الحمل في زمن كورونا.. ما الذي يدعوكِ للاطمئنان؟

يحكي فيلم "مكان هادى" (A Quiet Place) الصادر عام 2018 عن مخلوقات غريبة تُهاجم الأرض وتنساب باتجاه أي موجة صوت لتلتهم مُسبِّبها، وتقضي بهجومها ضد الصوت على الجميع، كل مَن بكى أو تألَّم بصوت، كسر كأسا، أو ضحك بهمس، لكن تبقى الأم الحامل إيفيلين وأسرتها على قيد الحياة لأنهم عرفوا معادلة النجاة؛ ألا وهي البقاء في صمت تام والتعامل بلغة الإشارة قدر الإمكان، دون أي تردد لأي صوت، يأكلون، يختلفون، يرقصون، ويبكون بلا صوت. لكن كيف ستلد إيفيلين جنينها في هذا الرعب، وكيف ستعبر ألم الولادة دون صرخة ألم، لتحمي نفسها وطفلها؟ ومع ذلك، تعبر اللحظات الصعبة التي لم يُجرّبها أحد، والأكثر أنها تجد طريقة لإنقاذ الرضيع الذي لا يمكن لأحد أن يمنعه من البكاء.

 

يُصوِّر واقعنا اليوم خوفا مُشابها لخوف الأم إيفيلين، إذ تطرح جائحة فيروس كورونا المستجد (covid-19) على كل امرأة حامل مجموعة من الأسئلة الجديدة المخيفة، ولا إجابة مؤكدة، فالخبراء يُقِرّون أن هناك أمورا كثيرة لا تزال مجهولة بشأن الفيروس وآثاره على الحمل كفيلة بأن يتسلل الخوف إلى النساء الحوامل وحتى إلى أطبائهن، لكن الكثير من المعلومات المؤكدة حتى اليوم تدعو للاطمئنان، فما الحقائق التي يحملها الأطباء في هذا الصدد؟

ستُصبحن بخير

تُفكِّر صوفيا جونز، وهي كاتبة إسبانية في الأسبوع الثامن من حملها، فيما إذا كان طفلها سينجو ويصل بسلام، وتُشير إلى الفرص القليلة للنساء الحوامل في أنحاء العالم في الحصول على الرعاية الصحية الإنجابية، وكيف أن معظمهن يلدن أطفالهن في مستشفيات مُغلقة، وفي حالات كثيرة بعيدات عن أفراد العائلة.(2) تتخيل كل ما يمكن أن يمر بها وتقول: "عندما تحدثتُ وزوجي عن خطة الطوارئ الخاصة بنا، سألته عما سنفعل إذا تعرضتُ للإجهاض أو عجزت عن السير، في ظل محدودية وسائل النقل وسيارات الأجرة وارتباك المنظومات الصحية، فقال ببساطة: "سوف أحملكِ". لكن تخيّله وهو يحملني بطول الطريق -الذي يستغرق ساعة سيرا على الأقدام- حتى نصل إلى طبيبة التوليد، أو غرفة الطوارئ، ربما كان أكثر فكرة مخيفة في حياتي". (1)

 

أما من جانب الأطباء، فتقول يلدا أفشار، طبيبة أمراض النساء والتوليد في لوس أنجلوس: "إننا نعمل في فضاء خالٍ من المعلومات، الناس محقّون في خوفهم، لأن المجهول يكون مروعا عندما نعجز عن إعطائهم استشارة جيدة نابعة من بيانات مدعومة بالأدلة". مع ذلك، وأثناء انتظار بعض الحقائق، ينصح الباحثون وأطباء التوليد العاملون في الخطوط الأمامية مرضاهم بأفضل ما يسعهم، ويطوّعون نصائحهم كلما طرأت أدلة جديدة، وقد توقف البعض منهم للإجابة عن بعض الأسئلة الأكثر تواترا التي يسمعونها من النساء الحوامل القلِقات.(3)

 

في المملكة المتحدة، طمأنت الكلية الملكية لطب النساء والتوليد النساء الحوامل بأنهن سيُصبحن بخير، رغم أن عليهن اعتبار أنفسهن عُرضة للخطر، وأكّد إيبوكراتيس ساريس، الخبير الاستشاري ومدير مركز مختبر الإخصاب "King’s Fertility"، أن السبب في ذلك هو نقص المعلومات، قائلا: "ليس ثمة خطر مُثبت خلال الثلثين الأول والثاني من الحمل. لا نعتقد أن فيروس كورونا المستجد (covid-19) يُسبِّب زيادة خطر الإجهاض". لكنه أضاف: "بعد تخطي الأسبوع الثامن والعشرين (أي في الثلث الأخير من الحمل) يكمن الخوف في الاضطرار إلى إجراء ولادة مبكرة إذا أُصيبت الأم بالفيروس، لعلاجها على نحو فعال".(4)

 هل أنتِ في خطر أكبر؟

أكّد ساريس أن الحمل يمكن أن يُغيِّر الجهاز المناعي لدى المرأة، وقد يُغيِّر طريقة استجابة الجسد للعدوى الفيروسية، لكن ذلك يحدث لدى نسبة صغيرة فقط من النساء، وأن المخاوف التي تنتاب الجميع اليوم لا ينبغي لها أن تؤثر في قرار الحمل، إذ إن الرضيع سيولد بعد أشهر، وحينها يمكن أن يكون الوضع مختلفا. ويُضيف ساريس: "هناك أمل أن يكون الضغط المُلقى على عاتق هيئة الخدمات الصحية الوطنية أقل في الأشهر القادمة". (5)

 

النساء الحوامل على الأرجح لسن عُرضة للإصابة بالآثار الحادة لـ "كوفيد-19" بدرجة أكبر من غيرهن، وفقا لدراسة نشرتها المجلة الأميركية لأمراض النساء والولادة في التاسع من إبريل/نيسان الماضي. ويضم التقرير أكبر عينة من نوعها في الولايات المتحدة حتى الآن، إذ راقب الباحثون 43 امرأة حاملا أُصيبت بفيروس "كوفيد-19" في مستشفيات نيويورك، وشابه تحليل شدة الحالات في معدله المرضى الأخريات غير الحوامل، حيث كانت نسبة الحالات البسيطة 86% ونسبة الحالات الحادة أو الحرجة 14% فقط. (6) ووفقا للأبحاث المنشورة في مجلة "New England Journal" الطبية فإن الفيروس يظهر بشكل متوسط لدى 92% من حالات العدوى في النساء الحوامل بينما تظهر أعراض شديدة في 8% فقط من الحالات، وذكر الباحثون في الدراسة أنه لا يوجد خطر أعلى لدى النساء الحوامل.(7)

كيف تحمين نفسك والجنين؟

تنصح المنظمات الصحية الوطنية الكبرى النساء الحوامل باتخاذ التدابير الوقائية نفسها كغيرهن، وتقول الكلية الأميركية لأطباء الأمراض النسائية والتوليد (ACOG) أيضا إن عليكِ تجنُّب الأشخاص المرضى، والبقاء في المنزل قدر الإمكان، والابتعاد مسافة ستة أقدام على الأقل عن الآخرين، وغسل اليدين بالماء والصابون مرارا، واستخدام معقم يحتوي على الكحول بنسبة 60% على الأقل، مع تجنُّب لمس العينين والأنف والفم.

واعتبارا من الثالث من إبريل/نيسان، نصحت مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها الجميع -بما في ذلك النساء الحوامل- بتغطية الأنف والفم بقناع وجه أثناء الوجود في الأماكن العامة. (8) وبالنسبة لزيارات الطبيبة النسائية فيختلف المخطط وفقا لنصائح الطبيب وخصائص الحالة، لكن يُنصح بشكل عام بأن تُتخذ بعض التدابير مثل الحد من الزيارات الشخصية إلا الأساسية منها والتي يُجرى فيها الكشف عبر الموجات فوق الصوتية في الأسبوع 11-13، والموجات فوق الصوتية المورفولوجية في الأسبوع 20-22 مع الاختبار المهبلي لقياس عنق الرحم، ثم الموجات فوق الصوتية في الثلث الأخير، وإجراء الاستشارات الأخرى عبر الهاتف لتجنُّب الزيارات غير الضرورية، ويُنصح بقياس ضغط الدم كل 15 يوما ومراقبة الوزن مرة في الشهر. (9)

احتمالات أخرى.. رغم الحذر

تقول سيلفانا فيرجارا، وهي أميركية في الأسبوع الثاني والعشرين من الحمل، إن زوجها اتبع كل الإجراءات الوقائية؛ العمل من المنزل، وتجنُّب المواصلات العامة، وارتداء القفازات وأقنعة الوجه، غير أن كليهما أُصيب بالفيروس على الرغم من ذلك، وقالت: "أريد أن يعرف الجميع شدة انتقال العدوى في هذا المرض وقلة جاهزية نظامنا الطبي". في حال الشك بالإصابة بالفيروس فإن المنظمات الصحية لا تُقدِّم إرشادات منفصلة للحوامل، بخلاف البقاء على اتصال مع الطبيبة النسائية، وسوى ذلك تكون الإرشادات هي نفسها المُقدَّمة لأي شخص مصاب بالفيروس، مثل البقاء في المنزل لحين الحصول على الرعاية الطبية الأساسية، وتجنُّب وسائل النقل العام، واستشارة الفريق الطبي عبر الهاتف. (10)

كيف ستكون الولادة والرضاعة؟

لا تعني إصابة الأم بالفيروس الاضطرار إلى إجراء عملية ولادة قيصرية، إذ لا تُعتبر الإصابة سببا في حد ذاته، إلا إذا كانت الأعراض شديدة، ووفقا لمنظمة اليونيسيف فلا يزال حليب الثدي أفضل مصدر لتغذية الرضع -حتى في حال إصابة الأم بالفيروس- لتعزيز الأجسام المناعية في جسم الرضيع وحمايته من العديد من الأمراض، كما أن هذا الاتصال الوثيق بين الأم والمولود في اللحظات الأولى من حياته يساعد الطفل على النمو. (11) وحتى إذا كانت الأم مصابة بـ "كوفيد 19″، فلا داعي للقلق بشأن إصابة الطفل، حدث فعلا أن أعلن مستشفى الأطفال في ووهان -في فبراير/شباط الماضي- عن حالة طفل حديث الولادة كان اختباره بعد 30 ساعة فقط من ولادته إيجابيا للفيروس، وكانت والدته تعاني من المرض، ولكن يُعتقد أن العدوى قد حدثت بعد الولادة.(12)

وقد خلصت الكلية الملكية لطب النساء والتوليد إلى وجود أدلة على إمكانية انتقال المرض من الأم إلى جنينها خلال الحمل أو أثناء الولادة. لكن -مع ذلك- حرص الأطباء على تأكيد أن جميع الحالات المُبلغ عنها التي أُصيب فيها الرضع حديثو الولادة بفيروس كورونا حدثت عقب ولادتهم ولم تكن الأعراض شديدة لديهم. وتشير الأبحاث إلى أن الفيروس لا يبدو أنه ينتقل عن طريق حليب الأم، لكن عليها تقديم رعاية خاصة أثناء الرضاعة، والتأكد من غسل وجهها ويديها قبل الرضاعة وبعدها، وتنظيف الأسطح وارتداء القناع عند الاقتراب من الطفل، ويشجع العديد من الأطباء -خاصة في حالة شدة الأعراض لدى الأم- على شراء مضخة الثدي للحد من الاتصال. (13) – (14)

استمتعي بأشياء بسيطة

في انتظار وصول الصغير تقول بيري تاريس إيزابيل توراس، الأستاذة بكلية التربية الاجتماعية والعمل الاجتماعي: "من المهم أن نتحدث إلى أنفسنا، وأن نرسل إليها رسائل إيجابية، عندها سيكون من السهل مواجهة المواقف التي تؤثر على رفاهيتنا، وإذا كنتِ بخير، فسيكون المخلوق الصغير الذي تحملينه بداخلك بخير أيضا"، وتؤكد أن عليكِ خلق بيئة ممتعة، وتُذكِّركِ: "يجب ألّا ننسى أن هذه اللحظات فريدة من نوعها، إننا نعيشها مرات قليلة جدا، لذلك عليكِ التركيز فيما يمكنك التحكم فيه"، وتنصح توراس بالبقاء على اتصال بالطبيب إن أمكن، والانضمام إلى مجموعات افتراضية من النساء الحوامل لتبادل الدعم في الاهتمامات والمخاوف، والبحث عن إجابة لأسئلتهن من مصادر موثوقة. (15)

 

"بين الهوس الذي ينتابني حين أفكر في نمو جنيني، أتواصل مع أمهات أخريات في أنحاء إسبانيا والعالم حول إمكانية الوصول إلى الطبيب، ولماذا أشتهي الفراولة، وكيف نبقى هادئات، ونتحدث حول ما إذا كان والدانا سيتمكّنان من زيارتنا قبل ولادة الطفل، وكيف يمكننا شراء مستلزمات الأطفال، والتفكير فيما يمكن أن يحدث للطفل إذا أُصبت أنا أو زوجي بالحمى أو الالتهاب الرئوي". (16)

وتؤكد ماريا مارتين، الأستاذة في دراسات علم النفس والعلوم التربوية في جامعة كاليفورنيا، أهمية التركيز على ما يمنحنا الرفاهية وما يخضع منه لتأثيرنا بالأساس، وهي رابطة الأم مع الطفل، أما الباقي فهو ليس تحت سيطرتنا، وهي تؤكد أيضا أن الثقة في الطبيب مهمة جدا عند اقتراب الولادة، برغم الشكوك والمخاوف، والثقة في أن كل شيء سينتهي وسيصل الصغير في سلام، وعلينا أن نكون على استعداد لنصنع له عالما جميلا. (17)

 

تقول صوفيا جونز كيف أصبحت تستمتع بالأشياء البسيطة، مثل ريّ النباتات في الحديقة تحت ضوء الشمس، أو التلويح لجارتها العجوز في الطابق العلوي وهي تنشر الغسيل، أو التصفيق مع ألحان الأغاني الكاتالونية التي يُشغِّلها الجيران في الجهة المقابلة من الشارع لبثّ المرح، وكيف تتنفس بعمق وتُركِّز على بريق الحياة الصغير الذي ينمو داخلها.

 

"في كل مساء، يفتح الإسبان في أنحاء البلاد نوافذهم، يصيحون تحيّةً لعمال الرعاية الصحية في البلاد، الذين يخاطرون بحياتهم لإنقاذ الأرواح. أصفق وأحييهم بدوري، وأتخيل نفسي بعد نحو سبعة أشهر، أَلِد بأمان طفلا بصحة جيدة، ويقف بجانبي واحد من هؤلاء العاملين الطبيين مبتسما. آمل ذلك". (18)

___________________________________________________________-

المصادر

  1. When You’re Pregnant During a Pandemic
  2. المصدر نفسه.
  3. What to know about being pregnant during the covid-19 pandemic
  4. Should you try to get pregnant during the pandemic?
  5. المصدر نفسه
  6. What to know about being pregnant during the covid-19 pandemic
  7. Coronavirus y embarazo: resuelve tus dudas
  8. What to know about being pregnant during the covid-19 pandemic
  9. El embarazo y el parto en tiempos de coronavirus: dos ginecólogas te aclaran todas las dudas
  10. What to know about being pregnant during the covid-19 pandemic
  11. Coronavirus y lactancia materna: qué precauciones tomar si estás amamantando a tu bebé
  12. Coronavirus y embarazo: resuelve tus dudas
  13. Should you try to get pregnant during the pandemic?
  14. What to know about being pregnant during the covid-19 pandemic
  15. Pasar embarazo en pleno confinamiento
  16. When You’re Pregnant During a Pandemic
  17. Pasar embarazo en pleno confinamiento
  18. When You’re Pregnant During a Pandemic

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة