أسرار قوائم الطعام.. كيف تجعلك المطاعم تنفق أكثر؟

اضغط للاستماع

على مدار يومنا، ربما يتعرَّض الواحد منا إلى عشرات الخدع الصغيرة المبنية على أسس علمية وتسويقية تسعى لتوجيه قراراتنا وإيهامنا بأنّنا مَن نختار، لكنها في الحقيقة تُوجِّه أصغر التفاصيل في حياتنا. تماما كالغزال الذي ترصده كاميرات ناشيونال جيوغرافيك لحظة تآمر الطبيعة والأُسود عليه دون أن يشعر بشيء، ففي الوقت الذي يسير فيه الغزال في البراري، يُحاك مشهد الافتراس. وفي حالتنا هذه، فالمستهلك هو الفريسة الهائمة في الحياة، دون أن تشعر أن السوق يتآمر على عقلها، وجيبها، ويتحكَّم في خياراتها وصولا إلى اختيار الطعام.

في هذا التقرير تحديدا سنتطرَّق إلى قائمة الطعام، فمَن كان يعتقد أن تلك الورقة المُلقاة على طاولة المطعم الذي قرَّرت أن تحظى فيه -مُصادفة- بوجبة مع صديق، مُرتَّبة بعناية لتوجيه خياراتك والتحكُّم بها. في الحقيقة، لا تُعَدُّ قوائم الطعام في المطاعم الكبرى مجرد ورقة بسيطة، ولكنها تُخفي بين طياتها عملية هندسة واسعة تمزج بين الحِيَل النفسية والمبادئ الاقتصادية، تهدف في النهاية لجعلك تختار صنفا معينا وتدفعك لتُنفق أكثر، فما أن تُمسك قائمة الطعام حتى تُصبح أنت فريسة اليوم.

 

قوائم الطعام في المطاعم عبر أدوات تسويقية متطورة يمكنها دفع الزبون نحو خيارات معينة، كما يمكنها أيضا أن تُخبره كيف يُفكِّر. يقول تشارلز سبينس، الأستاذ في علم النفس التجريبي والإدراك متعدد الحواس في جامعة أكسفورد ومؤلف كتاب "Gastrophysics: New Science of Eating" إن قائمة الطعام "تحتوي على عناصر كثيرة، وعن طريق تغيير بعضها يُمكننا أن نُوجِّه خيار الزبون ودفعه لخيارات معينة". إن أصغر الأمور التي تحتوي عليها قوائم الطعام مثل: نوع الخط المُستخدَم، شكل الحروف، وترتيب العناصر، يؤثر تأثيرا كبيرا على خيارات الزبون، حيث توجد الآن صناعة كاملة تُعرَف باسم "هندسة القوائم" (menu engineering) تُخبِر أرباب الأعمال كيف يُصمِّمون قوائمهم لنقل رسائل معينة إلى الزبائن، وتُشجِّعهم على إنفاق المزيد وجعلهم يرغبون في العودة مرة أخرى. (1)

على الجانب الآخر، يُوضِّح غريغ راب، مهندس قوائم لأكثر من 34 سنة، أن العمل مع سلسلة مطاعم كبيرة يتردَّد عليها أكثر من مليون شخص يوميا قد يتطلَّب 18 شهرا لإتمام القائمة الجاذبة والناجحة، حيث تُختَبر كفاءتها 3 مرات، ويُضيف "يقضي الزبائن بضع دقائق فقط للاطلاع على القائمة، لذلك نريد منهم استخدام هذا الوقت بكفاءة. فإذا تمكَّنوا من العثور على عنصر يريدونه بسرعة، فيمكنهم بعد ذلك قضاء وقت إضافي في الاطلاع على العناصر الأخرى التي قد نُؤثِّر عليهم وندفعهم لطلبها".

