التحيز القاتل.. لماذا تعاني النساء من أخطاء الأطباء أكثر من الرجال؟

التحيز الطبي

"النساء مُبالغات في الشكوى، إذا شعرن بألم خفيف فإنهن يُضخمنه ويصفن أضعاف ما يشعرن به، يُعانين دوما من الحساسية النفسية الزائدة التي تخلق لديهن آلاما جسدية مُتعددة، كذلك لديهن شك زائد تجاه كل شيء، لرُبما كُن يُعانين فقط من قليل من الصداع ويعتقدن أنهن مُصابات بورم في المخ"، هكذا يصف ممدوح.ع (اسم مُستعار)، الطبيب الخمسيني المُتخصص في المخ والأعصاب، شعوره تجاه بعض الشكاوي الطبية التي يستمع إليها من المريضات اللاتي يترددن على عيادته.

 

هذه النظرة ربما لا تخص ممدوح وحده، بل هي نظرة تكاد تكون عالمية تُعرف بـ"التحيز الطبي ضد النساء" يحملها بعض الأطباء تجاه المرضى من النساء، وهو ما يؤدي إلى كثير من الأزمات الصحية التي يتسبب بها خطأ التشخيص أو التشخيص المُتأخر، وربما يتطور الأمر في بعض الحالات إلى الموت.

 

تشخيص متأخر

مريضة تخضع للفحص

"لا أستطيع أن أسامح أبدا، وكلما مرّ أمام عيني طيف أختي التي رحلت عن حياتنا أشعر بأن حقها مُعلقٌ في رقبة هذا الطبيب الذي لم يُعر لشكواها انتباها كافيا"

هكذا بدأت منى.ح، الفتاة الثلاثينية، حديثها مع ميدان.

كان لمنى أخت تُعاني من السرطان، وهي واحدة من النساء التي اتهمهن الأطباء بالأوهام عندما سمعوا شكواهن وآلامهن الجسدية، ولم يحصلن على تشخيص طبي سليم لحالتهن الصحية. قضت المرأة سنواتها الأخيرة تُعاني من ألم بالغ يجعلها لا تستطيع الجلوس أو النوم أو التحدث، كانت منى تراقب أختها وهي تُمضي أيامها ولياليها فقط مع الألم، تُراقبها وقد انزوت عن الحياة وأصبحت كشبح، تتلقى فقط العلاج الذي يُخبرها الأطباء بضرورة الحصول عليه، دون أن يفعل لها شيئا سوى المزيد من الألم.

 

تقول منى: "رحلت أختي عن الدنيا منذ سبع سنوات، لديها طفلان، أكبرهما لم يكن يتجاوز الثامنة من عمره حينما اختبر مرارة فقد أمه، ورغم كل تلك السنوات، لا تزال تتردد داخلي أسئلة لا تهدأ ولا تكف عن إضرام النيران في قلبي، أردد في نفسي: هل لو كان الطبيب الذي ذهبت إليه أختي بمُجرد أن لاحظت ظهور بعض التكتلات الغريبة في جسدها، لم يتهمها بالأوهام، ونظر في حالتها نظرة مهنية ومُنصفة، أكانت ستظل الآن على قيد الحياة؟ أعود وأُردد في نفسي أنها رحلت لأن عُمرها انتهى، وأنها كانت سترحل بهذه الطريقة أو بغيرها في الوقت المُحدد لها، أقول لنفسي هذا حتى أهدأ، وحتى لا يُصيبني الجنون".

 

تروي منى أن أختها كانت قد ترددت على طبيب كانت تثق به وبرأيه ثلاث مرات، كل مرة تشكو من عرض يُشير بوضوح إلى بدايات إصابتها بالسرطان، لكن الطبيب يقول لها في كل مرة أن لا شيء بها على الإطلاق، أخبرها أن تكف عن الوهم؛ لأن الوهم قادر على إمراضها فعلا، وأنها الآن سليمة تماما ولا شيء بها، كان الطبيب يُخبرها هازئا بأن رأسها ممتلئ بأفكار سلبية حول خلافاتها مع زوجها أو مع عائلته، وأنه عليها أن تهدأ حتى يكف جسدها عن هذه الأعراض الناجمة عن الضغوط النفسية، وكذا عن مبالغات النساء المعتادة في وصف آلامهن.

مريضة تخضع للفحص

تُضيف منى:

"ظل هذا الطبيب يقول لأختي هكذا، حتى استيقظنا على كابوس تطور المرض، فجأة، تطورت الأعراض وأصبحت أكثر شراسة، ذهبنا إلى طبيب ثان وثالث، فأخبرونا بأن أختي مُصابة بدرجة مُتقدمة من السرطان، حينها كان الألم أصبح شرسا بشكل كانت المسكينة لا تقوى على احتماله، تحملته عاما والثاني، وصبرت على العلاج رغم صعوبته، ولكنها رحلت في نهاية المطاف".

لا تعد حالة أخت منى فريدة من نوعها، فقد كشفت دراسة أُجريت عام 2015 عن أن النساء يتأخر حصولهن على التشخيص من بداية ظهور الأعراض في ستة أنواع من أصل 11 نوعا من السرطان. يحدث التأخير بعد زيارتهن لأول مرة إلى الطبيب العام(1).

 

أيضا خلصت دراسة أُجريت عام 2013 إلى أن الكثيرات قد اضطررن إلى القيام بأكثر من ثلاث زيارات لطبيب الرعاية الأولية في المملكة المتحدة قبل إحالتهن إلى أخصائي للاشتباه بسرطان المثانة وسرطان الكلى(2). هذه الأخطاء كثيرا ما تسبب الوفاة، ففي كل عام يموت ما يُقدّر بنحو 40 ألف إلى 80 ألف شخص بسبب أخطاء التشخيص في الولايات المتحدة وحدها(3).

 

التحيز الطبي ضد النساء

مريضة تخضع للفحص

يُعرف التحيز الطبي ضد النساء على أنه أحد أنواع "التحيز الجنساني"، وهو أمر له تأثير سلبي كبير على التشخيص الطبي ونوعية الرعاية الصحية التي يتلقاها الأشخاص. يُشير التحيز الجنساني إلى تفضيل جنس على آخر، هذا الأمر غالبا ما يحدث بناء على الصور النمطية التي يحتفظ بها المجتمع تجاه جنس معين، فقد استخدم الناس الفروق البيولوجية بين الجنسين لتكوين صور نمطية مُحددة لكل منهما، مثل فكرة أن النساء لسن أذكياء مثل الرجال بسبب الاختلافات في حجم الدماغ. تعني الصور النمطية أنه بمُجرد ميلاد شخص ما، كأنثى، فإن الناس يضعون بعض الافتراضات حول الشخص بناء على الصورة التي كونوها مُسبقا تجاه الأنوثة(4).

 

يمكن أن يحدث هذا النوع من التحيز بوعي، ويمكن أيضا أن يحدث دون وعي الشخص الذي يقوم به، وهو ما يُعرف بـ"التحيز الضمني"(5). لكن، سواء أكان التحيز واعيا أم ضمنيا، فإنه يُقلل من سرعة التشخيصات الطبية ودقتها وفعاليتها، وهو الأمر الذي أظهرته العديد من الدراسات، فمثلا أظهرت مُراجعة أُجريت عام 2018 لنحو 77 مقالا أن المهنيين الطبيين من المُرجح أن يُصنفوا المرضى من النساء على أنهم "حساسون للغاية أو هستيريون أو مضيعون للوقت". أظهرت بعض الدراسات أيضا أن الأطباء أكثر عرضة لتشخيص ألم النساء بأنه يعود لأسباب نفسية وليست جسدية، مقارنة بالرجال(6).

 

بناء على هذه الطريقة في التشخيص، وجدت دراسات أن النساء قد تلقين أدوية أقل فعالية ضد الألم، كما أنهن تلقين المزيد من الوصفات المضادة للاكتئاب، والمزيد من الإحالات إلى مُتخصصي الصحة النفسية، أيضا لاحظ الباحثون وجود اتجاه عام مفاده أن الأطباء لا يؤمنون بألم المرأة، أو أنهم يعتبرون الإناث معتادات على الآلام الجسدية بسبب تعرضهن لآلام الحيض والولادة.

 

على حافة الموت

مريضة تخضع للفحص

"اقتربت من الموت، بل يُمكنني القول إنني قد رأيته بعيني"، هكذا تبدأ صفية.س، الفتاة العشرينية، حديثها مع ميدان. تعيش صفية مع أسرتها في إحدى قرى صعيد مصر، فجأة وبلا سابق إنذار، تمكن المرض من صفية، مرض لا يعرف أحد سببه أو اسمه، كل ما كان يُدركه المحيطون بها أن الفتاة التي كانت تنبض بالحياة قد انطفأت فجأة وبلا مُقدمات، لم تعد تتناول الطعام، وكلما ضغطت عليها عائلتها لتناول شيء من الطعام تقيأته دون أن يمكث في جوفها دقائق معدودة. مع مرور الأيام أصبح جسدها لينا كأن لا عظام بها، لا تستطيع المشي أو الوقوف أو الجلوس، وتشعر بصداع دائم متواصل يُجبرها على النوم، ويجعلها لا تستطيع أن تفكر أو تتحدث.

 

كانت والدة صفية، التي تُوفي عنها زوجها منذ أن كانت ابنتها طفلة لم يتجاوز عمرها ثماني سنوات، تشاهد ابنتها وهي تفقد قواها تدريجيا أمام المرض، ذهبت بها إلى أطباء قريتها، أعطوها الكثير من المسكنات والمضادات الحيوية، ثم أخبر الأطباء الأم حينما لم تفلح أدويتهم أن هناك شيئا نفسيا يؤثر في ابنتها، تقول صفية: "لن أنسى أبدا حينما سألني الطبيب الخمسيني، الذي تقع عيادته بمحافظة تبعد عن قريتنا بنحو ما يزيد عن المئة كيلومتر، والذي سمعنا عنه من الأقارب والجيران، وأصرّت أمي أن نذهب إليه؛ ما إذا كُنت قد تعلقت بشاب ما مؤخرا، كان يرى أن حالتي لا تفسير طبي لها سوى أنني أريد الضغط على أمي وأسرتي لأجبرهم على الزواج من شخص ما يرفضونه، أَخْبَر أمي أن تضغط عليّ لتناول الطعام، وأن القيء الذي يحدث ما هو إلا (دلع بنات)، وأنني فقط أريد أن أقلقهم عليّ".

 

استمرت حالة صفية في التدهور، وقلب والدتها لا يهدأ ولا يطمئن لتفسيرات الأطباء بأن ما بابنتها هو أمر نفسي أو "دلع" تضغط به عليها، ظلت المرأة تسافر بابنتها كلما سمعت عن طبيب ماهر، مهما كانت المسافة التي ستقطعها، إلى أن شخّص أحد الأطباء الفتاة بأنها تُعاني من الذئبة الحمراء، وهو مرض مناعي يُهاجم خلاله جهاز المناعة الجسم، قال الطبيب إن الفتاة كان لديها درجة مُتقدمة من المرض بسبب تأخر الحصول على العلاج، وبسبب الأدوية المُسكنة والمضادات الحيوية التي كانت تحصل عليها كانت تزيد المرض شراسة بدلا من مُعالجته، وأن المرأة قد وصلت إليه بابنتها في الوقت المناسب قبل أن تفقدها.

مريضة تخضع للفحص

عالميا، يظهر التحيز الطبي ضد النساء بوضوح خلال أمراض المناعة الذاتية، فوفقا لمسح أجرته الجمعية الأميركية لأمراض المناعة الذاتية (AARDA)، صنف الأطباء 62٪ من الأشخاص المُصابين بأمراض المناعة الذاتية على أنهم كثيرو الشكوى، أو أنهم أشخاص قلقون جدا بشأن صحتهم. هذا الوصف ينطبق على كل من شملتهم الدراسة، من الرجال والنساء على حد سواء، ومع ذلك فإن هذا المرض مُنتشر بالأساس بنسبة أكبر بين النساء، فنحو 75٪ من الأشخاص المصابين بأمراض المناعة الذاتية هم من النساء. هذا يعني أن هذا الموقف المتحيز يصف بشكل أكبر صورة النساء لدى الأطباء(7).

 

مثلا في حالات الذئبة، تُشكل النساء 90٪ من المرضى(8). وعلى الرغم من أن الرجال يتلقون تشخيصا بمرض الذئبة في عمر متأخر مقارنة بالنساء، فإنهم يستغرقون وقتا أقل لتلقي التشخيص بمجرد ظهور الأعراض عليهم(9).

 

أما عن إحالة الآلام الجسدية إلى أسباب نفسية، فيبدو أكثر شيوعا بوضوح لدى المريضات من النساء، وهو أمر حذر منه الطبيب النفسي البريطاني إليوت سلاتر عام 1965 حين قال إن الأطباء يستسهلون تشخيص مرضاهم بالهستيريا. وبعد متابعة 85 مريضا تم تشخيص إصابتهم بـ "الهستيريا" في المستشفى الوطني بلندن طوال الخمسينيات من القرن الماضي، منهم حالات تابعها سلاتر نفسه، اكتشف أنه قد عُثر لاحقا على أكثر من 60٪ من هذه الحالات لديها أمراض عصبية عضوية، بما في ذلك أورام المخ والصرع، وقد مات عشرات منهم(10).

 

اعتبر الأطباء النساء من المرضى النموذجيين الذين يُعانون من أعراض نفسية المنشأ، لذلك فإنهم كثيرا ما يرفضون أعراضهم ويُحيلونها إلى أسباب نفسية. في دراسة أُجريت عام 1986، نظر الباحثون في مجموعة من المرضى الذين يعانون من اضطرابات عصبية عضوية خطيرة وقد تم تشخيصهم في البداية بالهستيريا، حاول الباحثون تحديد الأسباب التي تجعل المريض عُرضة لمثل هذا التشخيص الخاطئ، كان أحد الأسباب أن يكون لدى المريض تشخيص سابق باضطراب نفسي، السبب الآخر ببساطة هو أن يكون المريض امرأة(11).

 

الخطر يصل للأجنة أيضا

مريضة تخضع للفحص

"مررت خلال فترة حملي بظروف صحية صعبة للغاية أدّت في النهاية إلى ولادة طارئة في الشهر السابع من الحمل لطفل مُبتسر ظل تحت الرعاية في الحضانة ما يزيد عن الشهر، ما زالت كلمات طبيبة المتابعة ترن في أذني بصوتها الخفيض الذي كانت تُحاول من خلاله أن تُفهمني أنها تعرف مقدار خُبثي!"

هكذا بدأت نهى.ع، المرأة الثلاثينية، حديثها مع ميدان.

منذ الشهر الأول لحملها تعرضت نهى للعديد من المتاعب الصحية، وفي الشهر الرابع من حملها، أصبحت لا تستطيع التحرك على قدميها إلا بمساعدة عكاز، تقول نهى عن هذا: "حينما ذهبت إلى الطبيبة كُنت لا أستطيع السير على ساقي، لا أدري سببا لهذا، لتُفاجئني الطبيبة أثناء الكشف بالاقتراب من أذني هامسة: (هذا دلع نساء أنا أعرفه جيدا، من الواضح أنك تريدين أن تقلقي زوجكِ، لا أرى سببا لتعبكِ المُبالغ فيه ولا لعدم قدرتكِ على الحركة، واضح أنك تريدين الحصول على المزيد من الاهتمام وقلق المحيطين، طفلكِ بخير وأنتِ لا شيء بكِ، ولن أقول هذا الكلام أمام زوجكِ)".

 

دخلت نهى بسبب كلمات الطبيبة في موجة من الحزن زادت من تعبها، هي مُتعبة فعلا ولا تستطيع التحرك، هل يُعقل أن يخدعها جسدها إلى هذا الحدّ؟ مرّ شهران آخران كفّت خلالهما نهى عن الذهاب إلى الطبيبة، لتبدأ في مواجهة متاعب صحية أكثر حدّة، بدأ ضغط دمها يرتفع للغاية مُحققا أرقاما انزعج منها الطبيب الآخر الذي قررت نهى الذهاب إليه بعد أن استقرت على تغيير الطبيبة الأولى، تقول نهى: "ظل الطبيب أكثر من نصف ساعة يفحص طفلي بالسونار صامتا لا يتحدث، وحينما قرر التكلم أخيرا، سأل بغضب عمّن كان يُتابع حملي سابقا، قال الطبيب حينها إن هذه حالة تسمم حمل، واضح له أنه بدأ منذ فترة، وقال إن أي طالب للطب يستطيع التعرّف على هذه الحالة وتشخيصها بلا شك أو تردد، وأضاف أن المياه حول الطفل قليلة وأن وزنه ضئيل للغاية لأنه لا يكاد يحصل على تغذية مناسبة".

 

في النهاية، اضطر الطبيب إلى اتخاذ قرار بالولادة القيصرية العاجلة، موضحا لنهى أنها من الممكن أن تفقد وعيها وتدخل في غيبوبة خلال أي لحظة. بعد الولادة، بدأت نهى وطفلها في المُعاناة من تبعات تسمم الحمل والولادة المُبكرة، تقول: "لا أستطيع نسيان ثقة الطبيبة بنفسها وهي تُخبرني أنها تعلم خبث النساء جيدا، وما زلت أسأل نفسي: كيف لامرأة أن يكون لها هذا الحكم القاسي على شكوى النساء الطبية".

مريضة تخضع للفحص

بعض الأطباء ليس لديهم وعي كافٍ باختلاف أعراض النساء عن الرجال في بعض الأمراض. فخلال اختبارات الذاكرة اللفظية التي يشيع استخدامها لتشخيص مرض الزهايمر، يكون أداء النساء أفضل مقارنة بالرجال، حيث يُظهر بحث أجراه علماء أميركيون في عام 2016 أن النساء في المراحل المُبكرة من مرض الزهايمر يؤدين أداء أفضل من الرجال في هذه الاختبارات، ونظرا لعدم أخذ هذا الاختلاف في الاعتبار، يُكتشَف المرض متأخرا عند النساء؛ ما يمنع العلاج المبكر(12).

 

كذلك في الأمراض القلبية، تكون هناك اختلافات في كيفية ظهور أعراض المرض بين الجنسين. من المُفترض في هذه الحالة أن يكون لدى الأطباء المعرفة الكافية بالأعراض المُختلفة التي قد تُصيب الجنسين، ومع ذلك فإن الواقع يقول إن النساء يواجهن أزمة نقص تثقيف الأطباء حول هذه الاختلافات؛ ما يجعلهن عرضة لأخطاء التشخيص.

 

فوفقا لما ذكرته جمعية القلب الأميركية، فإن احتمالية تعرّض الإناث لأعراض النوبة القلبية "التقليدية" أقل من الرجال، نتيجة لذلك فإنهن لا يتلقين تشخيصا صحيحا لأن الأطباء يستخدمون معايير تشخيصية موجهة نحو الذكور(13). أيضا وجدت دراسة أُجريت عام 2018 أن الإناث المُصابات بنوبة قلبية كنّ أكثر عرضة للوفاة عندما يعالجهن طبيب ذكر مقارنة بطبيبة(14).

 

كما كشفت دراسة أخرى أن النساء في أستراليا لديهن فرصة أقل من الرجال لتلقي الأدوية المُوصى بها في حالة الإصابة بفشل القلب(15). كذلك في المملكة المتحدة، هناك افتراض بأن قصور القلب هو مرض يُصيب الرجل فقط، وهو ما يؤدي إلى عدم المساواة في الرعاية، وقد ترتب على ذلك أنه على مدى السنوات العشر، بين عامي 2008 و2018، ماتت أكثر من 8000 امرأة بريطانية نتيجة لعدم المساواة في الرعاية الطبية بين الجنسين(16).

مريضة تخضع للفحص

أيضا أظهرت دراسة أُجريت عام 2017 أن النساء أقل عرضة لتلقي الإنعاش القلبي الرئوي في الأماكن العامة عند حدوث السكتة القلبية فجأةً خارج المنزل(17). لاحظ الباحثون أيضا أن التدريب على الإنعاش القلبي الرئوي يستخدم الدمى "الذكور" فقط، بينما من المهم التدريب على الدمى "الأنثوية" للتخلص من المخاوف التي يُسببها الاعتقاد الخاطئ بأن الثديين يجعلان الإنعاش القلبي الرئوي أكثر صعوبة(18).

 

كذلك عندما انتشرت جائحة كوفيد-19، والتي من المعروف أنها تُصيب الرجال والنساء على حد سواء، أشارت الدلائل المبكرة إلى أن التحيز الجنساني قد أثر أيضا على إدارة الجائحة. فقد وجدت البحوث الأولية أن النساء اللواتي لديهن حالات مؤكدة من كوفيد-19 كن أقل عرضة من الرجال لإجراء الأشعة السينية على الصدر واختبارات الدم(19). كما تُشير مقالة نُشرت عام 2020 إلى أن معظم الدراسات حول كوفيد-19 فشلت في مراعاة اختلاف الأعراض والاستجابات الالتهابية الناتجة عن اختلاف الجنس والنوع الاجتماعي(20).

 

أسباب التحيز

بشكل عام، يعني التحيز الجنسي تاريخيّا أن الرجال يتمتعون بسلطة وتأثير أكبر من النساء في الفضاء العام. الأمر ذاته ينسحب على ممارسة الطب، فحتى القرن العشرين، سيطر الرجال على دراسة الطب وممارسته، ورغم أن هذا قد تغيّر الآن، فإن التمييز على أساس الجنس ما زال موجودا في الطب.

مريضة تخضع للفحص

يؤكد التقرير الصادر عام 2019 بعنوان "المساواة بين الجنسين في القوى العاملة الصحية: تحليل 104 دولة"، الذي اشتركت في إعداده منظمة الصحة العالمية، أن العاملات الصحيات يتمتعن بمكانة أقل، ويحصلن على أجر أقل، وفي كثير من الأحيان تكون مهامهن غير مدفوعة الأجر، أكد التقرير كذلك أن العوائق التي تواجه العاملات الصحيات تقوض رفاههن وسبل عيشهن، وأن غياب المساواة بين الجنسين في ممارسة الطب تؤثر سلبا على كفاءة النظم الصحية(21).

 

أيضا على مستوى الدراسات والأبحاث الصحية، في الماضي، استبعدت العديد من الدراسات العلمية المشاركات الإناث من أجل تجنب احتمال تأثير الهرمونات الجنسية الأنثوية على النتائج. كما استُبعدت العالمات في سن الإنجاب من التجارب لمنع مخاطر الأدوية التي تؤثر على الحمل المُحتمل حدوثه. على الرغم من توفر النوايا الحسنة في هذا، فإنه أدى إلى نتيجة سلبية، وهي أن المتخصصين الطبيين يعرفون الآن القليل عن كيفية تأثير الأمراض والأدوية على النساء. لذلك، تحاول الآن بعض المنظمات مثل إدارة الغذاء والدواء الأميركية تشجيع الباحثين على إشراك النساء في تجاربهم السريرية(22).

كذلك فإن حقيقة أن النساء لديهن مُعدلات أعلى من الاضطرابات المزاجية، هو -على الأرجح- أحد الأسباب التي تجعل من الشائع أن تحصل النساء على تشخيص نفسي لأعراض عضوية. فمثلا في الولايات المتحدة، تزداد احتمالية إصابة النساء بالاكتئاب أو اضطرابات القلق بمقدار الضعف مقارنة بالرجال(23).

 

ولكن، في حين أن النساء قد يكون لديهن خطر أكبر حقا للإصابة باضطرابات القلق والاكتئاب، إلا أن هذا لا يمنع أن الفجوة والاختلاف في معدلات الانتشار قد تعود جزئيا -على الأقل- إلى التشخيص المُفرط للنساء بهذه الاضطرابات ونقص التشخيص لدى الرجال(24).

—————————————————————-

المصادر:

  1. Age and Gender Variations in Cancer Diagnostic Intervals in 15 Cancers: Analysis of Data from the UK Clinical Practice Research Datalink
  2. Gender inequalities in the promptness of diagnosis of bladder and renal cancer after symptomatic presentation: evidence from secondary analysis of an English primary care audit survey
  3. Diagnosis and Telemedicine
  4. Gender bias in medical diagnosis
  5. The Negative Effects of Gender Bias in Health Care
  6. “Brave Men” and “Emotional Women”: A Theory-Guided Literature Review on Gender Bias in Health Care and Gendered Norms towards Patients with Chronic Pain
  7. The Autoimmune Association is with you through every step of your autoimmune journey.
  8. Lupus facts and statistics
  9. Gender Differences in the Pathogenesis and Outcome of Lupus and of Lupus Nephritis
  10.  Diagnosis of “Hysteria”
  11. Misdiagnosis of hysteria.
  12. Women perform better than men on memory tests for Alzheimer’s
  13. way we view womens heart attack symptoms
  14. Patient–physician gender concordance and increased mortality among female heart attack patients
  15.  Women missing out on the best heart care
  16. UK women die due to unequal heart attack care
  17. Men Are More Likely Than Women to Receive CPR in Public, Study Finds
  18. The five: medical biases against women
  19.  Evidence of gender bias in the diagnosis and management of COVID-19 patients: A Big Data analysis of Electronic Health Records
  20.  Understanding Gender-Bias in Critically Ill Patients With COVID-19
  21.  Female health workers drive global health
  22. FDA Research, Policy, and Workshops on Women in Clinical Trials
  23.  ‘Everybody was telling me there was nothing wrong’
  24.  Problems in accurate medical diagnosis of depression in female patients.
المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

قد تبدو سن الستين مهيبة أو مخيفة، وربما تعني النهاية للعديد من الأشياء، وهي أيضا مرتبطة بالشيخوخة ومشكلاتها، لكن لا تتصوَّر للحظة أنها النهاية الحقيقية لحياتك، بل هي بداية مرحلة جديدة مختلفة كليا.

Published On 3/11/2021
بيتر بان

لا تعتبر متلازمة بيتر بان اضطرابا أو مرضا عقليا، ويستخدمه العديد من علماء النفس للإشارة إلى البالغين الذين يُظهرون هذا الخوف والقلق من تحمل المسؤوليات، فيبدو وكأنهم عالقون بإرادتهم في مرحلة المراهقة.

Published On 12/11/2021

لدينا عقيدة ثابتة في أذهاننا تقول إن النساء بطبعهن ثرثارات، فقد تتحدث المرأة يوميا عدد كلمات أكبر من الرجل بفارق ثلاثة أضعاف، لكن هل هذا الادعاء صحيح؟ وهل المرأة أكثر كذبا ونميمة مقارنة بالرجل؟

Published On 2/3/2021
المزيد من مقالة
الأكثر قراءة