ثقافة الحساسية.. كيف يصنع الدلال الزائد أجيالا زجاجية؟

"إن القرن الحالي، هو أكثر القرون البشرية التي يعاني فيها الفرد من القلق والشعور بالخَوَاء".

(رولو ماي، البحث عن الذات)

انشغل عدد من الباحثين في مجال علم النفس والعلوم التربوية في الآونة الأخيرة بمحاولة تفسير الانفجار الاستثنائيّ في نِسَب اضطرابات المِزاج من قلق واكتئاب وشعور بالوحدة، والتزايد غير الطبيعيّ في منحنيات إيذاء النفس ومحاولات الانتحار لدى الجيل الجديد من المراهقين والبالغين والشباب أو مَن يُعرفون علميا باسم الجيل "iGeneration"، وهُم أولئك الذين وُلدوا بين الأعوام 1995 و2012.(1)

 

قام الباحثون بتقسيم الأجيال إلى فئات عمرية بحسب مجموعة من العوامل والظروف المشتركة لغايات بحثية، وتواطؤوا على تسمية الأجيال بحسب تاريخ ميلادهم إلى "Boomers" لما بين (1946-1964)، و"GenX" لما بين (1965-1979)، و"Millennials" لما بين (1980-1994)، والجيل الأخير "iGen" لما بين (1995-2012) أو ما يُعرَف أيضا بالجيل "Z"، وهذا الجيل هو موضوع الحديث في هذا المقال. وتُظهِر الدارسات مدى الاختلافات بين كلّ جيل وآخر من حيث طبيعة الأزمات العالمية والحروب التي شهدوها، ومن حيث طبيعة اهتماماتهم والتقنيات التي يستخدمونها ونمط معيشتهم، والنشاطات التي يقومون بها، وما يشمل هذا كلّه من استجابات عاطفية وسلوكية واجتماعية.

وكان ممّا أثار اهتمام الباحثين التحوّلات النوعية والتغيّرات الاستثنائية التي أظهرها عدد من الدراسات والبحوث والاستبانات حول طبيعة النشاطات التي يمارسها الجيل الجديد من المراهقين والشباب، وخاصّة أولئك الذين وُلدوا بين الأعوام 1995-2012. ففي المسح الضخم الذي موّلته المؤسّسة الوطنية للصحّة في الولايات المُتحدّة بعنوان "مراقبة المستقبل" لرصد إجابات الأجيال الشابة في كلّ سنة منذ عام 1976، تبيّن أنّ الجيل الأخير، وبشكل استثنائي وغريب، يُظهِر إقبالا أقلّ على النشاطات الجنسية، وقيادة السيارات، وأقل رغبة في العمل من أجل الحصول على المال في فترة شبابهم، مقارنة بالأجيال الأخرى. بالإضافة إلى أنّهم أكثر مكوثا في المنزل، ويقضون ساعات طوالا يحدّقون في أجهزتهم المحمولة، يسهرون ولا ينامون كثيرا، لا يحبّون الخروج للتنزّه، ويُفضّلون التواصل مع أصدقائهم عبر الهواتف الذكية ومنصّات التواصل الاجتماعيّ.* والتعبير الأهم في هذا كلّه أنّهم غير مُهتمّين بالنضج ولا يرغبون بفعل ما يفعله البالغون، وهذا يشمل عدم رغبتهم بالمغامرة أو خوض تجارب المرّة الأولى مثل الجنس وتناول الكحول أو المواعدة، وبوصف بعض الباحثين، فإنّك ترى رغبات الشاب بعمر 18 منهم كما لو كان مراهقا بعمر 14 لدى الأجيال السابقة.*

قامت عالمة النفس الأميركية جان ماري توينجي بمناقشة مُوسّعة لهذه الظاهرة في كتابها "iGen"، وممّا لفتت توينجي الانتباه إليه أنّ نظرة الأهالي لأبنائهم اختلفت أيضا، إذ إنّهم شديدو التخوّف من خروج أبنائهم لوحدهم، إذ تُظهِر نتائج البحث حدوث انزياح عُمري للسنّ الذي يسمح به الأهل لأبنائهم بالخروج خارج المنزل لوحدهم، بالإضافة إلى إبقائهم ضمن برامج تتبّع المواقع، والإفراط من تحذيرهم من الكثير من المخاطر، واتّخاذ العديد من التدابير الوقائية وتشكيل هواجس ارتيابية لديهم للحذر من الكثير من العلاقات في الخارج في المدرسة والشارع. وإحدى القصص التي أثارت الجدل حول هذه المسألة هي قيام أحد الأزواج بالسماح لأبنائهما بأعمار 10 و6 سنوات بالتجوّل لوحدهم في مُحيط الحَيّ، فقام أحدهم بالإبلاغ عن مشاهدته لأطفال يلعبون ويتجوّلون لوحدهم في الحَيّ للمركز الأمنيّ، الأمر الذي أخضع الزوجين للتحقيق حول إذا ما كانا يُهملان رعاية أبنائهما.(2)

 

وقد أظهرت تقارير الطوارئ للحالات التي استُقبِلت في المستشفيات في السنوات الأخيرة* من الجيل نفسه من المراهقين والبالغين الذين تتراوح أعمارهم بين 10-24 عن ارتفاع لافت وحادّ في محاولات إيذاء النفس، خاصّة لدى فئة الإناث وخاصّة بعد عام 2009، وهو العام الذي أعقبه انتشار واسع لأجهزة الهواتف الذكية بين فئة الشباب، وذروة استخدام مواقع التواصل الاجتماعيّ لأولّ مرّة، بعدما أُتيحت الأجهزة الذكية بأسعار قابلة للاقتناء بالنسبة لمعظم فئات المجتمع.

 

ويترافق ما سبق مع تزايد كبير في حالات الاكتئاب والشعور بالوَحدة لدى أبناء هذا الجيل يفوق باقي الأجيال حينما سُئلوا عن ذلك في الفترة العُمرية نفسها. وقد يكون لهذا علاقة بطبيعة النشاطات التي يمارسها هذا الجيل، فمثلا عند سؤالهم إذا ما كانوا يخرجون مع أصدقائهم أو يذهبون لمشاهدة فيلم في السينما أو للتسوّق، أبدت المنحنيات هبوطا حادا لدى هذا الجيل بعد عام 2009.(3)

أمّا الشعور بالسعادة من عدمه فقد ترافق "ارتباطيا" (Correlation) أيضا مع طبيعة النشاطات التي يقوم بها أبناء الجيل، فأولئك الذين يقضون يومهم على شاشات الهواتف الذكية والأجهزة المحمولة أبدوا قدرا أعلى من الشعور بعدم السعادة، في الوقت الذي أظهر فيه أولئك الذين يقضون وقتهم في الانخراط في النشاطات المجتمعية وفعاليات خارج المنزل قدرا منخفضا من الشعور بعدم السعادة. وتُشير باقي القراءات إلى ارتباطات مماثلة، فأولئك الذي أشاروا إلى تعرّضهم لحالات اكتئاب خطيرة كانوا يقضون وقتا أكبر على شاشات الأجهزة، الأمر ذاته الذي يُعَدُّ عامل خطر معزّزا للانتحار.(4)

 

صيغت فرضيات عديدة لمحاولة تفسير هذه التحوّلات الكبيرة على مستوى السلوك والصحّة النفسية للأجيال الناشئة، ولعلّ من أهمّها ثلاث فرضيات رئيسية: أولا، الإفراط في حماية الأبناء، الأمر الذي يجعلهم أكثر حساسية وقابلية للانهيار عند تعرّضهم لمصاعب حقيقية. وثانيا، الإفراط في قضاء الوقت على الأجهزة الذكية ومنصّات التواصل الاجتماعيّ، الأمر الذي يُفقدهم خبرة التواصل المباشر والفعليّ وتبعاته من أذى ومخاطر أو تفاعل حميميّ ودافئ. وثالثا، شيوع ثقافة الحماية (Safetyism) وحساسية الخطاب، وعلى المجتمع والمدارس والجامعات حمايتهم من كلّ ما يؤذيهم.(5)

أولا: الإفراط في حماية الأبناء (Overparenting)

"تبدو مفارقة غريبة: غالبا أولئك الذين يحاولون مساعدتنا هُم أكثر مَن يُؤذينا، تماما كما هو الحال مع الآباء الذين يُفرطون في حماية أبنائهم".

(نسيم الطالب، المتانة)

تكمن مشكلة الإفراط في حماية الأبناء في أنّها تُجنِّب الأبناء مواجهة المشكلات والمصاعب بأنفسهم، الأمر الذي من شأنه أن يحرم الطفل من أن يراكم خبراته الذاتية تجاه الحياة والآخرين، لأنّ تدخُّل الأبوَين لحلّ جميع مشكلات الطفل من شأنه أن يحرم الطفل من قدراته على تقييم نفسه وتقييم الآخرين ومهارات حلّ المشكلات. أضف إلى هذا أنّ تدخُّل الأبوَين الدائم قد يحول دون رؤية العيوب التواصلية والشخصية الحقيقية التي قد يعاني منها أبناؤهما. على سبيل المثال، لو كان الأبوان يتدخّلان دائما لإجبار الآخرين على قبول ابنهم ذي الطِّباع الأنانية أو العدوانية، السبب الموضوعيّ الذي أدّى إلى ابتعاد أقرانه عنه أو إقصائهم له، فإنّ تدخُّل الأهل أو النظام المدرسيّ لإجبار الآخرين على القبول به وعدم إقصائه دون مراجعة لطِباع الطفل أو سلوكياته قد يجعله يظنّ أنّه لا بأس بعيوبه، وعلى الآخرين دوما تحمّلي وقبولي.(6)

تتفاقم المشكلة لأنّه ليس بإمكان الأبوين أن يكونا موجودين على الدوام في جميع الأوقات وفي جميع الأماكن والظروف لحماية أبنائهما. وبعد أن تتراكم المواقف التي يتدخّل فيها الأبوان لصالح الابن لحمايته وإزاحة المصاعب من حياته، فلا بُدّ أن يأتي الوقت الذي يضطّر فيه الابن لمواجهة الحياة لوحده، مثل أن يذهب إلى الجامعة أو أن يسافر للدراسة لوحده، أو أن يُعيَّن في وظيفة في مؤسّسة ما. وحين يتعرّض لأوّل مشكلة أو مصيبة في عَمَله أو في بيئته الجامعية، أو بعد عدد بسيط من المصاعب، يُصاب الابن بانهيار عاطفيّ حاد، بأشكاله من اكتئاب أو قلق أو محاولة لإيذاء النفس، لأنّه لَم يعتد أن يختبر مشكلاته البسيطة بالأساس بنفسه، ولم يُطوِّر خبراته الداخلية ودفاعاته لحلّ مشكلاته بنفسه.(7)

 

للأسف، إنّ الواقع أكثر شراسة، والخارج أكثر قسوة، وحين يقوم الأهل والنظام المدرسيّ على الدوام بحماية الأفراد ومحاسبة كلّ نقد أو رفض مُوجّه للفرد، فسيكون بإمكانك تخيّل حجم الفاجعة النفسية التي سيُصاب بها فرد مَحمي طوال عمره حين يتعرّض لانتقاد من مديره في الوظيفة أو حين يفشل في إنجاح علاقة عاطفية من المرّة الأولى.

 

يُشير عالم النفس الاجتماعي جوناثان هايدت إلى ترافق هذا النمط التربوي المفرط في حماية الأبناء مع ارتفاع أرقام وإحصاءات أمراض الحساسية المُسجَّلة لدى الأجيال الناشئة، والتي جعلت أعدادا غير قليلة من الأطفال والمراهقين يعانون من أمراض حساسية لمواد طبيعية وعادية نتيجة حماية الأهل المفرطة لأنظمة الغذاء الصحّي، الأمر الذي حرم أجسامهم من القدرة على بناء مناعة طبيعية ضدّ العديد من الجراثيم والميكروبات والأمراض. وكذلك أثر إزالة الحواف أو الأشواك أو الحجارة من المتنزّهات وتسهيل وسائل الترفيه بدون مشقّة أو تعب، الأمر الذي أضعف لياقة وصحّة أجساد الأجيال الناشئة.(8)

ثانيا: الأجهزة الذكيّة ومنصّات التواصل الاجتماعيّ

"بعد تفحّص دقيق للأبحاث والدراسات، ستجد أنّ الآثار النفسية السلبية لمنصّات التواصل الاجتماعي تفوق بكثير آثارها الإيجابية".

(كاتي هيرلي، معالجة نفسية مختصّة بعلاج اضطرابات القلق والاكتئاب لدى الأطفال والمراهقين)

لعبت منصّات التواصل الاجتماعيّ دورا حاسما في التفاعلات الاجتماعية البشرية، وقد صارت بعد عام 2009 متاحة لفئة كبيرة من المراهقين والبالغين عبر الأجهزة الذكية. وتكمن إحدى أهمّ مشكلات منصّات التواصل الاجتماعيّ في قدرتها على تشويه تقدير المراهقين لذواتهم. تعمل المقارنة الاجتماعية (Social Comparison) كنشاط تدميريّ ضمنيّ بدون وعي من الأفراد، إذ يقارن الناس أحوالهم وظروفهم بالّلحظات المثالية التي ينشرها غيرهم على حساباتهم، فيظنّون أنّهم بائسون ولا يتمتّعون بالقدر نفسه من الرفاه والسرور الذي يتمتّع به الآخرون.

 

تُؤثِّر منصّات التواصل الاجتماعيّ بشكل أكبر على الإناث من الذكور، إذ إنّ صورة الجسد تُشكِّل هاجسا مُقلِقا للعديد من الفتيات لكي يكون بإمكانهم مشاركة صورهم مع أقرانهنّ، الأمر الذي يرتبط ارتباطا وثيقا باضطرابات الطعام النفسية(9) (Eating disorders)*.

 

تظهر لدى هذا الجيل من المراهقين والبالغين فروقات جندرية واضحة على مستوى الصحّة النفسية، فالإناث أعلى نسبة من حيث الإصابة باضطرابات المِزاج كالقلق والاكتئاب. وواحد من التفاسير لهذه الفروقات هو أنّ الإناث حين تسوء أوضاعهن فإنّهنّ غالبا ما يستدخلن المشكلات لذواتهن أو يُوجّهن الّلوم نحو أنفسهن (Internalizing)، فيؤذين أنفسهن أو يكتئبن. أمّا الذكور فحين تسوء أمورهم فإنّهم يميلون إلى توجيه المشكلات للخارج (Externalizing)، فيقومون بأعمال عدوانية أو عنفية كالتكسير أو الضرب أو القيادة بتهوّر وسرعة ونحو ذلك*.

أحد التفسيرات الأخرى التي تُعالج تأثّر الإناث أكثر بمشكلات منصّات التواصل الاجتماعيّ هو طبيعة الاستخدام، إذ تستخدم الإناث حسابات التواصل الاجتماعيّ بشكل أكبر لغايات التتبّع الاجتماعي، وسلوك الضغط الاجتماعيّ الذي تمارسه الفتيات تجاه بعضهن في الغالب هو العدوان العلاقاتيّ (Relational Aggression) بتدمير علاقات فتاة أخرى، أو نشر الإشاعات وتشويه صورتها أو سُمعتها. أمّا استخدام الذكور لمنصّات التواصل الاجتماعيّ فهو لغايات المحادثات السريعة والّلعب والتسلية، وسلوك الضغط الاجتماعيّ الذي يمارسه الذكور تجاه بعضهم في الغالب هو العدوان الجسديّ (Physical Aggression) وما يشمل هذا من عراكات وعدوان وعنف* *.

ثالثا: ثقافة الحماية (Safetyism) وحساسية الخطاب

"يحتاج البشر على الدوام إلى أن يتعرّضوا للتحدّيات الجسمانية والنفسية لكي يختبروا أنفسهم ولكي نتقدّم للأمام. بدون تحدّيات وبالحماية المفرطة سننحدر وننهار".

(جوناثان هايدت، تدليل العقل الأميركي)

أدّى شيوع ثقافة الاستياء (Call-out culture) مثال فيديو وصعود خطاب الهُويّات الثقافية كخطاب سياسيّ، وهيمنة مصفوفة القهر والاستبداد (Matrix of Oppression) المَعنية بمسائل الجندر والجنس والحقوق وتضخيم مسألة الأقليات والتركيز على الألفاظ المُحايدة، وزيادة هاجسية الحساسية الخطابية، أدّى هذا كلّه إلى استجابة النُّظُم والمؤسّسات بشكل ارتيابيّ وحسّاس لكيّ لا يحدث بأيّ شكل من الأشكال أن تُوجَّه لهم أصابع الاتّهام من قِبل الجموع الساخطة باعتبارها مؤسّسات تشترك في تغذية مصفوفة القهر وظُلم الأقلّيات والهُويّات الفرعية والانحيازات الجندرية.(10)

ويرى هذا المنظور أنّ الخطاب بطبعه شكل من أشكال العنف، وبعد أن يفقد التواصل الإنسانيّ عفويته وتلقائيته يصير كلّ خطاب بالضرورة خاضعا للتدقيق الثقافيّ، ومشكلة هذا الأمر أنّ الإشكالات والنقاشات تتحوّل من نقاش حول الأفكار إلى نقاش حول المصطلحات، وبدلا من إحراز التقدّم على مستوى الأفكار ندور في دوائر مُفرَغة من التخوينات الّلفظية والاتّهامات الاصطلاحية، وتضيع بذلك أي قيمة جوهرية لصواب أو خطأ الأفكار. في الوقت الذي يصير فيه الصواب هو ما كان لائقا لفظيا على المستوى الثقافي، ولا يهمّ بعد هذا مضمون الخطاب وأفكاره. أمّا على مستوى إجرائي فإنّ ما حدث هو تحوّل من قيمة العدالة إلى قيمة المساواة، فالمُهِم هو المساواة في الناتج النهائيّ الذي لا ينبغي أن يُجري أيّ فروقات وإن كان طرف أحقّ من الآخر، فالإفراط في المساواة ظُلُم، والتسامح مع المُهمّشين صار يستلزم اللا تسامح مع غيرهم.(11)

 

هكذا يتسبّب الخوف الزائد عن الحاجة في الحذر الزائد عن الحاجة، وهكذا ينشأ نظام مُفرِط في حماية أفراده تربويا ليحول دون أن يسمعوا أي عبارة من الممكن أن تُؤذيهم، وتنشأ فكرة الفضاءات الآمنة (Safe Spaces)، وهي إلزام المؤسّسات مثل المدارس والتعليمات بأن تتحوّل إلى فضاءات مُقيّدة لأيّ فكرة أو خطاب من شأنه أن يتسبّب بإزعاج أيّ فرد، خاصّة إذا كان من الفئات المُهمّشة، وهذا لا خطأ فيه، لكنّه لا يتحدّد بمساحات واضحة، الأمر الذي يتحوّل إلى قانون قمعي يحول دون حُرّية التعبير وحرّية الرأي، وهكذا لن تُناقش أي قضية مهما كانت عِلمية أو جدّية ما دامت تنطوي على خطاب سيزعج أي فئة أخرى*.

 

في ظلّ هذا كلّه تنشأ ثقافة الحماية (Safetyism)، وهي ثقافة تتأسّس على فكرة مفادها أنّ كلّ مَن يُخالفني يُؤذيني، وكُلّ خطاب لا يُعجبني يُشعرني بالخوف، وكلّ مَن لا يقبل أفكاري يُقلقني. وهكذا تنشأ ثقافة يُطالب أفرادُها المسؤولين في كلّ بيئة بضرورة حمايتهم، دون أن يُعرّضوا أنفسهم وأفكارهم للمساءلة أو المراجعة، فكلّ مَن يخالفني يؤذيني، وعليكم حمايتي منه، وتصير هذه الثقافة أيدولوجيا بحدّ ذاتها تُقصي أي خطاب آخر ولو كان عِلميا*، ممّا يُلغي قيمة الحوار والنقاش ما دام النقاش سيتضمّن كلاما يُشعرني بالقلق وإن كان صحيحا. الأمر الذي حذا بعالم النفس الاجتماعي جوناثان هايدت وزميله جريج لوكيانوف إلى القيام ببحث مُوسّع حول خطورة وأبعاد هذه الظاهرة في كتابهما "تدليل العقل الأميركيّ"*.(12)

 

"ليست المتانة مثل المرونة، الأشياء المرنة حين تتعرّض للضغوط تبقى كما هي، الأشياء المتينة تتقوّى بالضغوطات والمصاعب".

(نسيم الطالب، المتانة)

في كتابه "المتانة" (Antifragile) يشرح الاقتصادي والباحث الّلبناني الأميركي نسيم نقولا طالب فكرة المتانة ومقاومة الهشاشة عن طريق الممايزة بين ثلاثة أنواع من الموجودات:(13)

  • بعض الأشياء "هشّة" مثل الكأس الزجاجيّ، حين تُعرّضها للضغوطات أو الصدمات تتحطم وتتكسّر.
  • بعض الأشياء "مرنة" مثل البلاستيك، حين تتعرّض للضغوطات أو الصدمات تبقى كما هي أو تتشوّه.
  • بعض الأشياء "متينة" ومقاومة للكسر، حين تتعرّض للضغوطات والصدمات تتقوّى وتصير أكثر متانة، مثل جهاز المناعة، النفس البشرية، الأفكار، العضلات.

 

ويذهب طالب إلى أنّ الإنسان كائن متين ومقاوم للهشاشة والكسر، وأنّه يتقوّى فقط عند تعرّضه للمصاعب والضغوطات، أمّا أوقات الرخاء فنحن لا نتقدّم كثيرا للأمام، وأحيانا العكس، فنحن نصير أكثر هشاشة. يتوافق هذا مع مبدأ العضلات التي تتقوّى وتصير أكثر تحمُّلا عبر تعريضها لأوزان أكبر شيئا فشيئا كما يحدث في الأندية الرياضية، وكذلك ما يحدث مع الجهاز المناعيّ لجسم الإنسان من أنّ حمايته المطلقة من الجراثيم والفيروسات والميكروبات إنّما يُفضي في نهاية المطاف إلى ضعف الجهاز المناعي وهشاشته(14).

 

وبحسب طالب فإنّ المَناعة النفسية مماثلة للمناعة الجسمية من حيث قدرتها على تطوير نفسها بحسب ما تتعرّض له من صعوبات ومواجهات قاسية، فالمناعة مثل جهاز دفاعيّ يختبر أجهزته ويتقوّى بالاحتكاك المباشر مع العدو، يضعف أحيانا وينهزم أحيانا، لكنّه يُمكِّن المرء من تقييم قدراته وبالتالي تطويرها أو إعادة مساءلتها.

 

وعلى الرغم من أنّ صانعي القرار والثقافة المعاصرة يتبنّون سياسات الإسراف في حماية الأطفال والإفراط في الحذر والخوف على الأجيال الناشئة، فإنّ العديد من هذه المبرّرات لا تتّسق مع الخلاصات التي توصّلت إليها الخبرة البشرية ولا مع النتائج العِلمية التي توصلنا إليها حتّى الّلحظة.

بعض التحدّيات ضرورية لكيّ نختبر أنفسنا، وبعض الضغوطات مهمّة كي نتقوّى، وبعض ممّا يشعرك بعدم الارتياح قد يكون لصالحك

يشرح عالم النفس الاجتماعيّ جوناثان هايدت أنّ مُبرّرات ثقافة الحماية الزائدة تنتهج مسارا يخرق المقولات العِلمية واستنتاجات الخبرة البشرية عبر التاريخ، بل هي تقلبها رأسا على عقب(15):

 

  • أولا: تتبنّى هذه الثقافة أنّنا "كائنات هشّة قابلة للكسر"، وهو ما يخرق المبدأ الذي نعرفه من أنّ "الإنسان يتقوّى بتعرّضه للمصاعب"، ويبدو أنّ هذا المُبرّر هو النقيض المباشر للمقولة الشهيرة الفيلسوف الألمانيّ نيتشه "ما لا يقتلك يُقوّيك".
  • ثانيا: تُملي هذه الثقافة على الأطفال والشباب تعليمات مثل "ثِق دائما بأحاسيسك ورغباتك"، وهذه المقولة تُناقض ما توصّلنا إليه في علم النفس الإدراكيّ والمَعرفيّ بأنّنا "كائنات مدفوعة بعواطفنا وانحيازاتنا الإدراكية"، وبالتالي لا ينبغي للمرء دائما أن يثق بأحاسيسه أو أن يعتبر أنّ ما يجعله يشعر بعدم الارتياح هو أذى وخطأ بالضرورة، وبالتالي يحرم نفسه من التفكير في المسألة ويطلب الحماية قبل أن يعطي لنفسه فرصة مراجعة نفسه.
  • ثالثا: تجعل هذه الثقافة من الحياة حربا بين الأخيار والأشرار، فكُلّ مَن لا يتقبّلني (وإن كنت سيئا أو جاهلا) هو بالضرورة شرير وعدو، وهو ما يخالف الخبرة التاريخية لبني الإنسان التي ترى أنّ الاختلاف طبيعة بشرية، وأنّ مَن لا يوافقني الرأي ليس شريرا بالضرورة.
  • وأخيرا: يبدو أنّ المغالطة الرئيسية تكمن في المُنطلَق الضمني لهذه الملاحظات في كونها تُساوي بين الخلاف الفكريّ والعنف الجسمانيّ، باعتبار الخلاف الفكري مُؤذيا للإنسان، وأن مساءلة الأفكار ونقدها هو أمر مماثل ومطابق للاعتداء الجسدي على الإنسان، وهو أمر غير دقيق علميا ولا فيما نعلمه من الخبرة البشرية.(16)

 

بعض التحدّيات ضرورية لكيّ نختبر أنفسنا، وبعض الضغوطات مهمّة كي نتقوّى، وبعض ممّا يشعرك بعدم الارتياح قد يكون لصالحك، ومَن ينتقد أفكاري ليس شريرا أو عدوا بالضرورة، إنّما قد يُصيب وقد يُخطئ، ويجب أن أكون منفتحا على الدوام لسماع ما لا أرغب بسماعه، وللتفكير به، ومن ثُمّ أقرّر بعد البحث فيه إذا ما كان يستحقّ أن يُؤخذ بعين الاعتبار من عدمه.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة