بيانات هائلة تنتقل في الهواء.. الثورة المُنتظرة في عالم الإنترنت

الجيل الخامس

من الصعب أن تلاحظ بالتفصيل كيف ومتى وقع هذا التطور الهائل في تقنياتنا. الأمر يحدث تدريجيا، تزداد سرعات الاتصال شيئا فشيئا، ويزداد توفر شبكات الـ"واي فاي"، وتؤثر الأجهزة الجديدة على التصميمات. الجميع يريد اتصالا سريعا بالإنترنت، بل الأسرع على الإطلاق، في الخمس عشرة سنة الماضية تضاعفت قدرات الاتصال الأرضي بمعدل خمسين ألف ضِعْف (1)، وهذا في الإنترنت الأرضي التقليدي فقط. إذا كنت تسكن في إحدى دول عالمنا العربي، فعلى الأرجح إن أسرع شبكة اتصالات لا سلكية تعرفها هي شبكات الجيل الرابع (4G)، التي تمتلكها بالفعل على جهازك المحمول، أما إذا كنت محظوظا، فإن مدينتك ربما تكون دخلت بالفعل إلى ثورة الجيل الخامس (5G) الهائلة. لكن التقدُّم لم يقف هنا، هل كنت تدري أن هنالك دولا تُخطِّط لبدء تدشين شبكات الجيل السادس (6G)؟

 

حسنا، لديك كل الحق للتحمس وانتظار الـ (5G)، فالجيل الخامس من التكنولوجيا الخلوية يوفر بالفعل قفزة في سرعة اتصال الأجهزة اللا سلكية. تتضمَّن هذه السرعة كلًّا من المعدل الذي يمكن لمستخدمي الأجهزة المحمولة تنزيل البيانات به إلى أجهزتهم، ووقت الاستجابة أو التأخير الذي يواجهونه بين إرسال المعلومات واستلامها. تهدف شبكات الجيل الخامس إلى تقديم معدلات نقل بيانات أسرع من 10 إلى 100 مرة من شبكات الجيل الرابع الحالية. (2) يجب أن يتوقَّع المستخدمون رؤية سرعات التنزيل تُقدَّر بالجيجابت في الثانية (Gb / s)، بدلا من سرعات التنزيل الحالية التي تبلغ عشرات الميجابت في الثانية (Mb / s) بحد أقصى.

 

الثورة القادمة

لكن، لنكن صريحين، هذه السرعات لا تكفي دولة مثل الصين، التي تتطلع لما هو أكبر. لذلك، فإن بكين نجحت بالفعل في إطلاق ما وُصف أنه "أول قمر صناعي للجيل السادس (6G) في العالم" إلى الفضاء لاختبار التكنولوجيا الجديدة، من مركز تايوان لإطلاق الأقمار الصناعية في مقاطعة شانشي. (3) إذا كانت تقنية الـ (5G) تنقل الملفات بسرعة جيجابت في الثانية، فما الذي ستنقله الـ (6G)؟

 

حسنا، ستكون شبكات الجيل السادس (6G) قادرة على استخدام ترددات أعلى من شبكات الجيل الخامس (5G)، وتوفر سعة أعلى بكثير وزمن انتقال أقل بفارق ملحوظ. سيكون أحد أهداف إنترنت (6G) هو دعم اتصال زمن انتقال واحد ميكروثانية، وهذا المعدل أسرع بألف مرة على الأقل من زمن الاتصال الحالي الذي يُقدَّر بالمللي ثانية. (4)

 

حسنا، دعنا نخبرك بالأمر بوتيرة أوضح؛ سوف تكون شبكات الجيل السادس قادرة على نقل البيانات بسرعة 1 تيرابايت في الثانية، وسيؤدي هذا المستوى من السعة إلى تحسين أداء التطبيقات وتوسيع نطاق قدرات الاتصال لدعم التطبيقات المبتكرة في الاتصال اللا سلكي والإدراك والاستشعار والتصوير. لحظة، تيرابايت؟ هل هذه مزحة؟

 

في حين أننا نتوقَّع انتشار تقنيات مثل السيارات ذاتية القيادة والطائرات بدون طيار والمدن الذكية مع تعميم شبكات الجيل الخامس، فإن هذه التقنيات ستصل إلى أوج كفاءتها مع قدوم الجيل السادس، حيث ستدعم سرعة الاتصال الفائقة أيضا تطبيقات الخيال العلمي مثل تكامل أدمغتنا مع أجهزة الحاسوب، وتحسين أنظمة التحكم باللمس تحسينا كبيرا. تتحدَّث "NTT ​​DoCoMo"، الشركة اليابانية الرائدة في صناعة الهواتف، عن ثورة قادمة في الأجهزة القابلة للارتداء والأجهزة الدقيقة المثبتة على جسم الإنسان. هل تحمست؟ الأمر ليس بعيدا كما تظن، فمن المتوقَّع إطلاق شبكات الجيل السادس تجاريا في عام 2030. (5)(6)

BEIJING, CHINA - APRIL 16: People cross a road in front of an Apple store advertising 5G capable phones on April 16, 2021 at a shopping district in Beijing, China. China announced robust economic growth of 18.3 percent in the first quarter of 2021, compared to the same period last year when the world's second largest economy ground to a halt due to the COVID-19 pandemic. (Photo by Kevin Frayer/Getty Images)

 

بعد كل المزايا الخيالية السابقة، يجب الإشارة إلى الوجه الآخر من العُملة، فاستخدام الترددات الأعلى يعني أن شبكات الجيل الخامس ورفاقها التاليين، الجيل السادس والسابع، ستواجه عوائق في التوزيع والانتشار. الأمر يشبه مثلا سماعك لأغنية من مسافة بعيدة، من مهرجان أو افتتاح متجر جديد، أو حتى الاستماع لصوت الجيران المزعج في الشقة بالأسفل، كل ما يصلك هنا هو همهمات خفيفة، وهذا بسبب أن الترددات المرتفعة المستخدمة في هذه التقنيات تسافر إلى مسافة أقرب من الترددات المنخفضة المعتادة سابقا، ويعني ذلك أننا نحتاج إلى زيادة أعداد أبراج الشبكات للحصول على تغطية أفضل. تذكَّر أننا لم نحصل إلى الآن على تغطية مثالية في شبكات الجيل الرابع الحالية بعد انتقالنا من الجيل الثالث، يعني ذلك أننا بحاجة إلى تغييرات كبيرة في البنية التحتية لتوفير التغطية المناسبة، وبالأخص في الأماكن النائية ودول العالم الثالث. هنا، ستقف التكلفة حائلا بين انتشار هذه التقنية إلى الجميع. (7)

 

نتيجة لذلك، من المُرجَّح أن تزداد الهوة بين المناطق النائية والمُتحضِّرة في سرعات الاتصال، في تلك النقطة تظهر بارقة أمل جديدة: شبكة إنترنت تغطي جميع أرجاء العالم على السواء، وتعتمد على الفضاء بدلا من الأرض، بما يُمكِّنها من التغلُّب على المشكلات اللوجستية للتغطية. يحتاج العالم إلى مَن يمتلك المال والشجاعة الكافيين لضخ أمواله في مشروع مثل هذا، فهل تبادر اسم أحدهم إلى مخيلتك؟ على الأغلب لن يتبادر سواه، لقد قرَّر إيلون ماسك بالفعل أن يغطي الكرة الأرضية بالإنترنت.

 

فضاء مُرصَّع بالستالايت

أُطلق على هذا المشروع الطموح اسم "ستارلينك" (starlink)، وهي شبكة من 12 ألف قمر صناعي ستوفر الإنترنت بسرعة فائقة في أي مكان في العالم، ولأي فرد يمتلك جهاز استقبال (راوتر أو مودم) رخيص السعر نسبيا. الإنترنت عبر الأقمار الصناعية ليس فكرة جديدة كليا (8)، لكنه لم يحظَ بأي اهتمام لأنه بطيء جدا، وسبب هذا البطء هو تحرُّكه في مدار ثابت بالنسبة للأرض وبارتفاع نحو 35 ألف كم فوق سطحها، هذه مسافة كبيرة للغاية وبالتالي لا يمكن نقل البيانات بسرعة معقولة عبرها، لكن هنا بالتحديد يأتي دور الخطة الطموحة لشركة "سبيس إكس" (spaceX).

SpaceX founder and Tesla CEO Elon Musk speaks on a screen during the Mobile World Congress (MWC) in Barcelona, Spain, June 29, 2021. REUTERS/Nacho Doce

تُخطِّط الشركة لوضع الأقمار الصناعية على ارتفاع يتراوح بين 550 إلى 1200 كم فقط، بحيث يضمن هذا الارتفاع المنخفض سرعة أكبر في توصيل البيانات. التقدير الحالي هو أن "ستارلينك" ستُزوِّدك بـ 10 جيجابت في الثانية الواحدة معدلا لنقل البيانات، لكن لا تفرح كثيرا، فالخطة ما زالت ضمن البحث والتطوير.

 

لا تزال خطة "ستارلينك" تنطوي على بعض القصور، منها أن الانخفاض الشديد لارتفاع الأقمار الصناعية سيجعلها مرئية بالعين المجردة، وبينما يوجد نحو 500 قمر صناعي بالفعل في السماء في الوقت الراهن، حاوِل أن تتخيَّل شكل السماء بعد إطلاق 12 ألف قمر. على الرغم من كل ذلك، لا يمكننا الحكم على نجاح الخطة بعد، لذا علينا الانتظار حتى تعمل رسميا. (9)

 

إنترنت عبر الأثير

على الجانب الآخر، تحاول الشركة الأم لغوغل "ألفابت" في مشروعها "تارا" (TAARA) الاعتماد على تقنية مختلفة. نجحت "تارا" بالفعل في نقل 700 تيرابايت بكفاءة تشغيل بلغت 99.9%، والفكرة هي ربط المدن البعيدة بالإنترنت عبر أشعة الليزر. بنت الشركة منشأة في أفريقيا ووصَّلت رابطا بسرعة 20 جيجابت في الثانية على بُعد نحو 5 كيلومترات إلى مدينة يقطنها ملايين الأشخاص، مما يُقلِّل من تكلفة الوصول إلى الإنترنت بالنسبة لهم. (10)

صورة

يعمل شعاع ليزر "تارا" على سد الفجوة بين مدينتَيْ برازافيل وكينشاسا، على جانبَيْ نهر الكونغو. تتمتع برازافيل بإنترنت لائق، ولكن نظرا لعدم رغبة أحد في تشغيل خط ليفي عبر ثاني أعمق نهر في العالم، تستخدم كينشاسا خطا من الألياف يمتد لمسافة 400 كيلومتر حول النهر، ما يجعل تكلفة الإنترنت هناك أعلى بخمس مرات. تم تشغيل الرابط التجاري من قِبَل شركة ألفابت بسرعة 20 جيجابت في الثانية لمدة 20 يوما حتى الآن، وتقول الشركة إنها قدَّمت ما يقرب من 700 تيرابايت من البيانات في ذلك الوقت. نعم، لقد بات الإنترنت ينتقل عبر الأثير!

 

يبدو أن الإنترنت غير التقليدي وفائق السرعة سيكون ميدان منافسة مشتعلا بين عمالقة التكنولوجيا في السنوات القادمة، حيث أطلقت أمازون قمرها الصناعي "كايبر" للهدف نفسه (11)، وكذلك فعل فيسبوك حين أطلق القمر "أكيلا" قبل أن يعلن انسحابه. هذا التنافس يدل على أن المستقبل واعد حقا، لذلك إذا كنت تشعر بالضيق من سرعة الإنترنت المُملة على هاتفك أو حاسوبك، فإن عليك التحلي ببعض الصبر، فالثورة قادمة إليك لا محالة، حتى وإن كنت تسكن على ضفاف نهر الكونغو.

———————————————————————————

المصادر

  1. 7 Predictions For How The Internet Will Change Over The Next 15 Years:
  2. 5G Network: How does it work, and is it dangerous?:
  3. China sends ‘world’s first 6G’ test satellite into orbit: 
  4.  What is 6G? Overview of 6G networks & technology:
  5. Huawei CEO says it’s working on 6G — but the technology is still some 10 years off:
  6. Hold hands across the world with 6G technology:
  7. 5G vs 4G: what is the difference?: 
  8. The Past, Present, and Future of Satellite Internet
  9. SpaceX’s Starlink Could Change The Night Sky Forever, And Astronomers Are Not Happy:
  10. Alphabet’s laser-Internet system has sent 700TB of data with 99.9% uptime:
  11. Amazon receives FCC approval for Project Kuiper satellite constellation:
المصدر : الجزيرة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة