شعار قسم ميدان

خيل جامح أم سلحفاة متأنية.. كيف ستتغير حياتك بعد الوباء؟

قد تظن أن شيئا لم يحدث، أن الوباء مر ولم تتأثر، لكن ذلك أبعد ما يكون عن الصواب، لأن ما حدث كان أكبر من الجميع، وبالتأكيد تأثرت نفوسنا به وتغيرت، وسوف يكون هذا التغيير أكثر وضوحا في علاقاتنا مع الآخرين، خاصة في المناسبات الاجتماعية. هل يظل موقفك من الأفراح والعزائم وحفلات العائلة وجلسات الأعياد كما هو؟ ماذا لو عطس أحدهم بجانبك في إحدى الجلسات في المقهى مع الأصدقاء؟ في تلك النقطة ينقسم الناس لنوعين، أحدهما ينطلق لعالم ما بعد الوباء كخيل جامح، والآخر كسلحفاة متأنية، وفي هذه المادة سيعرّفك علم النفس إلى أي جماعة تنتمي.

تعود إلى المنزل بعد يوم عمل طويل آخر الأسبوع، ترتدي بنطالك الرياضي المريح، تجلس لتفكِّر كم كان أسبوعا مرهِقا، وإذ برسالة تصلك فجأة من صديق مقرب يسألك إن كنت ترغب في مقابلته لتتناولا معا مشروبا بعدما عادت الحياة الاجتماعية آمنة مرة أخرى، تود لو بإمكانك الالتقاء به، ولكِّنك متعب للغاية، فهل ستذهب يا تُرى؟

سيواجه الجميع قريبا سيناريو محيّرا بين أن يختار المغامرة، أو يؤثر السلامة ويبقى في المنزل، وسيحدد موقفك واختيارك أيا من هاتين الرغبتين المتنافستين بداخلك ستُلِحّ عليك بقوة أكبر بعد فترة الوباء.

ما حدث مؤخرا (الوباء) سيجعل الناس يدركون من جهة أنه لا يجب التعامل مع حضور المناسبات الاجتماعية على أنها مسَلَّمات، ومن جهة أخرى سيكونون قد اختبروا -بشكل لا إرادي غالبا- المتع التي يستشعرونها من حين إلى آخر إزاء التخفف من الالتزامات الاجتماعية. من المرجح أن تؤثر الظروف الحالية على الانطوائيين والاجتماعيين على حد سواء فتشعرهم بتمزق بين الاستفادة من استرداد حريتهم والانطلاق، أو الحفاظ على بعض الهدوء الذي تعودوا عليه أثناء فترة الوباء، إلى أن ينتهي المطاف باختيارهم أحد الأمرين.

وفقا لذلك، سينقسم الناس إلى فريقين، فلنطلق على الفريق الأول اسم "فريق نعم"، منهم على سبيل المثال إيلونا ويستفول، كاتبة مستقلة تبلغ من العمر 38 عاما في مدينة ليكوود بولاية أوهايو، تقول ويستفول: "بعد الجائحة، لن أتردد في تجربة الذهاب إلى مطعم جديد، أو حضور إحدى الفعاليات أو المناسبات المختلفة، سأفتح ذراعي ترحيبا بكلمة "نعم!"، نعم للاحتفالات العادية والحفلات الموسيقية، نعم لقضاء الوقت والاستمتاع على الشاطئ مع الأصدقاء".

بعد مرور أكثر من عام على عدم وجود فرصة للخروج والانطلاق، سيكون من الصعب ألا تشعر بهذا النوع من الإلحاح، لكن في الوقت نفسه، ستجد على المستوى العام أنه من المحتمل أن تقل هذه التفاعلات بين الناس بعدما اكتسبت الحياة طعما جديدا يتضمن تجمعات أقل.

بالنسبة للفريق "لا"، الرافض للخروج، فلم يكن من الصعب التنبؤ بأن خططهم للخروج بعد الوباء ستكون بمعدل أقل من معدلهم قبل الوباء، لعل هذا الفريق الذي فضل أريكته المنزلية على الخروج كان أوفر حظا خلال هذه الجائحة لقدرته على الشعور بالراحة، وتميل سيدني جوليان، البالغة من العمر 22 عاما، والتي تعمل في متجر في "ألباني" بنيويورك، بشكل أكبر لهذا الاتجاه بقولها: "كثيرا ما تركت الناس يتحدثون معي عن أشياء لم يكن لدي الوقت أو الطاقة لأجلها، لمجرد أنني أحببتهم، واعتقدتُ أن الاستسلام والاستماع إليهم سيجعلهم سعداء، ولكن لحسن الحظ، سمح لي كوفيد-19 بوضع حدود تلبي احتياجاتي ومستويات طاقتي بشكل أفضل، وهذا أمر منعش لأرواحنا".

ظاهريا، قد تبدو الدوافع للخروج أو البقاء في المنزل متعارضة، لكننا نكتشف مع الوقت أن كلا الفريقين متشابهان أكثر مما يبدوان، لأن كلا الفلسفتين تنبعان من رغبة كل فريق في قضاء الوقت في الأشياء التي تمثل له أهمية أكبر.

يرى شيلدون سولومون، أستاذ علم النفس الاجتماعي والأنثروبولوجيا الأميركي في كلية سكيدمور، وأحد مؤلفي كتاب "المركز الدافئ لذواتنا: دور الموت في حياتنا (The Worm at the Core: On the Role of Death in Life)" أن ما حدث هو استجابة طبيعية نتيجة للعيش في أزمة ظلت تذكِّرك دائما أن حياتك ستنتهي يوما ما، ويقول: "إن انعدام اليقين على المستويين الوجودي والنفسي يمنحنا فرصة للتراجع"، يمنحك ذلك بالتبعية فرصة لإعادة النظر في أولوياتك، التي قد تتضمن قضاء المزيد من الوقت بمفردك، أو مع العائلة والأصدقاء.

ظاهريا، قد تبدو سلوكيات كلا الفريقين تقليدية، لكنها على الأغلب لن تكون نتيجة لقرارات بنّاءة يتخذها الأشخاص في محاولة لأن يكونوا أكثر سعادة، حتى وإن ظنوا ذلك. ولكن سواء تعامل الناس مع العودة إلى الحياة الطبيعية بطريقة مدروسة ومتروية أم لا، فلا شك أنها ستكون لحظة قوية لإرساء أو خلق إيقاعات اجتماعية جديدة.

لوري سانتوس، أستاذة علم النفس بجامعة ييل الأميركية ومضيفة بودكاست "معمل السعادة (The Happiness Lab)" (تناقش فيه أحدث الأبحاث العلمية)، شبّهت الجائحة بهدنة بين الفصول المختلفة في حياتنا، كبلوغ الأربعين من العمر أو الانتقال إلى مدينة جديدة، والتي يبدو أنها تُفضي إلى تغيير في السلوك، تكمل سانتوس حديثها قائلة: "ما دُمتَ تملك هذه اللحظة، حيث يكون عقلك متقدا وأكثر تحفيزا لبدء عادات جديدة، فلا تضيّعها، لأن لحظات كهذه تكون نادرة".

بينما يفكر بعض الناس فيما سيحدث في الجزء القادم من حياتهم، فإن السكون النسبي الذي اختبروه العام الماضي أدى دورا في تسليط الضوء على مدى سرعة وتيرة الحياة قبل عام 2020. وتعليقا على ذلك، تقول هيذر جوفانوفيتش، خريجة جامعية تبلغ من العمر 26 عاما مقيمة بكندا: "وفر لي الوباء بيئة محكمة تحت سيطرتي يمكنني فيها اختبار أشياء مختلفة ورؤية تأثيرها عليّ".

استطاعت هذه الفتاة في النهاية أن ترى بوضوح كيف يتراجع تركيزها، وتتدهور حالتها المزاجية إن لم تتناول الفطور أو تحصل على قسط كافٍ من النوم، هذه أشياء اعتادت التضحية بها بشكل شبه يومي لصالح الخروجات المسائية، وإن كانت لفترة الوباء جانب إيجابي بالنسبة إليها فسيكون قدرة الناس -أخيرا- على تخطي المناسبات الاجتماعية إن بدت أنها تزعجهم أو تُشعِرهم بالسوء.

تُمثل الخطط الزمنية الاجتماعية التي وضعها الناس لفترة الوباء نوعا من التعليم. ترى لوري سانتوس، أستاذة علم النفس بجامعة ييل، أنه حينما يفكِّر الناس فيما يمكنهم فعله ليصبحوا أكثر سعادة، فإن تركيزهم ينصب على الأشياء التي يمكن إضافتها إلى حياتهم، مثل علاقة جديدة، أو نظام غذائي جديد، بدلا من التفكير في الأشياء التي يمكنهم التخلص منها.

من المرجح أن تكون ردود فعل الناس بعد تلقيهم اللقاحات هي تركيزهم على إضافة أشياء جديدة إلى حياتهم، قد تؤدي الموجة الأولى من التواصل بعد الوباء إلى توتر طفيف في البداية نتيجة إدراك كلا الفريقين أن لديهم رؤى مختلفة حول الطريقة التي يرغبون في تبنيها لقضاء الوقت. نستطيع رؤية آثار المنافسة بالفعل، إذ عبّرت كيلي ديفين، البالغة من العمر 33 عاما، والتي تعمل في شركة تكنولوجيا صغيرة في مدينة نيويورك، عن غضبها إزاء الأشخاص الذين يعبّرون عن خوفهم من التجمعات على وسائل التواصل الاجتماعي. وعلى الرغم من تفهمها للمشاعر الكامنة وراء ذلك، فإن هذا الوضع ما زال يغضبها، فتقول: "إن الناس يشيّدون بالانطواء وكأنه شيء لطيف أو فريد بطريقة تزعجني".

بشكل عام، نأمل أن يتذكر الناس أن الجميع خارج من ظرف صعب للغاية، لذا سيكون جميلا إن تعاطف كل فريق مع الطرف الآخر، فعلى سبيل المثال، تتلهف نيكول بافيز، البالغة من العمر 26 عاما والتي تعمل في مركز أبحاث العلوم الصحية في مدينة نيويورك، أن تملأ جدولها الزمني بالأفلام والتمارين والحفلات، لكن حتى بافيز، وهي واحدة من أكثر الشخصيات الاجتماعية التي قابلتها، اعترفتْ أنها بعد الوباء تتوقع أن تصبح أكثر تفهما إن ألغت إحدى صديقاتها المنطويات الخطط معها، تقول: "شيء كهذا كان يمثل لي صراعا كبيرا في الماضي، لكن الآن بعد أن اكتسبت خبرة أكبر في أن أكون وحدي، أنضجتني التجربة فأصبحت أتعامل مع أمور كهذه على نحوٍ أفضل".

ستحتاج منا الفترة القادمة إلى أن نمنح الآخرين قدرا جيدا من اللطف إن شعروا بأن التجمعات والمشاركات الاجتماعية ترهقهم كثيرا. تستكمل سانتوس، أستاذة علم النفس بجامعة ييل الأميركية، حديثها منوّهة إلى أن تتبع تعابير الوجه ولغة الجسد (وهي مهارات تنمو مع التواصل) يمكن أن تختفي تدريجيا بعد فترة طويلة إن توقفنا عن ممارستها.

الخبر السار أن سانتوس تتوقع أن يتأقلم الناس من جديد، هذا الإرهاق الإضافي الذي يثقل كاهلنا في المناسبات الاجتماعية ما هو إلا وضع مؤقت، وحينما يتلاشى كل ذلك، ونتعافى جميعا من هذه المرحلة، وبغض النظر عن الفريق الذي سينتهي بنا المطاف منتمين إليه، علينا جميعا أن نتذكر أنه في فترة الوباء لم يكن لدى الجميع الاكتشافات نفسها التي توصلنا إليها في النهاية.

_______________________________________________________

هذا التقرير مترجم عن: The Atlantic ولا يعبر بالضرورة عن موقع ميدان.

المصدر : الجزيرة