من الشراء المذعور إلى إدمان التسوق.. كيف غيّر الوباء أنماطنا الشرائية؟

"الاستهلاك هو أحد أشكال التملك، وربما هو أكثرها أهمية في مجتمعات الوفرة الصناعية المعاصرة، إنه عملية لها سمات متناقضة، فهي تخفف القلق لأن ما يملكه الإنسان خلالها لا يمكن انتزاعه، إلا أن هذه العملية تدفع الإنسان إلى مزيد من الاستهلاك، لأن كل استهلاك سابق سرعان ما يفقد تأثيره الإشباعي، وهكذا فإن هوية المستهلك المعاصر تتلخص في الصيغة الآتية: أنا موجود بقدر ما أملك وما أستهلك".

(إريك فروم، عالم نفس ألماني)

بعد مرور أكثر من عام على إعلان منظمة الصحة العالمية عن فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19) بأنه وباء عالمي، بات من الواضح أن تأثيرات الوباء تتجاوز الجانب الصحي لتشمل مختلف جوانب الحياة، ومن بينها -بطبيعة الحال- السلوكيات الشرائية للمستهلكين، وهو ما أثّر بشكل مباشر على إستراتيجيات الأعمال حول العالم أيضا.

لعل ظاهرة الشراء المذعور أو "panic buying" كانت واحدة من أول وأوضح هذه التأثيرات التي ظهرت بمجرد تصنيف منظمة الصحة العالمية فيروس كورونا وباء عالميا. فمع إعلان العديد من الدول عن إجراءات الإغلاق الاحترازية هرع الناس لشراء مستلزماتهم بكميات كبيرة وتخزينها، سواء من الأطعمة، خاصة الأطعمة الجافة والمعلبات، أو منتجات التنظيف والتطهير، وأدوات الحماية مثل الأقنعة الطبية والقفازات.

 

يعكس ذلك سلوكا طبيعيا في مثل هذه الأوقات، إنها -فقط- محاولات للشعور بامتلاك بعض السيطرة في مواجهة الخوف والقلق من مواجهة المجهول، إضافة إلى وجود قلق حقيقي من ارتفاع أسعار السلع أو ندرتها في ظل أزمة لا يعرف أحد أين يبلغ مداها. وهو ما أدى في النهاية لانتشار العديد من الصور ومقاطع الفيديو التي تبرز أرفف المتاجر الخالية على مواقع التواصل الاجتماعي. (1)

لم يدم مشهد الأرفف الخاوية فترة طويلة، فمع تفاقم التحديات الاقتصادية الناتجة عن الوباء ظهرت -بالتبعية- مخاوف جديدة. طبقا لتقرير منظمة العمل الدولية الصادر في مطلع العام الحالي (25 يناير 2021) فقد تسبب وباء كوفيد-19 في خسارة ما يعادل 255 مليون وظيفة عام 2020، وأفاد "جاي رايدر" رئيس منظمة العمل الدولية بأن هذه أشد أزمة في عالم العمل منذ الكساد الكبير في الثلاثينيات. وقد ارتفع منسوب البطالة العالمية بنسبة 1,1% بحسب الأرقام الرسمية، ما جعل معدل البطالة العالمي يبلغ 6.5% العام الماضي.

من جانب آخر، انخفض دخل العمل العالمي بنسبة العُشر تقريبا مقارنة بالمتوسط قبل الوباء، وفي مواجهة فقدان الوظائف وانخفاض الدخول اضطرت الكثير من الأسر لخفض معدلات إنفاقها، وإعادة ترتيب أولوياتها. في ألمانيا على سبيل المثال تراجع إنفاق الأسر خلال العام الماضي بنسبة 5% مقارنة بمتوسط الأعوام الماضية، وبحسب البيانات كان هذا أكبر انخفاض في الاستهلاك منذ السبعينيات من القرن الماضي.(2) وفي الولايات المتحدة الأمريكية، على الجانب الآخر من المحيط الأطلسي، تراجعت ديون بطاقات الائتمان الأمريكية لتسجل أكبر انخفاض منذ أكثر من ثلاثين عاما مع ارتفاع المخاوف حول زيادة الإنفاق وميل الناس بشكل متزايد إلى الادخار تحسبا للمجهول. (3)

في حديثه مع ميدان، يقول أحمد (اسم مستعار): "فقدنا، أنا وزوجتي، وظائفنا في بداية الأزمة، ومع عدم وجود دخل اضطررنا للإنفاق من مدخراتنا المحدودة، ومن ثم كان علينا إعادة ترتيب الأولويات، اقتصرنا على الاحتياجات الأساسية فقط، وراودنا كابوس دائم حول نفاد مدخراتنا، وأن يأتي يوم لا نتمكن فيه من دفع إيجار المسكن". يضيف بعد قليل: "ساءت الأمور أكثر بعد إصابتي بفيروس كورونا في ظل عدم وجود تأمين صحي يغطي مصاريف العلاج والفحوص. من حسن الحظ أني وجدت وظيفة أخرى، وبدأ وضعنا المادي في التحسن. لكن أظن أني تعلمت درسا ما، لا أعتقد أني سأعود لنفس نمط الإنفاق القديم لفترة طويلة".

سواء من فقدوا وظائفهم كلية أو أولئك الذين انخفض دخلهم، تأثر الجميع تقريبا بالأزمة بشكل أو بآخر، وبينما أعاد الكثيرون ترتيب أولوياتهم وتخلوا عن شراء الكماليات، دفع فقدان الدخول أو انخفاضها البعض للتخلي عن الكثير من الأساسيات. وطبقا لما جاء في تقرير منظمة الأمم المتحدة، فإنه في الفترة التي سبقت جائحة كورونا، ذهب أكثر من 820 مليون شخص إلى الفراش يوميا وهم جائعون، بما في ذلك 110 ملايين شخص كانوا يعيشون في حالة انعدام حاد للأمن الغذائي. واليوم يواجه هؤلاء الأشخاص أزمة مزدوجة من الجوع وفيروس كورونا. (4)

لم تكن السيدة "أولجا"، التي يزيد عمرها عن الستين بقليل، تتوقع بأن تصبح قادرة على شراء احتياجاتها المنزلية عبر لمسات قليلة على شاشة هاتفها الذكي. بعد بدء الإجراءات الاحترازية لم تعد قادرة على النزول من المنزل إلى السوق، ولا يوجد من يساعدها بعد أن انعزل الجميع عن الجميع.

في مكالمة فيديو طويلة شرح لها ابنها العالق في بلدٍ آخر كيفية الشراء من البقالة عبر الإنترنت، كانت هذه هي البداية فقط، واليوم رغم تخفيف إجراءات الإغلاق أصبحت السيدة "أولجا" تعتمد بشكل كلي على الشراء عبر الإنترنت، ليس فقط لمنتجات البقالة، بل وأيضا الأدوية والملابس وحتى الأجهزة المنزلية.

ويبدو أن السيدة "أولجا" لم تكن الوحيدة، فقد أظهرت التغيرات التي حدثت في حجم إيرادات التجارة الإلكترونية حول العالم مدى تأثير فيروس كورونا المستجد على عادات التسوق لدى الأفراد حول العالم. وفي مقابل الارتفاع في حجم التجارة الإلكترونية، شهدت المتاجر التقليدية ركودا ملحوظا، في ظل قرارات الإغلاق التي اتخذتها العديد من الدول، وهو ما يهدد بتغير جوهري في شكل عالم المتاجر الذي نعرفه.

في هذا السياق أكد تقرير صادر عن بنك الاستثمار والخدمات المالية السويسري "UBS Group" إمكانية اختفاء أكثر من 100 ألف متجر تقليدي بحلول نهاية عام 2025، وهو ما أرجعه البنك إلى ارتفاع النفقات التي يفرضها فتح المتاجر مقابل انخفاض المبيعات. (5)

في المقابل، تباينت نسبة الزيادة في حجم التجارة الإلكترونية من قطاع لآخر. على سبيل المثال ارتفعت مبيعات شركة "نستله" للمواد الغذائية عالميا بنسبة 30% في الأشهر الثلاثة الأولى من العام الماضي، كما حققت شركة "بروكتر وجامبل" المتخصصة في مواد التنظيف ومستحضرات التجميل نموا في المبيعات الإلكترونية بنسبة 35% في الفترة نفسها. ولا عجب من ذلك فقد عَلِق الناس في منازلهم أشهرا طويلة لا يفعلون شيئا سوى تناول الطعام، وغسيل أيديهم وتطهير الأسطح في محاولات لا تنتهي لملاحقة العدو غير المرئي. وفي الوقت نفسه، قامت شركة أمازون، المتجر الإلكتروني الأشهر، بإضافة 100 ألف وظيفة جديدة بدوام كامل وجزئي في الولايات المتحدة.

ومع إغلاق النوادي الرياضية وأماكن الترفيه، بدا كأن الكثيرين قد أعادوا تأهيل المنازل لتصبح ملائمة لممارسة الرياضة والعمل وشتى النشاطات، وطبقا للبيانات التي جمعتها شركة "Stackline" لتكنولوجيا البيع بالتجزئة، ارتفعت المبيعات عبر الإنترنت لمنتجات مثل أدوات التمرينات الرياضية بنسبة 307%، وأدوات الحرف اليدوية بنسبة 117%. (6)

في المقابل أظهر استطلاع أجرته "Euromonitor International" أن 40٪ من الشركات في قطاع الأزياء ستتأثر بشكل أسوأ بكثير بأزمة الوباء مقارنة حتى بتأثير الأزمة الاقتصادية عام 2008. ولم تَنجُ شركة بحجم "إنديتكس" المالكة لعلامات مثل "زارا" وبيرشكا" و"ستراديفاريوس"، إذ انخفضت المبيعات بنسبة 44% وتصل إلى 3.7 مليار دولار، لتسجل الشركة خسائر صافية تقدر بحوالي 457 مليون دولار خلال الربع الأول من السنة المالية، فيما أعلنت علامة "Guess" أنها ستغلق 100 متجر في الولايات المتحدة والصين، في حين أعلنت "فيكتوريا سيكرت" أنها ستغلق 250 متجرا. (7)

تقول دارين (اسم مستعار) لميدان: "مع بداية الأزمة صرت أبحث عما أريد شراءه عبر الإنترنت، وفي كل مرة دخلت لشراء غرض ما أجد نفسي أضيف المزيد من الأغراض التي لا أحتاجها حقا إلى سلة الشراء، ولا أجرؤ على مقاومة إغراء اقتنائها. على صفحات فيس بوك، تحاصرني أخبار الوفيات بين معارفي، وأفكر أن الموت قد يكون قريبا، أقرب مما أتخيل، لماذا أدخر المال ولا أستمتع به الآن؟ اشتريت أيضا الكثير من الألعاب لطفلتي، أشعر أنها ظُلمت مثل ملايين الأطفال حول العالم، وقد حُرِمت فجأة من الأصدقاء والمدرسة والتمارين الرياضية، وهذه الألعاب مجرد محاولة لتعويضها".

في أحد استطلاعات الرأي الأمريكية، قال 72% من المشاركين إنهم قاموا بعمليات شراء اندفاعية أثناء الوباء لتساعدهم في تحسين مزاجهم. تساعد السعادة المؤقتة الناتجة عن التسوق على تحفيز زيادة الدوبامين، والذي يُطلَق عليه هرمون المكافأة، حيث يساعد في رفع الحالة المزاجية وتخدير المشاعر السلبية، لكن سرعان ما تتلاشى مستويات الدوبامين المرتفعة، وقد تفرغ المكان لمشاعر الذنب بسبب الإفراط في الإنفاق، وهو الشعور الذي يدفع بدوره إلى زيادة الرغبة في التسوق، في دائرة لا تنتهي، وخلال الدوران في هذه الدائرة نُصاب بإدمان حقيقي للتسوق.

تعززت هذه الظاهرة نتيجة لعوامل مختلفة، لعل أبرزها البساطة التي تتم بها العملية، مجرد نقرات سحرية من أصابعنا تدفع البضائع إلى عتبات منازلنا دون أن نبذل جهدا يذكر(8)(9)، وظاهريا دون أن ندفع نقودا أيضا. طبقا لـ"أمير أفنديك" أستاذ الاقتصاد السلوكي بجامعة لوفان، فإن استخدامنا لبطاقات الائتمان يؤخر ألم دفع الأموال. بعبارة أخرى، فإن بطاقات الائتمان تمتلك قدرة سحرية على فصل متعة الشراء عن ألم الدفع. (10)

وكأن كل هذا لا يكفي، إذ تقوم الشركات باستخراج البيانات من أجهزة الكمبيوتر والهواتف الذكية كي تقدم لكل منا اقتراحات تسوق مخصصة تبعا لاهتماماته وحالته المزاجية. لقد التقطت الشركات طرف الخيط وسرعان ما غيرت من إستراتيجيات التسويق، فبدلا من الإعلانات التقليدية، ركزت على إنشاء مقاطع فيديو إعلانية وبثها عبر منصات التواصل الاجتماعي المختلفة، وإنشاء تطبيقات التسوق عبر الإنترنت، والاستثمار في حملات وسائل التواصل الاجتماعي، وإعلانات محركات البحث، والمؤثرين الذين ازداد دورهم في الحملات التسويقية خلال العام الماضي بشكل كبير. (11)

على الرغم من كون هذه التغييرات تبدو جميعها ردود أفعال منطقية في مواجهة الأزمة، فإنها تشكل تحديات اقتصادية ممتدة وطويلة المدى، نحتاج جميعا، سواء كنا مستهلكين أو أصحاب أعمال، إيجاد صور جديدة للتكيف معها. بعبارة أخرى، لقد بات يتعين علينا بشكل مُلحّ أن نُغيِّر أنماط إنفاقنا، ليس بإلغاء الرفاهيات والكماليات تماما، ولكن عبر تأمل الأمر في سياق أننا قد نكون -فقط- منجذبين لفعل ذلك لأن هناك عمالقة يدفعون المليارات لإقناعنا بالشراء مرة تلو مرة دون أن نريد ذلك حقا.

__________________________________________________________

المصادر:

  1. Coronavirus: The psychology of panic buying: 
  2. الخوف يكبح الإنفاق الألماني
  3. New threat to the economy: Americans are saving like it’s the 1980s
  4. تعمل الأمم المتحدة على تجنب الأزمات المزدوجة مع وصول فيروس كورونا إلى أوجها
  5. 100,000 retail stores could close by 2025, accelerated by COVID-19, analysts say
  6. Our pandemic shopping habits are here to stay. Brands are racing to adapt
  7. More than 8,300 stores are closing in 2020 as the retail apocalypse drags on
  8. Covid has made online shopping addicts of us all
  9. COVID-19’s Effect on Apparel E-Commerce and Consumer Purchasing Behavior
  10. Does e-money make you spend more?
  11. التغيير الدائم في سلوك المستهلك وكيف تأثر التسويق الرقمي بسبب الوباء
المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة