قبل أن ينقرض التعاطف.. التفوق الدراسي ليس أهم شيء في حياة أبنائنا

مقدمة الترجمة

طفلك بالطبع ليس قطعة من الصلصال تُشكِّله بيديك كيفما شئت، لقد جاء إلى هذا العالم مع صفات شخصية خاصة قد لا تتمكَّن من تطويعها بسهولة، لكن على الرغم من ذلك فإن هناك سلوكيات يمكن أن يتعلَّم الطفل أنها مهمة، ومع التدريب تصبح جزءا من شخصيته. من هذه السلوكيات أن يتعلَّم أن يكون لطيفا ومُراعيا في تعامله مع الآخرين، نود جميعا هذا، أليس كذلك؟ لكن المشكلة أننا لا نتصرَّف بطريقة تتناسب مع أمنياتنا تلك، يظهر ذلك بوضوح في أيام الدراسة، حيث نلتفت إلى سؤال واحد فقط وهو: "كيف أدَّيت في المدرسة اليوم؟".

 

نص الترجمة

ألم يتعرَّض معظمنا لهذا الموقف المُحرِج عندما يصفنا أحد الأطفال بأننا منافقون؟ يرجع ذلك إلى تمتُّع الأطفال بقدرة عجيبة على ملاحظة الفجوة بين أقوال الكبار من ناحية وأفعالهم من ناحية أخرى، فإذا استطلعنا آراء الآباء حول ما يأملونه لأطفالهم، فسيُفيد أكثر من 90% بأن إحدى أولوياتهم القصوى هي تمتُّع أطفالهم بصفات مثل اللطف والتعاطف، ويبدو هذا منطقيا، فاللطف والاهتمام بالآخرين هما فضائل أخلاقية تحث عليها جميع المجتمعات والأديان، لكن المفارقة العجيبة كانت حينما سألوا الأطفال عن أكثر الأشياء التي تحوز على اهتمام والديهم، أفاد 81% بأن جُلَّ اهتمام والديهم ينصب على مدى تحقيق الإنجازات والسعادة التي تليها أكثر من تمتُّعهم بصفة اللطف أو التعاطف تجاه الآخرين.

 

يُكوِّن الأطفال معرفتهم بأكثر الأشياء التي يهتم بها الوالدان من خلال تتبُّع ما يجذب انتباههم، لا من خلال الاستماع إلى ما يقولونه، إذ أصبح من السهل جدا تمييز هذا المشهد المُتكرِّر في جميع المجتمعات حولنا التي أخرجت آباء يُرجِّحون كفة الإنجازات والسعادة الفردية على حساب أي شيء آخر. صحيح أننا كثيرا ما نُخبر أطفالنا عن مدى أهمية اللطف والمعاملة الحسنة مع الآخرين، لكن ذلك لن يُجدي نفعا ما دُمنا لا نعنيه حقا.

 

ربما لن يكون مفاجئا إن اكتشفنا أن هذه القيم باتت مع الأسف في تراجع ملحوظ، وذلك استنادا إلى تحليل استقصائي دقيق لطلاب الجامعات الأميركية ما بين عام 1979 إلى عام 2009. أجرى الباحثون هذا التحليل لدراسة مدى التعاطف الذي يُبديه الطلبة تجاه الآخرين، وإلى أي درجة يمكنهم رؤية الأمور من وجهة نظر مختلفة. كانت المفاجأة أنه خلال هذه السنوات لم يُعر الطلبة اهتماما كبيرا بمعاناة الآخرين، ولم يُكلِّفوا أنفسهم عناء الانزعاج تجاه ما وقع من ظلم على رفاقهم.

 

جزء من اللوم يقع على عاتق الآباء

parents talk

ليت الأمر يقتصر على نقص اللطف ومراعاة الآخرين، بل يذهب الأمر إلى أبعد من ذلك، فحتى تقديم يد العون للآخرين أصبح صفة نادرة. في إحدى التجارب المُثيرة للانتباه، ترك أحد علماء الاجتماع آلاف الرسائل التي بدت للمارة أنها ضائعة في عشرات المدن الأميركية عام 2001، وبعد عشر سنوات كرَّر التجربة من جديد، وفي المرة الثانية كانت الرسائل التي التقطها العابرون من الشوارع وأعادوها إلى صندوق البريد مرة أخرى أقل بنسبة 10% من المرة الأولى.

 

توصَّل علماء النفس بعد هذه التجربة إلى أن الأطفال الذين وُلدوا بعد عام 1995 يملكون الصفات نفسها التي يتمتع بها آباؤهم، إذ يؤمنون بضرورة مساعدة الآخرين الذين يعانون، ولكن المهم ألا تُلقَى هذه المسؤولية على عاتقهم، لذلك ستجدهم يتملَّصون من إبداء أي استعداد أو اهتمام إزاء التبرع للجمعيات الخيرية على سبيل المثال.

 

إن كان هناك سبب وراء هذا التفكُّك الذي تُعاني منه مجتمعاتنا اليوم، فلا شك أن جزءا من هذا اللوم يقع على عاتق الآباء والقيم التي غرسوها في أبنائهم، ألم نصادف العديد من زملائنا الذين بمجرد أن أصبحوا آباء انصب تركيزهم كله حول الإنجازات التي يُحقِّقها أطفالهم لدرجة غفلتهم عن غرس بذور اللطف والمودة فيهم؟!

 

اللطف لا يتعارض مع تقدير الطفل لقوته

dad talk

أحيانا تتطوَّر الأمور إلى أبعد من ذلك، فيمنع بعض الآباء أطفالهم من التصرُّف بلطف معتقدين أن ذلك يُعبِّر عن ضعف وهشاشة في وسط هذا العالم التنافسي الذي نعيش فيه الآن. حتى إن هناك أفكارا يؤمن بها بعض الآباء مثل عدم التدخُّل بين الأطفال إن تصرَّف أحدهم بأنانية في سن ما قبل المدرسة، ويعتقد هؤلاء الآباء أن التدخُّل في مثل هذه المواقف قد يمنع الطفل من التحلي بالجرأة الكافية وفرض رغبته على الآخرين، ويُقِرّ البعض بأنهم يُفضِّلون تنمية صفة الأنانية في أطفالهم على تربية طفل غير قادر على الاعتراض أو قول "لا" للآخرين.

 

لكن ما لا يعلمه الآباء أن تعليم أطفالهم الاهتمام بأنفسهم لا يتعارض مع مراعاة الآخرين وتقديم المساعدة لهم، أي إن صفة اللطف وإظهار جانب الرحمة تجاه الآخرين لا تتعارض بتاتا مع تقدير الطفل لذاته وقوته في هذا العالم التنافسي. إذا شجَّعت الطفل على التفكير في احتياجات الآخرين ومشاعرهم، فربما سيستجيب في بعض الأحيان، وربما لن يستجيب في أحيان أخرى، لكنه سرعان ما سيتعلَّم قاعدة المعاملة بالمثل؛ أي إنْ لم تُعامل الآخرين باحترام ولطف، فلا تنتظر منهم معاملة أفضل.

 

على مر التاريخ، شجَّعت العائلات والمدارس الفتيات على أن يكنَّ لطيفات ومُراعيات للمشاعر، بينما شبَّ الأولاد على أن يكونوا أقوياء وطموحين، وهذا ما جعل الآباء والمعلمين اليوم يستثمرون المزيد من الوقت والطاقة في تعزيز الثقة وروح القيادة لدى الفتيات، لكن لسوء الحظ لم يبذلوا هذا الوقت لتنمية سِمات الكرم واللطف عند الأولاد وتشجيعهم على تقديم المساعدة، مما أدَّى بالتبعية إلى تراجع قيم اللطف ومراعاة المشاعر لدى الطرفين.

 

يتمتع الأطفال بإحساس قوي وملاحظة دقيقة تجاه جميع الأمور التي تجري حولهم، فيلاحظون بسهولة كيف يحظى أقرانهم بالمديح بسبب درجاتهم الدراسية، وأهداف المباريات التي يُحرزونها، وليس من أجل اللطف أو الكرم الذي قد يُظهرونه، كما أنهم يلاحظون مدى احتفاء الكبار بإنجازاتهم دون إبداء القدر نفسه من الاهتمام تجاه سلوكياتهم وما تنطوي عليه شخصيتهم. وهكذا تستمر الأمور، فالآباء الذين يجب أن يُخلِّفوا وراءهم إرثا قيما لا يمكنهم نقل بعض الفضائل الأساسية لأولادهم، فكيف يمكننا الخروج من هذا المأزق وتحسين الوضع؟

 

كيف كان الامتحان اليوم؟

sad kid

بمجرد أن بدأ أطفالنا يرتادون المدرسة سرعان ما أمطرناهم بالعديد من الأسئلة في نهاية كل يوم، وأثقلنا كاهلهم بالاستفسارات حول ما حقَّقوه من إنجازات، من قبيل: هل فاز فريقك؟ كيف كان الاختبار؟ بالمثل، فإن غرس القيم الأخلاقية مثل اللطف في أطفالنا يحتاج منا إلى تسليط الضوء عليها وإعطائها انتباها أكثر، ويمكننا فعل ذلك بتغيير صيغة أسئلتنا.

 

فمثلا، اطرح على طفلك أثناء تناول العشاء أسئلة حول ما فعله لمساعدة الآخرين. في البداية سيكون الرد: "لقد نسيت"، لكن بمرور الأيام سيبدأ في إعطاء إجابات أكثر عمقا، منها مثلا: "لقد شاركت وجبتي اليوم مع صديق لا يملك وجبة"، أو "لقد ساعدت أحد زملائي على فهم أحد الأسئلة التي أخطأ فيها". وهكذا يبدأ أطفالك في البحث الدؤوب عن فرص يستطيعون من خلالها تقديم المساعدة لأصدقائهم.

 

بصفتنا آباء، علينا مشاركة تجاربنا الخاصة عن المساعدة مع أطفالنا، وتسليط الضوء أيضا على اللحظات التي أخفقنا فيها، فمثلا إخبار طفلك عن ندمك لعدم الدفاع عن أحد الأطفال الذين تعرَّضوا للتنمر حينما كنت صغيرا ربما يُشجِّعه على تقديم يد العون إن اختبر موقفا مشابها، كما أن تذكُّر الوقت الذي تخلَّيت فيه عن فريقك وتركت زملاءك في مأزق قد يدفع أطفالك إلى تفادي ذلك وتحمُّل مسؤولياتهم تجاه الآخرين.

 

الهدف من ذِكر هذه المواقف ليس دفع الأطفال لتبنِّي صفات اللطف أو التصرُّف برحمة، ولكن إشعارهم أنك تلاحظ هذه السمات جيدا وتُقدِّر قيمتها، فالأطفال بطبيعتهم يميلون للمساعدة، حتى وإن كانوا صغارا للغاية فهم يميلون بفطرتهم لتقديم يد العون، فبمجرد أن يبلغوا عاما ونصف العام فإن العديد منهم يُقْدِم على المساعدة في ترتيب الطاولة، وتنظيف الأرضية، وترتيب الألعاب، وبمجرد أن يبلغوا عامين ونصف العام فربما سيُدهشك تنازل العديد منهم عن أغطيتهم لشخص آخر يشعر بالبرد.

helping

المشكلة التي قد تمنع الأطفال من التعامل بلطف هي اعتقادهم أن اللطف واجب ثقيل وليس خيارا متاحا أمامهم، لكن بإمكاننا تغيير رؤيتهم بسهولة، فقد أظهرت التجارب أنه عند منح الأطفال خيار مشاركة مقتنياتهم مع الآخرين بدلا من إجبارهم على ذلك، فعلى الأرجح سيتصرَّفون بكرم قد تصل نسبته إلى الضِّعْف تقريبا، وعندما نمدح أطفالنا ونوضِّح مدى امتناننا لمساعدتهم، فستزداد احتمالية تقديمهم يد العون مرة أخرى.

 

الأكثر إنتاجا

سيكون من الأفضل لو نصحنا أطفالنا بأن يتأنوا عند اختيارهم للأصدقاء، إذ يُفرِّق علماء النفس بين نوعين من الشعبية التي يحظى بها الأطفال: إما شعبية المكانة والمنصب (التي تنبع من السيطرة والتسلُّط)، وإما شعبية المحبة واللطف (التي تنبع من كونك ودودا ولطيفا). لكن الفكرة أن أغلب المراهقين ينجذبون إلى الطفل المُهيمن الذي يتمتع بمكانة، حتى وإن لم يكن لطيفا مع الآخرين. وبالمثل، يُعجَب الأطفال بأقرانهم بناء على إنجازاتهم، مثل إعجابهم بأسرع عدَّاء في الفريق، أو الفائز في عرض المواهب.

 

هذا لا يعني أنه يتعيَّن على الآباء التحكُّم في الصداقات التي يُكوِّنها أبناؤهم، لكن من المهم الانتباه إلى زملائهم في الفصل الذين يتعاملون بلطف ورأفة. يمكننا أن نسأل أطفالنا عن الطريقة التي يتعامل بها هؤلاء الأطفال اللطفاء مع الآخرين، وكيف يكون أثر ذلك عليهم، فتكون هذه نقطة انطلاق مناسبة لتكوين صداقات معهم، وبذلك يتعلَّم أطفالنا معنى الصداقات المبنية على قيم نافعة بدلا من التسكُّع مع المشهورين الذين يسخرون من زملائهم ويتنمرون عليهم.

التنمر في الفصل

بإمكاننا أن نلاحظ من خلال هذه الأمثلة كيف تؤدي المبالغة في التركيز على الإنجازات الفردية إلى نقص قيم أخرى مثل مراعاة مشاعر الآخرين، ولأن تحقيق الإنجازات لا يتعارض في الأساس مع التحلي بصفات اللطف، فلن يتعيَّن علينا الاختيار بينهما، لأن تعليم الأطفال الاهتمام بالآخرين ومراعاة مشاعرهم هي أفضل طريقة لإعدادهم لحياة حافلة بالنجاحات. تُشير العديد من الأدلة إلى أن الأطفال الذين يساعدون الآخرين ينتهي بهم المطاف بعد ثلاثين عاما مع نجاح أكبر ودخل أعلى من أولئك الذين لم يعرضوا المساعدة.

 

نجد مثلا أن طلاب المدارس المتوسطة الذين يساعدون أقرانهم ويتعاونون معهم ويشاركونهم يحصلون على درجات أعلى مقارنة بزملائهم الذين لم يبادروا بأي مساعدة، فالطلاب الحائزون على أكبر إنجاز أكاديمي ليسوا أصحاب الدرجات الأعلى، بل مَن كانوا الأكثر عونا وفائدة لزملائهم ومُعلِّميهم في الصف. نعم، أولئك الطلاب الذين منحهم الوالدان شعورا بأن تحلِّيهم بصفات اللطف والاحترام ومد يد العون مهم أكثر من التفوق الأكاديمي والالتحاق بكلية جيدة والحصول على حياة مهنية ناجحة يكون أداؤهم أفضل في المدرسة وتقل احتمالية خرقهم للقواعد.

 

يرجع تفسير هذا الأمر جزئيا إلى أن الاهتمام بالآخرين يُعزِّز العلاقات الداعمة ويساعد على الحماية من هجمات الاكتئاب، إذ يؤمن الطلاب المراعون للآخرين بأن الهدف من دراستهم هو إعدادهم للمساهمة في بناء المجتمع، وهي نظرية تُحفِّزهم على الاستمرار والاجتهاد في الدراسة عندما يتخلَّلها الملل. يستمر ذلك في مرحلة البلوغ أيضا، فيحصل الأشخاص الكرماء على دخل أكبر، وتقييم أعلى، وترقيات أكثر من أقرانهم الأقل كرما وعونا. لعل ذلك يعود إلى إيمانهم بأن مساعدة الآخر تمنحهم فرصا أكبر للتعلُّم وتوسيع العلاقات، فيؤدي ذلك بالتبعية إلى تنمية إبداعهم وانتعاش إنتاجيتهم.

 

التحلي باللطف لا يعني التضحية بالطموحات

kids dreams

تحلِّي طفلك بصفة اللطف يمنحه دائما شعورا بالسعادة. ففي إحدى التجارب، تلقَّى الأطفال هدايا مثل البسكويت والحلوى، ثم طلب منهم القائمون على التجربة تقديم بعض هذه الحلوى إلى دمية تتذوَّق الطعام ثم تبتهج مُعلِنة أنه "لذيذ". تابع الباحثون تعابير وجه الأطفال، وأكتشفوا أن مشاركة المكافآت تُولِّد سعادة أكبر من تلقيها، وبالفعل ابتهج الصغار أكثر عندما كانت الحلوى المُقدَّمة للدمية من وعائهم الخاص لا من وعاء آخر.

 

يُطلِق علماء النفس على رد الفعل هذا "نشوة المساعد"، أما علماء الاقتصاد فيُفسِّرون ذلك بأنه الوهج الدافئ الذي يغمرنا بسبب العطاء، بينما اكتشف علماء الأعصاب أن التصرُّف بكرم ونبل يُحفِّز مراكز المكافأة في أدمغتنا، ولاحظ علماء الأحياء أننا معتادون بالفطرة على مساعدة الآخرين، في هذا الصدد، كتب داروين يقول: "إن القبيلة المعتادة دائما على مساعدة بعضها بعضا ستنتصر حتما على معظم القبائل الأخرى، وهذا هو الانتخاب الطبيعي".

 

لا بد من تشجيع أطفالنا بالطبع على بذل قصارى جهدهم والافتخار بما يُحقِّقونه من إنجازات، لكن التحلِّي باللطف لا يتعارض مع هذه الأشياء، ولا يتطلَّب التضحية بها، فالاختبار الحقيقي للأبوة ليس ما يُحقِّقه أبناؤك من إنجازات، بل ما سيكونون عليه فيما بعد؛ كيف ستصبح شخصيتهم، وكيف سيُعاملون الآخرين. فإذا ربيت أطفالك على اللطف ومراعاة مشاعر الآخرين، فأنت بذلك لا تُمهِّد طريق النجاح أمامهم فحسب، ولكن أمام جميع الأطفال من حولهم.

—————————————————————————————–

هذا الموضوع مترجم عن The Atlantic ولا يعبر بالضرورة عن موقع ميدان.

ترجمة: سمية زاهر.

المصدر : مواقع إلكترونية