صديقي الثلاثيني.. لماذا لا تزال أعزب حتى الآن؟

قد لا تمضي أي مناسبة أو تجمُّع عائلي إلا ويأتي إليك أحدهم مبتسما ابتسامة عادة ما تُوصَف بأنها "صفراء" ليسأل: "مش هنفرح بيك؟". إذا لم تكن متزوجا بالفعل، فستكون هذه العبارة، بالتأكيد، هي العبارة الأكثر تردُّدا على مسامعك في أي مناسبة اجتماعية. حينها تبدأ في التفكير سريعا للرد على هذا السؤال، الذي رغم معرفتك يقينا بـ "سخافته" فإنه يُجبرك في كل مرة على التفكير في الإجابة المناسبة، التي غالبا ما تكون "أنك لم تجد الشخص المناسب بعد".

 

إذا كنت عازبا، وتقرأ معنا بالفعل هذه الكلمات، فأنت غالبا ضمن مجموعة من ثلاث: إما أنك لست مرتبطا بإرادتك باعتبارك غير مهتم بإقامة علاقة جدية في هذا الوقت تحديدا من حياتك، وإما أنك لم تعثر بعد على الشخص المناسب بالفعل، أو أنك مضطر أن تبقى عازبا لظروف خاصة كاستكمال الدراسة أو الإنجاز العملي، أو ربما لأسباب اقتصادية، وليس ثمة عيب في كل هذا. لكن أن تكون قد تجاوزت عامك الـ 30 ولا تنتمي إلى واحدة من المجموعات الثلاث، ولا تملك سببا مقنعا لبقائك أعزب، فربما هناك مشكلة ما بالفعل. وما يلي محاولة لسرد مجموعة من العوامل التي يمكن أن تكون سببا في هذا التأخير، غير المفهوم، ربما للشخص نفسه.

 

"كثير من الاضطرابات جاءت نتيجة الصدمات العنيفة التي تعجز عن تحمُّلها النفس"

(سيغموند فرويد)

تُؤثِّر التجارب السلبية التي يتعرَّض لها الشخص في مرحلة الطفولة المُبكِّرة، سواء داخل المحيط الأُسري الضيق مع الوالدين، أو المحيط الاجتماعي الأكثر اتساعا مع الأقارب والأصدقاء، تأثيرا جسيما على صحته النفسية في مرحلة البلوغ. تشمل هذه التجارب جميع أشكال الأذى الذي قد يتعرَّض له الطفل خلال هذه المرحلة من حياته، بداية من العنف والانتهاك النفسي أو البدني، وليس انتهاء بالمشاعر السلبية مثل: الإحراج والتنمُّر والنبذ، أو الابتزاز العاطفي والتقليل من الشأن(1).

 

حتى في أفضل الحالات، يُعاني الآباء الجيدون في حياتهم من مشكلات جمة قد تتداخل بشكل أو بآخر في علاقاتهم مع أطفالهم، مثل العقبات المادية والظروف الاقتصادية، والحالة النفسية والاجتماعية. ورغم أن هذه المشكلات لا تتمحور حول الطفل نفسه، فإن احتكاك الآباء وهم في خضم هذه المشكلات مع أطفالهم في مراحل طفولتهم المُبكِّرة يؤدي إلى تكثيف وعي الطفل بمدى ضآلته وضعفه، فيقع فريسة سهلة في شباك المشاعر السلبية، مثل عدم الأمان وانعدام الكفاءة وقلة الثقة بالنفس والشعور بالذنب.

 

أما في مرحلة البلوغ، تتطوَّر التجارب السلبية في صورة عدم نضج في شخصية الطفل تارة، واضطرابات نفسية متفاوتة تارة أخرى. أحد الأنماط الشائعة لعدم النضج هو تطوير الطفل للدفاعات النفسية أثناء نموه، وبحسب نتائج دراسة أُجريت في كلية العلوم الاجتماعية وعلم النفس في جامعة تامبيري الفنلندية، للتعرُّف على تأثير العلاقات الأسرية المُبكِّرة على آليات الدفاع النفسي لدى الأطفال، فإن العلاقات الأسرية الجيدة تؤدي إلى تعزيز قدرة الأطفال على تنظيم عواطفهم بفاعلية، بينما تقودهم العلاقات الأُسرية المسيئة إلى بناء الدفاعات النفسية لحماية عواطفهم(2).

بعبارة أخرى، الأطفال الذين ينشؤون في علاقات أسرية صحية يُغلِّفها الحب والعاطفة يمتلكون القدرة على التحكُّم في عواطفهم وتنظيمها بفاعلية، على نقيض أولئك الذين ينشؤون ضمن علاقات أُسرية مسيئة، حيث يعجزون عن تطوير تلك القدرة، ويستبدلونها ببناء دفاعات نفسية تحمي مشاعرهم من العالم الخارجي. هذه الدفاعات تُعتبر آليات رئيسية تساعدهم على التعامل مع القلق والضغوطات عبر تشويه الحقيقة، وقمع الأفكار السلبية والعواطف السيئة، وبالتالي تجنُّب الألم وتوفير قدر من الحماية والأمان. (3)

 

ولكن رغم ما تُقدِّمه هذه الآليات من حماية، فإنها تؤثر على حياة هؤلاء الأشخاص في علاقاتهم المستقبلية، إذ تتداخل تداخلا بالغ التعقيد مع العلاقات العاطفية لدرجة تجعلك تُفضِّل البقاء وحيدا في فقاعتك الخاصة على عيش الحياة الحقيقية والانخراط في علاقة عاطفية، فقط لمجرد الخوف من التعرُّض للكثير من الألم والضرر النفسي أو العاطفي(4). ورغم أن هذه التأثيرات تبدأ في مراحل الطفولة المُبكِّرة، فإنها لا تتجلَّى بوضوح إلا فيما بعد مرحلة البلوغ عند الدخول في علاقات عاطفية.

 

على سبيل المثال، إذا نشأت في مرحلة الطفولة المُبكِّرة على أيدي والدين مُهملين أو باردين عاطفيا، فإن ذلك يُولِّد لديك شعورا بعدم الثقة في العاطفة والمحبة، وهو ما يتطوَّر في مرحلة البلوغ إلى مشكلات في الحفاظ على العلاقات العاطفية المُرضية، لذا تبدأ بالقلق من الأشخاص الذين يتقرَّبون منك أو يُظهِرون الاهتمام بك، وبدلا من منحهم الفرصة والتقرُّب منهم أو مبادلتهم القدر نفسه من الاهتمام، تنظر إلى علاقتهم من وراء مُرشِّح وتُفضِّل الابتعاد عنهم. قد تُبرِّر ذلك لنفسك بطرح أسباب وهمية غالبا ما تكون بعيدة كل البُعد عن السبب الرئيس الذي يكمن في خوفك من التعرُّض للضرر أو الجرح.

يقول الدكتور "مينيلوس أبوستولو"، الأستاذ المشارك في كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بجامعة نيقوسيا القبرصية، وصاحب العديد من الكتب والمؤلفات في مجال علم النفس التطوري في حواره لـ "ميدان": "يغزل الأشخاص الكثير من الحواجز الداخلية لمنع أنفسهم من الدخول في علاقات صحية، إذ تتعدَّد الأسباب التي يُقدِّمها الأشخاص تفسيرا لبقائهم عُزَّابا، لكن أكثرها شيوعا تشمل وجود تجارب سيئة من العلاقات السابقة، والانتقائية الشديدة في الاختيار، والمظهر غير الجذاب".

 

ويُضيف: "تلعب التجارب السابقة دورا محوريا في بقاء بعض الناس عُزَّابا، فعندما يمر الأشخاص بتجارب عاطفية فاشلة أو مؤلمة يعتقدون أنهم سيئون في العلاقات، ما يدفعهم إلى تطوير دفاعات نفسية تجعلهم يظلون عُزَّابا خوفا من التعرُّض للرفض أو الأذى العاطفي أو حتى الفشل مرة أخرى في المستقبل، ويُقنعون أنفسهم أنهم ما زالوا عُزَّابا لأنهم يُفضِّلون العيش بهذه الطريقة".

 

دعونا نُشِر إلى دراسة استطلاعية حديثة أجراها باحث في جامعة نيقوسيا بقبرص ونُشرت في مجلة العلوم النفسية التطورية بعنوان "لماذا يبقى الرجال عُزَّابا؟"، بالاعتماد على سؤال بالعنوان نفسه أثاره أحد روّاد موقع "ريديت". هدفت الدراسة إلى التعرُّف على الأسباب التي تدفع الرجال إلى أن يبقوا عُزَّابا، وشارك أكثر من 13 ألف شخص تم تحليل جُلّ ردودهم، وترميز ما يقرب من 7 آلاف إجابة وفقا لـ 43 فئة، ووفقا للنتائج، كان تدنِّي احترام الذات وقلة الثقة بالنفس هو السبب الرئيس الثاني الذي يدفع الشباب إلى البقاء عُزَّابا والعزوف عن الارتباط(5).

من أكثر الأشياء إثارة للانتباه في هذه الدراسة أن إجابة أكثر من 500 شخص كانت تنطوي دائما على الرد نفسه مهما اختلفت صيغته: "ما زلت أعزب لأن لديّ مشكلات هائلة في تقدير الذات"، أو: "ما زلت أعزب لأني أعتقد أنني عديم القيمة"، و: "لا أمارس حياتي الاجتماعية لأنني لا أرغب في إلحاق غبائي وحضوري عديم القيمة بأشخاص آخرين". لأي سبب كان، فهؤلاء الأشخاص جميعا يؤمنون أنهم عديمو القيمة ولا يستحقون الحصول على علاقة عاطفية جيدة كغيرهم، رغم أن غالبية هذه الاعتقادات قد تكون غير صحيحة بالمرة.

 

ينتج تدنِّي احترام الذات عن صوت داخلي قاسٍ يساهم في تكوين تصوُّراتك وقناعتك السلبية حول نفسك، فيُخبرك دائما بأنك عديم القيمة أو أنك غير محبوب ولا يهتم بك أحد، أو يخبركِ بأنك قبيحة أو سمينة، إلخ. هذه التصوُّرات السلبية عن ذاتك قد تؤدي إلى عواقب وخيمة على المستويات كافة وخاصة العلاقات العاطفية، فعندما تقتنع بهذه التصورات السلبية، تبدو جميع المشاعر الإيجابية الجيدة التي قد يُكِنُّها لك أي شخص وكأنها غير سليمة أو غير شرعية وغريبة لأنك لا تستحقها، لذا تعكسها بشكل سيئ على أصحابها بحيث تراهم يائسين وضعفاء.

 

على سبيل المثال، عندما يقترب منك شخص ما تبدأ في الاستماع إلى هذه الأصوات الداخلية، ومهما كان هذا الشخص جذابا وجيدا، فإنك تبدأ في التساؤل؛ هل هذا الشخص بهذه السذاجة؟ هل هو يائس وضعيف للدرجة التي تجعله ينجذب لشخص مثلي؟ ونتيجة حتمية للثقة في تصوُّراتك السلبية عن نفسك، تنخرط تلقائيا في سلوكيات هجومية تُقصي هذا الشخص بعيدا عنك، ظنًّا منك بأنه سوف يكتشف جوانبك السلبية الأكثر ظلمة فيما بعد، وحينها سيتخلَّى عنك، لذا ترى أن من الأفضل إقصاءه بعيدا من البداية قبل أن يقوم هو بذلك.

ورغم أن جُلّ تلك الافتراضات لا وجود لها خارج حدود تفكيرك، فإن تدنِّي تقديرك لذاتك يجعلك مُشوَّشًا وهشًّا، مؤمنا تماما بعدم قيمتك وضآلتك، وكافرا بحتمية امتلاكك لصفات جيدة كغيرك، وغير مبالٍ أن هناك احتمالا -ولو كان ضئيلا- أن الطرف الآخر واعٍ تمام الوعي بجوانب شخصيتك الأقل إثارة للإعجاب، لكنه يُدرك بأنك لست مثاليا، لأن لا أحد كذلك على الإطلاق.

 

يتفق مع ذلك الدكتور أبوستولو مؤلف الدراسة الاستطلاعية السابقة، فيقول في حواره لـ "ميدان": "في دراستنا، كان تدنِّي احترام الذات وقلّة الثقة بالنفس هما السبب الرئيسي الثاني الذي يجعل الأشخاص يعزفون عن الارتباط. تمنع هذه السمات الأشخاص من بذل الجهد اللازم للحصول على شريك مناسب؛ فإذا اعتقد الناس أنهم لا يستحقون شريكا أو أنهم لن يتمكَّنوا أبدا من الحصول على شريك مناسب، فلن يحاولوا العثور على واحد في المقام الأول، ما يجعلهم عُزَّابا في نهاية المطاف".

 

في الدراسة الاستطلاعية السابقة التي تُلقي الضوء على أسباب بقاء الرجال عُزَّابا، أفاد أكثر من 350 مشاركا أن السبب الرئيس في أنهم لا يزالون كذلك هو انجذابهم لأشخاص غير مناسبين أو ارتباطهم بعلاقات غير صحية انتهت بالفشل والتعرُّض للأذى. هناك رابط أصيل بين كلٍّ من بناء آليات الدفاع النفسي وتدنِّي احترام الذات والانجذاب غير الصحي في العلاقات العاطفية، فعندما تبني دفاعاتك النفسية وتبدأ في التفاعل والتصرُّف وفقا لها، سوف تنظر للعلاقات العاطفية بطريقة أخرى تحرص فيها كل الحرص على عدم التأذي عاطفيا ونفسيا، لذا دون وعي حقيقي منك تختار شركاء غير مناسبين تماما وغير أكفاء أو بعيدين عن مواصفات الشخص الذي تريده.

على سبيل المثال، قد تبحث عن شخص لا يبادلك مشاعر الإعجاب أو الحب نفسها، أو تنخرط في علاقة مَرَضية مع شخص غير متاح عاطفيا، مثل شخص مرتبط، أو آخر خرج من علاقة فاشلة، أو ثالث لا يرغب بالانخراط في علاقة عاطفية، إلخ، لتُلقي اللوم داخل عقلك على الطرف الآخر دوما، دون الاعتراف بحقيقة أنك تسعى إلى العلاقات الفاشلة، لسبب وحيد هو عدم التعرُّض للجرح العاطفي أو النفسي إذا استمرَّت العلاقة لفترة طويلة ثم انتهت نهاية سيئة بتخلّي الطرف الآخر عنك(6).

 

يلعب تدنِّي احترام الذات كذلك دورا محوريا في الانجذاب الخاطئ في العلاقات العاطفية، فكثير من الناس لديهم حافز لا واعٍ للبحث عن العلاقات التي تُعزِّز الأفكار النقدية والتصوُّرات السلبية التي طوَّروها عن أنفسهم في مراحل الطفولة المُبكِّرة(7). على سبيل المثال، تدفعك قلّة احترامك لذاتك دفعا نحو العلاقات السامة التي يلعب فيها الطرف الآخر على صورتك السلبية، تلك التصوُّرات التي لطالما آمنت بها للدرجة التي بدأت تشعر معها بالراحة والأُلفة رغم كونها غاية في الألم. مثلا إذا كنت في علاقة سامة وترى نفسك شخصا قبيحا أو سيئا أو عديم القيمة، والطرف الآخر يعلم بهذه التصوُّرات، فإنه يُعزِّزها عبر انتقادك انتقادات لاذعة تُركِّز على تلك التصوُّرات للدرجة التي يتضخَّم معها شعورك بالسوء وعدم القيمة.

 

لا تختلف النتيجة في كلتا الحالتين السابقتين بتاتا، في الحالة الأولى دائما ما تفشل العلاقات التي تتبع ذاك النمط السلبي من الانجذاب العاطفي، الذي يعتمد أساسا على الأشخاص غير المتاحين أو غيرهم من أولئك الذين لا يبادلونك الاهتمام أو الإعجاب. أما في الحالة الثانية، فتدنِّي احترامك لذاتك وعدم قدرتك على تصديق أن الطرف الآخر ينظر إليك بطريقة إيجابية مُغايرة لتصوُّراتك السلبية لنفسك -حتى لو كان هذا الشخص يراك بصورة إيجابية حقيقية- يؤدي حتميا إلى فشل العلاقة بمأساوية، لتصل في النهاية إلى النقطة ذاتها بأن تظل أعزب.

 

"الشيء الأكثر رعبا هو تقبُّل ذاتك تماما"

(كارل يونغ، عالِم نفس)

لطالما وُصِم حب الذات بأنه وصمة عار أخلاقية وأنانية، بل وأحيانا كثيرة خُلط بينه وبين النرجسية، بالطبع ثمة فارق كبير بين حب الذات والنرجسية. فليس كل مَن يعاني من حب الذات شخصا نرجسيا، إذ توجد الكثير من التناقضات والتعقيدات الازدواجية التي تقطن داخل الشخصية النرجسية. غالبا ما يتمحور حب الذات حول قدرة الشخص على رؤية دواخله بشفافية ورؤية مواطن قوته وضعفه بواقعية وصدق، للدرجة التي تجعله قادرا على تحمُّل مسؤولية رفاهيته وصحته العقلية والبدنية.

 

على نقيض كُره الذات الذي يتميز بتدنِّي تقديرها وقلة احترامها، فإن مَن يمتلكون حبا لأنفسهم لديهم تقدير واحترام جيد لذواتهم لدرجة تُمكِّنهم من تقدير إنجازاتهم بطريقة واقعية رغم إدراكهم التام بأنهم ضعفاء في جوانب أخرى وبحاجة إلى تحسينها. ورغم أن حب الذات أمر حيوي للدخول في علاقات صحية والحفاظ عليها، لكن على غرار تدنِّي احترام الذات، فإن الإفراط في هذا الحب يُعَدُّ وصفة سريعة لفشل العلاقات العاطفية وسببا رئيسيا في بقائك أعزب.

 

يؤدي إفراطك في حب ذاتك إلى تطوير نظرة دونية لأي شخص يشق طريقه إليك، ومهما كان هذا الشخص مميزا وجيدا فإنك ترى نفسك أفضل منه على الأصعدة كافة، بل وأحق بشخص أكفأ منه. على سبيل المثال، عندما يقترب منك شخص ما يحمل لك بعض مشاعر الإعجاب أو الحب، تبدأ تلقائيا بالمقارنة بينك وبينه بشكل غير منطقي أو عادل عبر النظر إلى نقاط ضعفه وتضخيمها في مقابل توجيه عدسة مُكبِّرة على نقاط قوتك، وذلك بدلا من الوعي بأنه مثل أي شخص آخر يمتلك جوانب مميزة وأخرى أقل تميُّزا.

ورغم ذلك عندما تنخرط معه في علاقة عاطفية تشعر وكأنك تعطف عليه، وترى أنه يجب عليه إظهار الامتنان والشكر طوال حياته بسبب قبولك به(8). ثمة طريقة أخرى غير مباشرة يُؤثِّر بها الإفراط في حب الذات على العلاقات العاطفية تكمن في بناء آليات الدفاع النفسي واللفظي التي تؤدي بدورها إلى فشل جميع العلاقات التي تنخرط بها، وبالتبعية بقائك أعزب. فبحسب دراسة بحثية أُجريت في جامعة جورجيا، فإن تقدير الذات المرتفع لا يعني بالضرورة الاحترام الصحي للذات، إذ إن هناك أنواعا هشة وضحلة من الإفراط في حب الذات ليست أفضل حالا من تدنِّي احترامها.

 

أوضحت نتائج الدراسة أن الأشخاص الذين يمتلكون مستوى آمنا وطبيعيا من حب الذات أقل عُرضة لتكوين الدفاعات النفسية واللفظية من أولئك الذين يمتلكون إفراطا هشًّا في احترام ذواتهم(9). يُعقِّب مايكل كيرنيز الباحث الرئيسي للدراسة وأستاذ علم النفس في جامعة جورجيا في بيان صحفي للجامعة قائلا: "إن الناس الذين يُعانون من ارتفاع احترام الذات من النوع الهش يُعوِّضون شكوكهم حول ذواتهم عبر الانخراط في السلوكيات المبالغ فيها مثل انتقاد الآخرين، للدفاع عن شعورهم بتقدير الذات وحمايته وتعزيزه"(10).

 

على سبيل المثال، إذا كنت في علاقة عاطفية وتُعاني من الإفراط السطحي أو الهش في تقدير ذاتك واحترامها، فغالبا ما تكون آليات دفاع نفسي ولفظي لتعويض شكوكك الداخلية التي تساورك حول ذاتك، وذلك بعكسها على الطرف الآخر في العلاقة من خلال توجيه عدسة مُكبِّرة على جوانبه السيئة أو صفاته السلبية التي كنت قد تقبَّلتها عن طيب خاطر في البداية، والبدء في انتقاده انتقادات لاذعة ينتج عنها فشل العلاقة في النهاية.

 

"علينا أن ندرك أنه لا يمكن أن توجد علاقات ما لم يكن هناك التزام، ما لم يكن هناك ولاء، ما لم يكن هناك حب وصبر وثبات"

(كورنيل ويست، فيلسوف وناشط سياسي أميركي)

رغم أن الخوف من الالتزام يتجلَّى في أبهى صوره خلال العلاقات العاطفية طويلة الأمد كالزواج، فإنه يُؤثِّر عموما على جميع العلاقات العاطفية والارتباطات، وقد يُمثِّل سببا جوهريا في بقائك أعزب. الخوف من الالتزام في مستوياته المُعتدلة قد يكون شعورا طبيعيا يمر به الجميع، لكنه يُصنَّف على أنه رهاب اجتماعي عندما يظهر بقوة، ويكون غير عقلاني وغير مُبرَّر، للحد الذي يمنعك معه من المخاطرة بالانخراط في علاقة عاطفية ويعوقك عن عيش حياتك الطبيعية.

 

كغيره من أنواع الرهاب المختلفة، قد يكون المرور بالتجارب والعلاقات المؤلمة أو معايشة الخبرات السلبية في الماضي هو السبب الرئيسي في ظهور الخوف من الالتزام وتطوره بمرور الوقت(11). يندرج أسفل هذه التجارب كلٌّ من: المرور بتجربة فاشلة لارتباط سابق أو التعرُّض لخذلان من الطرف الآخر، وكذلك معايشة ظروف الطلاق بين الآباء والأمهات في مرحلة الطفولة، أو رؤية المشاجرات والاعتداءات والعنف المستمر بينهم(12)، حيث تؤثر هذه التجارب تأثيرا جوهريا على تطوير الخوف من الالتزام الذي يؤثر تأثيرا بالغ التعقيد على الحالة العاطفية المستقبلية ويُنفِّرك من الانخراط في العلاقات العاطفية.

أخيرا، إلى جانب الأسباب السابقة التي تُعتَبر بمنزلة تحديات داخلية تدور في عقلك اللا واعي وقد لا تُدركها بسهولة، تلعب العزلة والروتين دورا محوريا كذلك في بقائك أعزب، فكلما تقدَّمت في العمر تراجعت إلى منطقة الراحة الخاصة بك التي تُعتَبر بمنزلة فقاعة يأسرك الروتين داخلها ويصعب الخروج منها، حيث تشعر بالاكتفاء والراحة والأمان، بعيدا عن الانخراط في الحياة الواقعية والدخول في العلاقات العاطفية التي قد تُغيِّر روتينك وتقلب حياتك رأسا على عقب. لذا بدلا من السعي وراء الانخراط في علاقة عاطفية حقيقية تُفضِّل البقاء منعزلا في دائرة الراحة الخاصة بك(13).

 

يُعلِّق على ذلك الدكتور "أبوستولو" أثناء حديثه لـ "ميدان" فيقول: "يُعتَبر الخوف من الالتزام من الأسباب الشائعة الأخرى التي تدفع الناس إلى البقاء عُزَّابا. يخاف الأشخاص من الانخراط في العلاقات الملتزمة طويلة الأمد لأنها تنطوي على العديد من الحلول الوسط وعادة ما تتطلَّب الكثير من التنازلات، وبعض الأشخاص لا يُفضِّلون القيام بهذه التنازلات لكنهم يُفضِّلون البقاء عُزَّابا بدلا من ذلك". ويُضيف "أبوستولو" في ختام حديثه إلى "ميدان": "عموما، لا تُعتَبر العزوبية ها هنا حالة دائمة، فقد يتمكَّن معظم الناس من العثور على شريك مناسب في النهاية. ربما لا يبقى الناس الذين يعانون من هذه الأسباب عُزَّابا إلى الأبد، لكنها قد تدفعهم إلى تجربة فترات طويلة من العزوبية".

————————————————————————————————————————

المصادر

  1. Defense Mechanisms That Affect Relationships
  2. Early Family Relationships Predict Children’s Emotion Regulation and Defense Mechanisms
  3. المصدر السابق
  4. Relationship between multiple forms of childhood maltreatment and adult mental health 
  5. Why Men Stay Single? Evidence from Reddit
  6. Why You Keep Winding Up in the Same Relationship
  7. The Psychology of Romantic Love – Whom We Find Attractive
  8. Two Reasons Why You Might Still Be Single
  9. High Self-esteem Is Not Always What It’s Cracked Up To Be
  10. High Self-Esteem Isn’t Always Healthy
  11. Why People Are Afraid of Commitment
  12. Men Who Can’t Love: How to Recognize a Commitmentphobic Man Before He Breaks Your Heart
  13. Why Am I Still Single? 8 Reasons People Often Stay Single
المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة