نحو كرة قدم بلا رأسيات.. حتى لا يموت فان باستن مبكرا

مساء الخير، هل تعلم أنه في كرة القدم لم يعد شيء كما كان، حيث خضعت كل القوانين تقريبا للتعديل من أجل تطوير اللعبة، بعضها أُلغي تماما والبعض الآخر استُحدث من عدم، أبسط الأشياء كإطار المرمى والشباك وصافرة الحكم لم تبدأ مع بداية الكرة، بل ظهرت بوصفها اقتراحات فيما بعد لكي تصبح كرة القدم أسهل وأكثر عدالة واحترافية. (1)

 

العدالة والاحترافية ومبدأ تكافؤ الفرص كانت عبارات كافية لتغيير قوانين اللعبة، حتى وإن اعترض البعض تحت اسم الحفاظ على المتعة، فمثلا قطاع عريض رأى أن تقنية الفيديو تُفسِد متعة اللعبة التي تكمن في الأخطاء. عبارات كهذه لا يمكن أن تتكرر اليوم، لأننا سنتحدث عن شيء يتسبّب في وفاة اللاعبين مبكرا وإصابتهم بأمراض دماغية، فهل هناك مساحة لأن يرى أحد ذلك جزءا من متعة أي شيء؟

 

فان باستن

بالطبع لن تقودك الخطى نحو أي حديث عن كرة القدم إذا كنت لا تعرفه، السؤال الأهم، هل تعرف مأساته؟ تلك التي جعلت لاعبا بهذه الموهبة الفذة يُنهي مسيرته عمليا في السابعة والعشرين من عمره، وجعلته يقضي ساعات يبكي من الألم على سريره، حتى وصل به الأمر إلى الزحف باكيا من السرير إلى الحمام لعدم القدرة على السير. (2)

 

آلام الكاحل لازمت فان باستن الذي قرّر عام 1986 أن يضع حدًّا لها بإجراء جراحة بعد الاتفاق مع طبيب سويسري على تنظيف الكاحل وعلاج الأربطة، وحسب التقارير الطبية الأولية لم يكن الأمر ليحتاج إلى أكثر من 6 أسابيع للعلاج الطبيعي، ثم يعود بعدها ماركو لمواصلة إبداعاته دون الآلام التي عانى منها طويلا بسبب الإصابات المتكررة.

 

ولكن الحقيقة أن العملية كانت بداية المأساة، وظل بعدها يحاول بكل الطرق الممكنة التخلص من الآلام بلا فائدة، خلال عامين جرّب فيهما كل أنواع العلاج الممكنة من الإبر للأعشاب الصينية وجهاز "ليزراوف" الذي يُستخدم لعلاج الكسور المعقدة والتشوهات حتى قرّر توديع الملاعب مُجبرا لأن قدمه لم تعد قادرة على حمله. الجدير بالذكر أن السبب في كل ذلك كانت التدخلات من الخلف التي كانت شيئا عاديا في تلك الحقبة من كرة القدم. (3)

 

تدمير موهبة بذلك الحجم دفعت القائمين على اللعبة لإجراء تعديلات على القوانين، ليصدر ما يُسمى بقانون حماية اللاعبين الذي يُجرِّم أي تدخل من الخلف ويجعله سببا لإشهار البطاقة الحمراء مباشرة. ومن هذا المنطلق نفسه نحن هنا بصدد البحث عن سبل للاستغناء عن شيء ربما يكون أكثر خطورة من تلك التدخلات، والجدير بالذكر أنه جزء أصيل من اللعبة وليس شيئا مخالفا للقانون كالتدخلات بأنواعها. (4)

الحديث هنا عن ضربات الرأس، الأمر الذي يبدأ من كارثة ضرب الكرة بالرأس، ما يستدعي أحيانا ضرب رأس برأس في لعبة هوائية قد تؤدي إلى سقوط على الرأس، ولا يجب أن ننسى يد حارس مرمى يحاول إبعاد شيء مستدير عن مرماه سواء كان كرة أو رأس أحد المهاجمين؛ كل هذه المشاهد يُتعامَل معها من جمهور اللعبة ومدربيها ولاعبيها بوصفها شجاعة، ألم تسمع يوما أن فلانا كان عظيما لأنه اعتاد وضع رأسه في أماكن يخشى اللاعبون وضع أقدامهم فيها؟ عجبا لتلك اللعبة التي بات الانتحار البطيء فيها شيئا يدعو للفخر! نعم انتحار، لقد قرأتها بشكل صحيح!

 

الأمر ليس جديدا، ولكن تنوُّع أشكال الضرر على أكثر من مثال في فترة زمنية قصيرة جعل الحديث أكثر جدوى، خلال الأشهر الأخيرة لعام 2020 توفي نوبي ستايلز أحد نجوم منتخب إنجلترا الفائز بكأس العالم 1966 بعد سنوات من إصابته هو وعدد من زملائه بالخرف، في الوقت نفسه ذُكِر أن بوبي تشارلتون يعاني من المرض ذاته، لينضم إلى قائمة طويلة من ضحايا ألزهايمر والخرف بين لاعبي كرة القدم خاصة ممن اعتادوا ضرب الكرة برؤوسهم كثيرا. (5)(6)

 

كان ذلك فيما يخص التأثيرات طويلة الأمد، ولكن في التوقيت نفسه تقريبا سقط راؤول خيمينيز بعد كرة مشتركة مع ديفيد لويز في مباراة بين آرسنال وولفرهامبتون في الدوري الإنجليزي الممتاز، خيمينيز كاد أن يفارق الحياة أو يعتزل كرة القدم نهائيا حسب تقارير أولية قبل أن تمر الأمور بسلام، ولويز اضطر لإكمال المباراة رابطا رأسه وهو لا يعلم ما الذي من الممكن أن يحدث له بنهاية الـ 90 دقيقة بعد تلك الضربة التي تلقاها. (7)

 

ضربة كتلك قد تمر نظريا بلا كارثة، ولكنها تحمل في طياتها كارثة مؤجلة كما حدث مع ريان ماسون في 2017؛ متوسط ميدان هال سيتي في ذلك الحين أُصيب بكسر في الجمجمة بعد التحام هوائي مع جون تيري، وبعدها بعام نصحه الأطباء باعتزال كرة القدم نظرا لأن ممارستها بعد تلك الإصابة قد تودي بحياته، وهو ما حدث بالفعل واعتزل اللاعب في عمر 26 عاما فقط استجابة للنصائح الطبية وخوفا على حياته. (8)

اصطدام رايان ماسون من هال سيتي وجاري كاهيل من تشيلسي خلال مباراة الدوري الإنجليزي الممتاز بين تشيلسي وهال سيتي 2017

ما يمكننا التوصل له من خلال هذه الأمثلة أن الكل مُعرَّض للأذى، ولكن التفاصيل فقط تختلف من صدمة لأخرى ومن التحام لآخر، ويتوقف كذلك على نوعية الجسد المصطدم بالرأس سواء كان كرة أو مرفقا أو رأسا أخرى أو أرض الملعب، وما يجعل ذلك يحدث باستمرار هو أن الكرات الرأسية وألعاب الهواء ركن أساسي من اللعبة، وبناء عليه فإنه من اللازم التطور فيها حتى تكون سلاحا للتفوق على الخصوم، وبناء عليه أيضا فإن هناك ساعات يقضيها اللاعبون خلف الكواليس في الحصص التدريبية وهم يضربون الكرة برؤوسهم، فقط لكي يضربوها بشكل أفضل في المباريات التي تحمل الجزء الذي نراه من الكوارث.

 

في عام 2003، باستخدام تقنية تسمى "Diffusion Tensor Imaging"، قام الأطباء بتصوير حزم المحاور العصبية داخل الدماغ، ونتج عن هذه الدراسة نتائج مرعبة، تلك التي تقول إن ضرب الكرة بالرأس 1800 مرة بالسنة الواحدة يُحدِث ضررا بحزم المحاور العصبية لدى اللاعبين، مما أدّى إلى فشلهم في اختبارات الذاكرة قصيرة المدى، كما يزيد من نسبة تعرُّض اللاعبين للإصابة بالخرف والتصلُّب الضموري والشلل الرعاش وتلف الخلايا العصبية مقارنة بمَن لا يضطرون إلى التعرُّض لهذه الضربات، ولاحِظ أننا هنا لا نتحدث عن أي التحامات أو اعتداء بالمرفق والقدم، فقط ضرب الكرة بالرأس. (9)

 

لاحِظ أيضا أن الحديث لا يشمل الارتجاجات وحالات فقدان الوعي والموت في الملعب، نظرا لأنها تكون حالات فردية، وهذا ليس تقليلا من تعرُّض شخص واحد بين ملايين الأشخاص لضرر بقدر ما هو تسليط للضوء على شيء آخر يعاني منه الجميع على حدٍّ سواء، نظرا لأن الغالبية يضطرون لضرب الكرة برؤوسهم بينما لا يسقط الغالبية مغشيا عليهم. ليس ذلك فقط، بل إنه إلقاء للضوء على جانب آخر يفيد بأن الحل ليس في إشهار المزيد من البطاقات الحمراء في وجه مَن يعتدون على لاعبين في الهواء فقط، لأننا نحتاج إلى أن نجعلهم غير مضطرين لألعاب مشتركة تُهدِّد حياة البشر وذاكرتهم وأمخاخهم.

الجدير بالذكر أن أكاديميات كرة القدم في الوقت الحالي باتت تعمل لتطوير كل مهارات اللاعبين منذ طفولتهم، وعليه فإن المخ في هذه الحالة يكون أكثر تعرُّضا للتأثيرات التراكمية تلك، وما دامت الكرات الهوائية تُمثِّل جزءا كبيرا من تكتيك اللعبة فلا يمكن للمدرب ألا يدرب لاعبيه عليها، ومع اختلاف مستويات الوعي لدى القائمين على تلك العمليات حول العالم، لا يمكن أيضا أن يُترك الأمر للأهواء ويلزمه قانون لحماية هؤلاء الأطفال الذين يبحثون عن الشجاعة ويشعرون بالعار إن وُصِفوا بالجُبن، خاصة أنهم لا يدركون حجم الضرر الذي يُحدثونه لأدمغتهم، كما أنهم على الأرجح لا يشعرون به في الحال.

 

عقب حادثة راؤول خيمينيز وديفيد لويز مباشرة، وافقت أندية الدوري الإنجليزي الممتاز من حيث المبدأ على السماح بإجراء تبديلات إضافية حال حدوث إصابات الارتجاج في المخ أو الاشتباه في ذلك، الأمر الذي تم بعد أن وافق مجلس الاتحاد الدولي لكرة القدم على إجراء تجارب في هذا الصدد. (10)

 

في الوقت نفسه، دعا اتحاد لاعبي كرة القدم المحترفين الأندية وروابط الدوري والاتحاد الإنجليزي للعبة لتطوير إستراتيجيات لمراقبة التدريبات ووضع تصورات لحماية صحة اللاعبين على المدى الطويل. وفي هذا السياق أصدر بن بريكيس، رئيس الاتحاد، بيانا قال فيه إن العلم يتطور بسرعة، وإن العالم بحاجة إلى تدخُّل عاجل بناء على الأدلة المتوفرة حاليا، حتى لا تُترك الأمور على ما هي عليه حتى تثبت الأضرار بأدلة أكثر كما ينتظر البعض. (11)

مدربو البريميرليغ أنفسهم بدوا مستعدين لخطوات نحو تقليل ضربات الرؤوس، اقتراحات تأتي من مسيري اللعبة أنفسهم وليست من أعضاء الاتحادات ولجان التطوير، في هذه الحالات لا يمكننا خوض معركة تطبيق تقنية الفيديو لأننا نتجاوز مساحة العدالة إلى مساحة حياة البشر نفسها، لذا يمكن تلخيص كل شيء في جملة واحدة لقائلها المدرب الكرواتي سلافن بيليتش: "إذا أثبتت الأبحاث أن ضرب الكرة بالرأس 10 مرات خلال التدريبات يسبب الخرف فعلينا منع ذلك". (12)(13)

 

"لو أراد الله أن نلعب كرة القدم في الهواء لخلق لنا عشبا هناك".

(برايان كلوف)

ربما هو ضرب من الجنون في الوقت الحالي، ولكن هل تعلم أن العبقري ما هو إلا مجنون ثبتت صحة فكرته؟ نحن لا ندّعي العبقرية هنا، ولا نعتقد أن الفكرة خاضعة للصواب والخطأ من الأساس، نحن فقط نريد أن نأخذ من تطور كرة القدم خيطا، ومما ناقشناه خلال الأسطر الماضية خيطا آخر، ثم نُجرِّب غزلهما معا.

 

نعم، لعب كرة القدم بدون رأسيات لا يبدو منطقيا لعدة أسباب، ولكن التفكير فيه يبدو منطقيا لعدة أسباب أيضا. بالطبع لا يمكن أن تحكم على الأمر بسهولة، وربما تضحك كثيرا في حال تخيّلت لو أن الكثير من المواقف المألوفة والأهداف التاريخية حدثت في عصر حظر الرأسيات، ولكن على الأقل نحن لا نمتلك أي إجابة قاطعة حول فشل العملية، ببساطة لأننا لم نُجرِّبها من قبل.

 

في البداية، كانت كرة القدم عبارة عن كرات طولية وأشياء أخرى، وكلما تطورت الخطط وزادت تفاصيل التكتيك هبطت الكرة أرضا، هذه العملية تمت بشكل تلقائي ودون الأخذ في الاعتبار أن الكرات الرأسية تُحدِث أي أضرار، فقط لأن تطوُّر اللعبة يجعلها أكثر تعبيرا عن اسمها؛ كرة قدم، ومن المعلوم بالضرورة أن الأقدام توجد على الأرض، أليس كذلك؟

كان ذلك فيما يخص خيط تطوُّر اللعبة، وبوضعه إلى جانب الخيط الآخر الذي يأتي من مخاطر ألعاب الهواء سنجد أن هناك مساحة صالحة للتفكير في كيفية تقليل الخطر على الأقل، التي ستأتي من خلال تقليل عدد المواقف التي تحتاج من اللاعب إلى التدخل برأسه، ما سيجعله يُقلِّل مساحة التدرب عليها بالتبعية، ما سيُقلِّل من الاحتكاكات وعدد المرات التي ترتطم بها الكرة أو أي جسم آخر برأسه، وهو ما ندور حوله أصلا.

 

حين سجّل الراحل مارادونا هدف "يد الرب" الشهير لم يكن يتخيّل أحد في 1986 أننا من الممكن أن نضع مجموعة من الحكام في غرفة فيديو حيث يمكنهم التواصل مع الحكم لتغيير قراره، ومع الجدل حول الأهداف التي لم تتجاوز خط المرمى لم يتخيل الغالبية أيضا أن هناك جهازا يمكن تركيبه في القائم ليرسل أوتوماتيكيا رسالة إلى الحكم بمجرد تجاوز الكرة بكامل محيطها. (14)

كل التطورات التي طرأت على اللعبة كانت عند لحظة ما غير منطقية، فقط التعامل معها بوصفها محور أهمية جعلها تجد الطريق نحو آلية التطبيق بفعل البحث والتطور التكنولوجي، وفي الوقت الذي يمتلك فيه الاتحاد الدولي لكرة القدم لجنة لتطوير اللعبة تتقاضى الأموال من أجل ذلك، لا يبدو أن هناك شيئا صعبا كما كان في السابق، أو خارج إطار المحاولة على الأقل. وقبل أن نودعك، نريد أن نُذكِّرك أن تقنية الفيديو وخط المرمى وكل هذه الأشياء المُستَحدثة تختلف اختلافا وحيدا عن الكرات الرأسية، ألا وهو أنها لم تكن تُصيب البشر بالخرف وألزهايمر، ولا تُعرِّضهم للموت المبكر.

—————————————————————————————————————–

المصادر

  1. كتاب 11 ضد 11 – لوثيانو بيرينكي
  2. ماركو فان باستن.. لقد كان سقوطا مدويا وذكرى سوداء – الغارديان
  3. المصدر السابق
  4. المصدر السابق
  5. وفاة نوبي ستايلز بعد إصابته بالخرف
  6.  إصابة بوبي تشارلتون بالخرف
  7.  مخاوف من إمكانية اعتزال راؤول خيمينيز كرة القدم بعد إصابته في الرأس
  8. ريان ماسون يعتزل في السادسة والعشرين من عمره بسبب إصابة الرأس
  9. خطورة ضربات الكرة بالرأس على الجهاز العصبي والمخ
  10. أندية الدوري الإنجليزي توافق على تبديلات إضافية حال حدوث ارتجاج
  11. مدربو البريميرليغ يطالبون بمنع ضربات الرأس بسبب "الخرف"
  12. تصريح سلافيان بيليتش حول منع ضربات الرأس بسبب "الخرف"
  13. المصدر السابق
  14. حوار الحكم التونسي علي بن ناصر بطل موقعة هدف مارادونا الشهير باليد – الغارديان
المصدر : الجزيرة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة