في ظل كوفيد-19.. وصفة سحرية للعيش بسعادة من كلية هارفارد للأعمال

قبل أن تكون السعادة مسألة ذاتية، فإنها منوطة بالظروف الاقتصادية الاجتماعية التي تُرغم الفرد، لا سيما في ظل إغلاقات "كوفيد-19″، على البحث عن النجاة بدلا من البحث عنها. غير أن البحث عن السعادة لم يعد موضوعا ذاتيا، أو رفاهية نسبية، فهو حاضر منذ بدايات القرن العشرين كأحد مواضيع الفلسفة التجريبية، وتُخصَّص له المعايير، ويرتبط بإنتاجيات الموظفين والعمّال ومؤشرات النموّ، كما أنه يُدرَّس اليوم كأحد مساقات علم النفس والاقتصاد في أبرز الجامعات حول العالم. وفي هذه القطعة من "الأتلانتيك"، يخبرنا الأستاذ بكليّة هارفارد للأعمال آرثر سي بروك، ضمن مساق "كيف تبني حياة؟"، ما الذي تقوله آخر الدراسات والأبحاث عن السعادة، أو "حُسن الحال".

 

يبدو من المستغرب إطلاق عمود صحفي عن السعادة خلال جائحة؛ فلنقل إن التوقيت غريب، أليس كذلك؟ ربّما لا، فنحن عالقون في المنازل، وحياتنا في عصر "كوفيد-19" عالقة في شلل تام، وهذا يُولِّد باقة من المنغّصات بلا شك. لكن في كنف هذا الجمود القسري، يتلمّس العديد منا فرصة لإعادة التفكير بعمق أكبر في الحياة. ففي عالمنا الذي يغذُّ الخُطى إلى الأمام، يَندُر أن تسنح لنا فرصة للتوقف والتفكير في العوامل الأكبر لسعادتنا وإحساسنا بالهدف والغاية.

 

وبعد إعادة التفكير، فلعلّها تُشكِّل مناسبة مثالية لإطلاق عمود صحفي حول السعادة. إنني أدرِّس أحد البرامج حول السعادة في كلية هارفارد للأعمال، ويَدْهَش البعض حين أقول لهم ذلك، أي إن موضوع السعادة يُدرس إلى جانب مواضيع المحاسبة، والعلوم المالية، ومواضيع أخرى أكثر تقليدية في درجة الدراسات العليا بإدارة الأعمال. ينتشر عن ناثانيال هاوثورن قوله: "إن السعادة أقرب ما تكون إلى فراشة، ما إن تبدأ بملاحقتها حتى تفلت منك، لكنك إن جلست ساكنا، لربّما حطّت على كتفك"، وهذا ليس من شؤون إدارة الأعمال تماما.

لأنك إن تخيّلت أن طلبتي يجلسون في حلقة دائرية في الباحات (أو في حلقة دائرية افتراضية عبر دردشة الفيديو هذه الأيام) أملا أن يحط الفراش على أكتافهم، ستكون مخطئا. وإليك بعضا من مواضيعنا الدراسية: "الشعور والنظام الحوفي"، و"البيولوجيا العصبيّة ولغة الجسد"، و"استباب واستمرار حسن الحال الذاتي"، و"الأوكستيسون والحب"، و"مركزيّة الإدراك والشعور العابر"، و"تكيُّف المتعة".

 

لقد ازدهرت الدراسة العلميّة للسعادة على مدار العقود الثلاث الماضية، إذ نشر الفائزان بجائزة نوبل دانيال كانيمان وآنجس دايتون، وكلاهما من جامعة برينستون، بشكل مكثف حول الموضوع. أمّا جامعة بنسلفانيا فلديها برنامج للدراسات العليا في علم نفس السعادة، برئاسة مارتين سليجمان، أحد أكثر علماء النفس الاجتماعيين تميزا حول العالم. في حين أُسِّست مجلة أكاديمية تنشر دراساتها بمراجعات النظراء تحت اسم "دراسات السعادة" منذ عام 2000، كما أنها تتمتع بمكانة مرموقة في الدوائر البحثية.

 

لطالما كانت الأديان والفلسفة والفنون تعتبر السعادة موضوعا ملائما للدراسة والفحص، في حين بدأ العلم باللحاق بالركب مؤخرا فقط. وهذا العمود الصحفي، الذي نسميه "كيف تبني حياة؟"، سيعتمد على موارد الحكمة الثلاث هذه أملا بمساعدتك في تحديد مكعبات بناء السعادة؛ ألا وهي العائلة، السيرة المهنية، الصداقات، الإيمان، وغيرها، ومن ثمَّ منحك الأدوات اللازمة لبناء حياة متوازنة تزخر بالمعنى تخدم قيمك الشخصية.

 

لقد كنا نخطط لإطلاق هذا العمود منذ مدة، لكنني آمل أن يساعدك إطلاقُه خلال الجائحة في اكتساب عقلية تأملية خلال فترة تُفكِّر فيها بالأشياء التي تهمك حقا دون غيرها، وآمل أن يُثري هذا العمود الصحفيّ حياتك، ويمنحك من الأدوات ما يُمكّنك من إثراء حياة الأشخاص الذين تحبّهم وتقودهم. وكبداية، أود أن أعطيك ثلاث معادلات لحُسن الحال، وهي في رأيي مهمة لكي تبدأ بإدارة سعادتك الخاصة على نحو أكثر استباقية.

 

حسن الحال الذاتي هو مصطلح من حقل الفنون يُستخدم عادة من قِبل الباحثين الاجتماعيين. لكن لماذا لا ندرس السعادة؟ نحن لا ندرس السعادة لأن العديد من الباحثين يعتبرون السعادة مصطلحا ضبابيّا وذاتيا جدا، وأنه يحتوي على العديد من الأفكار المتناقضة. ففي معجم اللغة اليومية، عادة ما يُستخدم مصطلح السعادة للتدليل على كل الأشياء التي تبدأ من المزاج الجيد وتنتهي بالمعاني الأعمق في الحياة. أما مصطلح حُسن الحال الذاتي، من جهة أخرى، فسيأخذنَا إلى إجابة عن سؤال من نوع: "بالإجمال، كيف ستُعبِّر عن أحوالك هذه الأيام؟ هل ستقول إنك سعيد جدا، سعيد إلى حد ما، أم أنك لست سعيدا للغاية؟" (وهذا نقل نصّي من أحد أبرز المسوحات التي تناولت الموضوع، "المسح الاجتماعي العام").

 

وهذه المعادلة تلخيص لكميات هائلة من المؤلفات حول حُسن الحال الذاتي، بدءا من سؤال إمكانية توريث السعادة. وشخصيا، فإنني لا أستسيغ فكرة أن تكون السعادة مسألة وراثية، ولا أحب فكرة أن يكون شيء متعلق بشخصيتي محكوما بالجينات، لأنني أريد أن أكون مسؤولا بالشكل التامّ عن بناء حياتي. لكن البحث صريح حيال العنصر الجيني الهائل في تحديد "النقطة الثابتة" التي تُحدِّد حُسن حالك الذاتي، أي المستوى الذي يبدو أنك ستعود إليه بعد كل حدث يُغيّر مزاجك. في مقال بمجلة "علوم علم النفس" يتناول تحليلا للتوائم، ومنهم توأم متطابق تربى كلٌّ منهما بشكل منفصل ثم جرى اختبار حُسن حالهم الذاتي في سن النضج، توصّل علماء النفس ديفيد ليكن وأبوك تيليجن إلى أن العنصر الجيني في حُسن حال الشخص يُشكِّل ما بين 44%-52%، أي إنه مسؤول عن تحديد حُسن حالك الذاتي بمقدار النصف تقريبا.

أما المكونان الآخران فهما الظروف وعاداتك الشخصية، وتتضارب نتائج الأبحاث بشأن النسبة التي يُمثِّلها كل جزء منهما من حُسن حالك الذاتيّ. الظروف -الجيدة والسيئة على حدٍّ سواء- إما أنها تُشكِّل جزءا بسيطا لا يتجاوز 10% أو جزءا هائلا بمقدار 40% من حُسن حالك الذاتي. لكن حتى إن كانت الظروف تلعب دورا كبيرا، فمعظم الباحثين يعتقدون أن الأمر لا يهم كثيرا، ذلك أن تأثيرات الظروف لا تدوم طويلا.

 

قد نعتقد أن نيل ترقية مهمة سيجعلنا أكثر سعادة، أو أن انفصالا عاطفيا سيئا سيدمَغُنا بالتعاسة للأبد، لكن الأمر ليس صحيحا كما ستُخبرك أبسط نظرة ملتفتة إلى ماضيك. مما لا شك فيه أن إحدى خصال النجاة بين البشر هي ملكة الاستقرار الداخلي، أو الميل للاعتياد على الظروف بسرعة، السيئة والجيدة منها على حدٍّ سواء. ولهذا السبب عموما فالمال لا يشتري السعادة، إننا نألف ما يشتريه لنا سريعا جدا ثم ما نلبث أن نعود إلى نقطتنا الثابتة. وحتى بالنسبة لأولئك الذين نالهم من الحظ ما يكفي لتجنُّب الإصابة بمرض "كوفيد-19″، سرعان ما ستصبح التعاسة التي ولّدتها الأزمة ككل في طيّ النسيان. وهكذا، فالجيناتُ والظروف ليست محل تركيز مؤثّر في بحثنا عن السعادة. إنما لا تقلق، فهنالك متغيّر أخير يؤثر في السعادة وهو تحت سيطرتنا أيضا: العادات. ولكي نفهم العادات، فإننا بحاجة إلى المعادلة الثانية.

 

هكذا أُلخّص آلافا من الدراسات الأكاديمية، وإحقاقا للحق، سيحتج العديد من الباحثين بالقول إن ملخّصي جاف للغاية، لكنني على قناعة بدقّته. السعادة المستمرة تأتي من العلاقات الإنسانية، من العمل المؤثر، والعناصر الغيبيَّة للحياة. وإليكم إيضاحا لطبيعة الترتيب هنا. أولا، فالإيمان لا يعني الإيمان بمعتقد بذاته، إذ إنني أمارس الكاثوليكية وأنا سعيد بتوصيتها لأي شخص، لكن البحث صريح بشأن أهمية الأديان والمذاهب الأخرى أيضا، هذا إلى جانب الفلسفات الحديثة التي يمكن أن توفّر هامش السعادة المأمول. الحل يكمن في إيجاد بنية تتمكّن من خلالها من التأمل في أسئلة الحياة الأعمق والتركيز على مصالحك الذاتية بهدف مساعدة الآخرين.

وعلى نحو مماثل، فليست هناك توليفة سحرية للشكل الذي ينبغي أن تأخذه عائلتك وصداقاتك. الحل يكمن في تأسيس وإدامة علاقات تقوم على الحب والإخلاص مع الناس الآخرين حولك. إحدى الدراسات المميزة استمرت طيلة 75 عاما، وتتبّعت خريجي جامعة هارفارد في الفترة ما بين 1939-1944 حتى التسعينيات من أعمارهم، وتناولت الجوانب كافة المتعلقة بصحّتهم وحسن حالهم الذاتي. وقد لخص الباحث الرئيسي وهو عالم النفس جورج فاليانت، الاستنتاجات كالتالي: "السعادة هي الحب. نقطة". الناس الذين يحظون بعلاقات تقوم على الحب مع عائلاتهم وأصدقائهم يزدهرون في حياتهم، أولئك الذين لا يحظون بها لا يفعلون ذلك.

 

أخيرا، ثمّة العمل. قد يصدمك أن يُشكِّل العمل جزءا من المعادلة، لكن ذلك لا ينبغي أن يُشكِّل أي صدمة. إحدى أقوى النتائج في الدراسات حول السعادة ذهبت إلى مركزية الحافز الإنساني في تخليق إحساس بالمعنى في الحياة. بالطبع، ثمة وظائف جيدة وأخرى سيئة، لكن معظم الباحثين يعتقدون أن البطالة لا تجلب شيئا سوى التعاسة.

 

لكن أي نوع من العمل؟ الوظائف المكتبية أم وظائف الحرفة والعمل اليدوي؟ تربية الأبناء وتعليمهم من المنزل؟ العمل الذي يتطلب شهادة جامعية؟ لقد ركّز بحثي الشخصي كعالم نفس اجتماعي على هذا الموضوع، ويمكنني أن أخبرك أن هذه الأسئلة خاطئة. إنَّ ما يُضفي المعنى على العمل ليس فئته، بل الإحساس الذي يمنحك إياه كإنسان يُحقِّق نجاحا شخصيا ويخدم الآخرين في آنٍ واحد.

 

ومن المهم أخذ المعادلة الثانية بعين الاعتبار في ظل العزل الذي تفرضه الجائحة. فلتسأل نفسك: هل سعادتي موزعة بين هذه الحدود الأربعة؟ هل أحتاج إلى تغيير شيء ما؟ هل هناك عادات أستطيع تغييرها خلال هذا التوقف؟ في أعلاه كنت قد أكّدت المقولة القديمة القائلة "إن المال لا يشتري السعادة"، لكن الأمر ليس بهذه البساطة بالطبع، ومن الأصح القول "إن المال لا يشتري الرضا". والاستقرار الداخلي يؤكد ذلك، من خلال ما يسميه علماء النفس بـ "تكيّف المتعة": لا يشعر الناس أبدا بأن لديهم القدر الكافي من المال، لأنهم يعتادون ظروفهم الجديدة بسرعة، وسرعان ما يتطلب الأمر مزيدا من المال لكي يكونوا سعداء من جديد. ألا تُصدقني؟ تذكّر آخر علاوة راتب كبيرة حصلت عليها. متى حصلت على أكبر قدر من الرضا؟ في اليوم الذي أخبرك فيه رئيسك بأنك ستحصل على علاوة؟ أم اليوم الذي بدأت فيه العلاوة بدخول حسابك المصرفي؟ وكم هو مقدار الرضا الذي منحتك إياه هذه العلاوة بعد مرور ستة أشهر؟

قد يغويك الاستنتاج بأن الرضا صعب المنال، لكن الأمر ليس صحيحا. والمعادلة الثالثة تمنحك طريقة أفضل للتفكير في الرضا.

 

وقد تناول العديد من الزعماء الروحيين هذه الفكرة بالطبع. ويخبرنا كتاب "فن السعادة" الذي ألّفه عالم النفس هوارد كتلر بشراكة الدالاي لاما: "إن علينا تعلم الرغبة بما نمتلكه سلفا لكي نحصّل سعادة ثابتة ومستمرة". وهذه ليست محض تركيبة روحية فارغة، إنّها توليفة عملية جدا لنمط حياتنا. إذ يسعى العديد منا في حياتهم بيأس لمضاعفة بسط المعادلة الثالثة (أي ما لديهم سلفا) بالعمل، والإنفاق، والعمل، والإنفاق، وهكذا دواليك. لكن تكيف المتعة يجعل الأمر عبثيا، فالرضا سيفلت من قبضتنا دائما.

سر الرضا هو التركيز على مقام المعادلة الثالثة. لا تُفكِّر بما لديك، ولكن تحكّم بما تريده بدلا من ذلك. لا تُحصِ ما تملك (من مال، أو نفوذ، أو مكانة، أو عشاق، أو شهرة) أو تحاول معرفة الطريق لزيادته، وإنما قم بإجراء جرد لرغباتك الدنيوية وحاول تقليصها. قم بإعداد قائمة، ولكن ليس بالرحلات المثيرة والأشياء المكلفة، وإنّما بالأشياء التي تتعلق بها في حياتك وأنهِ تعلُّقك بها، ثم خطّة لكيفية إعداد الأمر. كلّما قلّت الأشياء التي تريدها وانخفضت نبرة الصراخ داخلك وانحسرت مشتتات الانتباه، زاد السلام والرضا بما تملكه سلفا.

 

لربما كان اختصار المقام في المعادلة الثالثة أسهل قليلا بالنسبة إليك خلال فترة العزل، لأنّ توقعاتك قد تقلٍصت بجانب قدرتك الجسدية على ملاقاتها. هل يمكنك إيجاد طريقة للاستمرار في الأمر حتى بعد عودة العالم المادي إلى الحياة من جديد بعد عدة أسابيع؟

 

فكِّر في هذه المعادلات الثلاث خلال الدرس الأول من "ميكانيكا بناء الحياة".

——————————————————————————–

هذا التقرير مترجم عن The Atlantic ولا يعبر بالضرورة عن موقع ميدان.


حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة