الأمر ليس مصادفة.. لماذا يحب الجميع آيكيا؟

كم مرة دخلت إلى متجر آيكيا وأنت تنوي شراء غرض ما، وانتهى بك الأمر مُحمَّلا بالعديد من الأغراض التي لم تكن تُدرك حتى أنك تحتاج إليها؟ هذه الحالة أكثر شيوعا مما تتصوَّر. لم يكتفِ "إينغفار فيودور كامبراد" مؤسس سلسلة متاجر آيكيا الذي توفي مطلع عام 2018 بإنشاء سلسلة متاجر فقط، بل استطاع أن يخلق تجربة تسوُّق مختلفة ومميزة، تدفع العملاء إلى شراء المزيد، وتخلق علاقة قوية بينهم وبين آيكيا، فما سر هذه العلاقة؟

 

وُلد إينغفار فيودور كامبراد في مقاطعة صغيرة جنوب السويد في مارس/آذار 1926، وبدأ حياته العملية في سن مبكرة، إذ بدأ في طفولته وهو في سن الخامسة في بيع أعواد الثقاب وأقلام الرصاص. عمل بعدها في بيع زينة الكريسماس، وبطاقات المعايدة، والأدوات المكتبية، وغيرها، واستطاع مراكمة أرباحه البسيطة ليفتتح في سن السابعة عشرة متجره الأول عام 1943. وفي عام 1948 انتبه لاحتياج السوق إلى أثاث جيد بأسعار معقولة، فبدأ في عرض الأثاث المُصنَّع من قِبَل المُصنِّعين المحليين في متجره بأسعار زهيدة، مستهدفا العملاء ذوي الدخول المتوسطة والمنخفضة. نجحت تجارة الأثاث جدا، ومن ثم قرَّر نشر كتيبات صغيرة أطلق عليها "Ikea News" للتسويق لمنتجاته، وهو ما تطوَّر فيما بعد إلى دليل آيكيا المُصوَّر. (1)(2)

 

أما اليوم فقد صار عدد متاجر آيكيا 422 متجرا حول العالم، تجذب ما يزيد على 957 مليون زيارة سنويا. لكن يبقى السؤال مطروحا: لماذا نحب متاجر آيكيا، وكيف نشتري كل مرة المزيد والمزيد من الأشياء، هل يقتصر الأمر فقط على اختلاف وتميز ما تُقدِّمه آيكيا من المنتجات؟ أم أن هناك حِيَلا خفية تدفعنا نحو شراء المزيد؟

 

تجعل تجربة التسوُّق في آيكيا العملاء جزءا من اللعبة، ففي دراسة حديثة نشرتها مجلة علم النفس الاستهلاكي قدَّمت تفسيرا علميا لما أطلقت عليه "تأثير آيكيا" (The IKEA effect)، وهو ما عرَّفته باعتباره تحيُّزا معرفيا يجعل المستهلك يمنح قيمة أعلى للمنتجات التي شارك في بنائها جزئيا، حيث يتعلَّق المستهلك بما يبذله من جهد ووقت في بناء هذا المنتج. يشبه تجميع قطع الأثاث لعبة مكعبات البناء لكنها للكبار، حيث يمنحهم إتمام المهمة بالشكل الصحيح شعورا بالإنجاز يُولِّد الشعور بالرضا الذي يرتبط بالمنتج.(3)

طبقا لآلان بين، الأستاذ بالكلية الجامعية بلندن، فإن متاجر آيكيا مُصمَّمة بشكل يشبه المتاهة، وهو ما يدفع العملاء للسير عبر المتجر بأكمله قبل المغادرة.(4) كما أن الممرات مُصمَّمة بحيث تدفعك للانحناء كل 50 قدما لتتوالى بذلك المنحنيات أمامك، وهو ما يزيد من شعورك بالفضول نحو ما يقف خلف تلك الزوايا التي لا يمكنك رؤيتها، وﻹشباع فضولك فعليك أن تسير في الممرات لأطول وقت ممكن.

 

ينقسم المتجر إلى قسمين رئيسيين:

  • الأول: هو صالة العرض التي يمكنك من خلالها التجوُّل عبر الغرف المختلفة والمنازل ذات المساحات المختلفة التي تراها على صفحات الدليل المُصوَّر، ستتمكَّن من لمس المنتجات وتجربتها، والجلوس على المقاعد، والنوم على الأَسِرَّة. وفي أثناء رحلتك ستقابل العديد من الأشياء التي يمكنك اصطحابها معك وربما لم تكن تُخطِّط لشرائها، على سبيل المثال: أوانٍ خزفية بأسعار زهيدة، بطاريات، مصابيح إضاءة، شموع، والعديد من الأشياء الصغيرة التي ستجد نفسك مدفوعا لشرائها. طبقا لآلان بين، فإن العميل يجد نفسه مدفوعا لالتقاط هذه المشتريات الصغيرة ووضعها في حقائب التسوُّق الزرقاء كي لا يضطر للعودة وقطع هذه الطرق المُربِكة الشبيهة بالمتاهة.

  • القسم الثاني: هو المستودعات (وقبل أن تصل إليه عليك أن تمر بمطعم آيكيا الذي سنتحدث عنه لاحقا)، ستصل إلى المستودعات لتجد عربات التروللي المُجهَّزة خصيصا لنقل قطع الأثاث المُفكَّكة والمعبَّأة بشكل أفقي مُسطَّح لتحملها معك بسهولة. ابحث عن أماكن القطع التي سبق أن دوَّنتها في قائمتك، وحين تصل إليها احملها ببساطة إلى عربة التروللي الصغيرة، نعم! هذه الصناديق الصغيرة تحتوي على غرفة نومك الجديدة كاملة.(5)

 

في بداية رحلة تسوُّقك ستجد أقلام الرصاص، وقوائم الشراء الفارغة التي تنتظرك لتملأها، وشرائط القياس أيضا، احمل مُعِدَّاتك وابدأ رحلتك، وإذا ما لفتت انتباهك إحدى قطع الأثاث فسيكون عليك أن تُدوِّن رقمها وبياناتها من الملحوظات الموجودة على البطاقة المُعلَّقة عليها، وهو ما يُولِّد شعورا داخليا بالالتزام، وطبقا لديمتريس سيفريكوس، أستاذ علم نفس المستهلك وقطاع الأعمال بالكلية الجامعية بلندن، فإن مفتاح نجاح آيكيا هو إشعار المستهلك بالمسؤولية من بداية رحلة التسوُّق، وموظفو آيكيا مُدرَّبون على عدم عرض المساعدة إلا حين تطلبها، فستجد نفسك مسؤولا عن كل شيء، بداية من التقاط القلم والورقة وتدوين ما تحتاج إليه من معلومات، وحتى جمع قطع الأثاث بنفسك من المستودعات، وانتهاء بتركيب قطع الأثاث بنفسك في المنزل.(6)
هل لاحظت عدم وجود نوافذ في صالة العرض؟ تُشبه تجربة التسوُّق في آيكيا أحيانا الدخول في كبسولة زمنية لا تشعر فيها بانقضاء الوقت، وقد ينقضي النهار كاملا دون أن تشعر (إلا إذا نظرت في ساعتك بالطبع)، صُمِّمت جميع فروع آيكيا بهذه الطريقة لتضمن أن تقضي بها وقتا أطول دون الشعور بمرور الزمن، ووقت أطول يعني بالتأكيد نسبة مبيعات أعلى.
تُولي آيكيا اهتماما بالغا للعائلة، وللأطفال خاصة، لذا ستجد دائما مقاعد مناسبة للأطفال في المطعم، غرفة خاصة لتغيير الحفاضات بالحمام، والأهم على الإطلاق هو منطقة سمولاند للألعاب في بداية المتجر. إذا كان لديك أطفال فأنت تعلم بالتأكيد كيف يمكن أن تتحوَّل تجربة التسوُّق بصحبة الأطفال إلى جحيم إذا شعر الطفل فجأة بالتعب أو النعاس أو الملل أو الرغبة المفاجئة في البكاء. ولتجربة تسوُّق أقل توتُّرا تُوفِّر آيكيا مساحة اللعب التي يمكنك ترك أطفالك فيها آمنين، والاستمتاع بالتسوُّق دون قلق.
يُمثِّل موقع مطعم آيكيا أحد الأسلحة الذكية في تجربة التسوُّق من آيكيا، حيث تُهاجمك في منتصف رحلة التسوُّق رائحة الطعام السويدي الشهير. بالتأكيد ستجلس لترتاح وتتناول غداءك، خاصة مع تلك الأسعار الزهيدة التي ستُشجِّعك على تناول المزيد، وربما تحتسي كوبا من القهوة (المتاحة مجانا إذا كنت من حاملي بطاقة عائلة آيكيا).
بعد أن تمتلئ معدتك بالطعام السويدي الشهي، ستتمكَّن من مواصلة تجربة التسوُّق باستمتاع، وستتخذ قراراتك الشرائية أسرع. وحتى بعد انتهاء رحلة التسوُّق ودفع الأموال في صندوق المحاسبة، فهناك عرض أخير لن تتمكَّن من رفضه، حيث ستجد في مواجهتك متجر الأطعمة السويدية. هل تتذكَّر كرات اللحم الشهية والقهوة اللذيذة التي تناولتها منذ قليل؟ بإمكانك الآن شراؤها وأخذها معك إلى المنزل.
قبل الوصول إلى منطقة الخروج سيكون عليك المرور عبر المزيد من العروض المُقدَّمة بكميات كبيرة، ربما تلتقط إناء تقديم الطعام، أو قطَّاعة البيض، أو فرشاة التنظيف، أو دمية محشوة ﻷطفالك، كلها موجودة أمامك بكميات كبيرة وأسعار زهيدة تُحفِّزك على الشراء.(5)
يحتاج الوصول إلى آيكيا إلى القيادة لمسافة لا تقل عن 20 دقيقة تقريبا، حيث تقع أغلب فروع آيكيا على أطراف المدينة عادة، وهكذا تكتمل تجربة الشراء، فآيكيا ليس المكان الذي تمر به بالمصادفة وإنما هو المتجر الذي تسعى للذهاب إليه، وهو ما يدفعك للشراء بلا وعي كي تشعر أن مجهودك لم يضع هباء.(7)

تحرص آيكيا طوال الوقت على تأكيد حرصها الدائم على تقديم أثر إيجابي على الكوكب والناس، فعلى سبيل المثال، يعملون على الوصول إلى استهلاك الطاقة المتجددة بنسبة 100%، ويحرصون على الحصول على القطن والأخشاب من مصادر أكثر استدامة.

 

كما يُعيدون استخدام الخامات ويحرصون على استخدام الخامات الصديقة للبيئة، فعلى سبيل المثال، استبدلوا الأكياس الورقية والأكياس المصنوعة من البلاستيك العضوي بتلك المصنوعة من البلاستيك التقليدي. كما يهتمون بقضايا تمكين المرأة والمساواة، وطبقا لموقعهم فإن نسبة تصل إلى 48% من المناصب الإدارية العليا تشغلها سيدات.(8)

 

كل هذه الالتزامات الاجتماعية تجعل المستهلك يشعر بأنه جزء منها وأنه يؤدي واجبه بشكل غير مباشر نحو الكوكب.

 

استطاعت آيكيا أن تحصل على ولاء مستخدميها في مختلف أنحاء العالم، لكن بعد معرفة كل هذه الحِيَل التسويقية، هل ستُفكِّر مرتين قبل وضع المزيد من المشتريات في حقيبة تسوُّقك الزرقاء؟

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة