الشاشات ليست مضرة تماما.. هكذا تساعد ألعاب الفيديو في بناء شخصية الطفل

لقد ولَّى زمن التصوُّرات الشاعرية حول الأطفال المرحين القافزين فوق المساحات الخضراء الواسعة تحت ضوء الشمس، فأطفال اليوم قد استبدلوا فيما يبدو شاشات الهواتف بالعشب الأخضر، وتركوا الركض والقفز وانصرفوا للجلوس متكاسلين على الأرائك، تتقافز أصابعهم على أزرار ألعاب الفيديو، يتحكمون في أبطال خياليين يتحرَّكون خلف الشاشات.

 

وقد أدَّت جائحة فيروس كورونا إلى زيادة غير مسبوقة في الوقت الذي يقضيه الأطفال أمام الشاشات الإلكترونية، خاصة مع إغلاق المدارس وتحوُّل نسبة كبيرة من الآباء والأمهات للعمل من المنزل، لتصبح المنازل ساحات مشتركة للعمل والمعيشة والتعليم. وطبقا لليونيسيف فقد تأثَّر نحو 1.5 مليار طفل حول العالم بإغلاق المدارس، مما دفع عددا متزايدا من الأُسر للاعتماد على التقنيات والحلول الرقمية لمواصلة تعليم الأطفال والترفيه عنهم وربطهم بالعالم الخارجي.

 

ومع هذا التزايد في استخدام الأطفال للشاشات ارتفعت مخاوف الأُسر، خاصة مع تركيز أغلب الدراسات المطروحة على أضرار الشاشات على الأطفال. لكن الخبر الجيد أن هناك الكثير من الجوانب الإيجابية في استخدام الأطفال للشاشات، وتحديدا ألعاب الفيديو إذا استُخدمت في إطار معين.

 

في دراسة أُجريت في جامعة أكسفورد بالمملكة المتحدة ونُشرت نتائجها في مجلة طب الأطفال (Journal Pediatrics)، وشملت ما يقرب من 5000 طفل ويافع تتراوح أعمارهم بين 10-15 عاما، وجد القائمون على الدراسة أن 75% من الأطفال والمراهقين في المملكة المتحدة يستخدمون ألعاب الفيديو يوميا.
وكشفت الدراسة أن الأطفال والمراهقين الذين لعبوا ألعاب الفيديو لمدة تقل عن ساعة يوميا لديهم قدرة أعلى على التكيُّف ويواجهون صعوبات أقل في علاقاتهم الاجتماعية من الذين لا يستخدمون الألعاب مطلقا أو أولئك الذين يلعبون ﻷكثر من 3 ساعات يوميا.

 

وفي المقابل لفتت الدراسة الأنظار إلى أن الأطفال الذين يقضون أكثر من نصف وقت فراغهم في ممارسة ألعاب الفيديو يواجهون صعوبات في التكيُّف والعلاقات، ربما لتأثير الوقت الذي يقضونه في ممارسة ألعاب الفيديو على الجوانب الأخرى من الحياة مثل الأنشطة الاجتماعية والدراسية. (1)

 

في السياق ذاته، أشار بحث منشور بمجلة اللعب الأميركية (American journal of play) إلى الآثار الإيجابية لألعاب الفيديو على العمليات الذهنية الأساسية، مثل الإدراك والذاكرة، والقدرة على اتخاذ القرار، وحل المشكلات، والقدرة على الانخراط في عدة مهام في وقت واحد.

 

وطبقا للإحصاءات فقد ساعد الاستخدام المُقنَّن لألعاب الفيديو في تحسين حساسية التباين البصري، وزيادة القدرة على التمييز بين الاختلافات الدقيقة في درجات الألوان.

كما كشفت نتائج دراسة أخرى أجراها باحثون بجامعة كاتالونيا المفتوحة في إسبانيا ومستشفى ماساتشوستس العام بالولايات المتحدة عن أن مناطق الدماغ المشاركة في عمليات الاهتمام والمكافأة أكثر كفاءة لدى مَن يمارسون ألعاب الفيديو، وأشارت إلى أن ألعاب الفيديو يمكن أن تزيد من حجم مناطق الدماغ المتعلقة بالذاكرة المكانية وكفاءتها، وكذلك تزيد من كفاءة مناطق الدماغ المسؤولة عن الانتباه والمهارات البصرية.

 

ولكن في المقابل أشارت الدراسة أيضا إلى أن الإفراط في ممارسة ألعاب الفيديو يؤدي إلى حدوث تغيرات وظيفية وهيكلية في نظام المكافآت العصبية لدى مدمنيها، تُماثِل تلك التي تظهر في اضطرابات الإدمان الأخرى مثل إدمان الكحول والتدخين.

 

هناك دراسات أخرى أيضا ربطت بين بعض ألعاب الفيديو وتحسين المهارات المعرفية ومهارات التركيز لدى الأطفال الذين يعانون من اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه، حيث تُوفِّر منفذا للتخلُّص من التوتر. كما تُوفِّر بعض الألعاب إلهاء للأطفال من المرضى، وخاصة مرضى السرطان، وتساعد في صرف انتباههم عن الألم المصاحب لتلقي بعض أنواع العلاج. (2) (3)

 

وعلى الرغم من وجود هذه التأثيرات الإيجابية، فإنها بالتأكيد لا تدعم فكرة أن ألعاب الفيديو بمفردها يمكن أن تساعد الطفل على التطوُّر، خاصة في ظل وجود العديد من المخاطر المثبتة والمرتبطة بالإفراط في استخدام الشاشات، ولعل أبرزها:

  • تأخُّر الكلام

في دراسة شملت أكثر من 2000 طفل كندي في عمر ما قبل المدرسة، وجد الباحثون علاقة بين تأخُّر الكلام والإفراط في استخدام الشاشات؛ حيث يواجه الأطفال في هذا العمر صعوبة في تطبيق ما تعلَّموه عبر سياقات مختلفة. كما يؤدي الإفراط في استخدام الشاشة إلى التأثير على الوقت الذين يتواصل فيه الأطفال مع الأبوين والأطفال الآخرين. (4)

 

  • اضطرابات النوم

ربطت عدة دراسات بين الإفراط في استخدام الشاشات واضطرابات النوم، وهو ما يعود بالأساس لتأخُّر أوقات النوم، والتحفيز النفسي من المحتوى المستهلَك وتأثيرات ضوء الشاشة على أنماط النوم، حيث يتسبَّب الضوء الأزرق الصادر من الشاشة في قمع هرمون الميلاتونين المسؤول عن النوم. (5)

 

  • زيادة الوزن والإصابة بالسكري وتغير العادات الغذائية

أشارت دراسة أُجريت في معهد أبحاث صحة السكان بجامعة لندن إلى أن الأطفال الذين أمضوا أكثر من 3 ساعات يوميا أمام الشاشة كانوا أكثر عُرضة لزيادة الوزن وإظهار علامات مقاومة الأنسولين مقارنة بأقرانهم الذين يمضون ساعة واحدة أو أقل أمام الشاشات كل يوم، حيث يزيد معدل تناولهم للطعام أثناء المشاهدة، كما يتعرَّضون للإعلانات التسويقية المتعلقة بالأطعمة والمشروبات ذات السعرات الحرارية العالية التي تؤثِّر على تفضيلات الأطفال وطلبات الشراء وعادات الاستهلاك.

  • التأثير على المهارات الاجتماعية

أصبح من الشائع رؤية مجموعة من الأطفال جالسين معا وهم ليسوا معا، فكلٌّ منهم منغمس في هاتفه أو جهازه اللوحي بدلا من التفاعل مع بعضهم بعضا.

 

يؤثِّر الاستخدام المفرط للشاشات على تفاعلات الأطفال مع أقرانهم، مما يؤثر جدا على مهاراتهم الاجتماعية. ولا يقتصر الأمر على استخدام الأطفال للهواتف، بل واستخدام البالغين لها، حيث يشكو الكثير من الأبناء من شعورهم بأنهم يأتون في المرتبة الثانية لدى والديهم بعد الهواتف!

 

  • العدوانية والتعرُّض غير المباشر للمحتوى العنيف

قد يتعرَّض الطفل لمشاهدة محتوى عنيف، وهو ما ربطته الكثير من الدراسات بزيادة تحفيز السلوك العدواني لديه. إذا كنت تعتقد أنك تراقب المحتوى الذي يتعرَّض له طفلك جيدا فربما عليك أن تراجع هذا المعتقد.

 

على سبيل المثال عندما تشاهد برنامجا ما به محتوى غير مناسب، معتقدا أن طفلك مستغرق في اللعب، ربما يتأثَّر الطفل بهذا المحتوى، الذي قد يتسرَّب إليه عبر نشرات الأخبار أو حتى الإعلانات. (6)

 

"أي اجتهاد في أي شيء، ولو كان اجتهادا في اللعب، لا بد أن يؤتي ثمره.

اعمل بجد في أي شيء، وإذا لعبت فالعب بجد، وابدأ فورا من الآن".

(مصطفى محمود، الشيطان يحكم)

بينما لا يُمكنك أن تتحاشى تماما استخدام أطفالك للشاشات، هناك عدد من النصائح التي تساعدك على تحقيق التوازن المنشود، الذي يسمح للطفل بالانخراط في تجربة إيجابية وفعالة أمام الشاشة مع تقنين التعرُّض للضرر:

 

  • لا تسمح للشاشة بالتحوُّل إلى جليسة أطفال

يقع الكثير من الآباء والأمهات في فخ استخدام الهاتف ﻹلهاء الطفل. بإمكانك استغلال وقت الشاشة في التفاعل مع طفلك وقضاء الوقت معه، استمع له وهو يشرح لك اللعبة التي يلعبها، أو شاركه في اللعب بها، أو ساعده في البحث عن إجابة ﻷحد تساؤلاته، أو شاهدا فيلما مناسبا وتناقشا حوله.

 

  • ركِّز على نوع المحتوى الذي يتعرَّض له الطفل

هناك محتوى تعليمي ثري عبر الإنترنت يسمح للطفل بالتفاعل والمشاركة بدلا من أن يكون مجرد مشاهد سلبي، وتُشير الإحصائيات إلى أن نسبة الطلاب الذين درسوا دورة واحدة على الأقل عبر الإنترنت خلال العام الماضي تجاوزت 30%.

كما توجد الكثير من التطبيقات التي تُشجِّع على التفكير والتساؤل، لعل أشهرها النسخة التعليمية من لعبة كرافت. بالإضافة إلى العديد من التطبيقات المُصمَّمة لتعليم مهارات معينة مثل جدول الضرب أو الهجاء، وتطبيقات تعليم البرمجة مثل "Scratch" التي تسمح للطفل بالمشاركة الفعالة بدلا من أن يكون مجرد مستخدم للبرامج.

 

وبدلا من استخدام يوتيوب لمشاهدة عشرات الساعات من "الفلوجات" غير الهادفة، شجِّعه على التركيز على تعلُّم مهارة أو لغة عبر يوتيوب.

 

  • مهارات القراءة والبحث

هناك الكثير من الكتب الإلكترونية المناسبة للأطفال على شبكة الإنترنت، سواء تلك المتاحة مجانا أو التي يمكنك شراؤها. بإمكانك أيضا استغلال تساؤلات طفلك حول أي موضوع وتشجيعه على استخدام محركات البحث، وتعليمه مهارات التأكُّد من موثوقية المعلومات التي يصل إليها بطرق فعالة.

 

  • التواصل مع العالم الخارجي

ساعدت تطبيقات الاتصال المرئية المتاحة على التواصل مع الأصدقاء وأفراد العائلة البعيدين، وهو ما ظهر أثره جليا خلال العام الماضي. كما تُوفِّر وسائل التواصل الاجتماعي للأطفال واليافعين فرصة لاستكشاف الاهتمامات والهوايات والتواصل مع آخرين ممن يشاركونهم الميول نفسها مما قد لا يكون متاحا لهم على أرض الواقع.

  • الحماية من المحتوى غير المناسب

احرص على فحص البرامج والألعاب والتأكُّد من مناسبة المحتوى الذي تُقدِّمه قبل السماح لطفلك بمشاهدتها أو اللعب بها. تذكَّر أن طفلك قد يتعرَّض لمشاهدة محتوى لا توافق عليه في مرحلة ما، استعد لذلك بالتحدُّث معه حول نوعية المواقف التي يمكن أن يتعرَّض لها، والتصرُّف المناسب، وشجِّعه على التفكير النقدي فيما يشاهده.

 

  • تنظيم الوقت

من الضروري تنظيم وقت الشاشات بحيث لا يبتلع وقت فراغ الطفل بالكامل، ولا يحول بينه وبين ممارسة الأنشطة الأخرى. اجعل بعض المناطق والأوقات خالية من أي شاشات، على سبيل المثال أوقات تناول الوجبات العائلية، أو احظر استخدامها قبل النوم بساعة على الأقل، أو استخدامها في غرف النوم. كما يمكنك استخدام بعض التطبيقات التي تسمح بالتحكُّم في مدة استخدام الطفل للجهاز. (7) (8)

 

تذكَّر أنك ربما لا تتمكَّن من تحقيق التوازن طوال الوقت، إذ يتعرَّض الآباء والأمهات حول العالم في الوقت الحالي لضغوط غير مسبوقة دون الحصول على مساعدة. خلال أوقات التوتر والإرهاق الشديد والمرض، لا بأس من منح الطفل المزيد من وقت الشاشة للسماح لنفسك ببعض الراحة المُستحقَّة كي تستطيع المواصلة من جديد دون السقوط في فخ الشعور بالذنب.

———————————————————————————————————–

المصادر

  1. Could playing video games for short periods be beneficial for kids?
  2. ADHD and Video Games: Is There a Link?
  3.  video games and health.
  4. Screen-time is associated with inattention problems in preschoolers: Results from the CHILD birth cohort study
  5. The health effects of screen time on children: A research roundup
  6. The Effects of Screen Time on Children
  7. positive screen time for children
  8. وقت التلفاز والأطفال، كيف ترشد طفلك
المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

سيسهل “يوتيوب كيدز” على العائلات العثور على مقاطع فيديو مناسبة لأطفالهم يمكنهم الاستمتاع بها، مع توفير أدوات سهلة الاستخدام للآباء للتحكم فيما يشاهده أطفالهم. تعرف على أهم خصائصه ومزاياه بهذا التقرير.

7/4/2021

تأمل وضع الإمساك بالهاتف الذكي الذي نتَّخذه دائما، حينما نثني رأسنا للأسفل ونرفع يدينا قُرابة وجهنا، هذا ليس طبيعيا، لكننا نفعل ذلك رغما عنّا.. فهل يمكن أن نُعرِّف ذلك على أنه إدمان حقيقي؟

3/4/2021
المزيد من مقالة
الأكثر قراءة