أمهات بلا جنة تحت أقدامهن.. كيف تدمر الأم السامة نفسية أبنائها؟

اضغط للاستماع

"بعد أن تزوجت وابتعدت عنها، أدركت كم كانت مؤذية، أدركت كيف جعلتني أعيش طوال حياتي في عقدة ذنب كبيرة لا يمكنني التخلص منها، بانتقادها ولومها الدائم، وعدم مدحها لي أبدا.. قررت أن أسكن في منطقة بعيدة، ولو استطعت سأنتقل إلى بلد آخر. الآن لا أنتظر منها مديحا أو أسفا، كل ما أتمناه أن أشعر بالأمان عندما تتحدث معها ابنتي، ألّا تحكم عليها أو تُشعرها بالذنب". (*)

هل تُشعرك مكالمة هاتفية أو لقاء مع أمك بأنك تمر بحقل ألغام عاطفي؟ هل تتجنّب اللقاءات العائلية؟ هل قضيت طفولتك أسيرا لمشاعر الذنب، عالقا في مضمار سباق بلا نهاية للفوز برضا أمك دون أن تصل؟ ربما تكون قد عانيت من علاقة أمومة سامة تختلف عن تلك التي نراها في الكتب والسينما وقصص الأطفال.

 

ينمو الطفل مع احتياج طبيعي للشعور بالحب والقبول غير المشروط من أمه، وبينما تؤكد الصورة الذهنية النمطية عن الأم أنها نبع الحنان ومصدر الأمان، فعلى عكس المتعارف عليه هناك أمهات بلا جنة تحت أقدامهن، يواجهن معاناتهن الخاصة، ولا يستطعن التعامل معها، يبدون وكأنهن لا يعرفن كيف يحبون أبناءهن، أو على الأقل كيف يُعبّرن عن هذا الحب بطريقة صحية، وكأنهن أصبحن أمهات استجابة لسيناريو مُعَدّ سابقا بلا رغبة حقيقية في الأمومة.

 

تتخذ الأم مكانة شبه مقدسة في أغلب السياقات الثقافية والدينية التي تتعامل مع الأمومة باعتبارها غريزة، ومع حب الأم ﻷبنائها باعتباره فطرة، وترى أي اضطراب يشوب هذه العلاقة نتاجا لخطأ الأبناء وتقصيرهم وليس العكس، مما يغرق الكثير من الأبناء في فخاخ الشعور بالذنب.

"في عمر الخامسة والعشرين بدأت أدرك مدى إيذائها، بعد أن ظللت ﻷعوام طويلة معتقدة أن العيب بي أنا.. لقد اعتادت أن تخاصمني ﻷيام طويلة بسبب تفاهات، وتفرض عليّ قواعد صارمة جدا لم تفرضها على أيٍّ من إخوتي". (*)

 

هناك شعور مشترك بين الأبناء الذين لم يحظوا بعلاقة سوية مع الأم بعدم الاستحقاق وفقدان الثقة في الذات، والثقة في الروابط العاطفية. وعلى الرغم من وجود هذه المشاعر والتجربة المشتركة فإن طبيعة الإيذاء وأنماط العلاقة السامة مع الأم تتعدد، فيما يلي بعض الأنماط أو الخصائص للعلاقة السامة بالأم، مع الوضع في الاعتبار أن الكثير من الآباء والأمهات يقومون ببعض هذه الأمور أحيانا، وتحت تأثير الضغوط اليومية، فلا يوجد أمومة "مثالية"، لكن في العلاقة السامة مع الأم تظهر اثنتان أو أكثر من هذه الخصائص بشكل منتظم ومستمر، مما يحوّلها إلى نمط في العلاقة:

 

  • الانتقاد المستمر

"دائما تتهمني أمي بالقسوة وصعوبة المراس لأنني لا أنساق لأفكارها… في كل مرة تقدم لخطبتي أحدهم خذلتني أشد الخذلان، وكأني بضاعة بايرة تريد التخلص منها تحت أي ظرف". (*)

يظهر ذلك في انتقادها المستمر لكل ما يفعله الأبناء، والتقليل/التسفيه من جهودهم وعدم توجيه أي مديح. فيجد الأبناء أنفسهم دائما في حلقة لا نهائية من المحاولات لاستجلاب رضاها ومحبتها واهتمامها، لكن أيًّا كان الجهد الذي يبذلونه فهو دائما غير كافٍ لمقاربة معاييرها المثالية. هذا الشعور بالرفض يترك في الصدر فجوة لا تندمل، فالشعور بالرفض من جانب الأم يخلف شعورا كثيفا بعدم الاستحقاق.

 

  • السيطرة

ترفض الأم المسيطرة الاعتراف بأحقية أبنائها في اتخاذ قراراتهم بمفردهم، وترفض الاعتراف بصحة ما يقولونه أو يفعلونه، فتزرع فيهم شعورا عميقا بالعجز. ورغم أن هذا السلوك يصدر دائما تحت ستار "مصلحة الأبناء"، فإنه يرسّخ رسالة مفادها أنهم عاجزون، وغير قادرين على التمييز والحكم بمفردهم دون توجيهاتها، وقد يكبرون ويتخذون مناصب قوية وقيادية بينما تظل الأم تتدخل في تصرفاتهم وطريقة تعاملهم، بل وحتى اختيارات ملابسهم، وتمنح نفسها الحق في إبداء رأيها كخبيرة في كل مناحي حياتهم.

"اكتشفت ذلك وأنا في العشرين من عمري عندما حرمتني من دخول الكلية التي ذاكرت واجتهدت للوصول إليها ونجحت بمجموع يؤهلني لذلك، لكنها حولت ورقي لكلية أخرى دون علمي.. استغرق مني الأمر سنوات عديدة حتى أستطيع تحويل مجال عملي، ربما لم أفشل من وجهة نظري أو وجهة نظر المجتمع، لكن يبقى الأثر النفسي على شخصيتي. لقد نجحت في حياتي، لكن المشوار كان مؤلما بقدر السم". (*)

  • فخاخ الشعور بالذنب

تتعمد الأم في هذه الحالة إشعار أبنائها بالذنب، وابتزازهم، وإلقاء اللوم عليهم وإشعارهم بأن تصرفاتها المؤذية هي نتيجة ﻷخطائهم، ولأنها تعرفهم جيدا، تكون قادرة على استثارة أوتارهم والتلاعب بهم وإيقاعهم في فخاخ الشعور بالذنب والسيطرة عليهم عبر تلك الفخاخ.

 

  • الإذلال والسخرية وعدم السماح بالتعبير عن المشاعر السلبية 

ستوجه ﻷبنائها التعليقات السلبية وتسخر منهم أمام أصدقائهم أو أمام بقية أفراد العائلة، ستسفّه من آرائهم وتخبرهم أنها لا تهم أحدا، وقد يمتد هذا في عمر أكبر، لتُحرجهم أمام أبنائهم وأزواجهم/زوجاتهم دون اعتبار لتأثير ذلك عليهم. وعند مواجهتها تتهمهم بأنهم شديدو الحساسية ولا يجيدون تقبل المزاح/الدعابة.

 

يرتبط هذا بما سبق، فعندما يُعبِّر أحد الأبناء عن استيائه من الطريقة التي تُعامله بها، يتدفق غضبها، أو تعاقبه، وتنتقده لمجرد شعوره بالاستياء، وهو ما يدفعه لإخفاء مشاعره وعدم التعبير عن أي مشاعر سلبية خوفا من غضبها.

"كنا نختلف فتقاطعني بالشهور ثم نعود، حتى ماتت". (*)

  • العنف السلبي وعدم احترام الحدود الشخصية

لن تُعبِّر هذه الأم عن غضبها تجاهك بشكل مباشر، لكنه سيتجلّى في ظواهر أخرى، كالوصول متأخرة إلى حدث يهمك، أو تجاهلك، أو النكد بلا سبب واضح، وهو ما يترك الأبناء متخبّطين وحائرين حول سبب غضبها. كما أنها لا تحترم خصوصية أبنائها، فتقرأ رسائلهم الخاصة، تفتش أدراجهم وحقائبهم، تتدخل بينهم وبين شركائهم، تُحادث أصدقاءهم وزملاءهم في العمل دون علمهم، أو تدخل فجأة إلى الحمام لتعرض المساعدة دون استئذان. لا تعترف بوجود الحدود الشخصية ولا تحترمها.(1)

 

  • الغياب

يحتاج الأبناء جميعا إلى أمهاتهم، وتتدرج هذه الحاجة بتدرج مراحل النمو. تتنوع مظاهر الغياب أو الانفصال الشعوري عن الأبناء، ما بين عدم الاستجابة لاحتياجاتهم أو بكائهم أو فقدان التواصل الجسدي، أو حتى الغياب الفعلي والهجر.

"لا أتذكر أن أمي احتضنتني من قبل، وحين يحتضنني أي شخص أشعر بشيء يشبه الكهرباء في جسدي". (*)

  • الانغماس أو الارتباط الزائد

على عكس النمط السابق، فهذا النوع ينغمس كلية في حياة أبنائه، ولا يعترف بوجود أي نوع من الحدود بينهم. فالحب الأمومي هنا يستغل الحاجة الطبيعية لدى الأبناء إلى المحبة والاهتمام لكي يُحكِم قبضته حولهم، وهو النموذج المثالي للأم الدرامية التي تعيش حياتها من خلال إنجازات أبنائها، فتعوّض فشلها من خلالهم، سواء كان هذا الفشل على مستوى العمل أو على مستوى علاقتها مع الأب.

"اعتاد أبي أن يؤذيها، ولم تحصل على الطلاق ظنا منها أنه سيتغير وأنها تحمي الأسرة، لكنها كانت تسقط ذلك علينا بطرق متعددة.. وأن تستغلنا في التجسس على أبي الذي يخونها، وأن تبتزنا عاطفيا لإجبارنا على ذلك، وأن تجعلنا نتدخل بينها وبين أبي في خلافاتهم بشكل غير صحي". (*)

  • الأم التنافسية

يُوصف هذا التفاعل باعتباره حربا مفتوحة بين الأم وأبنائها، فتظهر في سلوكياتها الغيرة أو التنافس مع الأبناء، وقد تستخدم الإيذاء العاطفي أو اللفظي وأحيانا الجسدي للفوز، وهو ما يدفع الأبناء في أحيان كثيرة للشعور بالذنب. ويبرز هذا النمط بشكل أوضح في علاقة الأم مع بناتها أكثر منه في علاقتها مع أبنائها الذكور.

 

  • الأدوار المعكوسة

"لم أكتشف هذا إلا مع بدء العلاج النفسي من 5 سنوات، حينما كان عمري 28 عاما بالتقريب. لماذا هي سامة؟ لأنها كانت -وما زالت- تعتقد أنني مصدر الدعم النفسي لها بينما العكس هو الصحيح، وتتصرف على هذا الأساس. وهذا أعاقني ذهنيا وصحيا واجتماعيا، وأعاق نموي الاجتماعي، وما زلت أتعالج من آثاره". (*)

في هذا السيناريو تنعكس الأدوار وتطلب الأم من أبنائها رعايتها عاطفيا أو لعب دور الأم لها، وهو ما يُشعر الأبناء بأن طفولتهم "سُرقت". يشيع هذا أيضا في حالة الأمهات اللاتي يعانين من الاكتئاب المزمن أو إدمان الكحول، هؤلاء الأمهات يحبون أبناءهن لكنهن يفتقرن إلى القدرة على العناية بهم. (2)

 

  • تزييف الحقائق

بينما يبدأ الأطفال في سن صغيرة في تعلم الثقة في مشاعرهم وأفكارهم، يأتي هذا السلوك كالمنجل الذي يقتص ثقتهم بأنفسهم من جذورها، ويدمر كل جهودهم.

"اعتادت أمي أن تكذّبني، تخلف وعودها، وتقول إني كاذبة وأنها لم تعد بشيء. يضربني أخي فتقول إني مَن استفزه. تتهمني بالكذب حتى شككت لفترة طويلة أنني مجنونة".(3)

تُشكِّل العلاقة المبكرة بالأم أساسا متينا لعلاقة الإنسان بالعالم من حوله، وعلاقته بنفسه، فعن طريق هذه العلاقة المبكرة يبني مفاهيمه الأولى عن الثقة والتفاهم والحب، واضطرابها يترك آثارا عميقة على علاقته بنفسه وعلاقاته بالآخرين من بينها: الشعور بعدم الاستحقاق وأنه غير جيد بما فيه الكفاية، والشعور بالعار وأن هناك شيئا ما خطأ فيه، والشعور بأن عليه أن يبقى عاجزا/صغيرا كي يحظى بحبها، كذلك الإحساس المستمر بالذنب، وكأنه مسؤول عن الطريقة التي تتصرف بها تجاهه. كما أن العلاقة المضطربة مع أم سامة تفقد أبناءها القدرة على التعبير عن الذات، وتجعلهم يتحملون المعاملة السيئة من الآخرين ويظلمون أنفسهم، وتجدهم دائما يشعرون بالمسؤولية العاطفية تجاه الجميع، كما قد يكون النتيجة لدى البعض عبارة عن رغبة مرضية في السيطرة، بالإضافة إلى اضطرابات مرضية مثل الاكتئاب والإدمان واضطرابات الطعام.(4)

 

عقب تجاوز مرحلة الطفولة إلى البلوغ والنضج، يبدأ الأبناء في تقبُّل تجاربهم والتعامل مع الجروح الناتجة عن العلاقة السامة بالأم. لكن هذا الإدراك يصاحبه شعور ساحق بالخسارة والخذلان، واحتياج مستمر إلى القبول والحب الأمومي المفقود، وقد يتوازى معه السقوط في فخ الشعور بالذنب وعدم الاستحقاق. يتضخم الصراع الداخلي ويصبح أكثر تعقيدا عند الرغبة في الانفصال العاطفي والخروج من فخ مشاعر الذنب، في ضوء الافتراضات الثقافية والاجتماعية المتعلقة بالحب الأمومي، وصورة الأمومة المقدسة، وواجب الأبناء تجاهها. فهناك محاكمة منعقدة دائما على رؤوس الأبناء، رغم أن أبناء العلاقة السامة لم يختبروا الصورة الذهنية النمطية عن الأم.

 

تبدأ رحلة التعافي من العلاقة السامة مع الأم منك أنت، من تغيير طريقة تفاعلك معها والطريقة التي تشعر بها تجاه تصرفاتها. لا يملك أيٌّ منا تغيير الآخرين، لكننا نملك تغيير الطريقة التي نتلقى بها تصرفاتهم تجاهنا، ونملك القدرة على تحديد مساحتنا الشخصية التي تحمينا من إيذائه. يُنصح دائما باللجوء للعلاج النفسي، والذي قد تكون رحلته طويلة وشاقة ومؤلمة، لكنه سيساعدك على الوصول للنتائج التالية:

 

  • الانفصال العاطفي

لا نقصد هنا بالانفصال الانفصال المكاني/الجسدي أو القطيعة، بقدر ما نعني به الانفصال العاطفي عنها؛ بحيث لا تأخذ الأمور على محمل شخصي، ولا تتفاعل مع تصرفاتها المؤذية، ولا تشعر بالمسؤولية والذنب تجاه مشاعرها أو متطلباتها. أحيانا يكون هذا الانفصال صعبا، حتى إذا ابتعدنا إلى قارة أخرى، تكفي كلمة واحدة في مكالمة هاتفية لإعادتنا أطفالا ضعافا نبكي في ركن مظلم. سيحميك الانفصال العاطفي من الشعور بالجرح، ويساعدك على فهمها أكثر. ستبدأ في فهم مخاوفها وقلقها، وتتعلم كيف تتجنب السقوط تحت تأثير مشاعرها. ستدرك أنك لا تحتاج إلى أن تغيرها كي تتعافى، لا تضيع حياتك هباء بانتظار أن تتغير أمك، فهذه حياتها ومسؤولياتها، ليست حياتك ومسؤولياتك، ركز في أن تعيش حياة جيدة ولا تحاول تغييرها.

"أخيرا فهمت أن الابتعاد أو الانفصال هو كيفية التعامل معها من غير استدعاء سلبيات ومرارة الماضي، وكيفية السيطرة على المشاعر السلبية أثناء الحديث معها والانسحاب من الحديث بأقل الخسائر.. البعد والانفصال ليس بالمسافة الفيزيائية لكن بالمسافة النفسية والعصبية، أختار الوقت المناسب وأتحين الفرص وأستغل القدرة العصبية الجيدة عندي للتواصل معها كما أمرنا الله.. وهو جهاد شاق جدا". (*)

  • وضع حدود شخصية حاسمة

تحميك الحدود الشخصية من الإيذاء، قد يصعب على الأم تقبل الحدود الجديدة التي وضعتها، وقد تتهم أشخاصا آخرين بتشجيعك على وضعها (على سبيل المثال الزوج/الزوجة، الأصدقاء الذين أفسدوك، المعالج النفسي). تحتاج إلى أن تبذل انتباها أكبر لنمط التواصل بينكما، وأن تنتبه لعاداتك ودفاعاتك التي تستخدمها للسيطرة على القلق. هل ما زلت تشعر بالخوف منها؟ هل ما زلت ترتبك وتشعر بالخوف؟ تذكر أنك صرت كبيرا الآن، وناضجا بما يكفي، وأنك هنا معها ﻷن هذا اختيارك.

 

  • التخلص من الشعور بالذنب

لسنوات طويلة يعاني الأبناء من اتهامهم بالنقص والتقصير وعدم اتباعهم المعايير التي تطمح إليها الأم، وبمرور السنوات ينشأ لديهم ما يشبه تزييف الوعي، واختلال المعايير. لكن الحقيقة أنك لست مخطئا، وأن محاولاتك المستمرة الدائمة للحصول على درجات مرتفعة في المدرسة، أو مساعدتها في أعمال المنزل، أو دعم احتياجاتها العاطفية، لم تكن لتغير تصورها عنك. ربما تظل تلك الفجوة التي تفتقد محبتها وقبولها مفتوحة في قلبك طوال العمر. ما تحتاج أن تغيره هو تصورك أنت عن نفسك، أنت جيد بما يكفي ولا تحتاج إلى أن تثبت ذلك لها.

 

  • المغفرة

أحيانا تحتاج إلى أن تغفر أو تسامح كي تستطيع التجاوز والمضي في حياتك، قد يفيدك أن تحظى بمحادثة صريحة معها، وقد لا تؤدي مثل هذه المحادثة إلا إلى المزيد من الألم. حاول أن تجد طريقة للتخلص من الغضب والاستياء، فالغضب والاستياء العالقان سوف يجرحانك أنت، أنت فقط.(5)(6)

إن قرار الانفصال عن العائلة وعن الأم تحديدا ليس قرارا سهلا، بل قرار مؤلم وله تبعاته

في استبيان خاص بـ "ميدان" سألنا المشاركين عن اتخاذهم لخطوات فعلية للانفصال المكاني أو الابتعاد عن الأم السامة، البعض لم يفكر في ذلك من قبل، سواء خوفا من عواقب ذلك أو لعدم وجود دخل مستقل والبعض الآخر استقل مكانيا بالفعل، ونسبة كبيرة حصلت على هذه المسافة عقب الزواج. يلجأ البعض للابتعاد المكاني عن الأم السامة للتقليل من التعرُّض لإيذائها، سواء الابتعاد تحت ستار الزواج، أو الانتقال لمدينة أخرى في إطار العمل، أو في بعض الحالات النادرة شديدة السمية قد يلجأ البعض للقطيعة التامة. وعلى الرغم من أن هذا النوع من التباعد قد يُقلِّل التوتر العاطفي فإنه لا يُعالج الجروح الموجودة بالفعل، كما أنه قد يُسبِّب ضررا بالغا لبقية العلاقات.

 

تحتاج إلى أن تعمل على حل مشكلاتك من خلال العلاج النفسي الذي قد يستغرق وقتا طويلا لكي تصل إلى درجة من الاستقلال العاطفي والنفسي تُمكِّنك من التعامل مع الإيذاء، سواء استمررت في العيش معها أو انتقلت إلى منزل آخر واقتصر الاحتكاك بها على الزيارات.(7) إن قرار الانفصال عن العائلة وعن الأم تحديدا ليس قرارا سهلا، بل قرار مؤلم وله تبعاته، يختار البعض الانتقال لمدن أخرى، والبعض يختار تقليل التواصل، بينما لا يقوم البعض بأيٍّ من ذلك لأسباب مختلفة، أملا في الوصول إلى نوع من المصالحة، أو خوفا من مغبة عقوق الوالدين، أو للحفاظ على صورة الجدة اللازمة في حياة أبنائهم، أو خوفا من الاضطرار لفقدان صلات عائلية أخرى بالتبعية.(8)

 

  • الحاجة إلى الحداد أو الحزن

إن الشعور بالذنب والندم والشعور بعدم الاستحقاق والتشكك في قراراتك هو بمنزلة إرث شائع لمثل هذا النوع من العلاقات، إرث ثقيل وممتلئ بمرارة يصعب ابتلاعها، ستحتاج إلى وقت طويل لكي تتدرب على الخلاص منه، وقت للبكاء، وقت ربما أشبه بالحداد، فهذا الإدراك، والاستسلام ﻷنها لن تتغير، يعني يأسا ضمنيا من وجود علاقة طبيعية بينكما، من أن تحصل على محبة وقبول الشخص الذي تنتظر محبة غير مشروطة منه منذ ميلادك. يأس هو بمنزلة وداع نهائي للأمل في علاقة أمومة طبيعية. والحزن والبكاء في هذه الحالة شعور طبيعي يختلف عن الشعور بالذنب، فهو بشكل ما بكاء/حداد على الأم التي استحققتها ولم تحصل عليها، في رحلة شفاء مرتبطة في الأساس بإدراكك ﻷنك تستحق الحب.

 

  • (*) شهادات من مصادر حية عن طريق استبيان خاص بـ "ميدان".

————————————————————————————-

المصادر

  1. What Is A Toxic Mother And How Does She Affect Relationships?
  2. 8 Toxic Patterns in Mother-Daughter Relationships:
  3. 8 Things That Toxic Mothers Have in Common: 
  4. What Is A Toxic Mother And How Does She Affect Relationships?
  5. 12 Clues a Relationship with a Parent Is Toxic: 
  6. Simple Truths About Toxic Mothers I Wish I Knew Growing Up
  7. Clues a Relationship with a Parent Is Toxic: 
  8. The Crisis of the Ailing Toxic Mother: Caretake or Run?
المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

بعيدا عن تلك التغييرات ذات الطابع الضخم، منذ بداية الوباء والحجر، بدأت تغييرات أخرى ذات طابع أقل ظهورا تعتمل بأنفسنا.. لقد تغيّرت معاني بيوتنا، وتغيّرت معها العلاقات التي تربطنا بالآخرين.

11/4/2020

يمكن أن تستمر أسبوعا أو أسبوعين بدون فعل شيء، لكن مع مرور الوقت سيتزايد حجم الملل حتى لا تكون قادرا على تجاوزه.. نقدم لك خمسة كتب تزيح الملل بالعزل الاجتماعي.

25/4/2020
المزيد من مقالة
الأكثر قراءة