إن أول ما يلاحظه الزبون لحظة إمساك القائمة هو وزنها، حيث ثبت أن الزبون يربط بين وزن القائمة وجودة المكان، فالقائمة ذات الوزن الثقيل توحي للزبون بأنه في مؤسسة راقية يتوقَّع منها مستويات عالية من الخدمة. في دراسة أجراها باحثون في سويسرا وجدوا أن الخط المائل يجذب الزبائن أكثر من الخطوط حادة الزوايا، وأن الصيغ المُستخدَمة في شرح الطبق تلعب دورا في جذب الزبون. بمعنى: يمكنك شرح مكونات الطبق بالقول "شرائح لحم إلى جانب رقائق البطاطس" ويُمكنك القول أيضا "شرائح لحم الأنجوس المُتبَّلة بأعشاب إكليل الجبل إلى جانب رقائق البطاطس المقلية والمُتبَّلة بتتبيلة خاصة" يجب أن يُمنح الزبون فرصة تذوُّق الطبق لحظة قراءته، وعلى أساس هذا يُعلِّق القائمون على الدراسة "يمكن للمطاعم التلاعب بهذا لدفع الناس نحو طلب أطباق أكثر تكلفة". (2) (3) (4)

هناك الكثير من الحِيَل التي تستخدمها المطاعم للتحكُّم في خياراتك وإنفاقك من خلال قائمة الطعام، إليك بعضها:

  • ترتيب العناصر: من أجل جعلك تُنفق أكثر يلجأ أصحاب المطاعم إلى وضع الأصناف الأغلى ثمنا في الجهة اليُمنى العُلوية من القائمة، أو في وسط القائمة. يقول الخبراء "بناء على أنماط القراءة، فإن العين تستقر أولا على هذا الجزء من القائمة، لذلك من المنطقي وضع الأصناف الأغلى ثمنا هنا". (5)
  • خياراتك محدودة: يتبع خبراء القوائم النظرية النفسية المُسماة بمفارقة الاختيار، التي تقول إنه كُلما كان لدينا المزيد من الخيارات، زاد شعورنا بالقلق. وعلى إثر هذه النظرية وُجد أن الرقم 7 هو الرقم الذهبي لقوائم الطعام، حيث لا تزيد خيارات كل فئة في القائمة عن 7 أصناف. وحسب ما جاء في تقرير لمجلة فوربس (Forbes) فإن بعض المطاعم لم تأخذ هذه النظرية بعين الاعتبار، مثل سلسلة ماكدونالدز التي قدَّمت في البداية أصنافا محدودة ولكنها الآن تُقدِّم ما يُقارب 140 صنفا، ومع ذلك انخفضت إيرادات السلسلة بنسبة 11% عام 2015. (6) و(7) و(8)
  • إرفاق الصور: يقول غريغ راب، مهندس قوائم الطعام، إن الصور تزيد من فرصة بيع الصنف بنسبة 30%. وفي دراسة أجرتها جامعة في ولاية آيوا على بعض طلاب التخييم، فإن الطلاب الذين شاهدوا صورة لوجبة بسيطة مثل السلطة كانوا أكثر عُرضة لطلبها بنسبة 70%. وهذا ما يسعى أصحاب المطاعم لاستخدامه عن طريق عرض صور مُنمَّقة وجذابة وزاهية اللون لوجباتهم. (9) (1)
  • التلاعب بالأسعار: في دراسة أجرتها جامعة كورنيل وُجد أن إحدى الطرق التي تجعلك تُنفق أكثر هو عدم وضع رمز العُملة مثل ($) فقد لوحظ أن القوائم التي لا تحتوي على الرموز هي القوائم الناجحة. يقول مستشار المطاعم العالمي آرون آلن "نتخلَّص من علامة الدولار لأننا هكذا نضع إصبعنا على نقطة ألم ونُذكِّر الزبون أنه في عملية إنفاق، وهذا ما لا نريده" إلى جانب هذا فإن المطاعم تختار صنفا لتجعله الأعلى ثمنا مقارنة بكل ما في القائمة، وذلك لتجعلك تعتقد أن أي صنف في القائمة -غير ذاك الثمين- يتمتع بسعر معقول ومناسب. (11)
  • يستغلون نظراتك: تُصمِّم المطاعم قوائمها لتحقيق أقصى استفادة من نظراتك، الزاوية العُليا من الجهة اليُمنى من القائمة هي المكان الرئيسي. تُستغل هذه المنطقة بكل ما هو ممكن لجذب نظرك ولدفعك لاختيار ما وُضع بها، والحيلة الأخرى التي يُوضِّحها المستشار آلن هي أن العناصر ذات الربح المرتفع تُفصَل عن باقي القائمة أو تكون مُحاطة بمساحة فارغة، ويُوضِّح "إن وضع مساحة سلبية -فارغة حول عنصر ما قد يجذب الانتباه إليه ويساعدك على بيع الصنف". (12)

  • يزرعون في قلبك الحنين: نتشارك جميعنا مع أحبائنا وجبات مميزة غالبا ما تُشكِّل ذكرياتنا، والمطاعم تعي هذا الاتجاه وتستغله من خلال تسمية بعض الأصناف بأسماء تبدو عائلية من أجل غرس السعادة في نفس الزبون. تقول إحدى الدراسات إن ربط بعض الوجبات بالذكريات السعيدة عن الأسرة والتقاليد العائلية قد يدفع بعض الزبائن إلى طلب طبق تقليدي يُعيدهم إلى تلك الحقبة الماضية المليئة بالمشاعر. (13)

 

في كتاب "الذوق في زمن الخيارات اللا منتهية" تأليف توم فاندربيلت، يُشير إلى أن العالم الحديث يفرض علينا وابلا من الخيارات التي لا تنتهي في السوق الاستهلاكية، وهو أمر تَعزَّز مع زيادة الخيارات التي نُطالعها عبر الإنترنت كل لحظة. يُقدِّم الكاتب نصائح عدة للسيطرة على اختياراتنا في خضم زوبعة الحِيَل التي تُحيط بنا، لكنه يؤكد أن الوعي الذاتي بكل ما يدور حولنا هو أقصر الطرق وأكثرها كفاءة في التعامل مع العالم المحيط. (14)

قوائم الطعام لعبة تخوضها إجباريا كل مرة تدلف فيها إلى أحد المطاعم لتناول وجبتك، ولكن لحُسن الحظ، فإن أي لاعب يمكنه أن يلعب هذه اللعبة بعد فهم قوانينها. عندما يأتي النادل المرة القادمة مُتَّجِها نحوك بابتسامة عريضة ليناولك قائمة الطعام التي ستُحوِّلك إلى فريسة اليوم، قابله بابتسامة وضع قوانين لعبتك، وتذكَّر أن القائمة أكبر من الزاوية العلوية في الجهة اليُمنى، وأن الحنين لشوربة جدتك لا يتحكَّم باختيارك، فأنت تشتري الطعام لا المشاعر، وأن الرقم 12.00 لا يختلف عن 11.99، وأنك أنت الذي تتحكَّم برغباتك وبقدر المال الذي تريد دفعه وليس قائمة الطعام.

————————————————————

المصادر

  1. The secret tricks hidden inside restaurant menus
  2. The influences of restaurant menu font style
  3. The taste of typeface
  4. How Restaurants Use Menus to Trick You Into Spending Money
  5. Restaurants Use These 3 Menu Mind Tricks to Get You to Spend More Money
  6. more isn’t always better.
  7. The paradox of choice
  8. New CEO, Same Problems At McDonald’s As Revenue Falls 11%
  9. Behind the scenes of Burger King’s nationwide digital menu board rollout
  10. Want kids to eat healthier? Don’t tell them, show them
  11. Menu Design: Nested Pricing on Restaurant Menus
  12. Menu Design: Successfully Using Negative Space
  13. 16 Sneaky Restaurant Menu Tricks That Tempt You To Spend More
  14. How to Choose Wisely
المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة