أنت لست والدا سيئا.. لماذا نشعر بالملل أحيانا في صحبة أطفالنا؟

أعدَّ أندرياس ألبيدورو، الكاتب والفيلسوف من جامعة لويفيل الأميركية، مقالا نشره موقع "سايكولوجي توداي"، ناقش فيه الأسباب التي تدفعنا إلى الشعور بالملل في صحبة أطفالنا، وأشار الكاتب الذي صدر له كتاب ضخم بعنوان "كيف يقودنا الملل والإحباط والترقب إلى حياة جيدة" إلى أن فكرة الملل من اللعب مع أطفالنا أو مجرد صحبتهم ليست باعثة على الشعور بالخجل أو الذنب، ويُفصِّل الأسباب النفسية لهذا الشعور، وكيف يمكن للوالدين التعامل معه وتحسين جودة الوقت الذي يقضونه بصحبة أطفالهم.

 

"يكون الأمر ممتعا لي لمدة ثوانٍ معدودة، لكنني أشعر بالملل بعد برهة". اضطررت لقراءة هذه الجملة مرتين، وفكرت كيف يمكن لها أن تمل من طفلها؟

 

هذه الجملة الافتتاحية جاءت في رواية رائعة للروائي الفرنسي فرانسوا مورياك بعنوان "تيريز ديكيرو"، الرواية التي صوّت لها القرّاء لاعتبارها أكثر الكتب خلودا في القرن العشرين، وهي بالفعل رواية خالدة. فشلت محاولة "تيريز"، الشخصية الرئيسية في الرواية، تسميم زوجها، ثم أُحيلت قضيتها إلى المحكمة، لكنها أُسقطت. وفي محاولة للحفاظ على سمعة العائلة، يحجب زوجها، الذي كاد أن يكون ضحيتها، حقائق ذات صلة بالقضية لولاها كانت زوجته قد أُدينت. بعد ذلك كان عليها العودة إلى بيتها وزوجها، وخلال رحلة عودتها أخذت تفكر فيما حدث وتتخيل ما ينتظرها.

 

إن حقيقة أن تيريز تجد طفلها مملا تبدو لافتة ومرعبة. ما طبيعة هذا الشخص الذي يجد طفله مملا؟

لا يجب علينا الحكم على تيريز بقسوة لكونها تشعر بالملل بصحبة طفلها. على الرغم من شعور تيريز بالذنب بسبب آثامها الجسيمة، فإنها ليست الوحيدة التي تجد طفلها مملا، فحتى نحن قد نشعر أحيانا بالملل بسبب أطفالنا. أحيانا نشعر بهذا الملل حتى إذا كنا نحمل في عقولنا أصدق النيات، ونحاول بجِد أن نكون آباء جيدين ومكترثين.

 

إذا شعرنا بالملل بصحبة أطفالنا من وقت لآخر، فهذا لا يعني بالضرورة إشارة إلى أننا آباء سيئون، إن الأمر مجرد تذكير لنا بأننا لسنا آباء فحسب.

 

إن الروتين والتكرار هما المسببان الرئيسيان للملل، لكنّ هذين الشرطين ليسا كافيين أو ضروريين لاستدعاء الملل. فليس شرطا أن يكون كل موقف روتيني أو مكرر باعثا على الملل. فكر مثلا في الحياكة، أو ممارسة لعبة الغولف، أو غسيل الصحون، أو أعمال البستنة، أو الاستماع إلى موسيقى الأمبينت ( نوع من الموسيقى لا يُعنى بالإيقاع التقليدي مثل أصوات مجمعة من الطبيعة). كما أنه أيضا ليس كل موقف ممل هو بالضرورة روتيني أو مكرر، فمثلا مشاهدة التلفاز، أو حضور اجتماع إجباري، أو إجراء محادثات اجتماعية قصيرة روتينية، كلها مواقف غالبا مملة، لكن على الرغم من ذلك فإنها تنطوي على تنوُّع كبير.

 

من الصعب فهم متى ولماذا يتنامى الشعور بالملل من خلال النظر إلى مواقفنا والبيئة المحيطة بنا فقط. ومن أجل فهم أفضل لبواعث شعورنا بالملل، يجب علينا النظر إلى "دواخلنا". الحقيقة هي أن معرفة ما إذا كان موقف ما سيُشعرنا بالملل تعتمد بالأساس على معنى هذا الموقف بالنسبة لنا. لكن لهذا السبب، فإنه ببساطة لا يمكننا معرفة ما يمكن أن يُشعرنا بالملل. في الواقع، وتحت ظروف ملائمة، يمكن أن يبدو لنا كل شيء تقريبا مملا، فالبعض قد يملّ من ممارسة الجنس، والمال، والوضع الاجتماعي، وآخرون قد يملّون من الدين. ومع ذلك فإن هناك آخرين قد يفقدون الاهتمام بأصدقائهم وأطفالهم.

 

الملل هو الإدراك المؤلم بأن ما نفعله الآن ليس هو ما نود أن نفعله. ففي حالة شعورنا بالملل، نرغب في أن نكون منخرطين أو متحفزين أو أمامنا تحدٍّ بطريقة ما، وبالتالي فإن كل الأنشطة والمواقف تقريبا يمكن أن يُخيِّم عليها الملل أو حتى يعصف بها بالكامل، فأي شيء قد يصبح مملا بالنسبة لنا عندما لا يشتبك معنا بصورة تُرضينا (أو تُثير اهتمامنا، أو تُفيدنا، أو تُثيرنا، أو تُشبعنا، إلخ).

لكن لماذا يكون لبعض المواقف دون أخرى هذا التأثير علينا؟ تُشير الأبحاث التجريبية إلى فاعلين رئيسيين. تتنامى المشاركة غير المرضية إما بسبب أننا لا نستطيع الانتباه للموقف، وإما لأننا نجد أن الموقف الذي نحن فيه غير ذي جدوى أو أهمية. هذان العاملان على صلة ببعضهما، إذا اعتقدنا أن ما نفعله غير مُجدٍ، فبالتالي من المرجح أننا لن نوليه اهتماما، وإذا لم يستحوذ الموقف على انتباهنا، فإن ذلك يجعلنا نميل إلى الحكم عليه بأنه غير ذي جدوى أو أهمية.

 

إن الملل هو التعبير العاطفي عن عدم رضانا عن الطريقة التي نشتبك فيها مع بيئتنا المحيطة، ومع الآخرين، وربما حتى مع أنفسنا، ومؤشر على أن الموقف الذي نحن بصدده لا يحوز على انتباهنا، ولا يبدو أنه ذو جدوى بالنسبة لنا، أو ربما الاثنان معا. هناك أسباب أخرى أكثر تؤدي إلى الملل من تلك التي ذكرتها، لكن لنعد إلى موضوعنا الرئيسي.

 

فلماذا نمل أحيانا من قضائنا وقتا مع أطفالنا؟ بالنظر إلى ما ذكرته فإن أحد الأسباب هو أن انتباهنا مُركَّز على شيء آخر، فلعب الطفل لا يكون دائما لعبا بالنسبة لنا، ويمكن القول إنه لا يكون دائما نشاطا يمكننا الانغماس فيه. فبينما نكون مع أطفالنا، يطير تفكيرنا إلى مكان آخر؛ عملنا أو مهامنا المنزلية أو كل الأشياء التي علينا القيام بها وكل ما كان بإمكاننا إنجازه بدلا من ذلك. فعندما نكون مشغولين بحياتنا لا يمكننا أن ننسى أنفسنا ومسؤولياتنا وننغمس بكياننا في اللعب مثلما يفعل أطفالنا، وبالتالي فإننا لا نستطيع اللعب، وبدلا من ذلك نصبح مراقبين وحُكَّاما لنشاط أطفالنا ولسنا شركاءهم في اللعب.

 

الملل الناتج عن عدم قدرتنا على الانتباه والانخراط التام في أنشطة أطفالنا ليس خطأنا بالأساس، إذ تنجح عقولنا المتسائلة والقلقة في قتل جاذبية اللعب بالنسبة لنا، وتتسابق أفكارنا وهمومنا للاستحواذ على انتباهنا، وغالبا ما تفوز. ومع ذلك، فإن هذا النوع من الملل يمكن مقاومته. فإذا شعرنا بالملل أثناء اللعب مع أطفالنا، يكون السبب غالبا لأننا لا نلعب معهم بحق، وبالتالي يمكننا أن نحاول تخفيف مللنا عن طريق الاستغراق التام في عالمهم. فمشاركتنا لن تجعلهم أسعد فحسب، لكنها أيضا ستتكفّل بالملل الذي نشعر به، وتساعدنا في بناء علاقات أقوى مع أطفالنا. إن الأمر يعود لنا ولأطفالنا تماما في اكتشاف نوع الأنشطة التي تنطوي على هذا اللعب المشترك الجاذب لانتباهنا، وهناك أنشطة كثيرة يبدو أنها تؤدي هذا الدور فعلا، مثل: الرياضة، والتنزه، والأعمال اليدوية، والرقص، والقراءة المشتركة، وحل الأحاجي، إلخ.

لكن ماذا إذا شعرنا بالملل لأننا لا نجد جدوى في أنشطتنا المشتركة مع أطفالنا؟ هذا النوع من الملل أيضا مفهوم وشائع. ما دام أنه يظهر من آنٍ لآخر فإن هذا مؤشر على أننا لا نستطيع دائما التواصل مع أنشطة أطفالنا بصورة جدية، فمَن يمكنه لومنا؟ ليس كل شيء يُثير اهتمام أطفالنا هو بالضرورة مثير لاهتمامنا، فعلى الرغم من كون الأغاني المكررة، والبناء بالمكعبات، واللعب التخيلي، والألعاب الإلكترونية، رائعة بطريقة ما، فإنها قد تكون مملة، لا سيما إذا كنا نمارسها مرارا.

 

إذن كيف يمكننا التعامل مع هذا النوع من الملل؟ يمكننا مواجهته عن طريق المشاركة في الأنشطة المفيدة لكلٍّ منا ولأطفالنا، أي إننا يجب أن نهدف إلى اكتشاف أنشطة يمكن لكل الأطراف الاشتراك فيها فعلا. مثل هذا الاقتراح قد يبدو مهمة صعبة، لكنه يستحق المحاولة، وإذا نُفِّذ بصورة جيدة فإنه قد يدفع نحو علاقات طويلة الأمد بين الوالد والطفل. ومع ذلك فإنها مهمة شاقة، إذ إن ذلك يُلزمنا بالاستماع إليهم فيما يخص اهتماماتهم، وقبول أنه ربما تكون هناك قيمة أو فائدة حتى من الأنشطة التي قد تبدو للوهلة الأولى غير مُجدية أو سخيفة. ويتطلب ذلك أيضا ألا نستسلم على نحو سلبي لاهتماماتهم، وإنما نحاول توجيه اهتماماتهم بمعرفتنا وخبراتنا. هذا هو السبيل الوحيد الذي يُمكِّننا من الانخراط بصورة حقيقية في أنشطتهم.

 

ليس علينا أن نكون وحوشا منعدمي الأخلاق لنشعر بالملل في مواقف نعتقد أنها ذات جدوى أو مهمة بالنسبة لنا، لكن يكفي أن نكون بشرا لنشعر بذلك. إن الشعور بالملل أثناء قضائنا وقتا مع أطفالنا ليس إدانة لشخصيتنا، إنه تذكير بأن لدينا أهدافا واهتمامات أخرى بجانب أطفالنا. في الواقع، إن إدراك أننا أكثر من كوننا آباء يمكن أن يساعدنا لنكون آباء أفضل، فذلك يسمح لنا بفهم السبب الذي يجعلنا نشعر بالملل من وقت لآخر بينما نقضي أوقاتا مع أطفالنا، ويمكن أن يساعدنا ذلك في إيجاد طرق لصرف هذا الملل.

—————————————————————

هذا المقال مترجم عن Psychology Today ولا يعبر بالضرورة عن موقع ميدان.

المصدر : مواقع إلكترونية

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة