كيف تساعد الأطفال في التعامل مع ألم الفقد؟

"أتعرف ذلك الشعور بالأسى، إنه شعور لا يعطيك متنفسا لأحزانك، لا يجعلك قادرا على العويل أو التفجع أو الصراخ، إنه يحوِّل كل ذلك إلى موت، موت لخلايا داخل الجسد لا تعود للتجديد مرة أخرى، إنه الفقدان، شعور قاسٍ لا يُعوَّض".

(محمد المنسي قنديل، قمر على سمرقند)

يبدأ الإنسان حياته بالفقد، يفقد رحم الأم الدافئ، والرابط الآمن بينه وبينها، ليخرج إلى صخب العالم فجأة رضيعا بلا حول ولا قوة، حيث يحتاج إلى المحبة والدفء والرعاية للتعافي من الفقد الأول واستعادة أمنه وسكينته. ويبدو الفقد الأول بمنزلة تدريب أوَّلي، عتبة مبدئية لكل ما يمر به الإنسان في سنوات عمره من فقدٍ متتالٍ في حياة سُنَّتها الموت مغزولا في نسيج أيامها.

 

يتعرَّض الأطفال لثيمة الموت بشكل متكرر في أفلام الرسوم المتحركة، والقصص الخرافية، ويدركون وجوده حتى لو لم يفهموا ماهيته تماما. لكن تجربة الفقد المباشر تجربة قاسية ومؤلمة، سواء للصغار أو الكبار، وما يجعل الأمر أصعب على الأطفال هو عدم تمكُّنهم من التعبير عن مشاعرهم بشكل كامل، وكذلك افتقادهم للمهارات اللازمة للتكيّف وتخطي شعور الفقد. لا يمكننا حماية صغارنا من الألم، تماما كما لا يمكننا حماية أحبائنا من الموت، لكن ما نستطيع تقديمه لهم هو مساعدتهم على التعبير عن مشاعرهم، واستعادة شعورهم بالأمان، وبناء مهارات صحية للتعامل مع ألم الفقد والخسارة.

 

يختلف إدراك الأطفال لمفهوم الموت بحسب العمر، وبحسب نمو الطفل العاطفي والاجتماعي. كما أن هناك عددا من العوامل التي قد تؤثر في ردود أفعال الطفل، من بينها شخصيته، وتجاربه السابقة مع الموت والدعم الذي يتلقاه من أفراد العائلة. قد تكون معرفة تطور إدراك الطفل لمفهوم الموت بحسب عمره مفيدة في مساعدته على التكيف مع الشعور بالفقد (مع ملاحظة أن الفواصل بين كل مرحلة والأخرى غير قاطعة وقد تتداخل سمات بعض المراحل)، فالرُّضع حتى عمر العامين لا يدركون مفهوم الموت، لكنهم يدركون مفهوم "الانفصال"، ويحزنون عند غياب أحد الوالدين، ويظهر تفاعلهم في هيئة بكاء متزايد، ونقص الاستجابات، وتغيرات في الأكل والنوم.

 

وفي عمر ما قبل المدرسة (3-6) يعتقد الأطفال في هذا العمر أن الموت أمر مؤقت، أو أنه يشبه النوم، وقد ينتابهم الشعور بالذنب أو بالمسؤولية تجاه موت الأشخاص المقربين، فيعتقدون أن هذا الشخص رحل ﻷنهم أساؤوا السلوك وأنه سيعود إن أحسنوا التصرف/تناولوا طعاما صحيا/حصلوا على درجات جيدة. قد ينتابهم القلق حول مَن سيهتم بهم، وكيفية تأثر حياتهم اليومية، ولا يتمكّنون من التعبير عن مشاعرهم جيدا عبر الكلمات، فتظهر في سلوكيات مثل: العنف والتوتر، وصعوبات النوم، وبلل الفراش، ومص الإبهام.

 

أما في عمر المدرسة (6-12)، يدرك الأطفال في هذا العمر أن الموت بلا رجعة، وفي عمر العاشرة يبدؤون في إدراك أن الموت أمر حتمي يحدث للجميع ولا يمكن تجنُّبه. تدور أسئلتهم غالبا حول تفاصيل الموت، وما الذي يحدث للجسد بعد الموت. قد تتنوع مشاعرهم ما بين الذنب والغضب، والعار، والقلق، والحزن، والخوف من موتهم شخصيا، ويكافحون للحديث عن مشاعرهم، وقد تظهر في شكل سلوكيات مثل تجنب المدرسة، وانخفاض الأداء الدراسي، والعنف والعزلة.(1)

 

ربما تُعَدُّ اللحظة التي تنقل للطفل فيها خبر موت شخص مقرب منه أو أحد أفراد العائلة واحدة من أثقل اللحظات على النفس، خاصة إذا كنت أنت شخصيا تعاني من فجيعتك الخاصة. يُفضِّل البعض كتمان الحقائق عن الأطفال، لكن هذا لا يحميهم، بل على العكس. استخدم صوتا متوازنا، لا تتعمّد الهمس، فقد يُشعِر الصوت الهامس الطفل بالخوف. تحدّث عن الأمر بكلمات بسيطة، مباشرة، صادقة بما يناسب المرحلة العمرية للطفل ومستوى نضجه النفسي. ومن الممكن شرح مفهوم الموت للأطفال الصغار على سبيل المثال بأن تقول له: "يعني الموت أن يتوقف القلب عن العمل، فيتوقف الجسد أيضا عن العمل، عن التنفس، والكلام، والحركة"، واحرص على أن تستمع ﻷسئلته، وأن تجيبها بصدق قدر إمكانك. قد لا تستطيع الإجابة عن بعض الأسئلة، أخبره أنكما ستبحثان معا عن الإجابة، ما يهم هو أن تكون موجودا بأُذن وقلب مفتوحين أمام أسئلته.(2)

 

كثيرا ما يلجأ الناس لاستخدام العبارات المجازية ظنًّا منهم أن ذلك يُلطِّف من حِدّة الأمر، فيقولون على سبيل المثال: "ذهب جدك لينام، أو ذهب إلى السماء، أو تحول إلى نجمة، أو ذهب في رحلة طويلة". ولا يُنصح باللجوء لمثل تلك العبارات، حيث يتلقّاها الطفل بمعناها الحرفي، وهو ما يُربكه، وقد يُشعره بالخوف من أمور عادية مثل النوم، أو يمنحه مفهوما خاطئا عن الموت باعتباره مؤقتا. (3)

 

في صباح أحد الأيام، بعد مرور 20 صباحا بالتمام من عيد ميلادي الثالث، خلا فراش أبي في المستشفى، وبدا مرتبا بملاءات بيضاء نظيفة ومكوية لا تحمل أثرا للموت. لم أفهم أبدا إلى أين أخذوا أبي، سألت أمي فقالت في السماء، نظرت إلى السماء فلم أجد فيها سوى السحب، من يومها صرت أبحث في السحب عن أوجه الراحلين.

 

تبدو طقوس الجنازات والحداد بمنزلة خاتمة أو وداع رمزي للراحل، لكن الأمر يختلف من طفل لآخر. يعود الأمر لعمر الطفل، ومدى إدراكه ووعيه، وفي كل الحالات لا بد أن يكون هذا اختياره وألا يُجبَر عليه. وفي حالة حضور الطفل لطقوس الجنازة أو العزاء فلا بد من إعداده لما عليه أن يتوقع رؤيته. وفي جميع الأحوال لا تتوقع أن يتصرف الطفل كراشد، فقد يبدأ في الغناء أو اللعب في أي لحظة. قد تكون تجربة حضور الجنازة تجربة قاسية جدا بدرجة لا يحتملها الطفل، وهناك الكثير من الأمور التي يمكن عملها بصحبة الطفل كبديل رمزي مثل زرع نبتة، أو إطلاق بالون وتمني الرحمة للراحل، أو إشعال شمعة.(4)

 

يُظهِر الصغار والأطفال مشاعرهم تجاه فجيعة الفقد بأشكال مختلفة، وقد يظهر الحزن عليهم لفترات قصيرة، فينتقل الطفل من البكاء الحار إلى الانخراط في اللعب. ولا يعني هذا أنه لا يشعر بالحزن أو أنه تعافى من الشعور بالفقد، إذ يستخدم الأطفال طرقا مختلفة للتكيف عن تلك التي يستخدمها البالغون، وقد يكون اللعب بالنسبة لهم ميكانيزما دفاعيا ليحميهم من الانغماس في مشاعر الفجيعة. من الطبيعي أن يشعروا بالإحباط أو الذنب أو القلق أو حتى الغضب تجاه الشخص الراحل أو تجاه شخص آخر، وقد يشكو البعض من أعراض جسدية كالصداع وآلام المعدة، وقد يظهر في أعراض سلوكية فيلجأ الأطفال إلى أفعال مثل التبول أثناء النوم، أو التحدث بطريقة الصغار، أو مص الأصابع. ويُمكنك أيضا أن تُجرِّب معه الآتي:

  • شجِّعه على التعرف على مشاعره وتسميتها والتعبير عنها:

يعاني الأطفال أحيانا في فهم المشاعر الحادة التي يمرّون بها والتعامل معها، فنجدهم أحيانا يضحكون عند مواجهة القلق والتوتر. وبينما هم في أمس الحاجة إلى التعبير عن مشاعرهم لا يملك العديد منهم القدرة الكاملة على التعبير باستخدام الكلمات، ساعد الطفل في التعرف على مشاعره، عن طريق تقديم أمثلة عبر تسمية مشاعرك، أخبره أنه من الطبيعي أن يشعر بالحزن أو الغضب أو الارتباك أو الوحدة، وقدِّم له متنفسا ووسائل أخرى للتعبير مثل الرسم أو عمل دفتر قصاصات لذكرياته مع الشخص المتوفّى، أو تصفح صوره الفوتوغرافية، أو حكاية القصص عنه.(5)

 

  • الحديث عن أمر ما بعد الموت:

يُخفِّف الدين بعض الشيء من الحزن، ويساعد في منح السكينة، فالحديث عن الآخرة والجنة، وأن الشخص قد ذهب إلى مكان أفضل قد يهدِّئ من مشاعر الحزن. وإذا كنت تُفضِّل عدم طرح أفكار دينية على الطفل فربما تكتفي بفكرة أن الميت يظل حيا في قلوب أحبائه.(6)

 

  • التعامل مع مشاعر الذنب والقلق:

تأكَّد من أن يفهم الطفل أنه غير مذنب أو مسؤول عما حدث بأي شكل، وتأكد من أن يتمكّن من ممارسة حياته بشكل طبيعي، واشرح له أن سعينا لاستكمال حياتنا بصورة طبيعية ليس خيانة لذكرى المتوفّى أو عدم إخلاص له. امنح الطفل ما يحتاج إليه من المحبة والأمان، وأكّد له أن هناك مَن سيعتني به، يميل الأطفال الصغار للأنانية، وهو ما يجعلهم يقلقون من التأثير المباشر للأحداث على حياتهم الخاصة، حاول أن تطمئنه، واشرح له أنك ستعتني به دوما.

 

  • لا تتجاهل ألمك الشخصي:

يحاكي الأطفال تعبير آبائهم عن الحزن، من الضروري أن تُعبِّر عن مشاعرك ولا تكتمها كي يتعلّم الطفل أن الشعور بالحزن أمر طبيعي. لكن احرص ألا يشهد الطفل نوبات الحزن المتفجرة أو غير القابلة للتحكم كي لا يتعلّم طرقا غير صحية للتعبير عن المشاعر.(7)

 

"عوّدني والدي في صغري أن يكون لديّ حيوان صغير على الرغم من أنه يعاني من وسواس النظافة، و على الرغم من كرهه للحيوانات فإنه يهرع في كل مرة يموت فيها أحد الحيوانات ليجلب لي حيوانا جديدا.

سألته مرة بعدما كبرت: لماذا كنت تأتي لي بحيوانات؟

قال لي: حتى أعوِّدك على الفقد.

تنبأ لي والدي بفقد الأحبة منذ الصغر، لكنه لم يدرك بأن الإنسان لا قدرة له على اعتياد الفقد".

(أثير عبد الله النشمي)

ربما يكون موت الحيوان الأليف من أوائل تجارب الموت التي يتعرّض لها طفلك، لا تُقلِّل من أثر التجربة عليه، ولا تستهن بحزنه، ولا تسارع باستبدال الحيوان الأليف بآخر جديد متوقعا أن يساعده ذلك، بل امنحه المساحة والوقت الكافيين للحزن. إن مثل هذه التجارب فرصة يتعلّم من خلالها الطفل الكثير حول مفهوم الموت وحول الطرق الصحية للتعامل معه.(8)

 

إذا شعرت بأن طفلك لا يتعافى بشكل صحي فقد يكون الطفل يعاني مما يُعرف باضطراب التكيف أو اضطراب الإحكام (Adjustment disorder)، يحدث هذا عندما لا يستطيع الفرد التكيف مع إجهاد معين أو حدث كبير في حياته، ويعرف أيضا بالاكتئاب خارجي المنشأ لتشابه أعراضه مع أعراض الاكتئاب وكونه ناتجا عن ضغوط خارجية. يختلف اضطراب التكيف عن اضطراب القلق الذي يفتقر لوجود عامل ضاغط، وعن اضطراب كرب ما بعد الصدمة المرتبط بإجهاد أكثر حِدَّة. ولكن تبدأ الأعراض النفسية والسلوكية لهذا الاضطراب في التطور خلال 3 أشهر من بداية التعرض للضغوط، ومن بينها:

 

  •  طلب المساعدة في أمور اعتاد أن يفعلها بمفرده.
  • ضعف الأداء الدراسي وضعف التركيز.
  • وجود مخاوف غير منطقية.
  • تمحور ألعابه حول موضوعات كالموت، والمرض.
  • الشجار مع الأطفال الآخرين.
  • فقدان الرغبة في اللعب والانعزال عن الآخرين.
  • اضطرابات النوم.
  • بلل الفراش.

ويُنصح في هذه الحالة باللجوء للعلاج النفسي، وقد يُستخدم خلاله جلسات العلاج الفردي أو الجماعي، وقد يلجأ الطبيب لاستخدام الأدوية لفترة قصيرة.(9) (10) في النهاية، يتعامل الطفل مع مشاعر الفقد التي نتعامل معها، بكل ما فيها من قسوة وألم، لكنه لا يملك القدرة ولا المهارات اللازمة للتعامل معها، حيث يحتاج إلى المساعدة لتعليمه الطرق الصحية للتعبير عن آلامه والتعامل معها والتعافي منها بطريقة صحية. أحيانا لا نملك القدرة على المساعدة، وأحيانا يكون الألم أكبر منا، أو نكون منغمسين في حزننا الشخصي وفجيعتنا بدرجة لا تُمكِّننا من المساعدة، ووقتها لا عيب في اللجوء للمساعدة الاحترافية.

المصادر:

  1. Helping Grieving Children and Teenagers
  2. Helping Your Child Deal With Death (for Parents) – Nemours:
  3. Child Grieving | How to Deal with Grieving | Helping Children Cope:
  4. Should Children Attend Funerals?
  5. tips for helping children through grief
  6. Child Grieving | How to Deal with Grieving | Helping Children Cope:
  7. المصدر السابق
  8. المصدر السابق
  9. Adjustment Disorders: Practice Essentials, Background, Pathophysiology:
  10. How to Help Children Deal with Loss

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة