كيف يغيِّر فيروس كورونا علاقتنا بالعالم للأبد؟

اضغط للاستماع

  

اندلع الوباء الذي بدأ في أقصى الشرق ووصل إلى معظم بلاد العالم. انقلب في هذا عالمنا رأسا على عقب، تغيّر بشكل أسرع مما كنّا نتخيل أنه ممكن، في ظرف أسابيع قليلة، تبدّل شكل الحياة وصار لها وجه غير ذلك الذي عرفناه عمرا بأكمله. بات السؤال الذي يدور الآن في الأذهان وفوق الألسنة هو: متى يا تُرى يعود كل شيء إلى حاله؟ 

 

لكن حتى بعد انتهاء الحجر الذي بات الآن مفروضا على الملايين حوّل العالم، وربما حتى بعد انتهاء الوباء، لن تعود الحياة لسابق عهدها أبدا. نتحدث عن تغيُّر في موازين القوى الدولية، وزلزلة في هيمنة العولمة الاقتصادية، نتحدث عن تغيُّر سيطول الجميع. فهذا هو الحال مع الأزمات والكوارث ذات الطابع العالمي، لا تترك شيئا على حاله كما كان قبلها(1).

 

وبعيدا عن تلك التغييرات ذات الطابع الضخم، منذ بداية الوباء والحجر، بدأت تغييرات أخرى ذات طابع أقل ظهورا تعتمل في أنفسنا، ولو وقفت للحظة تتأملها، فستجد أنها تركت لمستها عليك أيضا. لقد تغيّرت معاني بيوتنا، وتغيّرت معها العلاقات التي تربطنا بالآخرين. 

   

علاقة جديدة بالبيت
 

  

بين طرفة عين وانتباهتها، تحوّلت علاقتنا بالبيت تحوُّلا جذريا. فمنذ شهر واحد، كان المنزل هو تلك المساحة الميتة حيث لا جديد أبدا، ففي نهاية يوم طويل قضيناه نعمل أو نلهو في الخارج، تأوي أجسادنا المتعبة إلى الأرائك لتستريح، ثم إلى الأَسِرّة لتنام وتستعد ليوم طويل آخر نقضي معظمه في الخارج. فقد ظلّت ثقافة الخروج هي المسيطرة لسنوات طويلة، علينا أن نخرج من مساحاتنا الآمنة، من بيوتنا، ونكتشف العالم، نتعلّم ونعمل ونصنع صداقات ونخوض تجارب جديدة، السكون -هكذا كنّا نفكر- يقف على طرف النقيض من الحياة، فحتى تعيش الحياة لأقصاها، عليك أن تكون دائما في حالة حركة، حركة مساحتها العالم الخارجي. 

   

لكن كل تلك المفاهيم انقلبت فجأة، أسرع مما كنّا نتصوّر. الآن، تحوَّل العالم الخارجي -من ذلك المدى الزاخر بوعود الحياة- إلى فضاء قاتل. فقد احتلّته كائنات أصغر من أن نراها، تستطيع أن تُردينا في محض أسبوعين إلى جثث هامدة، ونفتنا عنه لوقت لا يعلمه أحد. تحوَّل العالم الخارجي إلى ميدان حرب أجسادنا أكثر هشاشة من أن تخوضها، وكلاجئ لا طاقة له بالقتال، أوينا إلى البيت. 

 

وقد تغيّر في هذا معنى البيت أيضا، ولم يعد تلك المساحة الميتة التي كانها منذ شهر، بل صار فرصتنا الأولى في النجاة، في الحياة، مستعيدا في هذا دلالاته البدائية كعشٍّ يأوينا من طبيعة نزقة وأخطار لا نستطيع أن نواجهها. فكما يقول الكاتب فتحي المسكيني: "أعاد الخوف المطْبق من الوباء إلى المنزل وظيفته البدائية: الحماية من خطر الانقراض تحت تهديد "حيوانات" مفترسة أو متوحشة سائبة في الجوار. صحيح أنّ "التوحّش" قد أخذ دلالة أخرى، لكنّ الخوف من الانقراض لم يتغيّر. ولذلك نحن نشهد عودة مثيرة للعلاقة "الكهفية" بأجسادنا: حيث يتحوّل "البقاء في المنزل" إلى تنشيط صريح لمقولة "العودة إلى الكهف"، إنه "البقاء في الكهف" مؤقتا لأنّ العالم الخارجي قد صار خطرا على الأجساد"(2).

  

فجأة، انكمشت حياتنا لمساحات بيوتنا الصغيرة، ووقفت حدود عالمنا عند أبواب المنزل، و"صار السؤال الرومانسي: "كيف نسكن العالم؟" سؤالا هزيلا وسيّئ الطرح، فجأة صار علينا أن نسأل: "كيف نسكن بيوتنا؟""(3). لكنّ بيوتنا أثبتت لنا أنها أكثر اتساعا ورحابة مما كنّا نظن، ففوق إيوائها لأجسادنا من الخطر، تتخذ طوال اليوم أدوارا أخرى متعددة، فقد تحوّلت أركانها إلى مكاتب نُنجز عبرها أعمالنا، وصارت الأريكة المقابلة للتلفاز سينمانا الخاصة بعد أن أغلقت دُور العرض أبوابها، ويكفي أن نفرد سجادة صغيرة ونمارس فوقها تمارين لتتحوّل أيضا إلى صالات رياضية، كما عادت أيضا مطابخ الكثيرين المغلقة في تلك الأيام إلى الحياة، ليبث الطعام المنزلي في جو البيت لمسة من الدفء. 

      

   

سيبقى الحجر المنزلي، بصفته الوسيلة الوقائية الوحيدة التي نمتلكها حتى الآن، لفترة طويلة، فترة تكفي ربما حتى تتغيّر عبرها دلالات البيت والعالم الخارجي في أذهاننا حتى بعد أن ينقضي الوباء، فيظل جزء منّا يشعر بتهديد خفيّ طوال بقائه في الخارج، ولا يعود الإحساس بالأمان التام إلا عند العودة إلى المنزل وإغلاق الباب بإحكام، لتبقى كل شرور العالم خارج البيت. 

    

الكارثة الأكثر عزلة

وبالراديكالية نفسها التي غيّر بها الوباء علاقتنا بالبيت، بدّل أيضا علاقتنا بالآخرين. فللمرة الأولى في حياتنا لا نستطيع أن نلجأ إلى غيرنا لنجد العزاء، فقد حوّل فيروس كورونا الآخر من مصدر سلوى إلى مصدر عدوى محتمل. فالإنسان بوصفه كائنا اجتماعيا طالما وجد العزاء، حتى في أحلك الظروف، في وجوده داخل جموع، جموع تصلي في المساجد وتبتهل وتدعو، أو جموع ترنّم في الكنائس وتطلب من الله أن يرفع البلاء، أو حتى جموع تلتف حول فريقها المفضل لكرة القدم وتهتف معا في سعادة حين تهتز الشباك وتنسى حزنها إلى حين، وجموع يلفها الظلام في صالات السينما وهي تتماهى تماما لمدّة ساعتين مع عالم خيالي وتترك حياتها المأزومة في الخارج. 

   
لكن الوباء حال دون كل هذا، فالجموع قد استحالت اليوم إلى بؤر مرض، وضاع منّا ما كنّا نلتمسه من عزاء في وجود الآخرين، ليصير بهذا فيروس كورونا الكارثة الأكثر عزلة. وهكذا، فكما يكتب المسكيني: "صار الاقتراب من أي جسم غريب لقاء غير مأمون العواقب بعد أن استعادت الأجسام البشرية وغير البشرية "آخريّتها" الجذرية وباتت كلّها توحي بتهديد "عدويّ" ما. إنّ "الآخر" بعامة قد فقد جزءا كبيرا من "سلامته" وصار فجأة ضيفا لا يُحتمل"(4).

     

  

ربما إن طالت الأزمة فسيَعْلَق بنا شيء من احتياطنا وريبتنا حيال الآخرين، ربما كما تقول أستاذة علم اللغويات ديبرا تانن: "يحل محلَّ إحساسنا بالراحة في وجود الآخرين إحساسٌ أكبر بالأمان في غيابهم، وبشكل خاص أولئك الذين لا نعرفهم عن كثب"، ربما نفكر مليًّا بعد هذا العام قبل أن نمد أيدينا بالسلام، "فقد بتنا نعرف أن لمس الأشياء، ووجودنا مع الآخرين، وتنفسنا في غرف مخنوقة، كلها عوامل تُعرِّضنا للخطر. ستتفاوت سرعة ترسّب تلك المفاهيم في أذهان الناس، لكن من المستحيل أن تختفي كليا بالنسبة لأي شخص عاش خلال تلك السنة"(5).

   

لا يحتاج اكتسابنا لعادات جديدة إلى وقت طويل، وكذلك لا يحتاج تجاهلنا لعادة قديمة حتى نسقطها من حياتنا تماما إلى وقت طويل. مَن يعرف، ربما بعد انجلاء الأزمة يموت شيء بسيط كالمصافحة(6). فمع كل الأشياء التي تبدّلت معانيها ودلالاتها في تلك الفترة القصيرة، تحوّلت أيضا المصافحة، تلك الإيماءة البريئة التي رافقتنا منذ حقب غابرة، من بادرة تدل على وُدٍّ وثقة إلى أحد المصادر الأساسية لنقل فيروس قاتل. قبيل فرض الحظر، عند لقاءاتنا، كانت تأتي تلك اللحظة المرتبكة التي تهم فيها الأيادي لتنبسط وتسلم بفعل العادة، فيسحبها خوفنا الناشئ من العدوى وتنكمش فجأة. ستمتد تلك اللحظة بعد نهاية الحظر وتتكرر، حتى يحل محلَّ الارتباك المفاجئ اعتيادٌ جديدٌ على الخوف من لمس أي جسد غريب، حينها، ستبدأ تلك العادة السحيقة في الموت، بعد أن فقدت براءتها.

      

  

ربما ينكمش أيضا معجم تعبيراتنا التي اعتدنا التعبير عنها باللمس. فكل تلك الأشياء التي كنّا نعجز عن النطق بها واختصرناها في إيماءات ولمسات، سنضطر بعد هذا أن نجد طريقة أخرى للتعبير عنها، أو نلوذ بدلا من هذا بالصمت. لا، بالطبع لن يقضي الوباء على قدرتنا أو رغبتنا في التواصل مع الآخرين، لكنه سيجعلها تتّجه بشكل أكبر للفضاءات الإلكترونية الآمنة، وكما تكتب تاننج: "بدلا من أن نسأل: "هل يوجد سبب يجعلنا نفعل هذا على الإنترنت؟"، بعد هذا سنسأل: "هل يوجد داعٍ أن نقوم بهذا على أرض الواقع؟""(7). 

  

فهناك، في تطبيقات المحادثة والمحادثات المرئية، لن تخاف من أن يعطس أحدهم فيتساقط رذاذ قاتل على وجهك، ولن تخشى أن يقترب منك أكثر من اللازم دون قصد فينقل إليك المرض، تستطيع هناك أن تتحدث وتتواصل مع الآخرين بلا خوف، فهذا فضاء نستطيع أن نقترب فيه من بعضنا ونحن في الحقيقة على بُعد آلاف الأميال. فالبُعد، المسافات بيننا وبين مَن نحب، كلها أشياء كنّا نكرهها، لكنها باتت الآن سبيلنا الوحيد للأمان في حاضر هشّ لأقصى حدٍّ باتت فيه النجاة تعني العزلة.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة