في سبع خطوات.. كيف تقنع صديقك بتلقي لقاح كورونا؟

يوما بعد يوم يتصاعد الجدل حول تلقي لقاح فيروس كورونا على مواقع التواصل الاجتماعي، بل إنه يُعدّ -بشكل أو بآخر- "حديث الساعة" المستمر، وبالرغم من أننا نعرف أن الإحصائيات والدراسات تدعم اتجاه تلقي اللقاح بقوة، فإنك -لا شك- ستجد في الدائرة المحيطة بك الكثير من المعارضين ورافضي اللقاح، وربما منهم من تهتم لشأنه. ماذا يمكن أن تفعل لإقناع هؤلاء بضرورة تلقي اللقاح، خاصة وأنت تخاف من رفضهم ولا تعلم من أين تبدأ؟

يرتكب معظم الناس خطأ رئيسيا عند محاولة إقناع شخص آخر بقضية ما، وهي التحدث مباشرة دون مقدمات حول قضيتهم، معتقدين أن الشخص المقابل يمتلك نفس الخلفية المعرفية والنفسية التي أوصلت المتحدث لتبني هذه القضية، وهنا يظهر الرفض أو التذمر، وقد يصل الأمر إلى المشادات الكلامية أو ما هو أكبر.

كان الفيلسوف أرسطو هو أول من وضع ثلاثة مبادئ للإقناع: المنطق (Logos)، والأخلاق (Ethos) أي سمعة القائل وشخصيته، والعاطفة (Pathos). يجد كثير من الأشخاص في المنطق (Logos) غايتهم، فيقتنعون بالفكرة المطروحة المستندة على حقائق ومعلومات، فمثلا عندما يعلن مسؤولون من منظمة الصحة العالمية أن شخصا واحدا فقط من كل مليون شخص قد يعاني من آثار التطعيم بلقاح كورونا، فإن ذلك يبعث الاطمئنان والراحة لمن يريد لغة الأرقام والمنطق، ولكن كما أن للناس فيما يعشقون مذاهب، فلهم أيضا مذاهب مختلفة في اعتناق الأفكار. ورغم كل هذا الاختلاف، فإن هناك طرقا* يمكن بالفعل أن تساعدنا في إقناع الآخرين بأفكار معينة مثل تلقي لقاح كورونا في مثالنا اليوم.


"اشترت ماريهام كتابا جديدا عن (عجائب الدنيا) القديمة، ولكنها لم تقرأه يوم شرائه، وفضلت مشاهدة فيلم كارتون بعنوان (سنو وايت والأقزام)، ازدادت المتعة عندما أحضرت مشروب الصودا بالليمون مع ساندوتش". إذا طلبنا منك أن تحدد أي رقم عشوائي بعد قراءة هذه الجملة، فإن معظم من يجيبون عن هذا السؤال سيختارون الرقم 7، يسمى ذلك بالتهيئة العقلية (Priming)، وهي ضبط وإدارة عقل غيرك للتفكير في أمر محدد، ففي القصة التي في الفقرة السابقة أُشير للرقم 7 أكثر من مرة بشكل غير صريح، فعجائب الدنيا سبع، والأقزام في الفيلم الشهير سبعة، وأشهر مشروبات الصودا بالليمون هو السفن-أب (7UP)، وعنوان المقالة يحتوي على كلمة "سبع"، حتى اسم البنت بطلة القصة مكون من سبعة أحرف.

تحتوى عقولنا على شبكات وارتباطات بين مجموعة هائلة من العقد (nodes)، هذه الارتباطات مختلفة وغريبة في بعض الأحيان، فقد ترتبط كلمة مثل "خوخ" بـ"شركة سامسونج"، حيث يقودك التفكير في فاكهة مثل الخوخ إلى التفكير في التفاح، ثم يذكرك التفاح بشعار شركة (أبل)، ثم تتذكر وقتها المنافسة بين أبل وسامسونج، فعندما تثار عقدة ما في عقولنا تبدأ عقد أخرى في الاستثارة، وهو ما سمّاه العالمان كولينز ولوفتس (Collins & Loftus) عام 1975 بتنشيط الانتشار (spreading activation).

إذن، كيف نستفيد من هذا الأمر في مسألة إقناع صديقك باللقاح؟ عليك هنا أن تثير عُقدا في عقله تساعدك في إقناعه، وبما أن صديقك معارض بشدة لتلقي اللقاح، سيتطلب الأمر أن تهيئ عقله للانفتاح وتقبل آراء غيره دون التحدث نهائيا عن اللقاح، فمثلا حدثه عن شخص يعرفه كان معترضا بشدة على أمر ما مثل تشجيع الفريق المحلي المنافس في البطولات الخارجية، ولكنه بدأ مؤخرا يتقبل تشجيع هذا الفريق عندما يمثل البلد في بطولات خارجية، فهكذا تهيئ عقله مستقبلا لتقبل رأي مختلف عما يتمسك به في الوقت الحالي.


بعد التهيئة، يأتي دور "تأثير المرساة (Anchoring effect)". إذا عرضت عليك منتجا جديدا سينزل قريبا في الأسواق، سيمكّنك من التنفس تحت الماء بدون أسطوانات أكسجين وحجمه مثل كف اليد بسعر 1000 دولار، هل تقبل؟ ما رأيك في تخفيض 90% ليصبح سعره 100 دولار فقط؟ هل تقبل الآن؟

المثال السابق يوضح التحيز الإدراكي المسمّى بتأثير المرساة الذى وضحه عالمَا النفس الشهيران دانيال كانيمان وعاموس تفيرسكي منذ أكثر من أربعين عاما، حيث وجدا أننا دائما ما نعتمد في أحكامنا على أقرب نقطة للارتساء. في المثال السابق عندما عرض عليك المنتج بسعر يصل إلى 100 دولار ستصبح أقرب للشراء، وذلك لأنك قارنته بسعره قبل التخفيض، إذ إنك اتخذت سعر 1000 دولار الأصلي نقطة ارتساء بنيت عليها قرارك بالشراء بعد ذلك.

في عام 1975 سأل روبرت شالديني ورفاقه مجموعة من الطلبة إن كان في إمكانهم التطوع في مركز لرعاية الأطفال الأحداث لمدة ساعتين أسبوعيا على مدار السنتين القادمتين، بالطبع رفض معظم الطلاب شاعرين بثقل هذا الطلب، ولكن المثير للانتباه أنه عندما أُتبع هذا الطلب الثقيل بطلب بسيط، وهو اصطحاب هؤلاء الأطفال في رحلة ساعتين فقط إلى حديقة الحيوانات، استجاب عدد كبير من الطلبة (50% منهم). على النقيض، عندما سُئل مجموعة من الطلبة السؤال الثاني وحده (دون الطلب الأول الأصعب) استجاب 17% منهم فقط، ما حدث هنا أن الطلب الأول كان بالنسبة إلى الطلاب نقطة ارتساء قاموا ببناء موافقتهم على الطلب الثاني البسيط من خلالها.

يمكن لك أيضا أن تصنع لصديقك نقطة ارتساء، مثل أن تخبره بما قد يعانيه من الإصابة بفيروس كورونا، مثل الحمى والسعال وضيق في التنفس وآلام في العضلات وفقدان حاسة التذوق أو الشم والتهاب الحلق واحتقان الأنف أو سيلانه والغثيان أو القيء والإسهال، وقد تشتد الأعراض وتصل في بعض الأحيان إلى الوفاة، ولكن -هنا ننتقل للاختيار الثاني- أقصى ما قد يحدث بسبب تناول اللقاح، بحسب مركز مكافحة العدوى، هو صداع وألم عضلي وارتفاع درجة الحرارة، ولكن في مقابل ذلك تكتسب مناعة لك ووقاية لمن حولك، أضف إلى ذلك أن الأعراض الشديدة نادرة حقا مع اللقاح، بينما احتمالاتها في حالة الإصابة بكورونا أكبر بفارق واسع.

هل تظن أن تعابير وجهك قد تؤثر على مشاعرك؟ بمعنى آخر: هل مجرد ابتسامك أو عبوسك قد يؤدي لشعورك بالسعادة أو الحزن؟ حاول مجموعة من الباحثين الإجابة عن هذا السؤال، فاختاروا مجموعتين من الأفراد، مجموعة طلبوا منهم أن يعضوا على قلم بأسنانهم، والأخرى أن يمسكوا قلما بشفاههم، وطلب من المجموعتين مشاهدة فيلم كارتون. وجد الفريق أن أعضاء المجموعة الأولى استمتعوا بالفيلم أكثر من الأخرى، وهنا ظهرت فرضية التغذية الراجعة على الوجه (Facial Feedback Hypothesis)، حيث إن حركة عض القلم بالأسنان تشبه الابتسام، الذي هو تعبير عن السعادة، لكن مسك القلم بالشفاه يشبه الشعور بالضيق أو الاشمئزاز.

تشير هذه الفرضية إلى أن تعابير الوجه لها تأثير مباشر على مشاعر الشخص. صدق أو لا تصدق، تستطيع التأثير على مشاعر صديقك إذا جعلته يؤدي فعلا جسديا يعبر عن الموافقة مثل هز الرأس بشكل رأسي. عندما قام كلّ من الباحثين ويلز وبيتي عام ١٩٨٠ بتقسيم طلابهما إلى مجموعتين، وطلبا منهم ارتداء سماعات رأس وتجربتها أثناء سماع المذياع، وهز الرأس فوق وتحت إذا كان الصوت واضحا، وهزها يمينا ويسارا إذا كان الصوت غير واضح، وجد الباحثان أن الطلاب الذين هزوا رؤوسهم للأعلى وللأسفل لديهم تقبل أكثر للرسالة التي سمعوها عبر المذياع، داعمين فكرة أن التعبير الجسدي له تأثير على المشاعر. لذا، قبل أن تعرض على صديقك فكرتك، حثه على عمل أي تعبير جسدي ينم عن الموافقة. هذا في المجمل هو ما يسمى بالاتساق الجسدي، لكن بقي أن نتحدث عن الاتساق السلوكي.

إذا كنت عضوا ضمن طائفة تعتقد بنهاية كوكب الأرض تحديدا يوم الجمعة القادم، ثم مر يوم الجمعة دون أن يحدث شيئا، هل ستظل عضوا في هذه الطائفة؟ لا تتفاجأ عزيزي القارئ حين تعلم أن هناك الكثير ممن سيظل عضوا في الطائفة. ذلك حدث بالفعل في الولايات المتحدة الأمريكية في ٢١ ديسمبر عام ١٩٥٤، حيث ادعت رئيسة طائفة بأن فيضانا سوف يقضي على كوكب الأرض ولن تنجو إلا طائفتهم، وعندما مر يوم ٢١ ديسمبر بسلام، لم يرتد عن الطائفة سوى عدد قليل، في حين استمر عدد كبير في الاعتقاد بأفكارها وبأن الفيضان قد تأجل موعده إلى وقت آخر.

حاول الباحث في علم النفس الاجتماعي ليون فيستنجر ورفاقه اختراق تلك الطائفة ودراستها عن قرب، وخرجوا باستنتاج أن الناس لديهم حاجة نفسية قوية للحفاظ على مواقف وسلوكيات متسقة غير متضادة. فعندما تكون مؤيدا شديدا لشخص ما، ثم يرتكب هذا الشخص خطأ، فسوف تشعر بعدم الراحة أو ما يسمى بالتنافر المعرفي (cognitive dissonance)، وتجد نفسك تحاول تبرير فعله الخاطئ حتى تتسق مع اعتقادك السابق (يظهر ذلك بوضوح في التأييد السياسي لمرشحين بعينهم).

حسنا، يمكن أن تستخدم تلك الفكرة لإقناع صديقك باللقاح، فبحسب ما أشار إليه كل من جوناثان فريدمان وسكوت فريزر، الباحثان في جامعة ستانفورد، كل ما يتطلبه الأمر هو أن تقدم لصديقك طلبات صغيرة متتالية متدرجة، طلبات لا يمكن رفضها، حتى تصل إلى طلبك بالتسجيل، ثم تلقي اللقاح، عندما يوافق صديقك بشكل متتالٍ على طلباتك، يصبح مع الوقت لديه الرغبة بالاتساق مع أفعاله عن طريق الموافقة على طلبك القادم.

انظر للخط على اليسار، واختر الخط المساوي له في الطول من الخطوط الثلاثة الأخرى. إذا كنت تعتقد أن هذا سؤال ساذج، فدعني أخبرك أن ٧٦٪ ممن سُئلوا هذا السؤال أجابوا بإجابات خطأ. هذا ما حدث في تجربة عالم النفس الاجتماعي "سولمون أش" عندما اختبر مجموعة من الناس كلّ على حدة، حيث يوضع الشخص محل الاهتمام بين مجموعة يوهم أنهم مثله مشاركون في التجربة، ثم يقومون باختيار خاطئ، وهنا يطلب إليه الاختيار، في ٧٦٪ من الحالات كان اختيار صديقنا خاطئا!

لماذا حدث ذلك؟ لأننا نميل معظم الوقت لتقييم معتقداتنا، ومعرفة إن كانت تتوافق مع بقية المجتمع أم لا، خوفا من الشعور بنبذ المجتمع لنا، وتجنبا لآلام الرفض الاجتماعي، فنضطر للرضوخ تحت تأثير ضغط المجتمع علينا في أغلب الأوقات، ومن هنا نشأت فكرة الضغط الاجتماعي التي يمكن أن تستخدمها للتأثير على قرار صديقك. أظهر له أعداد من سجلوا لتلقي اللقاح، أرسل له دوما رسائل لأشخاص يحكون تجاربهم الإيجابية بعد تلقي اللقاح.

هل تعرضك لأمر ما بشكل متكرر يجعلك تحب هذا الأمر بعد فترة من الزمن؟ يجيبك الباحثون أن التأثير المجرد للتعرض (mere exposure effect) يعني أن مشاعر البشر الإيجابية تزداد كلما زادت مدة تعرض الناس لشيء أو شخص ما. في إحدى الدراسات عرَضَ الباحثون وميضا لأشكال هندسية على المشاركين بشكل متكرر، وتم عرض هذه الأشكال بسرعة كبيرة (4 ملي ثانية) لدرجة أن المشاركين فشلوا في إدراكها. بعد ذلك قدم الباحثون للمشاركين شكلين: شكل ومض سابقا، وشكل آخر جديد تماما.

سُئل المشاركون عن الشكل الذي يفضلونه، وعلى الرغم من عدم وجود إدراك واعٍ على الإطلاق للشكل الأصلي، اختار الناس باستمرار الشكل الذي تعرضوا له من قبل. استفد من هذا التأثير وكرر باستمرار الفكرة التي تريد إقناع صديقك بها، مع الوقت ستجد أنه أصبح يألفها، ولا يجدها غريبة أو شاذة.

بجانب فكرة تكرار العرض، يمكن أن تستخدم طريقة أخرى يستخدمها الأخصائيون النفسيون لعلاج مرضى الرهاب، إنه أسلوب إزالة الحساسية المنهجي (Systematic desensitization)، ويتم تطبيق هذا الأسلوب عن طريق التعرض التدريجي لمستويات بسيطة من التوتر الناتج عن سبب الرهاب، ثم التدرج إلى أن يستطيع المريض مواجهة خوفه دون توتر.

عندما أراد مجموعة من الباحثين علاج امرأة من رهاب العناكب باستخدام أسلوب إزالة الحساسية المنهجية، بدأوا في الحديث عن العناكب، ثم عرض صور للعناكب أمامها، ثم اللعب بعناكب بلاستيكية، ثم عناكب في الواقع الافتراضي، إلى أن شفيت تماما بحلول نهاية العلاج خلال شهور. بالنسبة إلى صديقك، لا تتوقع قبوله الفوري بتلقي اللقاح، بل قد يكون هناك درجات واسعة من المعارضة، لذا حاول أن تكسب أرضا كل يوم، أزل مخاوفه من اللقاح بشكل تدريجي، ولا تسأم، فالنصر أصبح وشيكا.

فوجئ المسؤولون عن الخط الساخن لعلاج الإدمان في مصر عام ٢٠١٨ بازدياد عدد المكالمات بشكل غير مسبوق، حيث أعلنت وزيرة التضامن الاجتماعي وقتها زيادة نسبة المكالمات إلى ٤٠٠٪ مقارنة بالشهر السابق. لماذا حدث هذا في رأيك؟

السبب هو إعلان يظهر فيه محمد صلاح -نجم منتخب مصر- محذرا شابا من الانسياق وراء مغريات إدمان المخدرات، حقق الإعلان وقتها نسب مشاهدات خرافية مقارنة بإعلانات أخرى في الموضوع نفسه، ولكن ما الذي جعل المكالمات تزداد عما سبق بالرغم من أن محمد صلاح لم يتحدث بشكل تفصيلي عن عواقب الإدمان، وبالرغم من أنه ليس طبيبا من الأساس؟

يكمن الجواب هنا في طريقة التقديم الجذابة، يشغل محمد صلاح مكانة كبيرة في قلوب الشعوب العربية وخاصة مصر، وعندما يحب الإنسان شخصا يكون أميل لتقبل النصيحة منه، لذا فإن كنت غير متأكد من أن صديقك سيتقبل منك النصيحة، حاول أن تجد شخصا أقرب إليه ليوجهه.

بشكل رئيسي، هناك طريقتان لمعالجة وتقييم المعلومات الواردة إلينا: التقييم المنهجي (Systematic processing)، والتقييم المتحيز (Heuristic processing). يركز تقييمنا المنهجي للأمور على لب المعلومات الواردة إلينا وماهية الرسالة الرئيسية، بينما يعمل التقييم المتحيز على الأشياء المحيطة بالرسالة، مثل شكلها أو الطريقة التي قدمت بها أو هوية مَنْ قدمها، يشبه ذلك ما عرضه الحائز على جائزة نوبل دانيال كانيمان في كتابه "التفكير السريع والبطيء" حينما قال إن لدى كل منا نظامين للتفكير في عقله، نظاما بطيئا عقلانيا يحلل الأمور ويقيمها بدقة، ونظاما سريعا تلقائيا يتأثر بالتحيزات المختلفة.

ولكي تقنع صديقك بأمر اللقاح، عليك أن تهتم بالطريقتين، أقنعه بالرسالة الرئيسية عن طريق إمداده بالمعلومات اللازمة عن اللقاح وأحدث ما توصلت إليه الدراسات، فتكون أشبعت نظامه العقلاني، وكذلك اختر الوقت والحالة المزاجية المناسبة والشكل الجذاب لعرض موضوعك، فتكون استغللت نظام التفكير التلقائي في عقله. كذلك عندما تعرض على صديقك معلومات عن اللقاح، لا تذكر فقط الجيد وتستبعد المعلومات التي قد تخيفه، فهذا في غير صالحك، لأن صديقك وقتها سيشك في الأمر، وسوف يعتقد أنك تعطيه معلومات ناقصة، ويبدأ في التفكير في السلبيات التي لا تذكرها، ومن ثم يظهر مقاومة لما تعرضه عليه.

في النهاية، كن صريحا ولا تخش شيئا. تظهر الأبحاث أن الرسائل التي تقدم الجوانب الإيجابية والسلبية يمكن أن تنتج تغييرات في السلوك والمواقف، لذا فلا تذكر فقط المعلومات الإيجابية وتغفل السلبي منها، لكي تُحدث تغييرا حقيقيا في معتقدات صديقك.

عزيزي القارئ، لا تقرأ الفقرة القادمة، انتقل مباشرة إلى الفقرة التي تليها، ولا تعد إلى قراءة هذه الفقرة مرة أخرى.

هل ما زلت هنا؟ لماذا تقرأ هذا السطر الآن؟ ما الذي يدفعك لقراءة هذا السطر أيضا؟ حسنا، نعتقد أنك ما زلت هنا، وقد يكون السبب هو الفضول، أو أنك شعرت بأننا نقيد حريتك فسعيت بقوة لمحاربة ذلك القيد كي تستعيد حريتك مرة أخرى، ذلك يسمى بالمقاومة النفسية (psychological reactance). يوجد سبب آخر لما شعرت به، وهو خوفك من الخسارة (loss aversion)، إذ إنك قد تشعر أنك سوف تخسر شيئا إذا لم تكمل القراءة.

اجعل صديقك يشعر أن الاختيارات محدودة، وأن أعداد اللقاح تتناقص يوما بعد يوم، استخدم مبدأ الندرة (Scarcity) أحد أهم مبادئ الإقناع، إذا عرضت فكرة الحصول على موعد لتلقي اللقاح وكأنها فرصة نادرة من الممكن ألا تتكرر قريبا إذا أغفل الموعد، فإنها قد تجد قبولا لدى صديقك.

وصلنا عزيزي القارئ إلى آخر خطوة في رحلتنا، الخطوة التي تضمن لنا التزام صديقك بقراره، وتأكيد اقتناعه بتلقي اللقاح في أقرب وقت ممكن.

هب أنك غارق في تشجيع فريقك المفضل في المباراة النهائية في بطولة عالمية، التعادل سيد الموقف، وتكاد المباراة تنتهي، إلا أن فريقك يحرز هدفا قاتلا في الدقيقة الأخيرة، ماذا تعتقد أن يكون شعورك وقتها: الفرح، أم الجنون، أم الإثارة؟ لا شك أن الأدرينالين في أعلى مستوياته، يصاحبه ضربات القلب المرتفعة، إذا طلب منك أحدهم وقتها طلبا بسيطا مثل أن تدعوه إلى وجبة العشاء، هل ستوافق؟

أظهر مجموعة من الباحثين أن حالة الإثارة (Arousal) تقلل من التفكير العقلاني الممنهج للشخص تجاه فكرة ما، بينما يزداد تأثير العناصر المحيطة بالرسالة. حاول أن تستغل أي حالة إثارة يمر بها صديقك كي تربط بين استعداده للقبول، وبين فكرتك التي تريد إقناعه بها، فيظل خطابك له عن تلقي اللقاح مرتبطا دائما بحالة من الإثارة التي مر بها قبل ذلك.

حسنا، يمكن لهذه الأدوات التي تعلمناها معا أن تمكنك من إحداث تأثيرات جيدة فيمن حولك، ليس فقط في حالة اللقاح، إنما في أي شيء آخر يتطلب إقناعا، وتذكر في النهاية أن الأمر لا يعتمد فقط على الحقائق واستخدامها بشكل غاشم للسيطرة على من تحب. يقول الكاتب الأسكتلندي توماس كارليل: "ليست القوة الغاشمة، ولكن الإقناع والإيمان فقط هما ملوك هذا العالم".

____________________________________________________________

*هذا التقرير مبني على ما استخلصه الكاتب من كتابَي (التأثير) لروبرت شالديني، وكذلك كتاب (طرق الإقناع) لنيك كوليندا.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة