"السحر" و"الأعمال السفلية".. هل علينا أن نخاف حقا؟

"هذه الفتاة هناك الكثيرون يكرهونها، يتمنون لها المرض والأذى، أحد هؤلاء هو شخص كان قد تقدَّم سابقا للزواج منها ورفضته، والباقون هم أشخاص من دمها، يرغبون في تدمير حياتها وزرع ألم لا مُنتهٍ في قلب أمها، لقد قاموا بعمل السحر لها.. ستة أعمال سحرية قاموا بدفنها في أماكن مُختلفة، ويجب أن تُفك هذه الأعمال تباعا حتى تسترد الفتاة صحتها وعافيتها". بأُذن قلقة ومُتلهفة، كانت فهيمة.ع، المرأة الستينية تستمع إلى كلمات الرجل "المبروك" الذي حدثوها عنه أهل بلدتها، ونصحوها بالذهاب إليه ليُساعدها على شفاء ابنتها العشرينية من المرض الذي ألَمَّ بجسدها وأنهكه.

 

فهيمة هي واحدة من آلاف ورُبما عشرات الآلاف من الحالات التي تتلمّس حل مشكلاتها الحياتية أو علاج أمراضها الجسدية لدى أشخاص يعتقدون أن لديهم "قدرات روحية" تُمكِّنهم من تشخيص السبب "الغيبي" وراء أزماتهم، بل وتقديم علاج فوري لها، آلاف مثل فهيمة يترددون على أشخاص يتوسّمون فيهم القدرة الروحية والغيبية التي تُمكِّنهم من مساعدة المرضى والمكروبين والمأزومين، يُطلقون عليهم "مشايخ"، ولكنك قد تجد بسهولة أن وصفهم يتحوَّل من "شيخ" إلى "دجال" بعدما يثبت كذب ادعاءاتهم وتضليلهم لمَن يترددون عليهم ويكسبون المال منهم دون وجه حق ولا تقديم خدمة حقيقية.

 

"سحر"، "أعمال سفلية"، "جن"، "لبس"، لفظ من الألفاظ السابقة أو أكثر يسمعه المُترددون على الدجالين المُنتشرين في القرى الريفية والأحياء الشعبية بالعاصمة المصرية وغير الشعبية أحيانا.

 

تعيش فهيمة بصحبة أبنائها الستة في إحدى قرى جنوب مصر التي تبعد عن العاصمة المصرية مئات الكيلومترات، بين عشيّة وضحاها، وجدت فهيمة ابنتها الكبرى يُصيبها مرض غير مفهوم، ترددت بها على أطباء قريتها، لكن لا أحد استطاع أن يعرف ما أصاب الفتاة العشرينية التي أصبحت فجأة كأنها بالسبعين من عمرها، لا تأكل ولا تشرب شيئا بالأيام والأسابيع، هزل جسدها لدرجة مُخيفة، وأصبحت غير قادرة على أن تتحامل على عظامها لكي تقف أو تجلس، لا تستطيع حراكا من فراشها، وإذا أرادت أن تقضي حاجتها فيجب أن تستعين بأحد إخوتها أو أمها لكي يحملها إلى دورة المياه.

 

ترى فهيمة شبح الموت يقترب من ابنتها ولا تعرف ماذا يُمكنها أن تفعل، أخبروها في قريتها أن تلجأ إلى "المشايخ" الذين لديهم خبرة ودراية بالتعامل مع الأسحار، وفكّ الأعمال السحرية المُعقدة، مُبررين ذلك بأنه إذا كان طبيب القرية لم يستطع أن يجد علاجا للفتاة، فمن المؤكد أن ما بها قوى شريرة هائلة، لا يفهمها الطبيب ولا يعرف كيفية التعامل معها. تقول فهيمة لـ "ميدان":

"بالفعل ذهبت إلى الشيخ الذي دلّوني عليه، وأخبرني أن مرض ابنتي بسبب أعمال سحرية قام بها أشخاص يكرهونها، أعطاني مياهًا قرأ عليها بعض الأشياء التي لم أتبيّنها، وأعطاني وصفات عشبية وخلطات يجب أن تشربها الفتاة صباحا ومساء، وحصل على نحو خُمسمئة جنيه، أخبرت ابنتي بما قاله "الشيخ"، وأكّدت لي أنها كانت تشعر أن مرضها يعود إلى السحر والأعمال السحرية، وبالفعل بعد اتباع نصائح الرجل، رأيت أن الفتاة بدأت في التحسُّن قليلا، يوما بعد يوم، بدأت تتناول القليل من الطعام بعد أن كانت لا تأكل أي شيء، لكن لم يستمر هذا طويلا، فقد عاد المرض للفتاة ليزيدها إنهاكا وذبولا".

وتُضيف قائلة: "لم أستطع أن أجلس بجوار ابنتي مُنتظرين الموت يدقّ بابنا، وجدت نفسي بلا وعي ولا كثير تفكير أحمل ابنتي وأستقلّ القطار وأذهب بها إلى بحري "تقصد العاصمة"، حيث طبيب شهير حدثوني عنه، قال الطبيب إن ابنتي لديها مرض من المؤكد أنه لا يعرفه أحد في قريتنا اسمه "الذئبة الحمراء"، وأن هذا المرض يُدمِّر جسدها وعظامها، وأنني لو كنت انتظرت قليلا كان سيبدأ في تدمير كليتها، أعطى الطبيب علاجا لابنتي وطلب منها عدم التعرُّض للشمس، لتتحسن الفتاة بعد ذلك وتعود كما كانت قبل هذا المرض بل أفضل".

 

ليس الجنوب المصري فقط ولا وصفات الرجل "المبروك" وحدها هي التي كادت أن تودي بحياة فتاة في مُقتبل عُمرها، ففي أحد الأحياء الشعبية بالعاصمة المصرية، كان المرض يلتهم منار.ع، الفتاة الثلاثينية، لم يكن المرض مرضا جسديا هذه المرة، بل كان مرضا نفسيا، حالة اكتئاب مُستعصية، في بيئة لا تعترف بالأمراض النفسية ولا تُصدِّق وجودها، لكنها تُصدِّق بوجود السحر والأعمال السحرية، والأشباح التي تتلبس الآدميين لكي تتسلّط عليهم وتُفسد حياتهم وتُدمِّرها.

 

تقول منار لـ "ميدان": "حتى الآن لا أعرف تفسيرا مؤكدا لما كان يحدث، كانت تنتابني نوبات غريبة من فقدان الوعي، آتي خلالها بأفعال لا أُصدِّق بعدما أسترد وعيي أنني قُمت بها، يقولون إنني كُنت أصرخ صراخا هستيريا، أهذي بكلمات غير مفهومة، أُقطِّع ثيابي وأكسر ما تصل إليه يداي، كل ما أعرفه عن هذه الفترة أنني كنت أمرّ بظروف حياتية عصيبة، زوجي لا دخل له، ولا أحد من الأقارب يُريد مُساعدتنا باستثناء أخي الذي كان يُساعدنا بين الحين والآخر، أو كُلما تمكّن من المساعدة، ورغم الوضع الصعب الذي كنت أحتمله وأطفالي، كان زوجي لا يرحم، دائم الضغط عليّ، يقول لي تصرّفي من والديكِ أو أحد إخوتكِ، وأنا لا أستطيع فعل هذا، كان عنيفا وعصبيا وحادا، يتفوّه بأسوأ الشتائم والأوصاف على أقل شيء، كُنت خلال هذه الفترة لا أحتمل أي شيء، أودّ لو أتخلص من كل حياتي، خلال هذه الفترة بدأت النوبات السابقة في الحدوث والتكرار".

 

كل ما كان يشغل بال زوج منار وعائلتها حينما كانوا يرون نوبات فقدانها الوعي أنه حتما قد تلبّسها جني، وهو ما دفعهم لزيارة "المشايخ" للقراءة والتمتمة في أذن منار، "المشايخ" الذين كان أغلبهم "دجالين" يحصلون على المال نظير التمتمة ووصفات المياه المقروء عليها كلمات لا يتبيّنها الشاري! في إحدى مرات فقدان الوعي تغيّر صوت منار لتُخبر "الشيخ" الذي يُحاول علاجها بصوت ذكوري أجش: "نعم، أنا أُسيطر عليها، ولن أتركها أبدا، مهما فعلت"، وهكذا انعدمت أي ذرة شك في نفس العائلة المُحيطة بالفتاة فاقدة الوعي، وتأكدوا أن ما أصاب ابنتهم نتيجة تلبّس جني فعلا.

 

"حالة اكتئاب حاد، وما حدث من تغيير صوتكِ والكلام الذي قُلتِه في الأغلب بفعل عقلكِ الباطن، الذي أراد أن يوصّل لعائلتكِ أنكِ خارج سيطرة نفسكِ ليتركوكِ وشأنكِ"، هكذا أخبر الطبيب النفسي منار، الطبيب الذي لجأت إليه بعدما ألحَّ عليها أحد الأقارب بضرورة زيارة طبيب نفسي، رُبما أخذت عائلة منار كلام الطبيب بتشكُّك وعدم يقين، لكن ما حدث واقعيا أن نوبات فقدان الوعي والهياج المُتكررة اختفت تماما بعد المواظبة على الأدوية التي وصفها الطبيب. تشخيص الطبيب لحالة منار رُبما يتفق حول مدى قوة الاضطرابات النفسية وتأثيرها الجسدي مع ما ذكره الطبيب والكاتب والأديب المصري محمد المخزنجي خلال مقاله "شَعْرَة" المنشور عام 2018 في جريدة الشرق الأوسط، يقول المخزنجي خلال مقاله:

"كطبيب خدم في كثير من مستشفيات الأمراض العقلية، أميل إلى تفسير بعض الأمور البشرية اللا معقولة بما أسميه "قوة الجنون"، وهي قوة خارقة شاهدت تجليات مذهلة لها عبر سنوات عملي الطبي، فقد رأيت مرضى يلتهمون الصابون كما لو كان قطعا من الحلوى دون أن يصابوا بسوء، ويشربون الكيروسين فلا تحترق معداتهم، ومريضة ضئيلة في نوبة هياج تصدّت لخمس ممرضات شابات فارعات، تظاهرهن خمس تومرجيات من وزن ثقيل الثقيل، فجندلتهن جميعا، ثم طيرتني في طريقها وهي تخرج من المستشفى كعاصفة مشتعلة للقاء "خطيبها"، الذي لم يخطبها أبدا؛ بل كان على علاقة حب بها أثارت غضب أهلها المتعصبين، فقتلوه، ومضى على مقتله عشر سنوات هي عمر جنونها! قوة الجنون هذه، أتصور أنها تُفجِّر الكامن من طاقات الجسد البشري، فتوقظ في هشاشة اللحم المهيض عنفوانا يصعب تخيل حدوده".(1)

 

في الحالات السابقة استطاعت فهيمة ومنار أن تجدا سببا لما يحدث لهما، لكن ماذا لو كانت الأزمة التي تعتقد أنها في حياتك لسبب ميتافيزيقي أو مُتعلِّق بأن أحدهم قد سحرك، لا تجد لها علاجا ولا تفهم لها سببا، هذا هو حال ناهد.ج، المرأة الخمسينية، التي تعيش في أقصى صعيد مصر، وتعتقد أنها لم تتزوج حتى الآن بسبب أن زوجة أخيها قد سحرت لها، وأن الأعمال السحرية المُتعددة التي تقوم زوجة أخيها بتجديدها دوريا هي السبب في أن أعوام عُمرها تمر تباعا دون زوج أو أطفال.

 

تقول ناهد لـ "ميدان": "أجمل سنوات عمري مرّت دون أن أعيش، لا يُمكن لأحد تخيّل البقاء دون زواج في مجتمع مُغلق يعرف كل كبيرة وصغيرة عن بعضه بعضا مثل مجتمعنا، لست سيئة حتى لا يرغب الرجال في الزواج مني، أنا موظفة ولي راتب ومن عائلة، وهذه الأشياء من المُفترض أن تُسهِّل من أمر زواجي، لكن زوجة أخي، أراها الله عذابا مثل عذابي، هي السبب، لقد سمعت بأُذني أحد المُتقدمين لخطبتي وهو يقف أمام باب منزلنا ويقول لأمه التي كانت بصحبته: "أين الباب أنا لا أراه؟!"، تُخبره أمه أن الباب أمامه، ليرد عليها قائلا إنه لا يرى أمامه سوى حائط ولا يوجد باب، بالطبع بعد هذا الموقف انصرف هو ووالدته ولم يطرقا حتى الباب".

 

لم يغب هذا الموقف عن ذهن ناهد أبدا، وأكّد لها أن بالفعل هناك قوى شريرة تمنع أمر زواجها، وأنها ضحية محرومة من أن تعيش حياة طبيعية وسعيدة بسبب كيد زوجة أخيها وشرّها التي تريد أن تنتقم من عائلتها في شخصها، ذهبت ناهد لكثير ممن يُطلق عليهم في مدينتها الجنوبية "مشايخ"، وهم متخصصون في فكّ الأسحار وتخليص الناس من الأعمال السحرية الشريرة التي تُسيطر على حياتهم وتملؤها بالمشكلات والأزمات وتُعرقل سير أمورهم، أخبرها أحدهم أن هناك بالفعل امرأة تكرهها سحرت لها، وأن عُقدتها في الزواج سببها هذه الأعمال السحرية التي تُجددها هذه المرأة سنويا، أخبرها الرجل أن الأعمال السحرية التي تُعرقل حياتها هي أعمال "سفلية"، وأن هذه الأعمال تتم في بيئة نجسة وبارتكاب الزنا، وأن هذه المرأة التي تدفع المال مُقابل عمل هذه الأعمال عليها وزر كل هذا، لتزيد صورة زوجة الأخ شيطانية وسوءا في أعين ناهد.

تظل ناهد مُصدِّقة ما أخبرها به الرجل تمام التصديق، رغم أن المياه التي أعطاها لها وأمرها بشربها في أوقات مُعينة، لم تُجدِ نفعا، ولم يأتِ العريس المأمول بعد ثلاثة أسابيع كما أخبرها، كان الرجل كاذبا في كل وعوده البرّاقة التي رسمها لها كشمس مُشرقة تُنير عتمة حياة بلا أمل، حصل منها على الكثير من المال ولم يُحقق لها أي شيء، ومع ذلك ظلّت مُصدِّقة أن زوجة أخيها تفعل وفعلت كل ما أخبرها الرجل به، وتُبرِّر ذلك بأن الرجل قد وصفها لها بدقة، تُخبرها ابنة أختها أن النساء في بلدتهم جميعهم يُشبهون بعضهم بعضا في سُمرة بشرتهم وملامح وجوههم، وأن الرجل ذكي وقد حالفه الحظ ونصرته المصادفة في الوصف ليس أكثر، لكن ناهد التي وجدت قصة بالغة الدراما تجعلها ضحية مظلومة لا تُريد أن تُصدِّق إلا ما قاله الدجال لها، حتى ولو كان كذبا بيّنا، مُعلِّلة أنه لا يوجد أي تفسير آخر يُمكنها الارتكان إليه لتفهم لماذا لا تسير حياتها طبيعية وتتزوج وتُنجب مثل سائر نساء مدينتها.

 

على إحدى البرامج الدينية التي تُذيعها القنوات الفضائية المصرية، اتصلت امرأة تُخبر الشيخ الذي يستضيفه البرنامج أنها قد سحرت لرجل لكي تتزوجه، وأن هذا الرجل كان مُتزوجا من قبل، لكنها فرّقت بفعل الأعمال السحرية بينه وبين زوجته الأولى، وأن الزوجة الأولى أصبحت مُدمَّرة تماما وفي حالة يُرثى لها، قد تخرج للصراخ في الشارع بعد ما أصابها وأصاب بيتها من ترك زوجها وتشريد أطفالها، تقول المرأة إنها بفعل هذه الأعمال تمكَّنت من الزواج من هذا الرجل وأنجبت منه، لكنه ذات يوم بعد سنوات استيقظ من النوم وكأنه لا يعرفها ولا يعرف أطفاله منها، تقول إنه تركها بعدما أخبره البعض أنها تُحدِّث رجالا آخرين، لكنها تعرف أنه أفاق وانصرف عنها بعدما أفاق من "السحر" الذي غيّب عقله طوال هذه السنوات، وقرينتها على تفسيرها أنها عندما ذهبت للرجل الذي صنع لها الأعمال السحرية، ردّ عليها قائلا: "لقد فُكّ العمل من عند الله، ولا قدرة لي على تجديده أو عمل غيره".

تسأل المرأة البرنامج كيف لها أن ترد زوجها لأطفاله، ولا تُلقي بالا لشيء آخر غير سؤالها هذا، مقطع الفيديو الذي ينقل مُحتوى المُكالمة حقق ملايين المُشاهدات، وآلاف التعليقات التي تُجرِّم المرأة التي سحرت للرجل، والمُستعيذة من مثل هذا النوع من الأذى، أما النوع الثالث من التعليقات فهو الذي يؤكد تعرُّضه لهذا الأمر، فتقول فتاة في أحد التعليقات: "لقد كُنت أكره زوجة أخي كثيرا، وفرّقت بالسحر بينها وبين أخي، لكني ولله الحمد تُبْت".

 

المرأة صاحبة المُكالمة وصاحبة التعليق هما اثنتين فقط من آلاف ورُبما عشرات آلالاف من الحالات الأخرى التي تحاول التخلص من غيظها ونار كراهيتها للآخرين بإيذائهم بأعمال سحرية، البعض يصل به الأمر إلى الرغبة في جلب المرض أو الموت لشخص مُعين، وليس التفريق بين زوجين فحسب، هذا الانتشار والتفشي هو ما دفع بعض الشباب لعمل حملات لتطهير "المقابر" من الأعمال السحرية والسحر الأسود الذي يُدفَن بها وينتشر بكثافة خاصة في القرى المصرية.

 

في تصريح لجريدة اليوم السابع المصرية يقول عبد الرحمن السيد طه، بكالوريوس شريعة إسلامية جامعة الأزهر، صاحب فكرة حملة تطهير المقابر ومسؤول الحملة بمحافظة سوهاج: "قمنا خلال 3 أيام بتطهير مقابر مدينة المراغة وقرية الجزازرة من الأعمال السحرية، وعُثِر على 345 عملا سحريا وأُبطِلت. خلال حملة التطهير عُثِر على فستان عروس وبداخله ما يقرب من 3 أعمال سحرية، وعُثِر على جماجم حيوانات غريبة، مخيطة وفي فمها أعمال، كما وجدنا ما يقرب من 8 قوالب طوب مُكفّنة وبها سحر وطلاسم سحرية، بالإضافة إلى نحو 75 عملا على ملابس داخلية لرجال وسيدات وعظام حيوانات وأكفان كُتبت عليها طلاسم".(2)

 

"بأيدينا نطهر مقابرنا" هو اسم المُبادرة التي دشّنها المئات من شباب وأهالي محافظة القليوبية بمصر في فبراير/شباط عام 2020، يقول أحد المُشاركين بالمُبادرة لجريدة الوطن المصرية إنه بلغ إجمالي عدد الأعمال التي عُثِر عليها بمقابر 7 قرى نحو 250 عملا أسود.(3)

 

مها.س، اسم مُستعار، صحفية مصرية، أجرت الكثير من التحقيقات والتقارير الصحفية المُتعلّقة بالقرى المصرية والحياة الريفية والمُشكلات التي تواجهها المرأة في هذه الحياة، تقول مها لـ "ميدان": "تعرّضت خلال عملي بالطبع لكثير من القصص والأقاويل المُتعلّقة بالسحر والأعمال السحرية، فهذه المُعتقدات مُنتشرة بكثرة في القرى الريفية سواء جنوبا أو شرقا، قد تكون الأعمال السحرية هي السبب الأول في الأذهان لكل المُشكلات وأزمات الحياة وكروبها، حتى في أبسط الأشياء، فإذا مثلا انفصل رجل عن زوجته يُقال إنهما مسحوران، وكذلك فإن الضعف الجنسي وعدم القدرة الجنسية لدى الرجل أو المرأة هي قطعا وبلا شك تعود إلى الأعمال السحرية".

 

تروي مها أن قرى بأكملها تُصدِّق أن هناك رجلا مُعينا لديه المقدرة على "ربط" الرجال، والربط يعني العجز الجنسي الكامل، إذا حضر هذا الرجل حفل الزفاف أو حتى مرَّ بجواره يوقنون أن العريس سيواجه أزمة في علاقته الزوجية الحميمية، وهو ما يحدث بالفعل! ترى مها أن هذه هي قوة العقل الباطن، وأن الهيستيريا الجماعية المفزوعة من السحر والأعمال السحرية لها بالطبع تأثير مادي وبدني، وقد يحدث العجز الجنسي بسبب التأثير النفسي هذا.

 

نسرين.ع، اسم مُستعار، طبيبة نفسية، تؤيد كلام مها قائلة لـ "ميدان": "بالطبع نسبة كبيرة من التأثير المادي الذي نراه لما يُطلق عليه "السحر" يعود إلى قوة العقل الباطن، إذا قُلت لك مؤكدة بيقين أنك ستفشل في اختبارك الدراسي القادم، فإنك بنسبة كبيرة ستفشل فعلا، لأني زرعت في نفسيتك ولا وعيك عدم مقدرتك، ورُبما تُصدِّق فيما بعد أنني أملك قدرة ما على التنبؤ بالغيب".

 

تُضيف نسرين قائلة: "الوهم له قوة الحقيقة نفسها، ورُبما له قوة تفوق الحقيقة إذا لاقى الوهم هوى في نفسك يدعمه ويُقوّيه، نحن نُصاب بأوجاع جسدية حقيقية وقوية بلا ذرة شك، ولكن سببها قد يكون وهميا تماما، قد تذهب للطبيب تشكو أوجاعا حقيقية مؤلمة، لكن الطبيب لا يجد لأوجاعك سببا أو تفسيرا، ويكون كل ذلك وهما من نفسك".

وقد نشرت "BBC" العربية تقريرا حول قوة "العلاج الوهمي"، وذكرت أن العلاج الوهمي هو التحسُّن الملحوظ الذي يشعر به المريض لمجرد الاعتقاد بأن الدواء سينجح في علاجه، وليس بسبب تأثير الدواء في حد ذاته، رغم أن هذا الدواء لا يتعدى في الغالب كونه حبات من السكر. وأثبتت دراسات أن العلاجات الوهمية تُخفِّف السعال والآلام والاكتئاب، وحتى أعراض داء باركنسون. وذكر التقرير أيضا أنه يُمكن استخدام فكرة العلاج الوهمي لتحسين أداء الرياضيين وتعديل مُعتقداتهم حول قدراتهم على إحراز النتائج. فيُعَدُّ تأثير العلاج الوهمي على الجسم مثالا واضحا على أن الإنسان بإمكانه تحسين أدائه ومهاراته إذا أيقن أن لديه القدرة على تحقيق ذلك.(4)

 

الجانب الآخر لقوة الأعمال السحرية، كما تراه نسرين، يتمثّل في هشاشتنا وعدم رغبتنا في تحمُّل مسؤولية شيء أو إرهاق أنفسنا في البحث عن حلول حقيقية وبذل الجهد لطرق أبواب هذه الحلول، وهنا يأتي "السحر" بالحل العبقري السهل المُريح، نحن ضحايا، ضعفاء، مسلوبو القوة والإرادة، نقع في قبضة قوى شريرة قاسية تُريد أن تضرّ بنا ولا تُلقي بالا لآلامنا، فماذا يُمكننا أن نفعل سوى الاستسلام والبكائيات. ترى نسرين أن أغلب ما يحدث الآن في مجتمعاتنا ليس أعمالا سحرية، بل هو دجل، بلا أي قدرة على التأثير سلبا أو إيجابا، وأننا مَن نعطيه القوة على التأثير بتصديقنا وتسليم لا وعينا له، واستسلامنا وتقاعسنا عن بذل الجهد للبحث عن سبب المُشكلة الحقيقي ومُحاولة حلّها.

 

"طالما تساءلت طوال سنوات عملي وخلال الأبحاث الاجتماعية التي أجريتها في الأرياف والقرى المصرية وأثناء حلقات الاستماع للسيدات القرويّة والريفية: لماذا لا نسمع عن قوة السحر والأعمال السحرية بهذه الكثافة في أُسرنا التي تربينا بينها في العاصمة؟! لماذا لا يكون هذا الأمر حاضرا بهذه القوة؟! لماذا لا يُعَدُّ هو التفسير الأول لكل المُشكلات والأزمات مثلما الحال في القرى والأرياف؟!"، هكذا تبدأ سعاد.ج، اسم مُستعار، باحثة اجتماعية، حديثها مع "ميدان".

 

خلال عملها واستماعها للنساء القرويّات، تعرّضت سعاد لعشرات الحالات التي تخبرها بأن هذه المشكلة أو تلك التي أصابت امرأة أو أحد أبنائها هي بفعل جارة أو قريبة تكرهها وسحرت لها لإيذائها أو تسببت في مرض أحد أبنائها، الأسباب التي رصدتها سعاد وراء ذلك تتمثَّل في الفراغ وضيق الأفق وضعف الوازع الديني وتصديق الخرافات وتمكُّن الكراهية في بعض الحالات، تقول سعاد لـ "ميدان": "لم أرَ في حياتي تركيبة أسوأ من اجتماع الفراغ مع تمكُّن الكراهية وضعف الوازع الديني، فيتحوَّل الشخص الذي لا يجد ما يشغله إلى قنبلة موقوتة تُريد أن تنفجر فيمن يكرهه، وقد يزيد من حِدَّة انفجاره هذا ضعف الوازع الديني لديه، وهي للأسف التركيبة التي كثيرا ما تجتمع في القرى الريفية، خاصة لدى النساء اللاتي لا يعملن ولم يتعلّمن، وتتمكَّن منهن كراهية السلايف أو أهل الزوج".

 

تُضيف سعاد قائلة لـ "ميدان": "رأيت على صفحات التواصل الاجتماعي صورا استُخرجت من المقابر أثناء حملات تطهير القبور من الأعمال السحرية، يُمكنك رؤية صورة لأسرة مُكونة من أب وأم وطفل، وقد كُتِب بين الزوج والزوجة كلمة "تفريق"، ومكتوب بجانب الطفل "مرض، وموت"، فالسيدات اللاتي أستمع إليهن خلال عملي لسن موهومات إذن، هناك مَن تصل به الكراهية إلى تمني إيذاء الغير بهذا القدر، قد يكنّ موهومات فقط في مدى تأثير هذا على حيواتهن، هل له تأثير فعلا؟ أم أنه مُجرد دجل وخرافات؟ وهذا سؤال مفتوح قد لا يُمكننا الجزم بالإجابة عنه، لكن على الأقل في حدود ما رأيته من عملي، كان لكل مُشكلة حل، ولكل مرض إذا ما شُخِّص تشخيصا صحيحا علاج".

 

في الفتوى رقم 546 على موقع دار الإفتاء المصرية، سألت سائلة تشتبه أن الأعمال السحرية تتسبب في عرقلة زواجها، وتطلب رأي الدين في السحر والسحرة، وكيف تتقي شرهم، ليرد عليها الدكتور نصر فريد واصل، فقيه إسلامي مصري ومفتي الديار المصرية السابق، على موقع دار الإفتاء قائلا: "ذكر العلماء أن جمهور المسلمين على إثبات السِّحر، وأن له حقيقة كحقيقة غيره من الأشياء الثابتة، وكون السحر له حقيقة ثابتة لا يعني كونه مؤثرا بذاته، ولكن التأثير هو لله تعالى وحده؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ﴾. فقد نفى الله -عز وجل- عن السحر التأثير الذاتي ومفعوله، ونتيجته منوطة بإذن الله تعالى، ولا تتجاوز حقيقته حدودا معينة، ولا يمكن أن يتوصل إلى قلب الحقائق وتبديل جواهر الأشياء.

 

ولقد وصف الله سحر سحرة فرعون بأنه تخييل في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه: 66]؛ أي إن الحبال لم تنقلب في الحقيقة إلى ثعابين، وإنما خُيِّل ذلك للمشاهدين، ومن الآيات الكريمة نفهم أن الشياطين هم الذين يعلِّمون الناس السحر، وأن تعلُّم السحر ضارٌّ وليس بنافع، ويَحرُم على الإنسان أن يتعلم السِّحر أو الشعوذة لخداع الناس أو إضلالهم أو فتنتهم أو التأثير السيئ فيهم، كما يَحرُم على الإنسان أن يعتقد أن العرّاف أو المشعوذ أو الساحر هو الذي ينفعه أو يضره؛ يقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «مَنْ أَتَى عَرَّافًا أَوْ كَاهِنًا، فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ، فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» رواه أبو داود والطبراني".(5)

 

أما عن تلبّس الجن بالإنسان، يقول الدكتور أحمد الطيب، خلال برنامجه "الإمام الطيب": "ما نسمعه ونشاهده من دعاوى كلام ما يُطلق عليه "الملبوس" هو خيالات واختراعات لا أساس لها من الصحة، فقوة الجن هي في الوسوسة والإضلال وليس في التلبس، لقوله تعالى: (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ)". ونوّه شيخ الأزهر إلى أن كل مَن يدّعي إخراج الجن من جسد الإنسان كاذب ومُرتزق ومُضلِّل، مُبيِّنا أن كثيرا من القنوات التلفزيونية أصبحت تنتفع من خلال السحر والشعوذة، وذلك عندما أصبحت فلسفة المال هي التي تتحكّم في الجميع.(6)

———————————————————————————————–

المصادر

  1. شَعْرَة
  2. العثور على 345 عملا سحريا في حملة تطهير مقابر مدينة المراغة بسوهاج
  3.  أعمال وطلاسم وسحر أسود في حملات تطهير مقابر القليوبية
  4. كيف يمكن تطبيق فكرة "العلاج بالوهم" لتحسين أداء الرياضيين؟
  5. فتوى السحر والسحرة، موقع دار الإفتاء المصرية
  6.  شيخ الأزهر: تلبس الجن بالإنسان خيالات لا أساس لها من الصحة
المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة