"تذكر أنك فان".. كيف يساعدنا تأمل الموت على الحياة بشكل أفضل؟

عاش إيفان إليتش، بطل إحدى أشهر روايات الأديب الروسي ليو تولستوي، حياة لا يميزها شيء. بين السعي وراء الترقي الوظيفي والطبقي، والزواج ثم الإنجاب، وليالي لعب الورق مع الأصدقاء، مرّت سنين عمره. مضى كل شيء على ما يُرام، حتى قرع الموت بابه في أحد الأيام، ومعه جاءت أسئلة ظل يؤجلها حياة بأكملها. والآن، وساعات عمره آذنت بالانتهاء، لم يجد بُدًّا من النظر للوراء والتساؤل: هل عشت حياتي كما أردت حقا؟ 

  

لم يخطر لإيفان إليتش في حياته الطويلة أنه سيموت. كان يعرف حتما أنه لن يعيش للأبد، لكن فكرة الموت بدت غريبة عليه، كان الموت شيئا يحدث للآخرين، لكنه لن يقع له، على الأقل ليس الآن. لكن الموت، وهذا ما اكتشفه إيفان متأخرا، يأتي دون ميعاد(1). ونحن، تماما مثل إيفان، نُؤْثِر تَجاهُل حقيقة فنائنا. فكم يبعث على الضيق أن نغلق أعيننا ونتخيّل عالما لا مكان لنا فيه، عالما لا نعرفه ولا يتذكرنا، وكأننا لم نكن يوما. هكذا نُمضي حياتنا ونحن نتظاهر أننا لن نموت، نخدع أنفسنا ونتعامل مع وقتنا كمورد غير محدود، نظن أنه سيكون لدينا دائما متسع من الوقت لنسأل كل الأسئلة المهمة، ونجد إجاباتها، ونُسيّر حياتنا مثلما نريد. نتصرف تماما كما كتب الفيلسوف الروماني سينيكا: "تعيش كما لو كان مقدرا لك أن تحيا للأبد، ولا يخطر على بالك قط كم أنت هش. لا تدرك كم من الوقت قد مرّ، وتُبعثر ساعاتك كما لو كنت تمتلك منها مخزونا لا ينفد"(2).

 

سنفعل كل ما نريد، نقول لأنفسنا، لكن ليس الآن، سنفعل كل شيء في غدٍ ما. وهنا، تأتي الحقيقة المفجعة التي يعمينا تجاهلنا لفنائنا عنها، فقد يُباغتنا مَلَك الموت ونحن لم نعش بعد الحياة التي أردناها، قد نرحل وكل ما رغبنا أن نفعله وكل ما تمنينا أن نكونه لم يتجاوز كونه أحلاما مؤجلة لن يحين موعد تحقّقها أبدا.

     

   

الموت قديما: حقيقة ماثلة على الدوام

يُعَدُّ تجاهل البشر للموت ظاهرة حديثة نسبيا، ففي الأزمنة القديمة، لم يملك الإنسان نسيان تلك الحقيقة، فكيف يملك شخص ما أن يغض طرفه عن الموت وهو دائم الوجود حوله، متخذا شكل حيوانات مفترسة تود أن تلتهمه، أو هيئة طبيعة نزقة قادرة على وضع نهاية لوجوده في طرفة عين؟ باختصار، لم يملك أحد أي ضمان أنه سيعيش حتى ظهيرة اليوم التالي. 

  

وحتى عندما شيّد الإنسان مدنا آمنة، وبنى فوقها حضارته، لم يكن الموت عنه ببعيد. فالحروب الطاحنة بين البلاد لم تهدأ يوما، وكانت تُفني في طريقها الآلاف، وفي أوقات السلم، وقفت الأجساد عزلاء أمام الأوبئة التي أخذت تفتك بها في غياب ما بتنا نملكه من طب مُتقدِّم. في هذا العالم الخطير والقاسي، لم يملك أحد أن ينسى أو يتجاهل كونه فانيا. 

 

تمر سنوات طويلة تغيب فيها الحروب والأوبئة، ويعم الرخاء، لتمضي الأيام في دعة وتبدو الحياة نعيما مقيما. وفي هذا الغياب المادي للموت، دأب الناس على تذكرة أنفسهم بهشاشة كل هذا، حتى لا تغيب عن ناظريهم أبدا حقيقة فنائهم، متخذين من عبارة "Memento Mori" (تذكّر أنك فانٍ) اللاتينية القديمة شعارا لهم. 

 

فزُيِّنت مكاتب نبلاء العصور الوسطى بمجسمات لجماجم، وفوق الساعات الضخمة في الميادين العامة نُقِشَت عبارة "ربما كانت تلك هي ساعتك الأخيرة"، وحتى الملوك لم يدعوا سلطانهم يُنسيهم أنهم أيضا فانون، فحملت ماري، ملكة اسكتلندا، معها دائما ساعة على شكل جمجمة كُتِب عليها: "يطرق الموت الشاحب بالإيقاع نفسه على أكواخ الفقراء وبيوت الملوك"(3).

   

لوحة "شاب مع جمجمة"، فرانس هال (مواقع التواصل)

   

ولعب الفن أيضا دورا كبيرا في تذكرة الناس بالموت. ففي هولندا بالقرن السادس عشر، انتشر نوع من الرسم عبّر خلاله الفنانون عن زوال الحياة وهشاشتها، وحتمية نهايتها يوما ما. استخدم أولئك الفنانون فن رسم الطبيعة الحية الناعم، ورسموا لوحات ملؤوها برموز للموت، وتذكارات بفناء كل ما يلهينا فيها من مَسرّات ومباهج. 

 

من تلك الرموز، اختاروا الجماجم، شعار الموت الذي لا تخطئه عين، والشموع والساعات للدلالة على قصر الحياة، ورسموا أوراق ورد ذابلة وفاكهة معطوبة يدلّوا عبرها على الصيرورة المحتومة إلى النهاية، ووضعوا أحيانا آلة موسيقية أرادوا عبرها أن يقولوا إن الحياة مثل مقطوعة موسيقية، مهما امتلأت جمالا وعذوبة فستنتهي ذات لحظة(4).

    

لوحة "فانيتا مع كمان وكرة زجاجية"، بيتر كلاسيز (مواقع التواصل)

   

وبعيدا عن مكاتب النبلاء ولوحات الفنانين، انتشرت في العصور الوسطى رقصة شهيرة سُمّيت بـ "رقصة الموت" (Danse Macabre)، يتشابك فيها مجموعة من الأشخاص من الأعمار والطبقات الاجتماعية كافة الأيدي، يتقدّمهم رجل يرتدي زيًّا أسودَ يرمز للموت، ويحدوهم إلى القبر. فهكذا هو الموت، كما تُمثِّله الرقصة، لا يميز بين إمبراطور وعامل، غني وفقير، كهل وطفل، ويختطف على السواء أرواح الكل(5).

   

كادر شهير من فيلم "الختم السابع" لانجمار بيرجمان، يُمثِّل "رقصة الموت" (مواقع التواصل)

     

لم يأتِ هذا الدأب على تذكُّر الموت وتأمله من ميول سوداوية أو تشاؤم بحت، بل من إدراك عميق لخطورة نسيان كم هي قصيرة الحياة. 

  

عن أهمية تأمُّل الموت

"من الممكن أن تموت الآن، دع هذا يُحدِّد ما تقوله وتفعله وتفكر فيه".

(ماركوس أوريليوس)

   

يُغرينا الغد إغراء لا حدَّ له، يُغرينا في كل يوم، فما دام هنالك غدٌ ما، فلا يوجد داعٍ للعجلة، لا يوجد سبب للشروع فيما نود حقا أن نفعله، لا يوجد ما يدفعنا إلى ترك حالة السبات التي تسيطر علينا في حياة قد لا تشبه شيئا مما نتمناه لأنفسنا، وأخذ أولى الخطوات في سبيل تحقيق ذواتنا وإمكاناتنا المعطلة.(6) ندأب على تخيُّل المستقبل تلك الأرض الوردية التي لا تُنبت أرضها معوقات، ولا يوجد فيها ما سيقف في طريقنا، الظروف ستكون مواتية، وكل شيء سيكون سهلا، وسنفعل حينها كل ما نريد. تلك الفكرة البرّاقة الخادعة وغير الواقعية للمستقبل تسلبنا اليوم وغدا على السواء، فإذا لم نتحرك الآن فلن يكون الغد سوى نسخة مكررة من اليوم، وهو ما وصفه الفيلسوف والإمبراطور الروماني ماركوس أوريليوس عندما كتب لنفسه يُذكِّرها: "إنك تستحق ما أنت فيه الآن، لأنك اخترت أن تكون صالحا غدا لا أن تكون صالحا اليوم"(7).

    

وهنا، تأتي الأهمية المحورية لفكرة الموت، إنها تسلبنا اليقين أنه سيكون ثمة غد، تهزنا هزة عنيفة من سباتنا وتُذكِّرنا أننا لا نملك من حياتنا سوى اللحظة الحالية، تحدونا أن نبدأ عيش الحياة التي نريدها الآن دون مزيد من التسويف، أن نكف عن دأبنا، الذي وصفه سينيكا، في "تأجيل ما نريد أن نفعله، تلك الممارسة تسلبنا الحاضر وتعدنا أمامه بالمستقبل"، أن نكف عن "وضع خطط لما يقع في يد القدر، ونتجاهل ما يقع في يدنا"، أن ننصت للفيلسوف وهو يسألنا: "إلامَ تنظر؟ إلى أي هدف تسعى؟"، ثم نمتثل للأمر: "المستقبل بأكمله محاط بضباب وغموض، عِش فورا"(8).

  

قد تجد نفسك دون فكرة واضحة عن الشكل الذي تريد لحياتك أن تكونه، وهنا أيضا تبرز أهمية تأمل فكرة الفناء. فلو تخيلت لوهلة أنك على وشك الموت، أن ميعاد انتهاء حياتك قارب على المجيء، وأنك قد لا تعيش لسنوات طويلة، فستبدأ في إدراك أولوياتك في الحياة التي ستمتلئ ندما وأنت على حافة النهاية إن لم تُحقِّقها(9). فالموت هنا يصير عدسة تُغيِّر منظورنا للحياة ولكل ما فيها، فما توليه أهمية كبيرة في اللحظة الحالية وتُنفق فيه كثيرا من الوقت والمجهود والطاقة قد تكتشف أنك لن تكترث لأمره حقا حين تحين النهاية، وما تؤجّله وتسوّف فيه ولا توليه الكثير من الاهتمام ستُدرك أنه كان أكثر أهمية لك مما ظننت يوما، فمحض شعورك بالأسى حين تتخيّل أنك سترحل عن الحياة وذاك الشيء عنك ببعيد يكشف لك الكثير(10). 

    

لوحة "في وقت الانسجام"، بول سيناك (مواقع التواصل)

    

لا يُغيِّر تأمُّل الموت فقط منظورنا لما نريده أن يكون، بل يُبدِّل أيضا نظرتنا لما هو كائن. ففي عدسة الموت، تبدو الكثير من مخاوفنا وهواجسنا ضئيلة غير ذات وزن حقيقي، ولا تستحق أن نعاني كل تلك المعاناة بسببها. وفي عدسة الموت أيضا يبرز الجمال المخفي لتفاصيل الحياة الصغيرة ونعمها الكبيرة التي يعمينا انشغالنا الدائم عن رؤيتها، ويُضلِّلنا ظننا الزائف أنها ستدوم للأبد عن إدراك كم هي ثمينة(11).

  

فاللحظات العابرة التي تمتلئ براحة البال لا يقطعها شيء، والأيام التي نقضيها في رفقة الأهل والأصدقاء، والساعات التي تمر ونحن نفعل ما نحب، هي أثمن ما نملك في هذه الحياة. فالأوقات الجميلة، هذا ما يُعلِّمنا إياه تأمُّلنا للموت، زائلة، وزماننا في هذه الحياة قصير، لذا، علينا أن نمتلئ امتنانا بكل جميل فيه. 


حول هذه القصة

تتردد عبارات مثل قدرة الفن على العلاج، يحدث ذلك بشكل منهجي أحيانا، أو يكون وسيلة لكسب الأموال وإيهام المرضى أن تفريغ طاقاتهم على الأوراق يشفيهم، فهل حقا يعالج الفن الأمراض؟

23/1/2019
المزيد من مقالة
الأكثر قراءة