لأن إجازة العيد ضرورية أكثر مما تتصور

الإجازة ليست هبة أو مكافأة، بل هي شيء يجب أن تحصل عليه، وبحسب الكثير من الأعمال البحثية في نطاقات متعددة داخل علم النفس، فإنها تتجاوز مجرد كونها "فرصة للاستمتاع"، إلى التأثير على إنتاجيتك وقدرتك على الاستمرار في أداء عملك، ولم نتحدث بعد عن الآثار الضارة على الصحة العقلية إذا لم تحصل عليها من حين لآخر. قارئنا العزيز، إجازة العيد أهم مما يمكن أن تتصور، وفي هذا التقرير تُوضِّح أخصائية الصحة النفسية في أماكن العمل، الدكتورة كاميليا باتيرسون، أهمية الإجازات.

يعمل الأميركيون في المتوسط بمعدل أعلى من أي مكان في العالم تقريبا، تنطبق صحة هذه المقولة على الصناعات، والوظائف، وعلى الأصعدة والمستويات كافة، لكن سرعان ما اتضح أن هذا لا يعني بالضرورة قضاءهم ساعات أطول في العمل، وإنما يتلخص الموضوع كله في أوقات الإجازات، التي تكون أقل بشكل ملحوظ.

وجدت دراسة أُجريت عام 2016 لمعهد دراسات العمل (معهد يُقدِّم الدعم لقضايا العمل من خلال إجراء البحوث والدراسات في جميع مجالات إدارة الأعمال) أن الأوروبيين يعملون في المتوسط عدد ساعات أقل بنسبة 19% من زملائهم الأميركيين، وتوصَّلت الدراسة نفسها إلى أن السبب الرئيسي في وجود هذا الفرق هو عدد أيام الإجازات الأكبر الموجود في أوروبا، يقودنا هذا الاستنتاج إلى السؤال التالي: ما مقدار وقت الإجازة الذي يستمتع الأوروبيون به يا تُرى؟

تُعَدُّ الولايات المتحدة، التي لا تفرض أيام إجازة قانونية مدفوعة الأجر، دولة معزولة وسط دول العالم المُتقدِّم، إذ توصلتْ دراسة أجراها مركز البحوث الاقتصادية والسياسية أنه لا بد لأصحاب العمل في فرنسا توفير 30 يوما إجازة مدفوعة الأجر، بالإضافة إلى تغطية تكاليف هذه الإجازات لموظفيهم.

أما في إسبانيا، فالحد الأدنى للإجازات مدفوعة الأجر هو 25 يوما، بالإضافة إلى 14 يوما عطلة رسمية. لكنّ الوضع مختلف في الولايات المتحدة، فعندما يوفِّر أصحاب العمل في أميركا إجازة مدفوعة الأجر، فإنها تكون بوقت أقل، وغالبا لا يحصل عليها الموظفون بالكامل.

المُثير للانتباه هو ما توصلتْ إليه إحدى الدراسات التي أجرتها جمعية السفر الأميركية عام 2018 على العمال الأميركيين، حيث أظهرت النتائج أن العمال راكموا 705 مليون يوم إجازة غير مستخدمة في عام 2017، وهذا يُشير إلى زيادة قدرها 662 مليون يوم مقارنة بالعام الذي يسبقه.

ظاهريا، قد تبدو أخلاقيات العمل الأميركية عظيمة، لكن الحقيقة أن الأرقام لا تدعم هذا الافتراض، فثمة كثير من الأدلة تُشير إلى أن عدم الحصول على الإجازات يضر بالموظفين والمؤسسات، وليت الأمر يقتصر على هذا الحد، وإنما قد يذهب إلى أبعد من ذلك فيُقلِّل من إنتاجية المنظمات الأميركية وقدرتها على المنافسة في السوق العالمية. إذا لم يكن هذا سببا كافيا للبدء في أخذ الإجازات على محمل الجد، فها هي أربعة أسباب أخرى ربما تدفعك للاهتمام بأيام العطلات.

إذا كنت تُفكِّر مثل معظم القادة، فعلى الأرجح سيراودك تساؤل عن مقدار الإجازات الإلزامية مدفوعة الأجر التي ستتكلَّفها منظمتك، ولكن في حقيقة الأمر، ربما لن يُكلِّفك الأمر شيئا، بل على العكس، قد يعود عليك بنفع أكبر. ففي عام 2017، تعاون كلٌّ من نيل باسريتشا، وهو كاتب كندي ورجل أعمال ومتحدث عام عن الإيجابية، وشاشانك نيغام، الرئيس التنفيذي لشركة "سيمبلي فلاينغ" (SimpliFlying)، وهي شركة رائدة في إستراتيجيات الطيران، في إجراء تجربة قرَّرتْ فيها الشركة إجبار موظفيها على الذهاب في إجازة، مع تحذيرهم أنهم إذا تواصلوا مع المكتب أثناء إجازتهم عبر البريد الإلكتروني، أو تطبيق واتساب، أو سلاك، أو أي نظام تواصل آخر، فلن تكون إجازتهم مدفوعة الأجر.

بعد التجربة، طلبوا من المديرين تقييم إنتاجية الموظفين، وإبداعهم، وسعادتهم قبل تجربة الإجازة الإلزامية وبعدها، ولحُسن الحظ، ما توصلوا إليه من اكتشافات كان مشجعا وفقا لما ذكرته مجلة هارفارد بزنس ريفيو (مجلة تُقدِّم دراسات وأبحاث قيمة في مجال الأعمال وإدارة الشركات والتسويق والقيادة)، فقد ارتفعت معدلات الإبداع بعد التجربة بنسبة 33%، وازدادت السعادة بنسبة 25%، وتحسَّنت الإنتاجية بنسبة 13%.

تتوافق نتائج باسريتشا ونيغام تماما في نواحٍ عديدة مع المبادئ التي يقوم عليها مفهوم "التدفُّق" لعالم النفس الأميركي "ميهالي تشيكسينتميهالي"، وهو أستاذ متميز في علم النفس والإدارة في جامعة كليرمونت للدراسات العليا، والتدفُّق عبارة عن حالة ذهنية شديدة التركيز تؤدي إلى زيادة الإنتاجية، حيث يرى عالم النفس أن الوصول إلى ذروة الأداء يتطلَّب دائما اقتطاع جزء من الوقت للراحة والتعافي تماما.

تُشير الأغلبية الساحقة من الأبحاث إلى أن وقت الإجازة يؤثِّر إيجابيا على الصحة العقلية، إذ توصَّلت دراسة أُجريت عام 2018، استنادا إلى عينة كبيرة من 3380 عاملا وعاملة تتراوح أعمارهم بين 45-52 عاما، إلى أن مقابل كل عشرة أيام إجازة مدفوعة الأجر انخفض اكتئاب النساء في المتوسط بنسبة 29%، وظهرت النتائج الأبرز على النساء الحاضنات، فقد شهدت هؤلاء النساء انخفاضا في نِسَب الاكتئاب وصل إلى 38% لكل 10 أيام إضافية للإجازات مدفوعة الأجر.

وتوصَّلتْ دراسة أخرى نُشرت عام 2018، أجريتْ على عينة أصغر مكوَّنة من 40 مديرا من الرجال والنساء، إلى نتائج مُماثلة، فأظهرتْ النتائج أن "إجازة واحدة قصيرة المدى وبعيدة عن أجواء العمل" لها تأثيرات كبيرة وإيجابية وفورية للتغلُّب على شعور الإجهاد، والتوتر، والشعور بالتعافي، وتحقيق السلامة النفسية، واكتشفت الدراسة أيضا أن التأثيرات الإيجابية يمكنها أن تستمر لمدة 30 إلى 45 يوما بعد الإجازة.

بجانب الفوائد التي تغمرنا بها الإجازة لتحسين الصحة العقلية، توجد أيضا العديد من الأبحاث التي تُشير إلى أن العطلات مفيدة لصحتنا الجسدية أيضا، لكن تعتمد هذه الفوائد على ما ستفعله أثناء العطلة (مثل الذهاب في جولة مشي، أو أخذ إجازة للعب الغولف).

قد يؤدي استغلال عطلتك بهذا الشكل إلى إنقاص الوزن، وجني فوائد تعود على القلب والأوعية الدموية، وتُشير الأبحاث أيضا إلى العواقب الوخيمة التي ستواجهها إن قرَّرت التخلي عن الإجازة، أو الاكتفاء بإجازات قصيرة فقط.

في عام 2017، وجدتْ دراسة طولية نرويجية (الدراسة الطولية: إحدى الإستراتيجيات البحثية التي تتسم بالملاحظات المتكررة للموضوع نفسه، ويمكن أن تستمر الدراسة لسنوات) أُجريتْ على 2741 فردا أن فترات الإجازة الأقصر ارتبطت بمؤشر كتلة جسم أعلى "BMI" (قيمة رياضية تُستخدم لتقدير معدل الوزن)، وارتبطت أيضا بمستويات أعلى من استهلاك القهوة، وتدهور صحة الفرد، والأسوأ من ذلك هو ارتباط فترات الإجازة السنوية الأقصر بمستويات أعلى للوفيات، والأغرب أن الدراسة اكتشفت أن أخذ إجازات أقصر خلال منتصف العمر يؤدي إلى تدهور الصحة العامة في سن الشيخوخة.

في سياق متصل، نجد أيضا دليلا على أن الإجازات المنتظمة يمكن أن تُقلِّل من مخاطر الحوادث أثناء العمل في بعض المهن (مثل قيادة سيارات الأجرة).

أدرجتْ منظمة الصحة العالمية (WHO) مؤخرا "الإنهاك وفقدان الأعصاب" ضمن التصنيف الدولي للأمراض (ICD-11)، ورغم عدم تصنيفه حالة طبية، فإنه مُعترَف به الآن بوصفه "ظاهرة مُتعلِّقة بالعمل". تُوضِّح منظمة الصحة العالمية أن الإنهاك هو متلازمة ناتجة عن ضغوطات مُزمنة أثناء العمل لم يستطع الموظفون إدارتها بنجاح.

ربطتْ منظمة الصحة العالمية الإنهاك (فقدان الأعصاب) بثلاثة أبعاد: أولها، الشعور باستنفاد الطاقة أو الإرهاق الشديد، وثانيها، تشتت الذهن والهيام بعيدا العمل، وأخيرا، شعور المرء بالسلبية أو السخرية إزاء وظيفته، بجانب التقليل من كفاءته المهنية، ويبدو أن الإجازات تؤدي أيضا دورا رئيسيا في منع وقوعنا فريسة للإرهاق أو فقدان الأعصاب في مكان العمل.

وجدت إحدى الدراسات التي أُجريت عام 2019 واعتمدت على آراء 1115 طبيب أورام أن انخفاض أيام الإجازة تسبَّب في ارتفاع معدلات الإرهاق وانخفاض الرضا في نفوس الناس تجاه وظائفهم، كما توصَّلت دراسة حديثة أخرى، ركَّزت أيضا على الأطباء، إلى نتيجة مماثلة، فقد وجد الباحثون "أن الحصول على عطلات هو أمر بالغ الأهمية، لأنه يُعيد شحن طاقة الفرد ليصبح أكثر إنتاجية عند عودته إلى العمل".

لكن ينوّه القائمون على التجربة "بضرورة الانفصال عن العمل أثناء الإجازة"، وهذا يعني عدم الرد على البريد الإلكتروني الخاص بالعمل، أو تلقي أي مكالمات هاتفية من المرضى، أو الاطلاع على جداول المكتب وسجلات المرضى.

وهذا يقودنا إلى نقطتنا الأخيرة، فإذا كنت تريد أن يُحقِّق فريقك المكافآت الكاملة للذهاب في إجازة، فلا بد من تشجيعهم على أخذ إجازات تُمكِّنهم من الانفصال عن العالم والاسترخاء بالفعل، لكن ثمة نقطة قد تسهو عنها أحيانا، وهي أن فوائد الإجازات تتضاءل حينما نحاول القيام بالكثير من الأشياء في وقت قصير جدا. بعبارة أخرى، ربما تتمكَّن من القيام بجولة في ثمانية بلدان خلال سبعة أيام، لكنَّك لن تتلقَّى على الأرجح أفضل نتائج على صحتك العقلية والبدنية خلال هذه الجولة.

———————————————————————–

هذا الموضوع مترجم عن Psychology Today ولا يعبر بالضرورة عن موقع ميدان.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة