تشجيع حتى الجنون.. ماذا يحدث داخل أدمغة مشجعي كرة القدم؟

عواطف تتأرجح بين الحزن والفرحة، مشاعر غضب تتصاعد فجأة ثم تعقبها سعادة مُفرطة، وربما في اللحظات الحاسمة تقفز رافعا صوتك كطفل صغير، غير آبهٍ بنظرة الناس إليك. إنها دائرة تدور داخلها، تربطك دائما بفريق كرة القدم الذي تُشجِّعه وتتابع كل مبارياته، لكن الأمر سرعان ما يتعدَّى ذلك بكثير، حيث ترتبط بلعبة كرة القدم بشكل عام، بحيث تكون مولعا بتشجيع فريق ما في أية مباراة تتابعها حتى لو كان طرفاها لا يعنيان لك أي شيء.

 

في مباراة بين برشلونة وريال مدريد عام 2012 كان المشاهدون في إسبانيا فقط أكثر من 14 مليون مشاهد، وهو ما يقترب من ثلث سكّان البلاد، فيما بلغ العدد نحو 400 مليون مشاهد حول العالم، أي نحو 5% من مواطني الكوكب كله، ما الذي يدفع هؤلاء للتحمُّس بهذا الشكل بينما لا يشاركون في اللعب؟ وكيف يتولَّد لدينا هذا الشغف الذي يُحرِّك -إلى جانب عواطفنا- رؤوس الأموال بين الشركات الكبرى؟ (1)،(2).

 

في بداية تسعينيات القرن الماضي، بحث بول برنهارد، عالم السلوك بجامعة ولاية جورجيا، عن أسرار التشجيع كونه سمة سلوكية بشرية مميزة، ليُشير إلى أن ارتفاع مستوى هرمون التستوستيرون لدى الرياضيين، وهو الذي يتسبَّب في دفقات الاندفاع عند اللعب وعند الفوز في مباراة مهمة، يحدث أيضا لدى المشجعين؛ أي إنهم يصلون إلى مستويات هرمونية مماثلة أو قريبة للاعبين أنفسهم.

 

حاول برنهارد التوصُّل إلى فهم علمي أوضح للتفاعلات البيولوجية لدى المشجعين، فبدأ بفحص اللعاب الخاص بهم، ووجد أن مستويات هرمون التستوستيرون انعكست بالفعل في نتائج اختبارات مشجعي الفريق الفائز بوضوح، فكانت أعلى بنسبة 20% من المستويات التي حصل عليها مشجعو الفريق الخاسر. في عام 1994، واصل برنهارد طريقه البحثي، فتتبَّع ما حدث مع مشجعي مباراة نهائي كأس العالم بين البرازيل وإيطاليا، ليُسجِّل مرة أخرى زيادة بالنسبة نفسها بين مشجعي الفريق الفائز (البرازيل) مقارنة بالجماهير الإيطالية الحزينة.

 

لكن النتيجة الأكثر إثارة للانتباه في تجارب برنهارد لم تكن فقط في فهم هذه الفوارق بين المشجعين الفائزين والخاسرين، بل أيضا إظهار أن هرمون التستوستيرون لا يرتبط فقط بالقوة أو التفوُّق أثناء معركة ما أو حالة غضب، وإنما يمكن للجسم إطلاقه بعد تحفيز سلوكي ما، حتى لو كانت محض تجربة نفسية، وفي الرياضة قد يتمثَّل ذلك في هدف لفريقك أو حركة احترافية من لاعب ما أو تحقيق فوز. (3)

 

يتطوَّر الأمر لما هو أعمق من ذلك، فتُفرِز أجسام المشجعين مجموعة كاملة من المواد الكيميائية العصبية، مثل الدوبامين (وهو ناقل عصبي مسؤول عن التيقُّظ والتعزيز والمكافأة)، والأدرينالين (وهو ناقل عصبي مسؤول عن فسيولوجيا التحفُّز)، والأوكسيتوسين (وهو ناقل عصبي مسؤول عن السعادة)، ويشاركون اللاعبين إثارة اللعبة دون لعب أو تدريب أو جهد.(4)

 

على الجانب الآخر، فإن هناك فوائد أخرى مُكتسَبة من تشجيع فريق ما، على سبيل المثال، قام عالم النفس روبرت سيالديني، في السبعينيات من القرن الفائت، بسلسلة من التجارب على طلاب سبع مدارس كبرى لكرة القدم، كانوا يجتمعون في قاعات المحاضرات بعد كل مباراة كبيرة، في المدارس التي فازت فِرَقها كانت نسبة الطلاب الذين يرتدون ملابس بألوان ملابس الفريق أكبر من النسبة في المدارس التي خسرت فِرَقها، كان سيالديني يهدف إلى تقديم دليل على ما يُعرف بـ "انعكاس المجد" (Basking In Reflected Glory)، وهو إعلان المرء الظاهر للعيان عن ارتباطه بالناجحين، وكأنه منهم، على الرغم من أنه لم يقم بدور فعلي في هذا النجاح.

 

أما دانيال وان، عالم النفس الاجتماعي في جامعة ولاية موراي بالولايات المتحدة، فيرى أن التماهي مع الفِرَق الرياضية يصبح لدى البعض وسيلة لتعزيز احترام الذات، وأحيانا ما يكون فرصة لتعزيز الصحة العقلية عموما، جاء ذلك نتيجة لما يقرب من 20 دراسة أجراها وان وزملاؤه، وأُعلنت نتائجها عام 2006، لتقييم مجموعات متنوعة من عشاق الرياضة تختلف أعمارهم بين طلاب المدارس الثانوية وطلاب الجامعات وكبار السن.

 

وجد هذا الفريق البحثي ارتفاعا في مستوى الرفاهية لدى المشاركين، وحُدِّدت تلك المستويات من خلال مقاييس حدَّدها علماء النفس، مثل الشعور بتقدير الذات وتكرار المشاعر الإيجابية والشعور بالانتماء للآخرين والشعور بالحيوية، ورصد وان ما يقرب من 20 علامة على الرفاهية كانت مرتبطة بعشاق الرياضة.

 

أضف إلى ذلك أن هناك أسبابا لا علاقة لها بالرياضة نفسها، أي بالفوز أو الخسارة، تدفع المشجعين للوقوع في حب فِرَقهم، ونتحدَّث هنا عن الروابط البشرية التي تخلقها هذه الرياضة حولها، نقصد أن تشعر بالتواصل مع أناس لا تعرف حتى أسماءهم، وتعتبر أنك تنتمي إليهم (5).

 

من تلك الجهة، ترتبط كرة القدم كونها فعلا اجتماعيا بأصل الإنسان، والقبلية التي عاشها قبل أكثر من مئة ألف سنة، فوجوده داخل مجموعات مترابطة ضمن له مكافأة الصيد ولبّى احتياجاته الأصيلة مثل الدفاع عن النفس والانتصار أثناء التنافس مع الآخرين (الأعداء من المجموعات الأخرى).

 

وفقا لديزموند موريس، العالم المتخصص في دراسة سلوك الحيوان وعلاقته بالإنسان، فإن العديد من الرياضات تُعتبر بدائل رمزية للصيد -النظام الذي عاش عليه الإنسان عبر عشرات الآلاف من السنين- وهي لذلك قادرة على إنتاج التغيرات الهرمونية العصبية نفسها التي أنتجتها عمليات الصيد.

 

في كرة القدم، يطارد اللاعبون فريسة رمزية؛ الكرة، ويتعاونون مع بعضهم بعضا مثل مجموعة من الصيادين لتحقيق هدف مشترك، وهو في هذه الحالة ليس الاستيلاء على الفريسة، بل تسجيل هدف في المرمى المقابل، والمتعة تحدث حتى لو لم يُسجِّل الفريق هدفا، تماما مثلما كان الإنسان يستمتع بالصيد حتى لو لم يتمكَّن من اصطياد الفريسة.(6)

 

الانتماء إلى الفِرَق الرياضية، من تلك الوجهة، هو نمط معاصر من القبلية في رأي بعض الباحثين، وكما يرى سيالديني، فإن أبطالنا الرياضيين هم جيشنا. لا يقتصر الأمر على ذلك، فتشجيع الرياضة يُحقِّق إلى جانب الشعور بالانتماء القبلي متعة اجتماعية أخرى غامضة، وهي الشعور بأنك تتغلَّب على خصمك، وترى مينا سيكارا، مديرة مختبر العلوم العصبية في جامعة هارفارد، أنّ الرياضة قد تكون منفذا بنّاء للميول القبلية للإنسان الحديث، فنحن نحصل على كثير من المتعة بقليل من الضرر.(7)

 

لكن الأمر قد يتطوَّر ليصبح ذا أثر سلبي في بعض الأحيان، حيث تختلف مشاعر الحماس التي يختبرها المشجعون عن بعضهم بعضا، حيث تكون في نطاق معتدل لدى بعضهم، في حين أنها تتعدَّى الحدود المقبولة لدى البعض الآخر، وهو ما يُفسِّره خايرو زولوجا، الطبيب والأستاذ بكلية الطب في الجامعة الوطنية، برغبتنا في تحفيز أدمغتنا دوما بشيء أكثر إثارة، شيء مشابه لما يحدث داخل الجهاز العصبي لمدمني المخدرات.

 

لذلك، قد يشعر بعض المشجعين أن رأسه على وشك الانفجار، أو أن يُصاب بدوار، وترتعش ساقاه، وترتفع معدلات ضربات القلب وترتجف الشفاه ويحمر الوجه وتتسع حدقة العين، من وجهة نظر فيسيولوجية فإن المشاعر التي تُثيرها لعبة كرة القدم تُعدِّل من مستويات الإندورفين والإندوكانابينويد والدوبامين، وهي مواد كيميائية تنقل المعلومات بين خلايا الدماغ ويُطلقها الجسم في لحظات المتعة أو التوتر أو أي عاطفة أخرى، وتمنع الإحساس بالألم.(8)

 

لكن تجاوز الشعور بالشغف والوصول إلى مستويات عالية من التوتر قد يؤثِّر في صحة الجسم ويؤدي في الحالات القصوى إلى الوفاة، وهو ما حدث مع لويس أندريس مارتينيز، مشجع نادي أتليتكو ​​جونيور الكولومبي البالغ من العمر 14 عاما، الذي أُصيب بنوبة قلبية أثناء الجري والتلويح بالعلم الأحمر والأبيض احتفالا بتأهُّل فريقه لنهائي كأس كرة القدم الكولومبي عام 2014، وحدث أيضا مع ناتالي مونسالف، مشجعة أتليتكو ​​ناسيونال البالغة من العمر 19 عاما، التي أُصيبت أيضا بنوبة قلبية أثناء تشجيع فريقها في نهائي البطولة نفسها.(9)

من جانب آخر، قد يتطوَّر الأمر فيصبح المشجع مرتبطا بالرياضة التي يحبها لدرجة أنه يهمل في عمله وحياته من أجل الكرة. أحد أشهر الأفلام الأميركية التي عالجت هذا السياق تحديدا هو فيلم "Fever Pitch" الصادر عام 2005، والمبني على رواية صدرت قبل هذا الموعد بأكثر من عقد، في الفيلم، تظهر ليندسي، التي لعبت دورها الممثلة الأميركية دور باريمور، حائرة لأن حبيبها الجديد شخص لطيف وطيّب ويحبها فعلا، لكنه غارق في تشجيع فريق بيسبول يُسمى بوسطن ريد سوكس، حتّى إنه يُفوِّت كل شيء تقريبا بسبب المباريات أو لقاءات المشجعين ونشاطاتهم، وفي النهاية فإنه قد يُفوِّت أهم شيء في حياته، وهو المرأة التي أحبها.

 

هل يمكن أن نُفوِّت الأشياء المهمة حقا من أجل سلوك ما نُدمنه؟ في الواقع، هذا يحدث دائما، في بعض الأحيان نعي ذلك، ولكن في غالبية الأحيان لا ندركه، والأولى دائما أن نبحث عن تلك الأشياء التي نُدمنها دون أن ندري وتُفوِّت علينا فرصا مهمة، سواء كانت هوسنا بفريق كرة قدم ما، أو أحد المطربين، أو فقط هواتفنا الذكية ووسائل التواصل!

——————————————————————————————————————————-

المصادر:

  1. ¿Qué ocurre en el cerebro de los fanáticos del fútbol durante el Mundial?
  2. Fútbol, hormonas al ataque
  3. ¿Qué ocurre en el cerebro de los fanáticos del fútbol durante el Mundial?
  4. The Unique Neurology of the Sports Fan’s Brain
  5. المصدر السابق
  6. Fútbol, hormonas al ataque
  7. The Unique Neurology of the Sports Fan’s Brain
  8. Lo que provocan 90 minutos en el cerebro de un hincha
  9. المصدر السابق
المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة