شعار قسم ميدان

لأن الضريبة الحقيقية التي تدفعها مقابل العمل من المنزل أكبر مما تتصور!

عندما نتحدث عن العمل من المنزل، فإن أول ما يتبادر إلى الأذهان هو شخص جالس على الأريكة، ما زال يرتدي منامتهُ، وشعره مبعثر بلا تنسيق، يتناول قدحا من القهوة سريعة التحضير بينما يُنجز عمله أمام الحاسوب المحمول. تبدو صورة وردية ومثالية للغاية، فمَن يرغب في الاستيقاظ مبكرا ليهرع للعمل، فقط ليعلَق في الزحام المروري الطاحن المعتاد كل صباح، وينفق نصف ساعة في البحث عن مكان لصفّ سيارته، أو يلتحم مع جموع الكادحين في إحدى وسائل النقل العام المتكدسة عن آخرها بالبشر. لقد انتقلت إلى العمل من المنزل وتخلَّصت من كل هذا، والآن أنت في الجنة التي يحلم بها أي موظف يعتمد عمله على حاسوب متصل بالإنترنت. ماذا بعد؟

فخ النوم

قد لا تلاحظ هذا في البداية، أو لا تتصور للحظة أنه سيصبح مشكلة حقيقية تؤثر على مسار يومك بأكمله، لكن الاضطرابات التي يُسببها العمل من المنزل مشكلة لا يُستهان بها. إن لم تنتبه جيدا، فإنك ربما تنزلق بسهولة إلى بعض الفخاخ التي ستُصيب ساعتك البيولوجية بالعطب.

الفخ الأول هو غياب الحدود بين وقت العمل ووقت الحياة المنزلية، الذي يؤدي بالتبعية إلى غياب روتين نوم صحي وثابت، بسبب العمل لوقت متأخر، أو تأجيل كل العمل حتى المساء، أو حتى العمل لوقت إضافي. الفخ الثاني هو القهوة، قد تكون سهولة الحصول على فنجان من القهوة أو الشاي دافعا جيدا لك لتستهلك أكثر وأكثر، ثم تعجز عن النوم في المساء. الفخ الثالث، وتقع فيه النساء عادة، وهو الغرق في المهام المنزلية ورعاية الأطفال طوال النهار، مما يُشكِّل عبئا إضافيا يدفعهن لشرب المزيد من المنبهات والسهر أكثر حتى يستطعن الانتهاء من أعمالهنّ. (للمزيد اقرأ مادة ميدان: لماذا لم يعد يكفينا النوم؟)

كل هذه العوامل تعبث بجودة النوم، ومن ثمّ تؤثر على الصحة النفسية للفرد وقدرته على التكيُّف مع الضغوطات. وجدت الدراسة التركية المنشورة في دورية "وورك" (Work)، التي استهدفت فقط العاملين الذين انتقلوا للعمل من المنزل بعد بداية جائحة الكورونا بستة أشهر، أن اضطراب النوم هو العامل رقم واحد في حدوث الاكتئاب أو القلق أو الضغط العصبي لدى المشاركين.

اضطراب النوم وحده كفيل بمضاعفة أيٍّ من الأمراض النفسية الموجودة بالفعل، ناهيك بالتسبب في حدوثها من الأصل. تدفع النساء ثمنا أعلى من ساعات نومهن بطبيعة الحال، بفضل تقسيم الأدوار السائد في معظم المجتمعات الذي يجبر المرأة على التضحية بساعات نومها من أجل إتمام المهام المتوقعة منها بالإضافة إلى عملها الأصلي (1). (للمزيد اقرأ مادة ميدان: التأجيل الانتقامي لوقت النوم.. كيف يؤثر ذلك على صحتنا؟)

في هذا الصدد، دعونا نُذكِّر أنه يجب ألا يُنظر إلى النوم بوصفه نشاطا ثانويا، بل أولوية قصوى لا بد أن يُخصَّص لها وقت كافٍ كل يوم، لأنه بدون النوم الجيد، لن تستطيع تأدية باقي مهامك وأنشطتك على مدار اليوم بالتركيز والكفاءة المرجوة. (للمزيد اقرأ مادة ميدان: في مديح النوم.. لماذا لا يعد تضييعا للوقت؟)

مئة عام من العزلة

في مقاله "التكلفة الخفية للعمل عن بُعد" في منصة "ذا أتلانتيك" (The Atlantic)، يشرح آرثر بروكس (Arthur Brooks)، أستاذ ممارسة الإدارة في كلية هارفارد للأعمال، لماذا يعارض العمل من المنزل بدوام كامل، رغم المزايا الظاهرية للأفراد والشركات من هذا الاتجاه الجديد، فيؤكد أن المسألة ليست مسألة عمل فحسب، بل إن ما يحدث في العمل ينعكس على حياة الفرد بالكامل، وقد يؤدي إلى تعاسته في النهاية (2).

نتيجة الانتقال من المكتب إلى العمل في المنزل، يفقد الموظف عددا كبيرا من العلاقات والتفاعلات الاجتماعية التلقائية التي لم يحتج إلى بذل مجهود لتحقيقها. والآن، بينما يجلس وحيدا في بيته ويعمل في السكون المحيط به، عليه أن يبذل مجهودا إضافيا للاحتفاظ بعلاقاته مع زملائه، وإلا حُكِم عليه بالعُزلة.

أضف إلى ذلك أن التواصل المباشر بين العاملين يعطي فرصة للحديث عن القلق والغضب والضغوطات التي يتعرضون لها، سواء بسبب طبيعة العمل ذاته أو بسبب ضغوطات خارجية، مما يمنحهم فرصا عفوية للتنفيس عما في صدورهم. يفتقد العاملون من المنزل هذه الميزة المجانية، سواء كانوا ممن انتقلوا إلى العمل من المنزل بدلا من المكتب، أو ممن بدأوا عملهم من المنزل منذ البداية (3).

إذا كنت ممن يعملون لساعات طويلة أسبوعيا، فقد يكون العمل هو المكان الوحيد الذي يسمح لك بتكوين صداقات حقيقية تستمر خارج بيئة العمل. في استطلاع أجرته شركة "فيوتشر وورك بليس" (Future workplace)، قال 70% من المشاركين إن الصداقات التي كوَّنوها في محل عملهم هي العنصر المصيري الذي يُحدِّد سعادتهم في العمل، بل إن 58% من الرجال المشاركين أقروا أنهم سيرفضون الانتقال إلى وظيفة أخرى بأجر أعلى إن لم يتمكَّنوا من التوافق مع زملائهم فيها (4).

يُعَدُّ الشعور بالوحدة أحد العوامل المُتسبِّبة في الإصابة بالعديد من الأمراض النفسية والجسدية،

بحسب الجمعية الأميركية للطب النفسي (APA)، يُعَدُّ الشعور بالوحدة أحد العوامل المُتسبِّبة في الإصابة بالعديد من الأمراض النفسية والجسدية، منها على سبيل المثال الاكتئاب واضطرابات النوم والسمنة وأمراض القلب، كما أن الوحدة هي أحد العوامل التي تتوقع الموت المبكر للفرد، أيًّا كانت حالته الصحية أو عِرقه (5). عبَّر الكاتب أحمد خالد توفيق عن هذه الفكرة ببساطة حين كتب: "الحل الوحيد للمشاكل النفسية هو: لا تكُن عاطلا، لا تكُن وحيدا". وبالطبع لا تعمل وحيدا أيضا لو كان الخيار بيديك.

محادثات مبرد المياه

على الرغم من أن القطاع الطبي هو الوحيد الذي لم يتمكن من العمل من المنزل وما زال يعمل بكامل طاقته من داخل حجرات المستشفى، سواء خلال فترة الجائحة وما قبلها، فإننا نستطيع أن نتخذه مثالا جيدا على أهمية العمل في مكان واحد وسط زملائك.

في دراسة منشورة في دورية "جورنال أوف هيلث أورجانيزيشن آند مانجمنت" (Journal of health organization and management)، التي تتبَّعت الأحاديث التي تجري وراء الكواليس داخل أحد المستشفيات، مثل أحاديث الزملاء الودّية داخل استراحة الأطباء، أو المحادثات السريعة التي تجري في الممرات بين غرف العمليات أو في كافتيريا المستشفى، وُجد أن هذه المحادثات في الواقع ذات قيمة مهمة لتحسين مستوى الخدمة وتقليل المخاطر داخل بيئة العمل. يمكن تفسير هذه الظاهرة بأن هذه الأحاديث غير رسمية، وتحدث عفويا على مدار اليوم، ويستطيع العاملون من خلالها أن يُعبِّروا عن أفكارهم وقلقهم واعتراضاتهم بسهولة وثقة أكثر، ما يمنح فرصة حقيقية لدراسة المشكلات والعوائق التي يواجهها العاملون بالقطاع الصحي والمرضى على حدٍّ سواء، والسعي لإيجاد حلول لها (6).

يُطلَق على هذه الظاهرة "محادثات مبرد المياه" (Water cooler conversations)، لأنها تُعبِّر عن تلك اللقاءات العفوية بين الزملاء أثناء تناولهم كوبا من الماء من المبرد، وبالمثل تحدث هذه اللقاءات في استراحة القهوة، في ممرات الشركات، في المصاعد، وحتى في غرف الاجتماعات في الفترات التي تسبق بدء الاجتماع. في هذه اللحظات التي قد تبدو قصيرة، يمكن لفكرة صغيرة قيلت عرضا أن تُنتج مشروعا كبيرا، ويمكن لتبادل الملاحظات السريعة حول سير العمل أن تلفت نظرك لنقطة لم تكن في الحسبان.

الأمر إذن أكبر من مجرد أحاديث ودية تزيد الترابط والتعارف بين زملاء العمل، وتُخفِّف قليلا من ضغط بيئة العمل. تُشجِّع العديد من الشركات هذا النوع من المحادثات بشكل غير مباشر، عن طريق تخصيص غرف للاستراحة وشرب القهوة، لضمان رضا الموظفين من ناحية، وإعطاء مساحة للإبداع من ناحية أخرى. ما تخشى أن تقوله خلال اجتماع كبير يضم مدير الشركة على سبيل المثال، يمكنك قوله لزميلك أو مشرفك ببساطة وأنتما تتناولان قدحا من القهوة، ومن الممكن أن تُوضَع فكرتك قيد التنفيذ بالفعل!

كل هذه المزايا تُفتقد تماما بمجرد الانتقال إلى العمل من المنزل، فالعمل المنزلي وإجراء الاجتماعات بالفيديو ثم الانقطاع التام عن زملائك ليس بالبيئة المثلى للأحاديث العفوية وبناء العلاقات الاجتماعية. في هذه البيئة أيضا سوف تفتقد المعلومات المجانية التي تُلقى على رأسك إلقاء في بيئة العمل من المكتب، كأن يعطيك زميلك نصيحة بخصوص إحدى خطوات العمل، أو أن تسمع حديثا بين زملائك يدور حول نقطة كنت تتساءل عنها بالفعل.

يعطيك العمل من المكتب فرصة ذهبية للتعلُّم دون قصد، لذلك تكون الأمور أكثر صعوبة في الشركات أو المؤسسات التي بدأت من الأساس بالعمل عن بُعد، حتى إن بعض الموظفين فيها لم يقابلوا مديريهم أو زملائهم قط. يخلق هذا نوعا من الوحدة والغُربة، ويصبح الحصول على مرشد لك في العمل أمرا عسيرا. مع صعوبة التواصل، يصبح العمل ضمن فريق أصعب قليلا، لأنه لا بديل عن التواصل المباشر وجها لوجه لتبادل الآراء والتعليقات، أو طلب المساعدة ممن هم أكثر خبرة، أو اقتراح أفكار جديدة لتطوير المؤسسة التي تعمل بها.

نتيجة لذلك، بدأ مطورو التطبيقات في البحث عن أفكار إبداعية لتحسين بيئة العمل الافتراضية. مثلا، يسعى تطبيق "دونات" (Donut) لخلق محادثات مبرد مياه افتراضية عبر تطبيق "سلاك" (Slack)، وهو من أكثر التطبيقات شهرة بين الشركات التي تعمل عن بُعد. يعمل "دونات" على خلق فُرص شبه عفوية بين الزملاء داخل الشركة الواحدة، عن طريق إرسال رسائل عشوائية لاثنين من أعضاء الشركة يدعوهم فيها لتناول كوب من القهوة معا بينما يتحدثون عبر الفيديو. قد يبدو الأمر مفتعلا قليلا، ولكنه محاولة لإحياء المحادثات الصغيرة بين الزملاء في زمن بات من الصعب فيه أن يلتقي الناس على أرض الواقع (7).

موظفون بلا حدود

دعونا نَعُد إلى مسألة الفصل بين العمل والحياة الخاصة. تُقسِّم العلوم الاجتماعية الناس إلى فريقين، من حيث طريقة تعاطيهم مع العمل والحياة والفصل بينهما. أولا، هناك "المُجَزِّئون" (Segmenters)، وهم مَن يضعون حدودا صارمة بين العمل والحياة، ويتمتعون بالقدرة على الانفصال عن الأفكار المتعلقة بالعمل عندما يعودون للمنزل والعكس صحيح، كما لو أنهم يمتلكون شخصيتين لا تتقاطعان أبدا. في المقابل، هناك "المُدمِجون" (Integrators)، وهم الأشخاص الذين يُفضِّلون الدمج بين العمل والحياة، والتنقل ذهابا وإيابا بين الاثنين طوال اليوم، ويعجزون عن رسم خط واضح يفصل بين نهاية العمل وبداية الحياة والعكس.

العمل من المكتب يمنحك ميزة الفصل التلقائي، سواء كنت من المجموعة الأولى أو الثانية، بنهاية يوم العمل ستغادر المكتب وتنفصل عنه فعليا وتعود للمنزل الذي من المفترض ألا يحوي شيئا من بيئة العمل. بينما لو كنت تعمل في المنزل، فسيكون الفصل بين العالمين أكثر تعقيدا ما لم تكن من أعضاء المجموعة الأولى. سيكون هناك دائما أحد أنواع المشتتات من عالم الحياة التي ستتقاطع مع عالم العمل الخاص بك لا محالة، أطفال في المنزل، عمال توصيل يقرعون الجرس، مهام منزلية بحاجة إلى التنفيذ، جيران صاخبون وكلاب تنبح في الشارع بلا توقف.

لا يمكنك مثلا العمل على طاولة الطعام وأنت محاط بأطفالك أو حيوانك الأليف، ولا يمكنك أيضا استخدام غرفة النوم أو المعيشة للأسباب ذاتها، أنت بهذا تحاول العمل داخل بيئة غير مُهيّأة لذلك، ولا بد أن تتأثر إنتاجيتك بهذه العوامل. في النهاية، يؤدي غياب تلك الحدود عادة إلى العمل لساعات إضافية مقارنة بمَن يعملون من المكتب، ويؤدي أيضا إلى التورط في مسائل خاصة بالعمل أثناء الاجتماعات العائلية مثل الرد على البريد الإلكتروني أو متابعة تسليم مشروع ما. هذا الاندماج بين عالمَيْ العمل والحياة يؤثر تأثيرا بالغا على تركيزك وأدائك في كلٍّ منهما، ويقود بالتبعية إلى الإصابة بالإجهاد والقلق.

في تجربة أجراها مكتب شركة "غوغل" (Google) في دبلن عام 2012، أُطلق عليها "إظلام دبلن" (Dublin Goes Dark)، وُجِّه الموظفون لترك أجهزتهم الإلكترونية الخاصة بالعمل داخل الشركة قبل الذهاب للمنزل، لإجبارهم على الفصل بين العمل والمنزل، وكانت النتيجة التي عبَّر عنها الموظفون أنفسهم إحساسا عاما بتخفيف الضغط عليهم نتيجة هذه المبادرة الشاملة من الشركة ذاتها. ليت الأمر يصبح بهذه البساطة عندما يتعلق الأمر بالعمل من المنزل، ولكن تذكَّر أنه لا يزال بإمكانك اتخاذ قرار واعٍ بالتوقف عن العمل وعن استقبال أو الاستجابة لأي رسائل قد تخص العمل بعد ساعة معينة كل يوم، لتخلق الحالة نفسها التي فرضتها شركة غوغل على موظفيها. (8)

الأمهات يعانين أكثر

على الرغم من أن العمل من المنزل ليس بالظاهرة الجديدة إطلاقا، فإن العالم كله، بفضل جائحة كورونا، اضطر إلى خوض هذه التجربة الجماعية في وقت واحد فجأة، مما منح فرصة ذهبية للباحثين لدراسة مزايا وعيوب العمل عن بُعد بكثافة.

إحدى الظواهر التي سُلِّط الضوء عليها هي معاناة النساء العاملات عن بُعد. في دراسة للعائلات الأميركية أجرتها جامعة بنسيلفانيا (University of Pennsylvania) إبان فترة الإغلاق التي تبعت انتشار فيروس كورونا في أميركا في بداية عام 2020، وُجدت فروقات جندرية واضحة في الأعمال غير مدفوعة الأجر -المهام المنزلية ورعاية الأطفال- حيث كانت النساء العاملات يتحمَّلن قدرا أكبر من المسؤوليات مقارنة بالرجال، بغض النظر عن مكان العمل (9). وربما يُعَدُّ هذا وضعا طبيعيا في معظم دول العالم في الأوقات العادية، لكن الأمر بات أكثر تأثيرا في ظل كورونا.

الفارق الواضح الذي أحدثته الجائحة وزاد من الأعباء المُلقاة على كاهل النساء حول العالم هو إغلاق المدارس والنوادي ومساحات اللعب. أدى إغلاق المدارس إلى وجود الأطفال في المنزل بدوام كامل بلا متنفس آخر، فيما أدى إغلاق أماكن العمل إلى انتقال الآباء للعمل من المنزل أيضا. هذا الاجتماع بين الآباء والأبناء طوال الوقت، بدون إتاحة فرصة للآباء لأخذ استراحة، أو وجود شخص آخر يخفف عبء المسؤوليات قليلا، بالإضافة إلى شعور الأطفال بالملل والقلق نتيجة الانعزال في المنزل والحرمان من اللعب في الخارج، كل هذا أدى بطبيعة الحال إلى زيادة الضغط العصبي داخل المنزل بين جميع الأفراد، خاصة المرأة.

 

اضطرت آلاف السيدات لترك العمل خلال فترة الإغلاق في الجائحة بسبب عجزهن عن موازنة هذه الأعباء الإضافية.

عند إجراء استطلاع على الآباء والأمهات العاملين الذين انتقلوا من المكاتب إلى العمل من المنزل، أجابت نسبة كبيرة من الأمهات بأن عبء الأعمال المنزلية زاد بالنسبة لهن، سواء كن يعملن من المنزل والزوج يعمل في المكتب، أو ما زلن يعملن في المكتب بينما الزوج يعمل من المنزل، أو حتى حين كان الزوجان يعملان من المنزل معا، في كل السيناريوهات السابقة، كانت الأمهات غالبا هن المسؤولات الرئيسيات عن الأعمال المنزلية ورعاية الأطفال، حتى في أفضل العلاقات المتساوية التي يتشارك فيها الزوجان في كل المهام، انتهى الأمر بالسيدات لتحمُّل العبء الأكبر في كل مرة.

نتيجة لذلك، اضطرت آلاف السيدات لترك العمل خلال فترة الإغلاق في الجائحة بسبب عجزهن عن موازنة هذه الأعباء الإضافية. من المهم هنا الإشارة إلى أن هذا الاستطلاع أُجري بين الأُسر الأميركية المنفتحة على فكرة المشاركة بين الزوجين في كل شيء، بدءا من الإنفاق على الأسرة وحتى غسيل الصحون وتغيير الحفاضات للأطفال، ورغم ذلك، انتهى الأمر بالنساء لتحمُّل الأعمال غير مدفوعة الأجر، بل وترك أعمالهن مدفوعة الأجر في سبيل أُسرهن بشكل أكبر مقارنة بأزواجهن.

في ظل غياب معلومات دقيقة عن وضع الأمهات في الوطن العربي، يمكننا فقط أن نتخيل حجم المسؤولية التي تتحملها المرأة في الأوقات العادية، ثم نضيف إلى ذلك مسؤولية الاهتمام بالأطفال على مدار 24 ساعة، ولعب دور المُدرِّسة في المنزل، والإجابة عن آلاف التساؤلات التي يطرحها الأطفال في كل دقيقة، وتحمُّل نوبات الغضب المتكررة والطلبات التي لا تنتهي، واختراع أنشطة وألعاب لتسلية الأطفال، وغيرها الكثير، كل هذا بدون إمكانية الاستعانة بالمساعدة من الأهل والأصدقاء أو حتى المربيات بالأجر، بسبب إجراءات التباعد الاجتماعي التي فرضتها الجائحة.

تكاليف خفية

حسنا، ماذا عن المزايا الخفية للعمل من المنزل؟ قد يتبادر إلى ذهنك أمور مثل توفير وقود السيارة، أو أجرة المواصلات، وربما تقليل بعض المصاريف النثرية هنا وهناك التي كنت تنفقها على الوجبات السريعة والمشروبات الساخنة كل يوم، قد تستمتع أيضا بالابتعاد عن الاختناق المروري اليومي الذي كان يحرق أعصابك ووقتك. ربما يشعرك ذلك ببعض الراحة مؤقتا، لكنك سرعان ما ستكتشف الحقيقة مجددا بمرور الوقت.

يشبه العمل من المنزل إنشاء شركة خاصة بك على نطاق مُصغَّر. أنت بحاجة إلى غرفة خاصة للعمل، مُجهَّزة بمكتب وكرسي بجودة جيدة للحفاظ على تناسق عمودك الفقري وحمايتك من آلام الرقبة والظهر. أنت بحاجة أيضا إلى كهرباء وإنترنت ذي سرعة عالية وإضاءة مناسبة، وبالطبع جهاز حاسوب مع ما يرافقه من مستلزمات إضافية، لأنه حتى الحاسوب المحمول يحتاج إلى إضافات مثل الفأرة ولوحة المفاتيح وغيرها حتى تستخدمه بالشكل الأمثل لوضع رقبتك وعينيك، وكلما كان عملك متخصصا أكثر، احتجت إلى معدات معقدة أكثر. بالإضافة إلى ذلك، قد تحتاج إلى آلة طابعة وماسح ضوئي، وأوراق وأقلام ورزنامات وخلافه من مستلزمات العمل الإبداعي المكتبي. ودعنا لا ننسى تهيئة جو المكان بأجهزة التكييف أو المراوح حتى لا يكون الحر عائقا لك عن العمل.

معظم هذه التجهيزات باهظة الثمن، وعليك أنت أن تتكفل بها، بينما كانت معظم هذه الأشياء بديهية وموجودة أساسا في محل عملك، ولست مطالبا بتحمُّل ثمنها وحدك أو حتى تحمُّل عناء التفكير في شرائها ونقلها إلى منزلك. في معظم الأحيان، ستضطر لتقديم تنازلات على حساب صحتك واستخدام طاولة الطعام والكراسي البلاستيكية أو الخشبية التقليدية من أجل العمل، أو حتى الأريكة، التي لم تُصمَّم هندسيا لتناسب الجلوس لفترات طويلة.

(للمزيد اقرأ مادة ميدان: عصر الإنسان المنحني.. كيف تنقذ نفسك من آلام الظهر المزعجة؟)

أضف إلى ذلك أنك تُحرَم من المجهود البدني البسيط الذي كنت تبذله عندما تغادر المنزل وتصل إلى العمل، وتتنقل بين المكاتب قليلا أو تنتهز بعض الوقت للتمشية وتمديد ساقيك. في الوضع الجديد، ستجد نفسك مُعرَّضا للإصابة بالسمنة، نتيجة الجلوس لفترات طويلة مع انخفاض المجهود البدني. تحمل السمنة معها مخاطر صحية أخرى من العُرضة لارتفاع ضغط الدم وأمراض القلب والشرايين والسكري من النوع الثاني. قد يكون الثمن الذي تدفعه مقابل العمل من المنزل حقا هو صحتك وآلام ظهرك.

قراصنة بلا سفن

وأخيرا، ربما نسينا أن نخبرك أن تُضيف تكلفة شراء برامج حماية فعالة لحاسوبك، لمواجهة مخاطر القرصنة التي لم تضعها في الحسبان. خلال عام 2020 فحسب، زادت هجمات القرصنة الإلكترونية بنسبة 768% على حواسيب العاملين عن بُعد. ببساطة، توفر الشركات عبر الشبكات الخاصة بها جدرانا لحماية بياناتها ومنع محاولات التسلل من المواقع غير الموثوقة، عن طريق حجب تلك المواقع تلقائيا. ولكن بينما تعمل عن بُعد، من منزلك أو من المقهى، فأنت تفقد ميزة الحماية المجانية التي كانت توفرها لك الشركة، وتصبح عُرضة للوقوع في فخ القراصنة.

حتى أكثر الروابط براءة مثل رابط تحميل تطبيق "زووم" على سبيل المثال، الذي أصبح التطبيق الأول المُستخدَم في الاجتماعات الافتراضية عبر الإنترنت، استُغِلَّ في هجمات القرصنة. يبدو أن قراصنة الإنترنت يتصيدون العاملين عن بُعد خصيصا لمعرفتهم أنهم يفتقدون الحماية والدعم الفني من فريق تكنولوجيا المعلومات الذي توفره الشركات داخل مقراتها. بالإضافة إلى ذلك، وجودك داخل مكتب في شركة قد يحميك من المكالمات التليفونية المزيفة التي تسعى للحصول على بيانات سرية خاصة بك بدعوى أنها مكالمة من داخل الشركة. يمكنك التأكد من هذه المعلومة ببساطة بسؤال أحد مشرفيك أو زملائك، بينما تفتقد هذه الميزة إن كنت تعمل وحدك من المنزل (10).

بطيبعة الحال، كيفما نظرت للأمر، يمكنك أن ترى العديد من العيوب للعمل من المنزل في مقابل العديد من المزايا أيضا (التي ربما يعرفها الجميع بداهة)، والأمر صحيح أيضا بالنسبة للعمل من المكتب. لو كان لك الاختيار، يمكنك تقسيم الأسبوع بين العمل من المكتب والمنزل، فذلك يأتي بأفضل النتائج فيما يخص إنتاجيتك وسلامتك النفسية. إن كنت مضطرا للعمل عن بُعد بدوام كامل، فيمكنك الاجتماع بزملائك في إحدى مساحات العمل المشتركة (Co-working spaces) على فترات منتظمة للعمل معا وتبادل النصائح والخبرات، مع الحرص على النوم الجيد والذهاب في عطلات لإعادة شحن بطاريتك. بيئة العمل المثالية لم تُخلق بعد، ولكن يمكننا فقط أن نسعى نحو بيئة متوازنة قدر الإمكان، وفق حدود قدراتنا وإمكانياتنا.

_____________________________________________

المصادر:

  1. Predictors of depression, anxiety and stress among remote workers during the COVID-19 pandemic
  2. Fully Remote Work Will Make You Less Happy
  3. How Working From Home Is Impacting Our Mental Health
  4. Why work friendships are critical for long-term happiness
  5. The risks of social isolation
  6. “Water cooler” learning: Knowledge sharing at the clinical “backstage” and its contribution to patient safety
  7. Donut — Save & Earn High Yield with DeFi
  8. Segmentors vs Integrators: Google’s work-life-balance research
  9. Mothers bear the cost of the pandemic shift to remote work:
  10. The Hidden Cost Of Remote Work 
المصدر : الجزيرة