"الضربة التالية".. هل يمكن أن تكون إصابتك الثانية بـ "كوفيد-19" أخطر من الأولى؟

من بين نحو مليونَيْ وفاة إلى الآن بسبب "كوفيد-19″، لا شك أن حالة "صوفيا"(1)، وهي سيدة في التاسعة والثمانين من عمرها، كانت الأكثر لفتا للكثير من علماء المناعة، ليس فقط لأنها تقع ضمن فئة شديدة الخطورة من الناس، بسبب عمرها، ولأنها مصابة بنوع نادر من السرطان يسمى مرض فالدنشتروم، يُسبِّب أوراما في الخلايا اللمفاوية، لكن أيضا لأنها كانت أول وفاة بسبب الإصابة بـ "كوفيد-19" للمرة الثانية!

 

في يوليو/تموز الماضي شُخِّصت صوفيا، وهو اسم افتراضي لسيدة هولندية الجنسية، بالمرض مع أعراض متوسطة، وعلى الرغم من أن معاييرها العمرية والصحية جعلتها في الفئة التي تتطلب متابعة دقيقة، فإنه بعد خمسة أيام فقط من الحمّى والسعال تمكّن الأطباء من إعطاء تصريح بخروجها من المستشفى، وتماثلت للشفاء تماما، بعد ذلك جاءت نتائج الفحص سلبية، لكن بعد مرور نحو شهرين شُخِّصت صوفيا بالمرض مرة أخرى، لكن الأعراض كانت أكثر حِدَّة هذه المرة، ووافتها المنية في أكتوبر/تشرين الأول.

 

هذه ليست الحالة الوحيدة التي كانت إصابتها الثانية بـ "كوفيد-19" أكثر خطورة من الأولى لدرجة التسبُّب في الوفاة، في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي سُجِّلت(2) حالة ثانية في دولة الاحتلال الإسرائيلي لرجل يبلغ من العمر 74 عاما، وكانت الإصابة الأولى بالمرض قبلها بنحو ثلاثة أشهر.

في الواقع، يُعتقد أنه من الممكن جدا أن تكون هناك حالات أخرى شبيهة لم تُسجَّل، لأن الأمر ليس بسهولة أن تشعر بأعراض المرض مرة ثانية بعد عدة أشهر من نتائج فحص سلبية على أثر تعافيك من الإصابة الأولى، بل يتطلّب الأمر أن يقوم فريق من الباحثين بدراسة تسلسل الحمض النووي الخاص بالفيروس في الحالتين للتأكد من أن الإصابة الثانية كانت من نسخة مختلفة من كورونا المستجد غير تلك التي تسبَّبت في الإصابة الأولى، وهذا وارد بالفعل، فهناك آلاف من النسخ لكورونا المستجد تختلف عن بعضها في طفرات الحمض النووي.

 

إذا وُجد أن إصابتك الثانية كانت بسبب النسخة نفسها من الفيروس، فإن هناك احتمالا كبيرا أن يكون الفيروس نفسه الذي أصابك في المرة الأولى لكنه دخل في حالة سبات، وعاود إصابتك. فحص الحمض النووي للفيروس هو أمر ليس متاحا للكثير من الناس، وهو إجراء تتخذه الحكومات بشكل منتظم، لكن مع نِسَب قليلة من المرضى، لدراسة فصائل الفيروس التي تنتشر في بلادها، الأمر الذي يصقل فهم العلماء في تلك الدول لخطوط سير الفيروس من الدولة وإليها.

 

لهذا السبب، ظلّت إمكانية الإصابة الثانية بـ "كوفيد-19" احتمالا إلى أن ظهرت أول حالة مؤكدة(3) في أغسطس/آب الماضي لرجل من هونغ كونغ يبلغ من العمر 33 سنة، أُصيب هناك في إبريل/نيسان، ومرة أخرى في إسبانيا بعدها بنحو أربعة أشهر حينما كان في رحلة عمل، وبعد الفحص تبيّن أنها إصابة ثانية حقيقية، كانت الإصابة الأولى بأعراض متوسطة، والثانية بلا أعراض، فقد كُشف عن وجود المرض بسبب الفحص الروتيني أثناء السفر.

 

حتى لحظة كتابة هذه الكلمات، في الأسبوع الثالث من يناير/كانون الثاني 2021، هناك نحو 40 حالة إصابة ثانية مؤكدة بـ "كوفيد-19" سُجِّلت(4) حول العالم، في بعضها كانت الإصابة الثانية أخطر من الأولى، والبعض تشابهت الأعراض به، ومع البعض كانت الأعراض أخف في المرة الثانية. إلى جانب ذلك، فإن هناك أكثر من 2400 حالة يُحتمل أنها بالفعل كانت إصابة ثانية، مع 24 وفاة يحتمل أيضا أنها كانت بسبب إصابة ثانية من المرض.

الأمر إذن ممكن، من الممكن بالأساس أن تُصاب مرة ثانية بـ "كوفيد-19″، ومن الممكن أن تكون الإصابة الثانية أكثر خطورة. بالنسبة لنقطة الخطورة، فمن غير المعروف إلى الآن السبب في أن بعض الحالات أصبحت أكثر خطورة في حالة الإصابة الثانية، المتوقع -وما زال هو الاحتمال الأكبر- أن تكون الإصابة الثانية أقل في شدة أعراضها من الأولى، لأن قدرا من المناعة قد طوّره جسمك بعد الإصابة الأولى، مهما كان طفيفا، كان ليعوق تمدُّد المرض في الجسم.

 

حينما يهاجم فيروس ما جسم الإنسان فإن الجهاز المناعي الخاص بنا يتعامل مع هذا الهجوم بآليّتين، الأولى هي العمل المباشر على إنهاء هذا الهجوم، والثانية هي العمل على نسخ معلومات هذا الغازي القادم من الخارج، وبناء على تلك المعلومات يقوم الجهاز المناعي بخلق خط دفاعي، يتكوّن مما يُسمى بالأجسام المضادة (Antibodies) وغيرها من الخلايا المناعية ("بي" و"تي")، متجهز لأي هجوم مستقبلي من قِبَل النوع نفسه من الفيروسات.

 

إذا تعرّضت لإصابة بهذا الفيروس لأول مرة، فإن جهازك المناعي يأخذ وقتا ليتكيّف مع الوضع الجديد، وفي أثناء ذلك تظهر أعراض المرض على درجاتها المختلفة من الخطورة، التي هي أعراض لهذا الصراع بالداخل، لكن في المرة التالية حينما يدخل الفيروس إلى جسمك يكون الأخير متجهزا له، فيتعامل بسرعة، ويقضي عليه سريعا، أو على الأقل يُخفِّف من انتشاره، وبالتالي تكون الأعراض أخف.

 

لكن على الرغم من ذلك، فإن هناك بعض التفسيرات التي تجعل من الممكن أن تصاب "بعض" الحالات بدرجة أكبر من الخطورة في الإصابة الثانية، أحدها يتعلّق بطبيعة الجسم لحظة الإصابة الثانية مقارنة بالأولى، فقد تكون مناعة المصاب أضعف لسبب ما، أحد التفسيرات أيضا يتعلق بكمّ الفيروسات التي تعرّض لها المريض، حيث يرى جانب من العلماء أن كمّ الفيروس الذي تتعرّض له لحظة الإصابة يؤثر(5) فيما بعد على مدى خطورة الأعراض (بتناسب طردي)، هذا غير مؤكد بعد لكنه يظل -بجانب عدد من العوامل الأخرى مثل الطبيعة الجينية- احتمالا قائما للإجابة عن سؤال: لِمَ يموت البعض، من الفئة العمرية والمرضية نفسها، بسبب "كوفيد-19" ولا يموت الآخر؟

 

من جانب آخر فإن أحد التفسيرات المحتملة يتعلق بما يسمى "التعزيز المعتمد على الجسم المضاد(6)" (Antibody-dependent enhancement)، في تلك الحالة، النادرة لكنها رُصِدت من قبل، يُولِّد الجسم خلال أسبوعين من الإصابة الأولى أجساما مضادة لكنها لا تُحيّد الفيروس بشكل كافٍ حينما يأتي في المرة الثانية، وبدلا من ذلك تُسهِّل تلك الأجسام المضادة دخول الفيروس للخلايا البشرية، مما يؤدي إلى تفاقم المرض.

 

لكن يبقى أن أيًّا من تلك التفسيرات يفتقد للكثير من التأكيد التجريبي، وهو أمر لا نمتلكه حاليا مع هذا العدد القليل جدا من الحالات المرصودة للإصابة الثانية، أضف إلى ذلك أنه على الرغم من أن الإصابة مرة ثانية بـ "كوفيد-19" هي احتمال قائم بالطبع، فإنه -كما يبدو- احتمال ضعيف لدرجة يعتقد البعض أنها قد لا تؤثر على خط سير انتشار الفيروس وتوسُّعه حول العالم، على الأقل خلال العام الأول من الجائحة.

 

لفهم الفكرة، يمكن أن نتأمل دراسة(7) من جامعة أوكسفورد تابعت نحو 1300 حالة من "كوفيد-19″، ضمن مجموعة أكبر، لفترة ستة أشهر بعد الإصابة الأولى، وجاءت النتائج لتقول إن حالتين اثنتين فقط من تلك الحالات قد أُصيبتا بالمرض مرة أخرى، دراسة(8) أخرى لافتة، لأن لها علاقة بالعالم العربي وبسبب حجم عيّنتها، أُجريت في دولة قطر على أكثر من 43 ألف شخص ممّن أشارت اختبارات الأجسام المضادة إصابة سابقة لهم بالمرض، ثم تُوبِعوا على مدى 16-35 أسبوعا، لنقول النتائج إن نسبة الإصابة الثانية كانت فقط 0.1% من هؤلاء.

دراسة أخرى صدرت مؤخرا في دورية "نيتشر"(9) المرموقة، فحصت نحو سبعة آلاف مصاب سابق بـ "كوفيد-19" لتجد أن 1% فقط من هؤلاء أُصيب بالمرض مرة ثانية، لكن المثير للانتباه في هذه الدراسة أنها وجدت أن هؤلاء الذين أُصيبوا للمرة الثانية حملوا، في منطقة الحلق، كمًّا أكبر من المعتاد من الفيروس، ما يعني أنهم أكثر قدرة على نشر الفيروس، وهي ملاحظة مهمة في تقييم أثر الإصابة الثانية مستقبليا على انتشار الفيروس حول العالم.

 

لكن يبقى أن الإصابة الثانية، بحسب النتائج التي ظهرت إلى الآن، نادرة. وهو أمر متوقع، فكما أوضحنا قبل قليل، بعد أن تصاب بالمرض يكتسب جسمك قدرا من المناعة ضده، يُمكِّنه ذلك من مقاومة الإصابات التالية، فيمنعها تماما أو يُخفِّف منها، وكانت دراسة أخيرة صادرة في دورية "ساينس"(10) المرموقة قد استغلّت تلك النقطة لتُصوِّر مستقبل البشر مع "كوفيد-19" خلال عشر سنوات قادمة، فمع إشارات قوية إلى أن المرض سيكون متوطنا، أي إنه سيعاود الظهور كل عام، فإن الأطفال الذين أُصيبوا بالمرض سيكبرون مع نِسَب مقاومة مناعية أعلى مع الوقت، ما يُحوِّل كورونا، في مرحلة ما، إلى أشبه ما يكون بـ "فيروس برد عادي".

 

كل شيء، كما يبدو إذن، يتعلق بالمناعة. كم ستستمر؟ وما قدرها؟ وهل تمنع المرض تماما أم تُخفِّف أعراضه؟ إجابات هذين السؤالين ستضع العلماء على الطريق للسيطرة على الجائحة في مرحلة ما، حتى إن استمرت كل عام في صورة متوطنة، لهذا السبب كانت دراسة(11) من المركز الطبي التابع لجامعة أمستردام قد فحصت 4 من فيروسات الكورونا الأقل خطورة من كورونا المستجد وتتسبب بالفعل في 10-15% من نزلات البرد المعتادة، لتجد أن 12 شهرا هي المتوسط الذي تنتهي عنده المناعة، ويمكن أن تحدث إصابات جديدة.

ما زالت النتائج البحثية الخاصة بقدر المناعة الذي نحصل عليه بعد الإصابة الأولى غير كافية لتأكيدات نهائية. على سبيل المثال، كانت دراسة ضخمة أُجريت من قِبَل كلية لندن الملكية(12) على نحو 365 ألف شخص لتجد أن المناعة ضد "كوفيد-19" حاضرة لكنها تنخفض شيئا فشيئا خلال ثلاثة أشهر، لكن على الرغم من ذلك فإن أكثر من دراسة أخرى أشارت إلى أن نِسَب المناعة في الجسم تظل قادرة على إزاحة الفيروس إذا جاء مرة أخرى لمدة 6 أشهر(13) في إحدى الدراسات و8 أشهر في أخرى(14).

 

من جانب آخر، فإن هناك علاقة بين طبيعة الإصابة وقدر المناعة، من المتوقع أن تُنتج الإصابات الطفيفة مناعة طفيفة تصل إلى عدة أشهر، بينما تتسبَّب الإصابات الشديدة في مناعة أقوى وأطول، وقد أفادت دراسات(15) سابقة على رفيقين شديدين لكورونا المستجد، وهما "سارس" (SARS) و"ميرس" (MERS)، أن المناعة تجاه الإصابات الأكثر خطورة قد تصل إلى عامين كاملين.

 

بالطبع من المفترض أن تؤثر كل تلك المستجدات المتلاحقة عن المناعة والإصابات الثانية على خطوط سير اللقاحات أيضا، لكن ذلك لا يعني -على سبيل المثال- أن اللقاح سيكون غير فعّال، لأن جرعات المناعة التي تتسبّب فيها اللقاحات تكون محسوبة، أما المناعة الطبيعية فتتعلّق بمعايير عدة متشابكة خاصة بالمرض والمريض نفسه، وهي أمور متغيرة جدا.

لكن ما نصل إليه من نتائج يمكن أن يساعد الباحثين على الوصول إلى أفضل إستراتيجيات التطعيم، بعد معرفة المستوى المحدد الذي يمكن للمناعة عنده أن توقف العدوى، ثم لا توقفها أسفله. وإلى ذلك الحين الذي تتضح فيه الصورة الكاملة، فإن الجميع مطالب بتلقي التطعيم فور وصوله، وكذلك اتخاذ الإجراءات الاحترازية حتى لو أُصيب بالمرض في وقت سابق.

 

في كل الأحوال، يُتوقع أن نبدأ، على مستوى العالم، في تسجيل أعداد أكبر يوما بعد يوم من حالات الإصابة الثانية بـ "كوفيد-19″، لقد مر عام على أولى ضربات الجائحة في الصين، وفي مارس/آذار إلى يونيو/حزيران كانت أولى الموجات بعد خروجه من الصين، ما يعني أنه بالفعل قد مرّت أكثر من 6 أشهر على إصابة أعداد هائلة من الناس، معظمهم بأعراض متوسطة، بالتالي يمكن لنا أن ننتظر الضربة الثانية من الوباء، للمصابين السابقين أنفسهم، التي يُحتمل أنها ستكون أخف من الأولى، في أية لحظة الآن!

———————————————————————————————

المصادر

  1. Reinfection of Severe Acute Respiratory Syndrome Coronavirus 2 in an Immunocompromised Patient: A Case Report
  2. For first time in Israel, man dies in second COVID-19 infection
  3. Some people can get the pandemic virus twice, a study suggests. That is no reason to panic
  4. COVID-19 reinfection tracker
  5. Does a high viral load or infectious dose make covid-19 worse?
  6. Antibody-dependent Enhancement (ADE) and Vaccines
  7. Antibody Status and Incidence of SARS-CoV-2 Infection in Health Care Workers
  8. SARS-CoV-2 reinfection in a cohort of 43,000 antibodypositive individuals followed for up to 35 weeks
  9. COVID reinfections are unusual — but could still help the virus to spread
  10. Immunological characteristics govern the transition of COVID-19 to endemicity
  11. Seasonal coronavirus protective immunity is short-lasting
  12. Covid-19: Antibody prevalence in England fell from 6.0% to 4.4% over three months, study finds
  13. Antibody Status and Incidence of SARS-CoV-2 Infection in Health Care Workers
  14. Immunological memory to SARS-CoV-2 assessed for up to 8 months after infection
  15.  Profile of Immunoglobulin G and IgM Antibodies Against Severe Acute Respiratory Syndrome Coronavirus 2 (SARS-CoV-2)
المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

تُجرى حاليا ثماني تجارب سريرية حول العالم لتختبر صحة صلة الميلاتونين بـ “كوفيد-19″، بينما يجذب عدد قليل من العلاجات الأخرى انتباها كبيرا.. فهل هناك رابط خفي يمنع اإصابة أو يساعد على التعافي؟

3/1/2021
المزيد من مقالة
الأكثر قراءة