حصولهم على "وظيفة أو مهنة يستمتعون بها". وكما هو واضح، فإن هذه الرغبة تفوقت على رغبة الزواج أو إنجاب أطفال أو أي علاقة أخرى جادة بها التزامات، توضح النتائج أن المهنة -لا المجتمع- هي الحجر الأساسي الذي تقوم عليه الحياة.

قد ترى أن العقل الذي يميل لأوقات الفراغ لم يحظَ بفرصة كافية للاستمتاع. في هذا السياق، يؤكد سوزمان على تغيير جوهري آخر يجب الانتباه إليه، وهو علاقتنا بالوقت، تحديدا بالمستقبل. يرى سوزمان أنه نادرا ما تجد في المجتمعات البدائية ذات المناخات الاستوائية فكرة تخزين الطعام لأكثر من بضعة أيام، فمثلا ثقة قبائل الجو/هانسي في وفرة بيئتهم جعلتهم يخصصون ساعات محددة للعمل تفي احتياجاتهم المطلقة (الأساسية)، ثم يتعيّن عليهم بعد ذلك التوقف فورا للراحة بدلا من التخطيط للمستقبل.

بالمقارنة، نجد أن الحضارة الحديثة هي مثوى أو ضريح للمستقبل. يرجع هذا التحول إلى الثورة الزراعية التي أخضعت البشر لدورات زراعية (وهي تناوب محاصيل مختلفة على قطعة أرض واحدة)، حيث ألزمتهم بالانتظار لعدة أشهر بين زراعة المحاصيل وحصادها، واستمرت هذه الدورات مع ارتفاع التمويل، لكن التركيز على المستقبل الآن يمضي إلى ما هو أبعد بكثير من مجرد دورات للمحاصيل أو الاعتماد على قروض طويلة الأجل، وإنما يُعدّ التركيز على المستقبل جوهر مفهومنا للتعليم، والذي يفترض أن الطلاب والعاملين الشباب سيقضون بكل سرور عقودا في صقل مهاراتهم التي سيُكَافَؤون عليها بسخاء بعد عدة سنوات.

 

التفكير المفرط في المستقبل واضطرابات القلق

تتمحور معظم القيم الحالية حول أهمية العزيمة والأمل في إحراز التقدم والتطلع إلى الترقي الاجتماعي، وتفترض هذه القيم أن المستقبل دائم التغيير، وأن رغبتنا الدائمة ستكون التطلع إلى الأفضل. في الوقت ذاته، نجد أن التفكير السلبي المفرط تجاه المستقبل هو السمة الأكثر شيوعا لاضطرابات القلق التي تُصيب ما يقرب من 20% من الأميركيين.

بشكل عام، لا شك أن التوقعات العالية للمستقبل جعلت من العالم مكانا أفضل بالتأكيد. فعلى الرغم من الشكوى الروتينية للبشر في القرن الـ21، فإن الحضارة الحديثة أنتجت الكثير لنكون ممتنين له، مثل الطاهي البطيء (Slow Cooker)، وهو جهاز كهربائي يُستخدم في طهي الطعام بطريقة صحية لفترة طويلة من الوقت، وتطبيق "الفينمو" على الهواتف الذكية الذي يُتيح للمستخدمين إرسال الأموال واستلامها، واللقاحات والأسبرين والمصابيح الحرارية والقفازات، هناك أيضا شركة أمازون، وصابون اليدين، ومكيفات الهواء، كل هذه الأشياء وغيرها، لكن على المستوى الفردي يُقدِّم سوزمان الوعد المحيّر بأن يكون لدى قبيلة الجو/هانسي شيء ما لتعليمه لأولئك الذين أصاب دوار الحضارة أدمغتهم بالاضطرابات.

اتضح أنه حتى المجتمعات البدائية المركزة على الحاضر، تعيّن عليها تطوير إستراتيجيات مجتمعية لسحق الدوافع وراء العمل الزائد، والتخلص من حسد المكانة الاجتماعية، وإسقاط الحرمان والتفاوتات بين الطبقات، فمثلا عندما يعود أحد الصيادين من قبائل جو/هانسي بغنيمة كبيرة، سرعان ما تتنبأ القبيلة فورا بخطر أن هذا الصياد قد يعتقد أن براعته رفعته منزلة أعلى من الآخرين، فيفسر أحد رجال القبيلة هذا الوضع بقوله: "لا يمكننا قبول تصرف كهذا، لذا نقول له دائما إن لحم فريسته لا قيمة له، وبهذه الطريقة نبرِّد قلبه من الغرور، فيصبح لطيفا خاليا من أي كبر". أصبحت هذه العادة معروفة بين الباحثين باسم "إهانة لحوم فريسة الصياد".

لم تكن هذه هي العادة الوحيدة التي تهدف إلى تثبيط روح المنَافَسة على المكانة المُزعزِعة للاستقرار الداخلي للقبيلة، وإنما ابتكروا عادات أخرى كتب عنها سوزمان: "أصرّتْ القبيلة أيضا على أن المالك الحقيقي للفريسة والمسؤول عن توزيعها ليس الصياد، بل صاحب السهم الذي قُتلت به الفريسة". ولأن القبيلة وضعت مكافأة أيضا للمساهم شبه العشوائي في الغنيمة (أي المالك الأصلي للسهم)، توجب عليها أن تُبقي صياديها الموهوبين تحت المراقبة، بهدف السيطرة على أي نزاعات، وتحقيق المساواة بين أفراد القبيلة، وكانت النتيجة سارّة بالنسبة إلى "كبار السن، ومن يعانون من قصر نظر، ومن لديهم اعوجاج في القدم، والكسالى الذين حظوا بفرصة ليكونوا محور الاهتمام بين أبناء القبيلة من وقتٍ لآخر".

عندما قرأت عن هذه الإستراتيجيات، اختلطتْ العديد من المشاعر بداخلي في الوقت نفسه، أدهشني إبداعهم، وأذهلتني فكرة الاستهانة بالإنجازات الاستثنائية، لكن على الجانب الآخر، أصابني القلق لعدم قدرتي على تخيل أنه بإمكاني تحمل تبعات مماثلة للانسجام تدريجيا مع المجتمع، وهذا أكدّ لي أن السنوات العديدة التي كنت بها سجينا للتفكير الزائد في الإنتاجية، والعديد من أمسيات الآحاد المضطربة، أفسدت عقلي.

يكشف سوزمان خلال غزوه لماضي البشرية أن أوقات الفراغ، حتى في أكثر الثقافات برودة للأعصاب، لم تكن -قط- مجرد وضع افتراضي لا أهمية له. في النهاية، نكتشف بسهولة أن التكلفة النفسية لقيام الحضارات، وبلاء رعب الآحاد الذي أصاب العالم الحديث، والدروس التي تعلمناها من قبيلة الجو/هانسي، تتفق جميعا على رؤية ثاقبة تستحق أن نضعها نصب أعيننا، وهي أن العمل الحقيقي معناه حماية أوقات فراغنا (وليس العكس).

بمعنى أكثر وضوحا: بينما يعتمد التقدم على تعليق آمالنا بعالم لم يوجد بعد، نجد أن أولئك الذين لا يستطيعون التوقف عن التخطيط للمستقبل محكوم عليهم بالعمل من أجل توفير حياة لن يجدوا الوقت الكافي ليعيشوها أبدا.

_______________________________________________

هذا التقرير مترجم عن: The Atlantic ولا يعبر بالضرورة عن موقع ميدان.

المصدر : الجزيرة