هوس الحِميات.. كيف يمكن للأنظمة الغذائية الخاطئة أن تدمر صحتك؟

 

لم تكن معرفة أحدث الاتجاهات في مجال الحِميات والتمارين أبسط مما هي عليه اليوم، فمع شعبية وسائل التواصل الاجتماعي، يخرج نجومنا المفضلون ويُخبروننا عن أحدث ما يتَّبعونه من حِميات مُبتَدعة (Fad diets) لخسارة الوزن أو الحفاظ على الرشاقة، وفي لمح البصر تجد متابعين كُثر لحميات مثل الكيتو أو كارنيفور أو باليو أو غيرها، إلى أن يطويها النسيان في غضون شهور وتظهر أنظمة أخرى بديلة.

 

الحميات المُبتَدعة (Fad diets) هي أنظمة صُمِّمت لفقدان الوزن بطريقة سريعة عبر تجنُّب تناول بعض العناصر الغذائية. كانت هذه الأنظمة قد نشأت في الأصل لعلاج حالات مَرَضية معينة، لكنها وجدت طريقها إلى حياة عامة الناس بدافع الرغبة في الحصول على نتائج سريعة والشعور بعدم الأمان والخوف من عدم التوافق مع الصورة المجتمعية للجمال، لكن أغلب المُتَّبِعين لهذه الحِميات يجدون صعوبة في مواصلة حياتهم مع الالتزام بها، فما الذي يُخبرنا به المُتخصِّصون في التغذية حول هذه الأنظمة والحِميات؟ ولماذا لا يمكننا الاستمرار فيها؟ (1)

 

تقول كاتي رانكل، اختصاصية التغذية في برنامج "UCI" لإدارة الوزن الصحي، إن الأنظمة الغذائية الفعالة هي التي أُجريت عليها الكثير من الأبحاث وتوصَّلت إلى أدلة تدعم جودتها، مثل حِمية البحر الأبيض المتوسط، بينما تميل الحِميات المُبتَدعة (Fad diets) إلى أن تكون قصيرة الأجل، إذ ليس هناك أدلة تُذكر على فعاليتها، فقط تُنشر في المجلات ويتنامى عدد مُتَّبِعيها بفضل وسائل التواصل ثم تسقط من ذاكرة الجمهور. لا يعني هذا -في رأيها- أن نتجنَّبها تماما، لكن أن نكون على وعي بأبرز إيجابياتها وسلبياتها، ويمكن هنا إلقاء نظرة على الحِميات الشائعة حاليا وما يُثار حولها. (2)

 

هي أحدث الحِميات الشائعة حاليا، وهو نظام غذائي منخفض الكربوهيدرات في المقام الأول، إذ لا يسمح سوى بنحو 50 جراما فقط منها في اليوم، ويعتمد في 80% من السعرات الحرارية على الدهون، إذ تؤكد بعض الدراسات أن اتباع نظام غذائي لا يحتوي على الكربوهيدرات، أو يحتوي على القليل منها، يُسهم في انخفاض الوزن أسرع مقارنة بنظام غذائي يعتمد على تقليل الدهون.

 

لكن المشكلة التي ظهرت سريعا هي زيادة مستويات الكوليسترول لدى مُتَّبِعي هذا النظام، وهي نتائج لا تزال في انتظار تأكيدات من تجارب ودراسات طويلة الأجل. ولكن عموما، يصعب اتباع حمية الكيتو مدى الحياة، إذ لا يمكن لأحدنا أن يتجنَّب تماما حبوب الأرز وغيرها، والمشكلة أن إعادتها إلى أطباقنا مرة أخرى يعني إعادة اكتساب ما فقدناه من الوزن إن لم يكن أكثر. (3)(4)

 

تُعرف أيضا بـ "نظام العصر الحجري"، وهو يشبه أنظمة أجدادنا في مجتمعات الصيد، ويقوم على تجنُّب الوجبات السريعة والسكريات وكل الأطعمة المُصنَّعة، لكنه لا يُحدِّد بدقة النِّسَب التي يمكن تناولها من العناصر الأخرى، وبالتالي قد يتناول الفرد فيه مزيجا من الأطعمة ذات الكربوهيدرات المنخفضة والدهون العالية، بينما يتناول آخر وجبات عالية الكربوهيدرات وقليلة الدسم مع المزيد من الحبوب الكاملة والفواكه والخضراوات، وهذا يعني ضرورة مراقبة كل فرد لمدى حصوله على العناصر الغذائية المطلوبة متكاملة. (5)

 

الجلوتين هو بروتينات طبيعية توجد في الحبوب مثل القمح والشعير وغيرها. يوجد عادة 8 جرامات من الجلوتين في كل 100 جرام من القمح، وهي المادة التي تمنح الخبز والكعك والمعكرونة خصائصها. وقد صُمِّمت هذه الحِمية للأفراد الذين يعانون من حساسية القمح والمصابين بالتوحُّد، إذ تُسبِّب لهم مادة الجلوتين مشكلات في الهضم والمناعة، تماما مثلما صُمِّم نظام خالٍ من منتجات الألبان لمَن يعانون من حساسية اللاكتوز. (6)

 

تضاعف عدد الأميركيين الذين يتبعون نظاما غذائيا خاليا من الجلوتين ثلاث مرات في العقد الماضي، لكن أميتافا داسجوبتا، أخصائية السموم في مركز علوم الصحة في هيوستن، تقول إنه ما لم يكن لديك حساسية تجاهه فإن تجنُّب الجلوتين قد يكون ضارا، إذ يزيد احتمالات الإصابة بمرض السكري من النوع الثاني وأمراض القلب ونقص الحديد. (7)

 

كذلك يَحرِم اتباع هذه الحمية الأفراد الطبيعيين مما تتضمَّنه الحبوب في شكلها الكامل من ألياف وفيتامينات ب، وعناصر غذائية دقيقة وأساسية تُسهم في الإدارة اليومية للبريبايوتك، وهي بكتيريا مفيدة للأمعاء وضرورية للمناعة والصحة الجيدة. وفضلا عن ذلك، لا يوجد أي دليل على الإطلاق على أن تجنُّب الجلوتين يؤدي إلى فقدان الوزن. (8)

 

بعيدا عن الأسباب "الثقافية" التي تدفع شخصا ما ليكون نباتيا، يلجأ البعض إلى اتباع النظام النباتي باعتباره نظاما أكثر صحية، بينما تؤكد أبحاث أن النباتيين والخُضريين يتعرَّضون لنقص فيتامين ب 12، والكالسيوم والحديد والزنك والفيتامينات القابلة للذوبان في الدهون مثل A وD، وتُشير الدراسات إلى أن المكملات الغذائية التي يلجأ إليها مُتَّبِعو هذه الأنظمة لتعويض النقص تكون أقل فعالية في رفع مستويات هذه الفيتامينات في الجسم. (9) (10)

 

تنصح سينثيا شانتلين، أخصائية التغذية السريرية في مستشفى "West Calcasieu Cameron"، بألّا يجازف كبار السن بتجربة أنظمة غذائية دون استشارة الطبيب، مُؤكِّدة أن بعض الأنظمة تعتمد على التفاعلات الكيميائية بين عناصرها لتساعدك في فقد الوزن، لكنك تفقد معها بعض الفيتامينات والبروتينات، ومُحذِّرة من جانب آخر من الاعتماد على عنصر غذائي واحد مثل حساء الملفوف (الكرنب) أو الاعتماد كليا على تناول العناصر نيئة.

 

حين نتناول الطعام تُخزَّن الكربوهيدرات في العضلات والكبد في صورة سكر. وفي حال قلَّت كمية الكربوهيدرات يبدأ الجسم في حرق هذا السكر المُخزَّن للحصول على الطاقة، ومع عدم وجود الكربوهيدرات يبدأ الجسم في حرق الدهون والبروتين وتحطيم العضلات، لذا فإن أي نظام قليل الكربوهيدرات لا يناسب كبار السن الذين يفقدون بالفعل كتلة العضلات مع تقدُّمهم في العمر.

ومع ذلك تظل المشكلة كما تقول سينثيا شانتلين في أن الدماغ والجهاز العصبي المركزي لا يعملان بفعالية إلا على الكربوهيدرات، وهذا هو السبب في أن بعض مُتَّبِعي حمية الكيتو يعانون مما يُطلق عليه "إنفلونزا كيتو" التي تظهر أعراضها مثل الصداع والتهيج وسوء التنفس.

 

في الإطار ذاته، ورغم أن الوجبات الغذائية قليلة الدهون يمكن أن تُخفِّض نسبة الكوليسترول وضغط الدم، تُشير شانتلين إلى أن العديد من الحميات الغذائية التي تُقيِّد بشدة تناول الدهون تُمثِّل مشكلة لكبار السن، إذ يتناولون في كثير من الأحيان أدوية وفيتامينات لا تُمتص إلا من خلال الدهون. (11)

 

عموما، لا ينصح متخصصو التغذية باتباع نظام واحد لعدة سنوات، ويُحذِّرون من الانسياق وراء الموضة في الأنظمة الغذائية، ويُحذِّرون تحديدا من عدة سلبيات تحتوي عليها الحِميات المُبتَدعة، ومنها:

 

  • كثرة الاعتماد على العصائر، فقد يكون الأمر خطيرا لأنها مليئة بالسعرات الحرارية والسكر، دون وجود أيٍّ من الألياف التي تحتوي عليها ثمرة الفاكهة، وقد أظهرت الأبحاث أن تناول العصير يزيد من خطر ارتفاع ضغط الدم والسكري من النوع الثاني، ولا يوجد دليل علمي على أن العصائر تُنقِّي الجسم من السموم. (12)

 

  • السعرات الحرارية الفارغة مثل التي نحصل عليها من المشروبات الغازية ومشروبات الفاكهة المليئة بالسكر أهم ما يجب تجنُّبه عند اتباع أي حِمية غذائية. (13)

 

  • لا تتناول أي أقراص تخسيس ضمن نظامك الغذائي (بما في ذلك أقراص الشاي الأخضر)، وخلال طهي الطعام تجنَّب القلي وقلِّل الدهون. (14)

 

  • لا تتبع نظاما يُجنِّبك تناول معظم الأطعمة ويسمح بتناول كميات غير محدودة من أطعمة معينة، مثل الجريب فروت أو حساء الملفوف. إنه أمر ممل أن تأكل الشيء نفسه مرارا، ويصعب الالتزام به. وتجنَّب أيضا أي نظام غذائي يمنع أو يُقيِّد بشدة تناول عناصر غذائية رئيسية مثل الكربوهيدرات، فحتى إذا كنت تتناول فيتامينات متعددة، فسوف تفقد بعض العناصر الغذائية المهمة. (15)

 

undefined

التغذية أمر معقد، وحياة الناس والبيئات التي يعيشون فيها أمر معقد أيضا، بحيث لا يمكن وضع نظام صحي يناسب الجميع، لكن الخبراء ينصحون بعدة عوامل يجب وضعها في الاعتبار لدى اختيار نظام غذائي سعيا لفقدان الوزن أو الحفاظ على الصحة:

 

  • حاول أن يكون 90% من نظامك الغذائي طعاما حقيقيا: يشمل ذلك الفواكه والخضراوات والحبوب الكاملة واللحوم والأسماك وزيت الزيتون والألبان، وهي مكونات النظام الغذائي للبحر الأبيض المتوسط. ويمكنك التعامل مع الـ 10% الأخرى ببعض الحرية، إذ يصعب في الواقع -في عصرنا الحديث- تجنُّب الأطعمة المعبأة، لذا إذا كنت تريد قطعة من الشوكولاتة، أو من رقائق البطاطس، أو كعكة الأرز، فلا بأس من ذلك، فقط كُنْ مدركا لنسبة ما تتناوله منها، وما تحتويه من سعرات حرارية.

 

  • خطة طويلة الأجل: إذا كان هدفك إنقاص الوزن فيمكنك الوصول إليه بطرق مختلفة وفقا لنوع شخصيتك وتفضيلاتك والبيئة التي تعيش فيها، لكن الأكيد أنه لن يحدث بين عشية وضحاها، لذا فالأفضل وضع خطة طويلة الأجل، تبني خلالها عاداتك بدلا من اتباع نظام غذائي مُكثَّف لمدة قصيرة. (16)

 

  • التنوُّع هو الاختيار الأمثل: يحتاج الجسم إلى نظام غذائي صحي لكي ينمو صحيحا، وهذا يعني أن نُحقِّق التوازن بين البروتين والكربوهيدرات والدهون والعناصر الغذائية الأخرى، لكننا حين نتبع نظاما غذائيا يستبعد بعض العناصر الغذائية الضرورية، نُعرِّض أنفسنا لخطر الإصابة بالمرض. على المدى القصير لا يتسبَّب الحصول على قدر قليل من أي مواد غذائية مشكلة فورية، لكن نقصها لفترة طويلة قد يتسبَّب في مشكلات صحية.

 

  • حافِظ على ممارسة الرياضة: لمدة لا تقل عن 150 دقيقة كل أسبوع، يمكنك تقسيمها لدقائق قليلة خلال اليوم الواحد، فمثلا يمكنك المشي لمدة 10 دقائق ثلاث مرات في اليوم، وهكذا خلال 5 أيام ستصل إلى 150 دقيقة.

  • اطلب الوجبات الصغيرة: في مطاعم الوجبات السريعة، غالبا ما يُركِّز المُسوِّقون على كبر حجم الوجبة، لذا حين تُقرِّر الاستمتاع بإحدى هذه الوجبات اطلب وجبة الأطفال لتكون أقل حجما. (17)

 

  • ركِّز على الأطعمة التي تُشعرك بالشبع: فقدان الوزن السريع يعني أن تفقد العضلات وكتلة العظام والماء، وغالبا ستكون عُرضة لاستعادة الوزن سريعا أيضا، لذا ركِّز على تناول الطعام بشكل يُشعرك بالشبع والرضا والحيوية.

 

  • الحياة معقدة بما فيه الكفاية، قد يكون تجنُّب بعض الخيارات في الطعام أو اتباع خطط صارمة أمرا صعبا ومُثيرا للقلق، لذا ينصح الخبراء حين تختار أي نظام غذائي جديد بأن تسأل نفسك دائما: "هل يمكنني أن آكل بهذه الطريقة بقية حياتي؟"، وإذا كان الجواب لا فهو ليس مناسبا لك. (18)

 

في 6 مايو/أيار، يُحتَفل باليوم العالمي بدون حِميات الذي وضعته النسوية البريطانية ماري إيفانز يونغ منذ عام 1992، مُناديةً بتعزيز قبول الجسد ورفض الصور النمطية للجمال التي يُروِّج لها الإعلام ومكافحة اضطرابات الأكل بالدرجة الأولى. وتعمل جهات مختلفة في أوروبا وغيرها على رفع مستوى الوعي بالمخاطر الكبيرة التي تُهدِّد الصحة بسبب اتباع الحِميات المُبتَدعة وإساءة استخدام المنتجات الغذائية الخاصة بالحِميات، وما تُسبِّبه من اضطرابات الأكل والمشكلات الصحية، ويؤكد العاملون فيها ضرورة الوعي بالفرق بين "الحمية الغذائية" و"نمط الحياة الصحي" الذي يُراعي التوازن بين العناصر الغذائية وجودتها. (19)

——————————————————

المصادر

  1. Flipside of Fad Diets 
  2. Are keto, paleo and other fad diets safe?
  3. Flipside of Fad Diets 
  4. ما هو الغلوتين وأين يوجد؟
  5.  Are keto, paleo and other fad diets safe?
  6. Flipside of Fad Diets 
  7. Your fad diet may be doing more harm than good
  8. Flipside of Fad Diets 
  9. Why You Should Think Twice About Vegetarian and Vegan Diets
  10. A surge in the number of vegans is storing up health problems for the wealthy West
  11. WCCH dietician: Be careful with fad diets
  12. Your fad diet may be doing more harm than good
  13. Losing Weight Without Fad Diets
  14. The truth about fad diets and the tricks your mind plays on you
  15. Staying Away from Fad Diets
  16. The truth about fad diets and the tricks your mind plays on you
  17. Losing Weight Without Fad Diets
  18. Staying Away from Fad Diets
  19. Día Mundial Sin Dietas
المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

حساسية الطعام، موضوع شائك، فالمُصاب يواجه تحديا يوميا باختيار طعامه، كما يُعاني مُقدمو الرعاية له من مسؤولية كبيرة في تقديم المناسب.. فما هي الأسباب التي قد تعرضك لمواجهة هذا التحدي؟

24/1/2019
المزيد من مقالة
الأكثر قراءة