ليست بلا جدوى.. هكذا يساعد جلي الصحون في إطلاق شرارة الإبداع

لطالما كانت الأعمال المنزلية اليومية مثل غسل الأطباق، وتنظيف المنزل، وترتيب الخزانات والأَسِرَّة، إلخ، أنشطة غير مرغوبة من قِبَل معظم الناس، وهي في الغالب تقع على عاتق النساء، وعلى الرغم من أنها تقتطع حيزا ليس هينا من الوقت يوميا، فإنها تنتمي إلى نوع الأعمال غير المأجورة، كما أنها لا تُحقِّق أي تطور مهني ولا تُشبع الرغبة في تحقيق الذات. وهي ليست فقط أعمالا روتينية ومُملة وليس لها نهاية، لكنها لا تترك أي أثر يدوم، وتجعل ما بذلناه من جهد يبدو وكأنه بلا جدوى، فهل هو حقا بلا جدوى؟ تُقدِّم هذه المقالة ربطا مُثيرا بين الأعمال المنزلية وتحفيز العملية الإبداعية، لتساعدنا أن نرى هذا النوع من النشاط اليومي الضروري عبر عدسة أخرى أقل قتامة، وربما كانت مُلهمة.

 

أليست الأعمال المنزلية اختيارا بين سيئ وأسوأ؟ إذ تنحصر الأسباب التي تعوق عملية الإبداع جرّاء القيام بالأعمال المنزلية في سببين مُهمين؛ أولهما التطلُّب الدائم لأدائها يوميا لدرجة تُثير الغثيان. فبغض النظر عما لديك من معايير نظافة فردية ستتجدد الأوساخ من تلقاء نفسها بسرعة خارقة لا يمكن مواكبتها، وحتى العائد الذي نتلقاه مقابل ما نقوم به من أعمال منزلية يعود علينا سلبا، إذ لن يلاحظ أحد تنظيفك للمنزل، ولكن سرعان ما سيلاحظ الجميع إن لم تفعل. وربما تحاول أن ترضى قليلا عن جهودك من خلال مسح السجاد النظيف وأسطح المطابخ اللامعة هامسا لنفسك: "كم يبدو كل شيء نظيفا ومرتبا".

 

ولكنها كلمات عابرة سرعان ما تتلاشى بمجرد أن يسترعي انتباهك الكثير مما يحتاج إلى تنظيف، أنت الآن في حالة من التلفت المستمر لما يمكن أن تقع عليه عيناك؛ تُثير انتباهك الرفوف التي تحتاج إلى إعادة طلاء أو النوافذ القذرة أو إطالة النظر في الأعلى وإذ بشبكات العنكبوت معلّقة في زوايا الغرفة، ثم يأتي دور آثار الأصابع المتسخة على مقابض الأبواب، وربما تُنتَزع من عقلك مُكرَها تحت وطأة حقيقة وجوب التنظيف خلف الموقد، ذلك المكان المظلم الذي لا تصله عيناك أبدا. وهذه الخطوة لا تقل خطورة عن تشغيل مقطع من الموسيقى التصويرية لفيلم "الفك المفترس" (Jaws) (فيلم إثارة ورعب أميركي من إخراج ستيفن سبيلبرغ من إنتاج 1975، وهو واحد من أشهر أفلام القرن العشرين، حقّق الفيلم نجاحا ساحقا في شباك التذاكر).

وربما يُثار في نفسك شعور الراحلة چوان ريفرز (كاتبة وكوميدية وممثلة ومقدمة برامج أميركية) حينما قالت بحسها الفكاهي: "كم أكره الأعمال المنزلية، إذ يتعيّن على المرء ترتيب الأَسِرَّة وتنظيف الأطباق، وبعد ستة أشهر يجد نفسه مجبرا على إعادة الكرّة من جديد". ومعظم مَن يقومون بالأعمال المنزلية ينتابهم شعور بالضيق وضياع مجهوداتهم سدى دون مكافأة، فتتملّكهم حالة من البرود مع مزاج سيئ مرتبط بكونهم يشبهون زوجا قديما من مشابك الغسيل، بدلا من الشعور بأنهم يُشبهون صورة للسعادة المتوهجة مُتمثِّلة في ربة المنزل مع كل شيء حولها متقن وأنيق مثل مشبك جديد.

 

وإن لم تُحسِّن الأعمال المنزلية من نفسيتك كما هو معروف أحيانا، فإنها بلا شك تقتطع من وقت فراغنا الثمين، وهو الوقت هو الذي تتألق فيه جهودنا الإبداعية والابتكارية. وتوضح إحدى قصائد روز ميليغان التي بعنوان "Dust If You Must" أن الحياة مليئة بالأشياء الأخرى غير الأعمال المنزلية قائلة:

"نفِّض الغبار إن لزم الأمر، ولكن ألن يكون من الأفضل أن

ترسم صورة أو تكتب خطابا

أن تخبز كعكا أو تزرع بذرة

تأمل الفرق بين ما ترغب فيه وما تحتاج إلى تأديته

 

نفِّض الغبار إن لزم الأمر، ولكن ليس أمامك الكثير من الوقت

للسباحة في الأنهار وتسلق الجبال

للاستماع للموسيقى وقراءة الكتب

لتقدير قيمة الأصدقاء وللانطلاق في الحياة

 

نفِّض الغبار إن لزم الأمر، ولكن تذكّر

ستأتي الشيخوخة بصفاتها غير اللطيفة

وعند مغادرتك لهذا العالم، ستجد أنك بنفسك تُثير المزيد من الغبار".

والسبب الآخر المُدمّر الذي يعوق عملية الإبداع هو المقاومة، إذ تعوقنا بعض الأعمال المنزلية عن البدء في الرسم أو الكتابة، وربما هذا ما يتمناه عقلنا اللا واعي دون أن ندري. نتحجج بالأعمال المنزلية بوصفها عذرا لتوقف الإبداع، وهذا لأننا مصابون بقلق الأداء (هو الخوف من قدرة المرء على أداء مهمة محددة، وقلقه بشأن فشل المهمة قبل حتى أن تبدأ، ويعتقد أن الفشل سيؤدي به إلى الإذلال أو الرفض)، وهذا ما ذكره ستيفن بريسفيلد في كتابه "حرب الفن".

والمقاومة هي التوتر والنفور اللذان يزدادان بمجرد الجلوس والشروع في عملنا الإبداعي، ويحدث ذلك نتيجة للأهمية القصوى التي يُمثِّلها لنا عملنا، تنتابنا رغبة في إنهائه على أتم وجه، نبذل فيه كل طاقتنا وجهدنا، وتزداد رغبتنا في الوصول إلى أفضل حالة عقلية صافية لإتمامه، لذا فإن حالتَيْ الرهبة والخوف اللتين تُصيبان المرء بمجرد الجلوس والبدء في العمل هما نتيجة طبيعية لكل ذلك.

 

ونشبه في هذه الحالة إلى حدٍّ ما الممثل الذي باغته شعور بالتوتر من الظهور على المسرح وهو منتظر خلف الكواليس، وقبل أن نخطو على المسرح لأداء دورنا وإلقاء كلماتنا، يظهر غسيل الأطباق في هذه اللحظة منقذا لنا باعتباره الخيار الأفضل للهرب، ولا بأس بتأجيل رفع ستار المسرح قليلا وتأجيل كل الأعمال الأخرى.

 

يؤكد الكاتب بريسفيلد ضرورة خوض معاركنا والقيام بأعمالنا بغض النظر عما يختلج صدورنا لضرورة الانتصار في هذه الحرب، ولكني أرى أن سبب انبعاث المقاومة يكمن وراء الخوف من احتمالية الإثارة التي يتركها أثر الكتابة، أو من المكافآت التي نحصل عليها مقابل الرسم والمسرّات البصرية التي تتركها أعمالنا في نفوس الآخرين. أو ربما السبب وراء هذه الحالة هو عدم الاستعداد التام لدخول هذا العالم "السامي الرفيع" حيث يتباطأ الوقت ويصبح غير ذي صلة. ألا يتعيّن علينا إذن بعد إدراكنا لهذه الحقيقة إعداد أنفسنا جيدا لأجل ذلك؟

 

وبتمثيلي دور محامي الشيطان (صفة تُطلق على مَن يخالف الآخرين في الرأي حبا في النقاش) سأُقِرّ بأن الأعمال المنزلية تنطوي على بعض الفوائد لأجل حياة إبداعية، وعلى الاثنين ألا يتعارضا، كما أن بعض هذه الأسباب أكثر جدية من غيرها، وفيما يلي سنوضّح ذلك:

 

  • 1- أيهما سيكون أكثر إفادة لبداية جديدة؛ الجلوس للعمل في مكتب مغطى بالغبار أم الجلوس على مكتب نظيف؟

بمجرد إنجازك لبعض الأعمال المنزلية الأساسية مثل تنظيف الأطباق أو غسل الملابس، سيقفز إلى ذهنك تلقائيا أن "ترتيبك لمنزلك" يعني حصولك على مكان نظيف ومنظم تستطيع من خلاله الولوج إلى عالمك الخيالي أو غرفة أحلامك للرسم وممارسة إبداعك.

 

  • 2- ادّعاء الكثيرين أن الأعمال المنزلية تنطوي على العديد من الفوائد الصحية

وثبتتْ صحة نظريتهم، إذ يتمحور تركيز هذه الفوائد حول الاسترخاء عبر ممارسة اليقظة أو التأمل الواعي وأداء الأعمال المنزلية بوصفها تمرينا بدنيا، كما تمنحك اليقظة الذهنية فرصة استنشاق رائحة المنظف ممزوجة برائحة الليمون والاستمتاع بمنظر اللمعان الناتج عن مسح أرضية المطبخ، ولكن هذه السعادة لا تمتد لتشمل أوقات التنظيف خلف الموقد، إذ نفقد حينها حس الاستمتاع. كما يمكن لكنس المنزل بأكمله تعزيز بعض المهارات المتعلقة بالإبداع، كرؤية الصورة أولا رؤية شاملة، ثم التركيز على التفاصيل فيما بعد.

 

  • 3- تأثير الأعمال المنزلية على الفنانين وما ينسجه خيالهم من إبداع

استمتع بما تقع عليه عيناك من ألوان؛ كألوان الأواني الفخارية والألوان التي تمتزج وتتداخل بمفروشاتك الناعمة. استمتع بألوان الباستيل والأغراض الأساسية والكمالية في المنزل، أو استمتع بشكل الفقاعات في رغوة الغسيل السائلة.

حدِّق من نافذة المطبخ أثناء تنظيفك للأطباق وتأمل تغيير الفصول مستمتعا بهذا الشعور، وإن رأيت شبكة عناكب، تأمل دقة نسجها واسمح لهذا أن يُثير في نفسك الدهشة. أما إذا وقعتْ عيناك على بعض العفن، فاسأل نفسك قبل تنظيفه بماذا يذكّرك شكله؟ إن كانت تُذكِّرك هيئته بالمناظر الطبيعية فتساءل عن كيفية إعادة تشكيله بالطلاء. وفي خضم انشغالك بالتنظيف، ستتلقى إلهاما يساعدك على تخيّل لوحتك التالية.

 

يسمح لك نفض الغبار عن القطع الأثرية والحُلي بالاستمتاع بفحصها أثناء التقاطها والتنظيف أسفلها، ويمنحك ذلك فرصة لتقدير قيمة ما تراه، كما يساعدك على خلق أفكار لحياة أكثر هدوءا وسكينة. ونتيجة للتحديق في المناشف والحصى التي جمعتها في حمامي، انبثقت فكرة من ذهني وسرعان ما دوّنتها مستخدمة الألوان في مخيلتي لمساعدتي في العثور على حياة أكثر سكينة. ولكن في حالة فشل كل المحاولات السابقة في التأمل، يمكنك حينها مزج الألوان ومنح أصابعك حرية الإبداع.

 

اختبرتُ ذلك قبل أيام عند ملاحظتي لبعض الغبار على منديل في يدي، فمزجت لونا رماديا يميل للزرقة مع القليل من اللون البنفسجي، وإذ به يعطيني غبارا بلون أرجواني.

 

  • 4- الدور الذي يمكن أن تلعبه الأعمال المنزلية في حياة الكُتَّاب

فَكِّرْ في الشخصيات والحبكة والصراعات، فربما تساعدك الأعمال المنزلية على خلق شخصية تعاني من اضطراب الوسواس القهري وتقضي جلّ وقتها في التنظيف في محاولة لإزالة كل الأوساخ من حولها.

 

فَكِّرْ في كل التفاصيل الرائعة التي ستتوصل إليها، أضف إلى ذلك الرعب الذي سيتملك الشخصية إزاء إدراكها لحقيقة أن الأعمال المنزلية لا تنتهي أبدا، وكيف لتلك البقعة الصغيرة من الشحوم على باب الخزانة أن تؤرقهم، إذ لا مفرّ الآن من تنظيفها مهما بلغتْ صعوبة المحاولة، أو ما قد يصيبهم من رعب بعد انتهائهم للتو من تنظيف منزلهم بدرجة مُرضية وإذ باتصال يَرِد إليهم من أحد الأصدقاء لزيارتهم، فتقفز إلى أذهانهم مباشرة صورة أصدقائهم أثناء تمشية الكلب.

 

وبمجيء الأخير ستُدَنَّس أرضية المطبخ بمخالبه الموحلة. يمكن للكاتب تخيُّل طريقة تعاملهم مع هذا القلق الشديد، وكيفية تعايشهم مع الخوف البالغ من الجراثيم، وإصابتهم بالأرق جرّاء التفكير في احتمالية وجود بعض الغبار زاحفا حولهم الذي يضخمونه بطريقة كافكا (وهي طريقة تُستخدم لوصف موقف محير ومخيف، خاصة إن كان الموقف يتضمن قواعد معقدة لا يبدو أنها منطقية). ويمكن تخيُّل إلى أي مدى يمكن لهواجس التنظيف احتجازهم رهائن في المنزل وأن تكون سببا في زيادة انعزالهم عن أنفسهم.

أو خلق شخصية تعاني من مرض الاكتناز أو التكديس. بإمكانك التساؤل حول أسباب إصابتهم به، وما الذي يخزنونه ولماذا؟ وقد يكون سبب عدم قيامهم بالأعمال منزلية يكمن وراء اختبارهم لحادث معين في طفولتهم أدى إلى تراكم القذارة حولهم. أليست الأعمال المنزلية شيئا يحاول معظمنا تقبله؟ فلماذا لم يتقبّلوه؟

 

فَكِّرْ في شخصية تكتشف شيئا محوريا يؤثر على الحبكة أثناء قيامها ببعض الأعمال المنزلية، كالعثور على صندوق مليء بالأسرار أسفل السرير محفوظ منذ فترة طويلة أثناء تنظيف منزل أحد الأقارب المتوفين من أجل عرضه للبيع، أو عثورهم على شيء يدينهم أثناء تنظيف منزلهم واكتشاف أن شريكهم أخفى هذا الأمر عنهم، أو التقاطهم لرسالة قديمة سقطت من أحد الكتب أثناء نقله على الرف، أو عثورهم على بعض المعلومات المجهولة منقوشة على ظهر إحدى الصور أثناء تنظيف المنزل التي قد تُغيِّر حياتهم بأكملها، أو توصلهم إلى مادة كيميائية سامة في الجزء الخلفي من خزانة المطبخ لم يبتاعوها ليبدأوا التفكير في أسباب وجودها بالمنزل.

 

ويمكنك تخيُّل الصراع الذي تُولِّده الواجبات المنزلية بين الزوجين، إذ تتراكم المشكلات صغيرة يوما بعد يوم إلى أن تكبر فيندلع الصراع، ربما لا يبدو الأمر خطيرا إن نظرنا إلى أسباب اندلاع الصراعات وإذ بها خلافات حول الأعمال المنزلية، لكن وراء هذه الخلافات تكمن قضايا أعمق؛ كقضايا المساواة، والإنصاف، والعدالة، والتقدير، واستخدام المظالم المتعلقة بالأعمال المنزلية للتعبير عن نزاعات شخصية أعمق.

وانتقاد أحد الأطراف للطرف الآخر بسبب عدم مشاركته أو تقديمه للمساعدة يمكن أن يصبح بلا جدوى بعد ساعتين من البكاء والعويل، كما يمكن لكلمة "سأهجرك!" أو خلاف بسيط حول الغسيل أن يؤدي إلى صراعات عنيفة. ومن هنا يبرز الأثر المُجدي والمفيد للاستمتاع بالأعمال المنزلية للقضاء على التوترات التي تُصيب العلاقات.

 

ونكتشف بانتقالنا إلى الصراع الداخلي استمرار الشخصيات في أداء الأعمال المنزلية باتباع الطريقة نفسها التي تعلّموها من آبائهم على الرغم من كرههم لذلك، وعلى الرغم من وفاة الوالد المستبد، فلماذا لا يمكنهم التخلص من هذا الأثر البغيض؟ ما الذي يعوق خطواتهم نحو التغيير ويمنعهم من استنشاق الحرية؟

 

يمكن استخدام الأعمال المنزلية على هذا النحو باعتبارها جزءا من الحياة، ولكن في حالة فشل هذه المحاولات، فستكون هناك بدائل في انتظارك دائما كاحتساء القهوة مع أحد الأصدقاء أو الذهاب للتسوق من البقالة، ولا تنسَ ممارسة بعض الأعمال الفنية أو الكتابية عند عودتك.

————————————————————————————————

هذا المقال مترجم عن Lynne Fisher ولا يعبر بالضرورة عن موقع ميدان.

المصدر : مواقع إلكترونية

حول هذه القصة

رغم أن فصام الطفولة من الأمراض النادرة جدا فإنه يجب الانتباه للأمر، إليك بعض علامات التحذير التي تُمكّنك من تنبيه طبيب طفلك والحصول على العلاج الذي يمكن أن يساعد بتحسين الحالة مبكرا.

14/6/2020
المزيد من مقالة
الأكثر قراءة