صرخة استغاثة قبل فوات الأوان.. دليلك للتعامل مع الأفكار الانتحارية عند الأطفال والمراهقين

نظن أنهم يعيشون في عالمٍ وردي، خالٍ من التعقيدات، تلك الرؤوس الصغيرة الجميلة، ذات الابتسامات البريئة التي كادت تسقط بعض أسنانها اللبنية، هل يمكننا تخيل أنها تحوي أفكارا حول ما هو أبعد من اليونيكورن والدمى الوردية وصراعات الأبطال الخارقين؟ المخيف أن أفكارا أخرى مظلمة قد تسكن في عقول بعض الأطفال والمراهقين، أفكار مخيفة أكثر من الوحوش الموجودة أسفل الفراش، وقد تدفعهم لإنهاء حياتهم عند لحظة ما.

"ترك ابني ألعابه فجأة وقال لي: (ماما، أحيانا عندما أكون حزينا أو حتى أشعر بالملل أفكر في أني أريد أن أموت)، أفزعتني العبارة، خاصة وقد راودتني بعض الأفكار الانتحارية في مراهقتي". هكذا صرحت سارة (اسم مستعار)، أم لطفل في الحادية عشرة من عمره، لميدان، وأضافت أنها قررت أن تصطحب ابنها لطبيب متخصص للتأكد من سلامته.

وفي حين أن طفل سارة باح بهذه الأفكار وانتبهت لها أمه، فبعض الأطفال لا يصارحون آباءهم، أو الأسوأ تُقابَل أفكارهم بالاستهزاء وباعتبارها مبالغات درامية، ولا ينتبه لها ذووهم قبل فوات الأوان. بحسب المركز الإعلامي للأمم المتحدة، يشهد العالم محاولة انتحار كل 40 ثانية تقريبا. وفي تقرير منظمة الصحة العالمية لعام 2016، كُشف أن 62 ألف مراهق ماتوا في ذلك العالم نتيجة ﻹيذاء النفس، وقد صنف التقرير الانتحار ثالث الأسباب الرئيسة المؤدية للوفاة في صفوف المراهقين من عمر 15 إلى 19 سنة. ومن المُحتَمل أيضا أن عددا من الوفيات التي تُعزَى إلى الحوادث، مثل الحوادث الناجمة عن السيارات والأسلحة النارية، هي حالات انتحار فعليا(1).

أفادت غرف الطوارئ بالمستشفيات بزيادة عدد الأطفال والمراهقين الذين ارتكبوا محاولات انتحار عام 2020 مقارنة بعام 2019.

يُعرَّف السُّلُوك الانتحاري على أنه عمل يهدف إلى إلحاق الضرر بالذات وينطوي على مُبادَرات انتحارية مع أفكار وخطط وربما محاولات فعلية للتخلص من الحياة. ومن الواضح أن أزمة جائحة كوفيد-19 زادت من وطأة المشكلة، فوفقا لمراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها في الولايات المتحدة الأميركية، شهدت أقسام الطوارئ في المستشفيات في الفترة ما بين أبريل/نيسان وأكتوبر/تشرين الأول 2020 ارتفاعا ملحوظا في نسبة زيارات الأطفال الذين يعانون من مشكلات متعلقة بالصحة العقلية.

كما أفادت غرف الطوارئ بالمستشفيات بزيادة عدد الأطفال والمراهقين الذين ارتكبوا محاولات انتحار عام 2020 مقارنة بعام 2019، على سبيل المثال صرحت ماريسول كروز روميرو، أخصائية علم النفس في أحد مستشفيات أوكلاند كاليفورنيا، أن عدد الأطفال الذين انخرطوا في محاولات انتحار في خريف عام 2020 كان ضعف العدد في خريف عام 2019.

فيما يبدو أن الجائحة خلقت عاصفة من الضغوط أطاحت بالأطفال الأكثر هشاشة ممن يعانون بالفعل من مشكلات عقلية ونفسية كامنة أسهمت في نقص قدرتهم على التكيف مع الضغوط، خاصة في ظل تعطل الدعم الذي اعتادوا أن يتلقوه من المدارس أو ممارسة الرياضة وغيرها من الأنشطة الاجتماعية التي تعطلت بسبب الإجراءات الاحترازية، لتزداد طبقات الضغوط التي يواجهونها.

على جانب آخر، فإن التغييرات المرتبطة بالوباء أسهمت في نزع فتيل الاستقرار عن الكثير من البيئات المنزلية، بسبب فقدان الكثير من الآباء والأمهات وظائفهم وازدياد معدلات العنف المنزلي، ناهيك بالأطفال الذين أصيبوا بالفيروس أو فقدوا أحد أحبائهم خلال الفترة السابقة. وكلها تجارب مؤلمة تحمل آثارا وخيمة(2) تظهر بشكل أوضح في الدول التي تعاني من ظروف سياسية قاسية أو تلك التي تخوض ويلات الحروب.

في سوريا على سبيل المثال ارتفع إجمالي عدد حالات انتحار الأطفال في منطقة إدلب بشكل مطرد خلال الربع الأخير من العام 2020 مقارنة بالفترة ذاتها من العام السابق، وذلك طبقا لتقرير نشرته منظمة "أنقذوا الأطفال" البريطانية. وسجلت المنظمة 246 حالة انتحار، و1748 محاولة انتحار خلال هذه الفترة، من بينها 42 حالة على الأقل لا تتجاوز أعمارهم 15 سنة، في حين أن 18% من الحالات تراوحت أعمارهم بين 16 إلى 20 سنة، وهو ما عزاه التقرير للوضع المأساوي الذي يعانيه الأطفال السوريون في مناطق القتال مع انتشار الفقر وانعدام فرص العمل وانقطاع الأطفال عن المدرسة وتفشي العنف المنزلي وزيادة حالات زواج القاصرات(3). المرعب أن هذا الرقم ارتفع بنسبة 86% في الربع الأول من عام 2021 طبقا لتقرير المنظمة نفسها(4).

ارتفع إجمالي عدد حالات انتحار الأطفال في منطقة إدلب بسوريا بشكل مطرد خلال الربع الأخير من العام 2020 مقارنة بالفترة ذاتها من العام السابق.

ضوء أحمر.. مَن الطفل المعرض لخطر الانتحار؟

هل يقتصر الخطر على الأطفال والمراهقين الذين يرزحون تحت ويلات الحرب؟ بالتأكيد لا، إلا أن هناك صلة واضحة بين الانتحار والاضطرابات النفسية، خاصة الاكتئاب، وهو ما يجعل الطفل أو المراهق الذي يعاني من مشكلات في التكيف مع الضغوط النفسية، مثل التعرض للرفض أو الفشل الدراسي أو المشكلات الأسرية والتعرض للكوارث والعنف وسوء المعاملة أو فقد الأحباء والشعور بالعزلة، أكثر عرضة للخطر(5).

طبقا لمنظمة الصحة العالمية، تمثل اعتلالات الصحة النفسية 16% من العبء العالمي للأمراض والإصابات بين الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 10 سنوات و19 سنة. ولكن معظم هذه الحالات غير مكتشفة وغير معالجة، وهو ما يجعل الانتحار رابع سبب للوفاة عند الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و19 عاما. بخلاف ذلك، تمتد عواقب عدم التكفل باعتلالات الصحة النفسية للمراهقين إلى مرحلة البلوغ، ما يتسبب في ضعف الصحة البدنية والنفسية على حد سواء، ويحد من المعاناة مع الأمراض النفسية والبدنية مستقبلا(6).

 

وعلى الرغم من أن الأفكار الانتحارية لا تؤدي إلى السلوك الانتحاري دائما، فإنها تشكل عامل خطورة، وفي كثير من الأحيان يوجد اضطراب كامن في الصحة النفسية، أو حدث مأساوي بعينه يحفز السلوك الانتحاري. ومن ضمن هذه الأحداث، فقد شخص عزيز، أو التعرض للتنمر أو الإذلال في المنزل أو المدرسة، أو التعرض لحالة انتحار في المدرسة أو من الأصدقاء، وحتى الخوف من عواقب الفشل الدراسي.

قد تظن هذا السبب الأخير تافها وأهون من أن يؤدي إلى الانتحار، لكن ربما يتغير رأيك لو عرفت أن 9 من طلاب الثانوية العامة في مصر على الأقل انتحروا خلال الأشهر القليلة الماضية عقب إعلان النتيجة. بعض هؤلاء الأطفال والمراهقين يشعرون بغضب لا يستطيعون تحمله ولا توجيهه للشخص الملام، ما يجعلهم يوجهونه نحو أنفسهم كرسالة للاعتراض أو كطريقة لعقاب أفراد أسرتهم على الضغوط التي وضعوها على عاتقهم(7)(8).

في هذا الصدد، هناك علامات يجب الانتباه بشدة في حال ظهرت على طفلك أو أحد الأطفال من حولك، على رأسها حديث الطفل أو المراهق عن الانتحار، أو الإشارة إليه بأي طريقة سواء عبر رسم أو كتابة، والانسحاب من التواصل الاجتماعي والتقلبات المزاجية الحادة، وكذلك تغير أنماط الأكل والنوم، والتخلص من المتعلقات والأشياء التي يهتم بها مع عدم وجود تفسير منطقي، وأخيرا، والأكثر وضوحا، الإقدام على سلوكيات مؤذية للنفس، مثل الخدوش على الذراعين، وحرق الجسد بالسجائر، وغيرها.

ليس انتحارا.. لكنّه أسوأ

في يناير من العام الحالي، راحت الطفلة الإيطالية "أنتونيلا" التي لا يتجاوز عمرها 10 سنوات ضحية لما عرف بتحدي الاختناق، أو الوشاح الأزرق، وذلك حين أحكمت إغلاق باب الحمام ولفت حزاما جلديا على رقبتها وكتمت أنفاسها أملا في الوصول إلى هذه المشاعر الرائعة التي وعدتها بها تلك اللعبة التي شاهدتها عبر تطبيق تيك توك(9).

لم تكن هذه هي المرة الأولى التي يروح فيها أحد الأطفال ضحية لتحدٍّ سخيف، فهناك الكثير من هذه الألعاب، كالحوت الأزرق، ومومو، وتحدي القرفة، وتحدي الملح والثلج، وتحدي غاليندو وتحدي الوشاح. تحديات قاتلة تنتشر على هواتف وشاشات الأطفال، لا نعلم عنها شيئا قبل أن تنتشر الأخبار عن ضحاياها على منصات وسائل التواصل الاجتماعي. مثل هذه الحالات ليست انتحارا بالمعنى المعروف، حيث لا يبدؤها اللاعب بغرض التخلص من حياته، وإنما بقصد الحصول على الإثارة أو تحدي أقرانه، حتى إن بعضهم يمارسون هذه التحديات على الهواء مباشرة عبر الإنترنت.

هناك علامات على انخراط الطفل في أحد هذه التحديات، وينبغي الانتباه لها قبل فوات الأوان، من بينها: الكدمات خاصةً على الرقبة، والرغبة في الخصوصية المبالغ فيها أغلب الوقت، ووجود حبال أو أقمشة في الغرفة، وآثار نزف بسيط في الوجه أو الجسم دون تفسير منطقي، أو الشعور بدوار بعد وقت طويل يمضيه الطفل بمفرده. وفي كل الأحوال ينبغي توعية الطفل بمخاطر مثل هذه التحديات الإلكترونية.

كيف ننقذ أبناءنا؟

حسنا، لعلنا أَثَرْنا ذعرك بما فيه الكفاية، وآن الأوان لتلتقط أنفاسك وتبحث عن حلول. يبدأ الحل من المبادرة بالحديث إلى أبنائك والاستماع لهم جيدا، لا تنتظر أن يأتوا هم للحديث إليك، ولا تتجاهل مشكلاتهم أو ترفض الاعتراف بها، ذَكِّرهم بأنك ترغب في مساعدتهم وأن لكل مشكلة حلّا. يمكن أن تؤدي هذه النقاشات إلى إظهار المشكلات الكامنة لديهم والتعرف إليها، ومنحك فرصة للتدخل لحلها قبل فوات الأوان.

من جانب آخر، لا تتجاهل تهديدات الطفل أو المراهق بالانتحار، ولا تنعتها بأنها دراما عاطفية مراهقة، فهذه التهديدات ربما تحمل داخلها نوعا من أنواع الاستغاثة الأخيرة. لكن في الوقت نفسه، احرص على عدم إبداء الفزع؛ ﻷن ذلك قد يخيف الطفل من التصريح بمشاعره دون أن ينصرف عن هذه الأفكار. قد يكون من الصعب على الوالدين فهم سبب تفكير طفلهم في الانتحار، قد تخبره قائلا: لديك ألعاب وملابس وكل وسائل الرفاهية ونحن نحبك، فما مشكلتك؟! لكن تذكر أن الشخص الذي يعاني من الاكتئاب لن يكون قادرا على وضع الأمور في نصابها بشكل صحيح.

بإمكانك طرح المزيد من الأسئلة بهدوء، اسأله عن مشاعره وعن الصعوبات التي تواجهه، امنحه الأمل واقترح عليه طرقا مختلفة لحل المشكلة. إن لم يكن الطفل مرتاحا لمشاركتك أفكاره فاسأله إن كان هناك شخص آخر يفضل الحديث معه كأحد أفراد العائلة أو مدرس ما. عادة ما يضع الأطفال والمراهقون ثقتهم في زملائهم وأصدقائهم، لذلك ينبغي تشجيع الأبناء والأصدقاء والتأكيد على عدم الاحتفاظ بسر قد يؤدي إلى إيذاء أو موت الذي يعاني من ميول انتحارية.

إذا لاحظت وجود الميول الانتحارية عند طفلك، فمن الضروري أن تبعد عنه الأدوية والأدوات الحادة والأسلحة النارية إن وُجِدت في المنزل.

شجع طفلك على الخروج من دائرة العزلة وقضاء الوقت مع الأصدقاء وأفراد العائلة، وحاول أن تتابع نشاطه على مواقع التواصل الاجتماعي عن كثب، فعلى الرغم من فوائدها، قد تجعل المراهقين عرضة للتنمر والأذى أو الإحباط من خلال تكوين وجهات نظر غير واقعية عن حياة الآخرين.

أضف لذلك نصيحة مهمة، وهي أن تساعد طفلك المراهق على تناوُل الطعام الصحي، وممارسة الرياضة بانتظام، والحصول على قسط كاف من النوم يوميا. وإن كان ابنك المراهق يخضع لعلاج نفسي ويتناول أدوية مضادة للاكتئاب، فراقب تأثيرها عليه، فبعض مضادات الاكتئاب لها أعراض جانبية غير شائعة مرتبطة بالأفكار الانتحارية، في حالة ظهورها تواصل مع الطبيب المتابع لحالته.

إذا لاحظت وجود الميول الانتحارية عند طفلك، فمن الضروري أن تبعد عنه الأدوية والأدوات الحادة والأسلحة النارية إن وُجِدت في المنزل. تتنوع درجة شدة الأفكار الانتحارية، ففي بعض الأحيان تأتي على شكل موجة، وإن لم يكن هناك ما يؤذي به نفسه فقد تنتهي الموجة بسلام(10).

وأخيرا، يحتاج الأطفال أو المراهقون الذين يشعرون برغبة في الانتحار إلى زيارة طبيب نفسي أو اختصاصي علم نفس. توفر العديد من الدول أرقاما خاصة تقدم المساعدة والنصح الفوري على مدار 24 ساعة وتؤمن الوصول إلى متخصصين في مواجهة هذه المشكلة، بإمكانك التواصل معهم للمساعدة. ومن المهم أن تجد معالِجا على استعداد للعمل مع كلّ مِن الطفل المراهق والوالدين أيضا.

يحتاج أبناؤنا إلى الشعور بالقبول والدعم وبأن صوتهم مسموع، هم يحتاجون إلى الشعور بذلك الرابط العائلي الذي قد يحميهم وحده من التوتر. خصصوا أوقاتا عائلية لمشاهدة فيلم أو الذهاب في نزهة أو القيام بأي نشاط يجمعكم. في هذه الأوقات، سوف يشعر أبناؤكم بأنكم هنا، وبأن استغاثاتهم مسموعة.

في النهاية، لا توجد إحصاءات رسمية دقيقة حول حالات الانتحار في الكثير من الدول العربية، حيث تلجأ الكثير من الأسر لتوثيق الحالات على أنها وفاة طبيعية خوفا من الوصم المجتمعي، يتسبب ذلك في مشكلة كبرى، وهي أننا لا ندرك حجم الظاهرة من الأساس، ونتعامل وكأنها غير موجودة أصلا، ما قد يفوّت علينا فرصة إنقاذ الكثير من الأطفال.

____________________________________________

المصادر:

  1. منظمة الصحة العالمية: صحة المراهقين النفسية
  2. Child Psychiatrists Warn That The Pandemic May Be Driving Up Kids’ Suicide Risk
  3. NORTH WEST SYRIA: HIGH NUMBER OF SUICIDE ATTEMPTS AND DEATHS, WITH CHILDREN ACCOUNTING FOR ONE IN FIVE CASES
  4. .Dramatic rise in child suicide attempts and deaths in northwest Syria
  5. الانتحار
  6. صحة المراهقين النفسية
  7. السلوك الانتحاري عند الأطفال والمراهقين
  8. إيذاء النفس غير الانتحاري عند الأطفال والمراهقين:
  9. Antonella died..the story of a new challenge on TikTok that prompts suicide .. What is the blackout challenge
  10. الانتحار في سن المراهقة: الأمور التي يحتاج الوالدان إلى معرفتها
المصدر : الجزيرة