العلاقات في زمن الحجر الصحي.. هل يؤدي كورونا إلى طلاق الأزواج؟

ميدان – العلاقات في زمن الحجر الصحي.. هل يؤدّي كورونا إلى طلاق الأزواج؟
اضغط للاستماع

   

"كُنّا كحصانين يعدوان طوال اليوم في ساحات مفتوحة، وعندما يتقابلان بعد دورة كاملة من الجري، يكون التعب قد بلغ منهما مبلغا والإنهاك هو مُدير لقائهما الذي لم يكن يتجاوز ساعتين أو ثلاث قبيل النوم، النوم الذي كان الفاصل الوحيد بين دورتين متتاليتين من الجري واللهاث". هكذا وصفت فرح. ع، لـ "ميدان" (اسم مُستعار)، المرأة المصرية الثلاثينية، علاقتها بزوجها على مدار خمس سنوات من الزواج.

   

في نهاية العشرينيات من عُمرها، تعرفت فرح إلى زوجها، كان كلاهما مناسبا للآخر بحسبة عقلية مصحوبة بقبول عاطفي، وبعد الزواج، انخرط كُلٌّ منهما في حياته وعمله وطموحاته، فقد أرادت فرح، التي تعمل في إحدى الهيئات الخاصة، أن تستكمل تعليمها العالي، وتحصل على درجة الدكتوراه في تخصصها، أما زوجها، فقد كان يعمل في تجارته الخاصة، التي رُبما كانت تستغرق من يومه نحو 12 ساعة بأكملهم، بخلاف الوقت الذي يستغرقه التنقل من البيت للعمل، وكانت حصيلة نومه اليومية لا تتجاوز الساعات الست، حتى في أيام الإجازات الرسمية لدى الآخرين، صحيح أنهما اتفقا على تأجيل الإنجاب، ولكن هذا لم يعطِهما الوقت الكافي للتقارب من بعضهما بعضا، فقد كانا مُستغرقين تماما في عملهما وطموحاتهما المهنية والأكاديمية.

  

بعد انتشار فيروس كورونا المُستجد، والذي أجبر الجميع على لزوم المنزل لأجل غير مُسمى، تغيرت الحياة التي اعتاد عليها الزوجان، تقول فرح لـ "ميدان": "في لحظة بدأ كل شيء في التغيّر، دورات عقارب الساعة المُتتالية التي كنّا اعتدنا عليها من قبل تغيّر إيقاعها، وجدنا أنفسنا نجلس في البيت طوال 24 ساعة. زوجي شعَرَ بالمسؤولية وأعطى موظفيه إجازة، وحاول تشجيع أصدقائه أصحاب الأعمال الخاصة على فعل الشيء نفسه، الآن فقط نتعرف على بعضنا بعضا، بعد سنة خطوبة وخمس سنوات من الحياة المُشتركة، نتشاجر في اليوم ما لا يقل عن 7 مرات، مرة بينهم يتشاجر هو بسبب الملح الزائد في الطعام، ومرة ثانية أتشاجر أنا لأنه يترك باب الحمام مفتوحا بينما لا أطيقه أنا هكذا!".

    

   

وتُضيف قائلة: "أدرك تماما أن هذه أسباب لا تقود للشجارات، ولكنها كفيلة بإشعال أعصابنا، وجَعْل صوتنا يصل إلى الجيران بسهولة، أحيانا أشعر بالخجل، وأحيانا أقول لا بأس، فنحن يصلنا أصوات شجار الجيران أيضا، رُبما يعود هذا إلى الخوف من الإصابة بالمرض، رُبما يكون لشبح الموت الذي أصبح جاثما على صدور الجميع يلوح بيديه مُحذرا ومُهددا، رُبما يكون لتوقف الحياة وتأجيل الخطط والطموحات لأجل غير مُسمى، وأخيرا رُبما يكون لأننا لا نعرف بعضنا بعضا، وأننا كُنّا نعيش غريبين تحت سقف واحد ونتجاور في نهاية اليوم على فراش واحد، وهذه هي المرة الأولى التي نرى فيها بعضنا عن قرب ونتعرف على طباع وصفات بعضنا، ولم يكن لهاثنا المُستمر المُتصل السابق مُتيحا لنا هذه الفرصة.. لكني أخشى حقا أن يطول الأمر، وتصل العلاقة بيننا إلى ما لا يُحمد عُقباه".

 

ليست فرح وحدها التي تتعرف على طباع زوجها ويتشاجران شجارات ضخمة بسبب الملح الزائد وباب الحمام المفتوح، حيث تزخر صفحات النساء المصريات على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك بالكثير من السخرية والتهكم على ما وصلت إليه خلافاتهم الزوجية بسبب مكوث أزواجهن في البيت، فتجد مَن تقول: "ربع ساعة في البيت كمان وهتجيبونا من محكمة الأسرة"، وتقول أخرى: "الأيام دي في إقبال تاريخي على خناقات الطماطم والخيار وليه متسابين بايظين في درج الثلاجة؟".

    

   

قد يُحطمنا تواصلنا السيئ قبل أن يُصيبنا كورونا المُستجد

دُعابة أخرى انتشرت على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك تقول: "يبدو أننا في المنزل سنقتل بعضنا بعضا قبل أن يقتلنا كورونا". رُبما تُلخّص هذه الدعابة الحال الذي تعيش فيه راندا. ف، ربّة المنزل الثلاثينية، فتقول ل "ميدان" عن علاقتها الزوجية خلال فترة الحجر الصحي: "كان لديّ طفلان في سن ما قبل المدرسة، حينما جلس زوجي في البيت أصبحوا ثلاثة، هو ينام طوال النهار، وعندما يستيقظ عصرا لا يكف عن الطلبات، مثله مثل الصغار، الفارق بينه وبينهم أن طلباته يجب أن تكون أوامر تُنفَّذ في التوّ واللحظة، ويجب ترك ما في يديّ لتلبية ما يريد، ويمكن أن يتطور الأمر للشجار الذي قد يُسمع الجيران جميعا".

  

تُضيف راندا قائلة: "أشعر بالضغط العصبي الشديد، فمن جهة، أقلق على والديّ كبار السن، ومن جهة أخرى، أُعقم كل ما يدخل البيت حتى أكياس الأرز والمكرونة، ومن جهة ثالثة كان ينبغي أن أذهب بطفلي الأكبر للحضانة كما نصحتني الطبيبة حتى يتعلّم الكلام الذي تأخر في تعلُّمه، وهو بالطبع ما لم يحدث بعد أن أُغلقت جميع التجمعات، فأصبح ينبغي لي أن أفعل معه في المنزل ما كان سيفعله في الحضانة حتى لا يتأخر أكثر من ذلك، بالإضافة إلى رعاية أخيه الصغير وتلبية مُتطلباته، كل هذا في كفة، وفي كفة أخرى يربض زوج جالسا على الكنبة يُريد قضاء يومه بين الهاتف المحمول والبلاي ستيشن والحاسوب، ولا يحتمل صراخ الصغار، ويرى أن كل شيء في المنزل ما زال مسؤوليتي وحدي حتى رغم مكوثه في البيت، كيف لا نتشاجر إذن؟! هذا بافتراض أنه لا يبتكر شجارا حينما يضيق ذرعا بصراخ الأطفال المُتواصل ويُقرر تفريغ عصبيته في أي سبب مهما كان واهيا".

  

تلتمس راندا لزوجها العذر أحيانا لأنه لم يعتد كل هذا الضغط الذي عاشت فيه هي لسنوات، ولكنها من ناحية أخرى كثيرا ما تشعر بالتشفي فيه، فقد كانت كل علاقته بالبيت وبهم هي أنه يصل للمنزل كل ليلة في منتصف الليل تقريبا، بعد أن يُنهي عمله في الخامسة أو السادسة ويذهب لمُقابلة أصدقائه وقضاء السهرة معهم، ولا يعود إلى البيت إلا ليتناول عشاءه وينام، وإذا كان أحد الصغار ما زال مُستيقظا فإنه يظل يتشاجر حتى يكف الصغير عن الصراخ ليستطيع النوم، كل ما تأمل فيه راندا هو أن تنتهي هذه الفترة العصيبة دون أن يجد أحدهم نفسه مدفوعا للانتحار من الضغط والتخلص من حياته.

      

من خلال تجريدنا من إيقاع حياتنا اليومية المُعتادة، أصبحنا عرايا بطريقة ما. وإذا لم نعتد على أن نكون عُراة عاطفيا مع شركائنا، فقد تصبح الأمور سيئة لدرجة الغرابة
     

يقول الكاتب مارك مانسون في مقال له بعنوان "الحب في زمن الحجر الصحي" إن الإجهاد النفسي إما أن يُقرِّب الناس من بعضهم أو يُفرِّقهم. إذا كانت العلاقة صحية، أي إذا كانت نيّات كلا الشخصين تتماشى مع صالح العلاقة ويتواصلان باحترام، فإن الضغط سيجعل العلاقة أقوى. أما إذا كانت العلاقة غير صحية، على سبيل المثال، إذا كانت نيّات أحدهما أو كليهما غير متوازنة و/أو يُعاملان بعضهما بفظاظة، فإن الضغط سوف يدفعهما إلى وضع أسوأ مما يتخيّلان.

  

خلال فترة الحجر الصحي تتراجع القدرة على تشتيت الانتباه التي كانت مُتاحة من قبل، فإذا كنت أبا رديئا أو كُنتِ زوجة غاضبة، وقد كان يُمكنكِ من قبل تشتيت انتباه شريكك إلى ما لا نهاية بعيدا عن هذه الحقيقة، فإن الوضع لم يعد كذلك الآن، التواصل المُستمر لا يدع هناك شيئا يمكن أن تُخفيه عن نفسك أو عن شريكك. فمن خلال تجريدنا من إيقاع حياتنا اليومية المُعتادة، أصبحنا عرايا بطريقة ما. وإذا لم نعتد على أن نكون عُراة عاطفيا مع شركائنا، فقد تصبح الأمور سيئة لدرجة الغرابة.

  

يتوقع مانسون أنه خلال الأسابيع والأشهر المقبلة، حيث يضطر الناس لمواجهة الحقيقة العارية لعلاقاتهم، سيكون هناك الكثير من الضغط العاطفي لمواجهة تفاقم الضغط الوجودي للوباء. لهذا السبب، فهذه الفترة هي في الواقع وقت مهم للحفاظ على العلاقات في حياتك وإصلاحها، إن أمكن. (1)

  

شجارات متتالية تقود للطلاق

  

"أبويا رمى على أمي يمين الطلاق أكثر من مرة في اليومين اللي فاتوا رغم إننا مسيحيين!". هكذا تقول إحدى الدُعابات التي انتشرت على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، لكن الأمر في الواقع لا يحتمل الدعابة.

  

منار. س، فتاة مصرية في أواخر العشرينيات، قضت الأيام الماضية أسوأ أيام حياتها، بين الاستشارات التليفونية لدار الإفتاء المصرية وبعض المشايخ لأن والدها ألقى على والدتها يمين الطلاق في لحظة انفعال، وكان هذا هو الطلاق الثالث، بعد صمت تام عن كلمة الطلاق وعدم الاقتراب حتى من نطق حروفها لما يزيد على خمسة وثلاثين عاما خشية من وقوع الطلاق الثالث هذا، الزوجان في نهايات الستينيات من عُمرهما، وهذه هي المرة الأولى التي يمكثان فيها أمام بعضهما بشكل مُتواصل هكذا، كان الزوج فيما سبق دائم الخروج من المنزل، رغم أنه يُعاني من السكر والضغط وبعض المُشكلات بصحة القلب، كما قد تعّرض للجلطات عدّة مرات، لكنه كان يضيق ذرعا بالجلوس في المنزل، بعد أن أنهى مدة خدمته في عمله استطاع أن يُشغل نفسه بالكثير من الأنشطة، بين المساجد لأداء الصلوات، ثم المقهى للتسلية مع الأصدقاء، فالزيارات العائلية للقريب والبعيد، هكذا كان يمضي الزوج الوقت، وحتى أثناء فترات جلوسه في المنزل كان بين التلفاز أو الشرفة، أو بعض الشجارات الخفيفة العابرة مع زوجته.

  

تقول منار لـ "ميدان": "وجد أبي نفسه بين يوم وليلة رهين المنزل لا يستطيع أن يصل لعتبة البيت، ولا يستطيع حتى أن يؤدي الصلوات في المسجد، أحيانا نجده يبكي عند سماع الأذان، لكن الوضع ليس عليه بمفرده، فجميعنا في المنزل، أنا وأختي نُلازم غرفتنا، ونجد تسليتنا ووسيلة قضاء وقت فراغنا في مواقع التواصل الاجتماعي والتحدث إلى أصدقائنا عبر هذه المواقع، وبين وقت وآخر نستمع لشجارات والدينا على أسباب قد تصل إلى أن زجاجة المياه في الثلاجة فارغة، أو أن طرف السجادة غير مُنضبط، أسباب كانت تجعلنا أنا وأختي نُحملق في بعضنا غير مُصدقات لما نسمع، لكن في أحد هذه الشجارات، وجدنا أمي تدخل غرفتنا مُصفرّة الوجه وتُخبرنا أن أبي طلّقها، لينقلب البيت بأكمله رأسا على عقب لعدّة أيام، وبعد كثير من الأسئلة والتأكد والاستشارات اطمأننا إلى أن الطلاق شرعا لم يقع بسبب سن أبي وظرفه الصحي الذي يجعله غير مُتزنٍ أحيانا كثيرة".

  

عالميا العلاقات الزوجية مُهدَّدة بسبب الحجر الصحي والمكوث المتواصل في المنزل

  

كشفت مكاتب التسجيل ارتفاع مُعدلات الطلاق في الصين بشكل كبير خلال العزلة الصحية لفيروس كورونا المُستجد، وقال لو شيجون، مدير سجل الزواج في داتشو بمقاطعة سيتشوان بجنوب غرب الصين، إن أكثر من 300 من الأزواج حددوا مواعيد للحصول على الطلاق منذ 24 فبراير/شباط.(2)

  

يعتقد المسؤولون أن الزيادة الحادة في طلبات الطلاق يمكن أن تكون ناجمة عن حقيقة أن الشركاء قضوا الكثير من الوقت معا تحت الحجر الصحي، وقال لو للصحافة المحلية: "يقضي الشباب الكثير من الوقت في المنزل، مما يجعلهم يميلون إلى الدخول في جدل ساخن بسبب شيء تافه ويتسرّعون في الحصول على الطلاق"، وقال أحد مسؤولي التسجيل لـ "Global Times" إن أحد مكاتب المقاطعة تلقّى 14 طلبا في يوم واحد، لتصل الطلبات إلى الحد الأعلى الذي حدّده المجلس المحلي.

  

وفي المملكة المُتحدة تُحذِّر البارونة شاكلتون محامية الأسرة من أن فيروس كورونا المُستجد سيُثير ارتفاع حالات الطلاق في المملكة المتحدة بعد إجبار الأزواج الذين يعزلون أنفسهم على قضاء شهور في الحجر الصحي معا، وأضافت قائلة: "أوقات الذروة لدينا هي بعد التعرض الطويل خلال عطلة الصيف وخلال عيد الميلاد، على المرء فقط أن يتخيّل كيف سيكون الحال عندما تُحبَس العائلات في عقار لفترة طويلة من الزمن". ويُحذِّر أحد علماء النفس الأميركيين من أن الأزواج الأميركيين قد ينفصلون قريبا بسبب تفشي فيروس كورونا المُستجد والذي اضطرهم للعزلة الذاتية وإغلاق المنازل عليهم دون اتخاذ خطوات سابقة لترسيخ علاقتهم.(3)

  

الحجر الصحي وازدياد العنف المنزلي

  

في مصر، وعلى مستوى العلاقات الأقل حظا ماديا واجتماعيا، انتشر خلال فترة الحجر الصحي العنف المنزلي، خاصة بعد ازدياد مُشكلات الدخل لدى العمالة اليومية، تقول تهاني. ع الفتاة العشرينية التي تقطن بأحد الأحياء الشعبية بالعاصمة المصرية لـ "ميدان": "في حيّنا تلتصق المنازل بعضها ببعض، قد يكون الفاصل بين الوحدات السكنية وبعضها مُجرد حائط لا يحجب الصوت ولا تفاصيل المعيشة، لم يعد غريبا سماع الشجارات المتواصلة بسبب كل التفاصيل الحياتية الكبيرة وحتى البسيطة العابرة، ولكن أكثر ما يُثير فزعنا عندما يشق سكون الليل صراخ إحداهن لأن زوجها يضربها، دقائق من الصراخ المُتواصل ثم يهدأ الصراخ ويليه صوت البكاء لساعات تالية".

  

"نعم، ضربني الأيام السابقة عدّة مرات"، هكذا تقول سميرة. ح، المرأة الأربعينية عن علاقتها بزوجها خلال الأيام الماضية من الحجر الصحي، خاصة بعد توقف الزوج عن العمل، يعمل الزوج عامل طلاء، لا يعمل إلا حينما يطلبه أحدهم لطلاء جدران بيته، أو تجهيز منزله للزواج، وهو ما لم يعد قائما الآن، لأسابيع يمكث الزوج في المنزل، تتوالى الأيام ثقيلة، تقول سميرة لـ "ميدان": "ماذا سيفعل الرجل؟! أعرف أنه يحاول تفريغ غضبه وملله والتنفيس عن نفسه ولا يجد أمامه غيري، هو جالس في البيت ليل ونهار، حتى المقاهي لم تعد مُتاحة كما السابق، وطلبات البيت والأولاد لا تنتهي وهو لا يجد في يده حيلة، حينما يعمل كنت أعمل أنا أيضا، فكنت أذهب إلى بعض المنازل وأساعد ربّاتهن في التنظيف وإعداد الطعام، لكن حتى هذا لم يعد مطلوبا الآن".

  

على صعيد آخر، في الولايات المُتحدة، تزداد نداءات الاستغاثة الناتجة عن العنف المنزلي أثناء الحجر الصحي بعد تفشي كورونا المُستجد، تقول ملاجئ العنف المنزلي إنهم غارقون في المكالمات بسبب كون الناس حبيسة منازلها، فخلال هذا الوقت، عندما تُعزَل العائلات داخل منازلهم، يكون هناك جانب مظلم وهو ازدياد العنف المنزلي، فيمكن أن يُصبح البقاء في المنزل حالة مروعة لضحايا العنف المنزلي. (4)

    

   

جيسيكا غارزا هي ناجية أميركية هربت من زوج مسيء ضربها بشدة لدرجة أنها فقدت طفلها الذي لم يُولد بعد، تقول غارزا: "فكرة أن تكون في مكان واحد بشكل دائم مع المعتدي عليك هي فكرة لا يمكنني حتى تخيل حال أصحابها". لقد تمكّنت غارزا من الذهاب إلى أختها للمساعدة، وتقول إنه يجب ألا تتردد المرأة في العثور على مكان آمن للذهاب إليه.

   

تُعلن ملاجئ العنف المنزلي، مثل "The Family Place"، أنها تشهد زيادة كبيرة في الاستغاثات، تُعَدُّ "فاميلي بليس" (The Family Place) من أكبر مُقدِّمي خدمة الإغاثة من العنف العائلي في شمال تكساس، فلديها ثلاثة ملاجئ طوارئ تُوفِّر 177 سريرا للمأوى كل ليلة. (5) يقول بايج فلينك، الرئيس التنفيذي لشركة "فاميلي بليس": "الوضع شديد السوء الآن، فما يحدث هو أن بعض الملاجئ لا تحتوي على غرف نوم خاصة، حيث يتعين عليهم عزل الناس وتفريقهم، الأمر الذي قلّل من عدد الأشخاص الذين يمكن استيعابهم، لكننا على أي حال لن نرفض أي شخص في موقف مميت، سيجد الملجأ مكانا آمنا لهم". تتأكد "فاميلي بليس" من أن الأشخاص القادمين لا تظهر عليهم أعراض الفيروس المُستجد، ويُنظَّف الملجأ بشكل متكرر للحفاظ على سلامة الجميع.

  

كيف يمكن حفظ العلاقات الزوجية خلال وقت الحجر الصحي؟

"الحجر الصحي مُرهق، وتشير مراجعة الأدلة المنشورة في مجلة "The Lancet" إلى أن الحجر الصحي يمكن أن يكون له آثار نفسية سلبية بما في ذلك الغضب والارتباك، وفي بعض الحالات، قد يُصاب الشخص بأعراض اضطراب ما بعد الصدمة"، هكذا يقول لنيوزويك ديفيد كيتس، طبيب نفسي ومدير الصحة السلوكية في المركز الطبي بجامعة نبراسكا.(3)

    

   

ويقول كيتس: "العوامل التي تزيد من ضغط الحجر الصحي تشمل طول مدّة الحجر الصحي، والخوف من العدوى، والملل، وعدم كفاية الإمدادات، والمعلومات غير الكافية، والخسارة المالية، فالوجود في مساحة صغيرة لفترة أطول بكثير من المعتاد في ظل ظروف مرهقة يعني المزيد من الفرص لتضخيم الديناميكيات الإيجابية والسلبية، فالعلاقات ذات الأساس القوي ستستمر وقد تزدهر، في حين أن العلاقات التي تُعاني من مهارات تفاوض ضعيفة، واتصالات مدمرة، ونقص في التقدير، من المُرجَّح أن تنتهي تحت الضغط". ينصح كيتس ببعض الإستراتيجيات لإدارة الضغط أثناء الحجر الصحي، والتي تشمل:

  

* تحري الحقائق ومحاولة فهم الخطر الفعلي، فقد تؤدي التغطية الإعلامية والعناوين المُثيرة إلى جعل الخطر الشخصي يبدو أسوأ مما هو عليه حقيقة، فيجب الحصول على الحقائق من مصدر موثوق به مثل مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها (CDC)، أو الجهات الرسمية المحلية.

* الحدّ من استهلاك الوسائط والاكتفاء بـ 30 دقيقة في الصباح والمساء بدلا من قراءة العناوين الرئيسية أو مُتابعة الأخبار على مدار اليوم.

* التواصل مع الآخرين الذين يمكنهم تقديم الدعم الاجتماعي، فيُمكن التواصل عبر الهاتف والبريد الإلكتروني ووسائل التواصل الاجتماعي والرسائل النصية.

* الحصول على غذاء جيد وصحي، والحصول على قسط كافٍ من النوم.

* ممارسة الرياضة البدنية، وتعلّم المهارات التي يُمكنها إدارة الإجهاد، مثل التنفس العميق أو استرخاء العضلات أو التأمل الذهني.

  

أما دكتور أورنا جورنيك، معالج مرخص للاستشارات الزوجية بمركز شوتايم، فيقول: "يُمكننا أن نتوقع أن تسير العلاقات الزوجية خلال فترة الحجر الصحي كما يلي: تبدأ بفترة شهر عسل، حيث يلتصق الناس معا ويحاولون الاستفادة منها على أفضل وجه، أو حتى الاستمتاع بها، ثم سيظهر الكثير من الصراع مهما حاولت تلافيه وتجنبه، وهنا يُصبح السؤال المنطقي: كيف يُحَلّ؟".(6)

      

لحفظ العلاقات الزوجية خلال وقت الحجر الصحي فإن من الأشياء بالغة الأهمية هو بنية اليوم وتحديد الأشياء التي تريد القيام بها خلال يومك
      

الإجابة وفقا لجورنيك واضحة، وهي: "عليك أن تحاول أن تعتني بأكبر قدر ممكن بنفسك، حاول أن تلاحظ عندما تقوم بإسقاط مشكلاتك الخاصة على الشخص الآخر أو سحبه إلى شيء يخصك أنت وليس هو المسؤول عنه، وبمقدار ما تحاول تلبية احتياجاتك، حاول أيضا أن تفهم دوافع شريكك واحتياجاته، أعطِ شريكك جرعة جيدة من الاستماع الفعّال، وحاول أن تنسج بينكما تواصلا جيدا وإيجابيا، فما لا يُمكّننا من حل المُشكلات هو أننا ننغمس بالمشاعر، بالأنا، أكثر بكثير من اهتمامنا بالوصول إلى حل الصراع".

  

لحفظ العلاقات الزوجية خلال وقت الحجر الصحي، يقول جورنيك: "أحد الأشياء بالغة الأهمية هو بنية اليوم وتحديد الأشياء التي تريد القيام بها خلال يومك، أي وضع هيكل لليوم، من خلال هذا الهيكل تعرف متى تبدأ وحدة زمنية معينة ومتى تُنهيها، حتى لو كان أمرا اصطناعيا تماما مثل القيام ببعض القراءة بين الساعة 2 مساء و4 مساء، ثم مشاهدة التلفاز، أو اللعب مع حيوانك الأليف، وبالمثل، يُمكنك تصميم هيكل للوقت الذي تقضيه مع شريكك و الوقت الذي ستقضيه بمفردك".

  

يُضيف جورنيك: "هذه الحدود يصنعها كل شخص لنفسه، وهي تختلف من شخص لآخر، فما يجعل شخصا يشعر أفضل، قد لا يعمل بالإيجابية نفسها مع شخص آخر، يجب أن نفهم ذلك، خاصة في التعامل مع شريك الحياة، فنحن أشخاص مختلفون لهم احتياجات مختلفة، ومن المهم بالنسبة لنا أن نكون قادرين على القيام بالأشياء بشكل مختلف. لذلك اتخذ قراراتك لنفسك، وليس لشريكك، إذا كان يريد الانضمام فسيكون عظيما، لكن إذا لم يرغب في الانضمام، فقد يكون ذلك جيدا أيضا، لأننا نحتاج إلى وضع حدود خلال هذا الامتداد الغامض الذي لا نهاية له من الوقت، وأي شيء يمكن أن يخلق تمايزا أو حدودا أو فرقا بين أوقات اليوم المُختلفة سيكون مفيدا لنا الآن، لصحتنا النفسية وصحة علاقاتنا الزوجية والأسرية".

      

إذا كان بإمكانك عمل شيء تعليمي مع طفلك كل يوم، فأنت تقوم بعمل مذهل، وهذا يكفي حقا، والباقي يتعلق بتمضية الوقت بشكل جيد
   

لكن ماذا عند تداخل الحدود بين الأزواج بسبب الوجود في مكان واحد طوال الوقت، فيُريد الزوج مثلا مشاهدة التلفاز بينما تريد الزوجة أن تقرأ كتابا بهدوء، يقول جورنيك: "من الناحية المثالية، فإن أفضل طريقة، إذا كان لديك الرفاهية والوسائل، هي أن تكونا في مساحات منفصلة؛ واحد يذهب إلى غرفة النوم، وواحد يذهب إلى المطبخ. إذا لم تتمكن من فعل ذلك، فهناك أشياء مثل سماعات الرأس أو سدادات الأذن، لإنشاء حدود مصطنعة، أفضل نصيحة هي أن تحلها بنفسك ولا تطلب من شريكك حلها لك. إذا كنت تعمل من المنزل وتحتاج إلى التركيز وحجب الأصوات من حولك فأنت بحاجة إلى استخدام سدادات الأذن أو سماعات الرأس، أو حتى الذهاب إلى الحمام والجلوس والكتابة هناك".

  

قد يُزيد وجود الأطفال من العبء على الزوجين والصراع بينهما، ويقول جورنيك عن هذا: "الهيكل الخاص باليوم مُفيد للغاية للأطفال أيضا، فقد يستفيد الأطفال كثيرا من معرفة متى يحين الوقت للقيام بشيء معين ومتى يحين وقت الانتهاء منه، الهيكل قد يعطي الأطفال شعورا بالاستقرار لأنه ثابت ويمكن التنبؤ به، ومن الأشياء الأخرى التي تخلق ضغوطا على الأزواج في حال وجود أطفال هو أنه بما أن الأطفال لا يذهبون إلى المدرسة، فهناك شعور ضخم بالمسؤولية، يشعر الآباء بأنه من المفترض أن يكونوا بديلا عن المدرسة بطريقة أو بأخرى. ورغم كل شيء يفعلونه، يشعرون بالذنب بسبب إحساسهم بالتقصير، هنا يجب مُحاولة تقليل التوقعات، فلن تصبح فجأة قادرا على القيام بكامل دور المدرسة! فإذا كان بإمكانك عمل شيء تعليمي مع طفلك كل يوم، فأنت تقوم بعمل مذهل، وهذا يكفي حقا، والباقي يتعلق بتمضية الوقت بشكل جيد واكتشاف طريقة لتكونوا عائلة معا".

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة