إستراتيجية دفاعية أم مرض؟ نظرية جديدة تُثبت كيف يمكن أن ينقذنا الاكتئاب

الاكتئاب

مقدمة الترجمة:

ماذا لو لم يكن الاكتئاب خللا بالمعنى المفهوم؟ ماذا لو كان مجرد استجابة شجاعة من أجسادنا لتقليل المخاطر التي نواجهها عبر إدخالنا في حالة سبات أو سكون مثل تلك التي تدخل الحيوانات إليها في الشتاء أو عند التعرُّض لخطر محدق؟ في هذا التقرير تشرح الطبيبة النفسية أليسون سكالانتيه نظرية جديدة، ومثيرة جدا للانتباه، تُفسِّر الاكتئاب، لو تأكَّدنا من صحتها لانقلبت مراجع الطب النفسي وعلم النفس رأسا على عقب!

 

نص الترجمة:

على مدى أجيال، اعتبرنا الاكتئاب مرضا، أو خللا في الأداء الطبيعي، وتبدو هذه الفكرة منطقية بعض الشيء لما يُسبِّبه الاكتئاب من معاناة قد تصل أحيانا إلى حد الموت. لكن يأتي السؤال المهم: ماذا لو كانت كل هذه الاعتقادات خاطئة؟ ماذا لو لم يكن الاكتئاب خللا على الإطلاق بل جزء مهم من نظام دفاعنا البيولوجي؟

 

تتزايد تساؤلات الباحثين في مختلف التخصصات عن تعريفات الاكتئاب، فيرى علماء الأنثروبولوجيا أن الاكتئاب هو استجابة تكيفية للمِحَن وليس اضطرابا عقليا. في أكتوبر/تشرين الأول 2020، نشرت الجمعية البريطانية لعلم النفس تقريرا جديدا عن الاكتئاب يُفيد بأن "من الأفضل اعتبار الاكتئاب تجربة أو مجموعة من التجارب يمر بها الإنسان وليس مرضا".

ماذا لو كان مجرد استجابة شجاعة من أجسادنا لتقليل المخاطر التي نواجهها عبر إدخالنا في حالة سبات أو سكون مثل تلك التي تدخل الحيوانات إليها في الشتاء أو عند التعرُّض لخطر محدق؟

على الجهة الأخرى، يركِّز علماء الأعصاب على الدور الذي يلعبه الجهاز العصبي اللا إرادي (ANS) في الاكتئاب، وذلك وفقا لنظرية "بولي فيغال" (Polyvagal theory) التي وضعها أستاذ الطب النفسي بجامعة كارولينا الشمالية "ستيفن بورجيس" وتُشير إلى أن الاكتئاب عبارة عن جزء من إستراتيجية دفاع بيولوجي تهدف إلى مساعدتنا للبقاء على قيد الحياة.

 

ترى الأقوال الشائعة إن نقطة انطلاق الاكتئاب تبدأ من العقل الذي يكمن فيه التفكير المُشوَّه، وهذا ما يؤدي إلى أعراض "نفسية جسدية" مثل الإصابة بالصداع وآلام المعدة أو الإنهاك، لكن كل ذلك يتغير الآن، فنماذج مثل نظرية بولي فيغال تُثبت أننا فهمنا الأمر على نحو معاكس، فالجسم هو الذي يستشعر الخطر أولا، ثم سرعان ما يبدأ في خلق إستراتيجية دفاعية تهدف إلى مساعدتنا على النجاة، وتُسمى هذه الإستراتيجية البيولوجية بعملية "التجميد (التقيُّد) أو الشلل"، وتظهر في العقل والجسم ضمن مجموعة من الأعراض نُطلق عليها الاكتئاب.

 

المكتئبون ناجون شجعان وليسوا مختلين

الاكتئاب

حينما نُفكِّر في الاكتئاب باعتباره معاناة غير عقلانية أو غير ضرورية، فإننا بذلك نَصِمُ الناس ونسلب منهم الأمل، لكن عندما نبدأ في فهم أن الاكتئاب -في بدايته على الأقل- يحدث لسبب وجيه ومُقنع، فنحن بذلك نُزيل هذه الوصمة ونرفع الخجل عن الذين يعانون منه، فالمصابون بالاكتئاب هم ناجون شجعان وليسوا عاجزين مختلين.

 

أحد الأمثلة التي تُشير إلى أن الاكتئاب بإمكانه إنقاذ حياتنا هي قصة "لورا"، الفتاة التي تعتقد أن الاكتئاب أنقذ حياتها. كانت مشكلة هذه الفتاة مع والدها الذي كان يؤذيها بالكلمات أغلب الوقت، لكن حينما واجهته وتصدَّت له، أصبح والدها يُمثِّل لها خطرا وتهديدا، وكلما تطايرت شرارات الغضب من عينيه أثناء تلك المشاحنات، ازداد تعرُّض لورا للخطر. المشكلة أن والدها كان حاد البصيرة لدرجة يستطيع فيها معرفة متى تملَّكت ابنته مشاعر التمرد الداخلية حتى عندما كانت تُخفيها، وبالطبع لم تسلم الأخيرة من عقابه على تلك المشاعر.

 

الاكتئاب هو الذي ساعد لورا على النجاة والاستمرار، إذ أطفأ روح المقاومة بداخلها، وساعدها على قبول ما لم يكن مقبولا، وخدَّر من ثورة مشاعرها المتمردة. في ذلك الوقت، لم يكن لدى الفتاة أحد تخبره عن معاناتها، ولا مكان آخر يحتويها أو ينتشلها مما هي فيه، كانت إستراتيجيتها الوحيدة للنجاة هي البقاء في ذلك المنزل، وقد كان.

‏عند تذكُّر هذه الفتاة لماضيها، فإنها لا تندم على الاكتئاب الذي اختبرته في طفولتها، بل على العكس تماما، نراها مُمتنة له وتُقدِّره لأنه ساعدها على عملية التعافي. تُعَدُّ قصة لورا شديدة القسوة والسوء، ومع ذلك فإنها تساعدنا على إدراك أن الاكتئاب على الرغم من كونه قد يحدث لسبب وجيه، فإن هذا لا يجعل منه تجربة جيدة يمر بها المرء، إذ عانت لورا بشدة ووصفت الألم الناجم عن يأسها بوضوح وعمق، وكان اكتئابها تجربة سيئة بدأت باعتبارها ملاذا أخيرا لنظام بيولوجي شجاع ومقاتل.

 

الهروب من الألم بالتجمد

الاكتئاب

وفقا لنظرية "بولي فيغال" السابق الإشارة إليها، فإن تجاربنا اليومية تعتمد على تسلسل هرمي لحالتنا المزاجية في الجهاز العصبي اللا إرادي، فعندما يشعر هذا الأخير بالأمان، يغمرنا إحساس بالراحة النفسية والإقبال على التواصل مع الآخرين، في هذه الأوقات يتملَّكنا شعور بأننا نُشبه حقيقتنا بالفعل.

 

يفحص جهازنا العصبي اللا إرادي باستمرار بيئتنا الداخلية والخارجية بحثا عن أي علامة تُنذر بوجود خطر ما، وبمجرد اكتشافه تهديدا أو حتى نقصا بسيطا في الشعور بالأمان، فإنه سرعان ما يتسلَّح بإستراتيجيته التالية وهي "القتال أو الفرار"، التي غالبا ما تظهر على هيئة قلق يجتاحنا. لكن أحيانا يتملَّكنا شعور سيئ للغاية إزاء هذا التهديد لدرجة لا يمكننا تحمُّله، أو ربما يستمر لفترة طويلة، فيُقرِّر جهازنا العصبي أنه لا سبيل للقتال أو حتى للفرار، ليس أمامه سوى خيار واحد وهو "التجمد أو الشلل المؤقت".

 

استجابة التجمد هي الحيلة الدفاعية للأجهزة البيولوجية في الحيوانات العليا، وهي استجابة التقوقع على الذات (الإغلاق على الذات) نفسها التي نراها في الزواحف وتُعرف أيضا باسم استجابة التجمد أو الإغماء، ويحدث ذلك عن طريق العصب المبهم (Vagus nerve)* الذي يُحوِّل عملية التمثيل الغذائي إلى حالة من الراحة أو الهدوء، فينتاب الناس في كثير من الأحيان شعور بالإغماء أو الثقل والخمول.

 

تلعب إستراتيجية التجمد هذه دروا مهما في تخفيف الألم، كما أنها تمنحنا شعورا بالانفصال التام عن الأحداث المؤلمة التي نواجهها. لجعل الأمور أوضح، فكِّر مثلا في أرنب مُعلَّق الآن بين فكَّيْ ثعلب، ماذا أمام الأرنب لفعله؟ كل ما بيده هو اللجوء إلى حالة التجمد بحيث يُخفِّف هذا الوضع من شدة الألم عندما يأكله الثعلب.

 

تؤثر هذه الحيلة أيضا على عملية التمثيل الغذائي، فتؤدي إلى إبطائها وتحويل الجسم إلى الحالة الكيتونية (هي حالة تمثيل غذائي تتحقق في الجسم عندما تصل مستويات الكيتون في الدم إلى مستوى معين بسبب نقص كمية الكربوهيدرات عند اتباع حمية الكيتو مثلا أو بفعل استهلاك القليل من السعرات الحرارية أثناء الصيام). يُخمِّن بعض الأطباء أن هذه الحالة الأيضية يمكن أن تساعد في الشفاء من الأمراض الخطيرة.

 

غالبا ما يقول الناس إنهم "غادروا أجسادهم" أثناء الأحداث الصادمة في حياتهم، ربما ما لا نعلمه أن هذا الشعور له تأثير دفاعي في التخفيف من وطأة الصدمة العاطفية. هذه الحيل الدفاعية مهمة للغاية، لأن بعض الصدمات قد تكون مريعة لدرجة لا يمكن لجهازنا العصبي تحمُّلها، وفي هذه الحالة يُفضَّل ألا تكون أذهان الناس حاضرة تماما.

 

لذا فإن استجابة التجمد هي جزء أساسي من عملية دفاعنا البيولوجي، لكنها في الوقت ذاته مُصمَّمة بمثالية بحيث تستغرق فترة قصيرة، بمعنى أن الكائن الحي -ولنقل الأرنب في المثال السابق- سيواجه مصيرين؛ إما إنقاذه في النهاية (كأن يهرب من الثعلب)، وإما موته (لأن الثعلب أكله).

 

لكن ماذا لو استمر هذا التهديد أو الخطر لفترات طويلة للغاية؟ ماذا سيحدث إن لم تكن هناك فرصة للقتال أو الفرار؟ ببساطة ستستمر حيلة التجمد هذه، وبما أنها تُغيِّر أيضا من نشاط الدماغ، فنجدها تؤثر على مشاعر الناس وقدرتهم على حل المشكلات. في هذه الحالة، يتخلَّل إلى الناس شعور بالخدر والتقيُّد، إذ لا يمكنهم التحرُّك جسديا أو عقليا، وجرّاء ذلك يغرقون في نوبات من اليأس والعجز، وهذا ما نسميه بالاكتئاب.

 

للجسد رأي آخر في رؤية الأمور

الاكتئاب

أصبح من اليسير الآن معرفة أن الظروف التي عايشتها لورا -الفتاة التي تحدَّثنا عنها سابقا- أثناء طفولتها هي التي ساعدتها للوصول إلى استجابة "التجمد"، ويمكننا حتى ملاحظة كيف ساعدها ذلك على النجاة والاستمرار. لكن السؤال هنا: لماذا يلجأ الأشخاص الذين يعانون من مِحَن أقل إلى هذه الحيلة نفسها؟

 

تميل ثقافتنا للحكم على الشخص المُصاب بالاكتئاب جرّاء عمله المرهق بوصفه علامة على الضعف، ناهيك بمقالات التنمية الذاتية التي تُفيد بضرورة تحلي المكتئب بالقوة الذهنية التي تُعينه على حل جميع مشكلاته، ولم يسلم الأمر حتى من بعض المعالجين النفسيين الذين يُخبرون مرضاهم أن اكتئابهم ما هو إلا تصوُّر مُشوَّه للظروف التي عايشوها، التي لم تكن في الحقيقة بكل هذا السوء!

 

لكن الجسد لا يرى الأمور بهذه الطريقة، فإستراتيجيات الدفاع التي يُطلقها جهازنا العصبي، سواء بحيلة "الدفاع أو الفرار" أو بطريقة "التجمد"، لا تتعلَّق في حقيقة الأمر بطبيعة التهديد الذي نواجهه، بل بما يُقرِّره الجسد حول إذا كان هناك أي تهديد أم لا، وهذه العملية تحدث في مرحلة ما قبل الوعي، إذ تبدأ استجابة جهازنا البيولوجي للتهديد قبل أن نفكر حتى في الأمر، ثم يأتي دور وظائفنا الدماغية ذات المستوى الأعلى بخلق قصة لشرحها، في هذا الوقت لا يكون بوسعنا اختيار هذه الاستجابات، لأن كل ذلك يحدث قبل حتى أن نعرفه.

 

كشفت دراسات القلق عن أن العديد من الظروف الحديثة يمكن أن تُحفِّز استجابة "القتال أو الفرار". فمثلا، يترجم جهازنا العصبي الضوضاء الخافتة التي تُسبِّبها خشخشة معدات البناء على أنها زمجرة حيوان مفترس كبير، وكذلك الأمر مع الأطفال الذين يخضعون للتقييم في المدرسة، إذ يسلبهم هذا التقييم إحساس الأمان ويُحفِّز استجابتهم للقتال (كأن يُعامل الطفل مُعلِّمه بوقاحة) أو تبني حيلة الفرار (مثل تجنُّب الواجبات المنزلية). تخرج حيل الدفاع هذه على هيئة شعورنا بالقلق.

 

في النهاية، حينما تستمر هذه المحفزات الحديثة لفترات طويلة، يُقرِّر الجسم أنه لا يمكننا الاستمرار في الهروب، فيلجأ إلى إطلاق إستراتيجية التجمد للدفاع عنا، فوفقا لعالِم الأعصاب ستيفن بورجيس، فإن ما نسميه الاكتئاب هو مجموعة من الأعراض العاطفية والمعرفية المتعلقة بالجانب الفسيولوجي التي تُحفِّز استجابة التجميد بهدف مساعدتنا على النجاة، يحدث كل ذلك لأن جسدنا يحاول إنقاذنا، لذا فإن الاكتئاب يحدث لسبب وجيه في الأساس.

 

بوصولنا إلى هذه النقطة يتغير كل شيء، فعندما يدرك المصابون بالاكتئاب أنهم ليسوا مختلين، بل لديهم نظام بيولوجي شجاع يحاول مساعدتهم على النجاة والاستمرار، فإنهم بذلك يبدأون برؤية أنفسهم بنظرة مختلفة كليا. في النهاية، لا يختلف أحد على ارتباط الاكتئاب بمشاعر اليأس والعجز، لكن بمجرد أن يدرك الناس أنه إستراتيجية دفاعية فعالة ونشطة، سيفهمون أنهم ليسوا عاجزين تماما كما كانوا يعتقدون.

 

كيف السبيل إلى النجاة؟

الاكتئاب

حين نفهم الاكتئاب بأنه التعبير العاطفي عن استجابة التجمد، ندرك أن الحل هو الخروج من حالة الدفاع تلك، وهنا يعتقد بورجيس أن مجرد إزالة التهديد لا يكفي، لكن عوضا عن ذلك يتعيَّن على الجهاز العصبي اكتشاف إشارات الأمان القوية لاستعادة حالتنا الاجتماعية من جديد، وأفضل طريقة للقيام بذلك هي التواصل الاجتماعي.

 

أحد أعراض الاكتئاب هو الشعور بالخزي الناجم عن إحساسك بخذلان الآخرين أو أنك لا تستحق البقاء برفقتهم. حينما يصف المجتمع الاكتئاب بأنه انحراف أو خلل ما، فإننا بذلك ننتزع حق المصابين في اعتبار أنفسهم جزءا من هذا المجتمع، نرسل لهم إشارات بأنهم ليسوا على صواب، ولا ينتمون إلى هذا المكان، وبالتالي يتعمَّق شعورهم بالخجل والخزي ويتجنَّبون التواصل مع الآخرين، ونكون بذلك قد عرقلنا طريقهم للخروج من الاكتئاب.

 

أظن أنه حان الوقت لنبدأ في تكريم قوة المكتئبين وشجاعتهم، حان الوقت لتقدير الطرق المذهلة التي تتبعها أجهزتنا البيولوجية في إيجاد طرق للنجاة في أوقاتنا الصعبة. وفي النهاية علينا التوقف عن التظاهر بأن المصابين بالاكتئاب مختلفون عن أي أناس آخرين.

——————————————————————–

هوامش:

  • العصب المبهم: هو العصب الوحيد الذي ينشأ في الدماغ وينتهي بعيدا في الجهاز الهضمي، وأُطلق عليه هذا الاسم لأنه يتجوَّل في جميع أنحاء الجسم ويرسل الألياف الحسية من دماغك إلى أعضائك المختلفة.
المصدر : مواقع إلكترونية