الحياة في زمن "كوفيد-19".. هكذا يعيش سكان إيطاليا مع فيروس كورونا

ميدان – الحياة في زمن "كوفيد-19".. هكذا يعيش سكان إيطاليا مع فيروس كورونا

اضغط للاستماع

 

"الضرورة وحدها قادرة على خلق تصرفات جديدة".

  

هكذا كتب الأديب الإيطالي جيوفاني بوكاتشيو في رائعته "الديكاميرون"، والتي يصف فيها فرار عشرة شباب إلى أطراف مدينة فلورنسا التي ضربها الطاعون في إيطاليا في القرن الرابع عشر هربا من الوباء. في ملاذهم الآمن، وحتى يغسلوا عنهم مشاهد الموت الذي شاهدوه ينتزع الأرواح ويترك الأجساد تتساقط في هشاشة أوراق الخريف، أخذوا يتبادلون حكي القصص.

 

اليوم، يجد الملايين ممن يعيشون في إيطاليا أنفسهم في موقف مشابه، ففيروس كورونا المستجد تحوّل إلى وباء "ينتقل من المريض إلى المعافى كاشتعال نيران تمسّ زيتا". صحيح أنه ليس في خطورة الطاعون الذي قتل ثلث سكان أوروبا، لكن انتشاره السريع الذي ضرب قرابة 70 ألف شخص في إيطاليا وأودى بحياة 7 آلاف وضع النظام الصحي على حافة الانهيار. ولإبطاء وتيرة الإصابات، اتخذت الحكومة إجراءات حجر صحي صارمة. 

 

لا، لم ينتقل الإيطاليون لأطراف البلاد مثلما فعل أبطال بوكاتشيو، فهذا حل غير عملي في القرن الحادي والعشرين، لكن بيوتهم نفسها تحوّلت إلى ملاذات آمنة يحتمون داخلها من أشباح المرض، وهو الوضع نفسه الذي يجد الملايين حول العالم أنفسهم مجبرين على معايشته، بعد اتباع دولة تلو الأخرى إجراءات الحظر الذي سبقت إيطاليا إليه. 

     

   

وقد خلقت ضرورة البقاء في المنزل تصرفات وأنماطا جديدة حاول الإيطاليون عبرها التأقلم مع هذا الوضع الذي فرضه عليهم الفيروس. في "ميدان"، أجرينا عدّة حوارات مع إيطاليين وعرب يسكنون إيطاليا، وصفوا لنا فيها شكل وطبيعة حياة اليوم داخل العزل، وأخبرونا عن محاولاتهم للتعايش في ظلال أزمة لا يعلم مداها أحد. 

      

أن تقرأ "الحرافيش" في الحجر

لا يملك معظمنا اليوم رفاهية أبطال الديكاميرون، فلا نستطيع أن نترك مشاغلنا ودراساتنا ونراوغ القلق ووطأة الوقت عبر التفرغ لحكي القصص، لكن الحكايات تظل الملجأ الأول الذي يحتمي الكثيرون خلاله من هذا الواقع الضبابي، وقد كان عبر قصص رواية "الحرافيش" أن وجد محمد عزت، باحث وكاتب مصري مقيم في روما، الكثير من المتعة والسلوى. 

          

تتبّع الرواية سلالة "عاشور الناجي"، الذي اكتسب لقب "الناجي" بعد أن كان وحده مَن نجا من وباء الطاعون الذي ضرب حارته. بعد منام رأى فيه ما سوف يكون من هلاك الجميع، حاول تحذير أهالي حارته أن يُؤثِروا السلامة ويرتحلون لمكان بعيد، لكنهم استخفوا بما قال واستمروا في عيش حياتهم حتى وضع لها الوباء نهاية طارئة. 

   

ويبدو أن معظم البشر خلال مختلف الأزمنة والبلاد يميلون للاستخفاف بالخطر، فقد كان هذا رد فعل عزت وأصدقائه أيضا في بداية انتشار فيروس كورونا بإيطاليا. يروي عزت لـ "ميدان": "في بداية ظهور الفيروس، كنت أنا وأصدقائي الإيطاليون نردد أن الأمر مبالغ فيه، فكورونا لا يقتل الشباب في مثل عمرنا. ساد مناخ عام من الإهمال، لم يهمل الجميع، البعض تحلى بالجدية منذ اللحظة الأولى، لكن أغلب الشباب، على حسب ما لاحظت، لم يأخذوا الموضوع بجدية كافية. كنا نلتزم بغسل أيدينا مرّات كثيرة على مدار اليوم، لكن لم نفعل ما هو أبعد من هذا".

  

جاءت اللحظة الفارقة، بحسب عزت، التي بدأ الجميع يشعر عندها بفداحة الوضع، حين قام رئيس وزراء إيطاليا جوزيبي كونتي بفرض الحجر الصحي الذي عمّ البلاد بأكملها يوم 11 مارس/آذار، ليصير بهذا -حينها- أكبر حجر صحي شامل في التاريخ الحديث، يقول عزت: "بدأ الجميع يشعر بخطورة ما يجري في تلك اللحظة، أدركنا أننا بصدد وضع كارثي، ليس فقط بسبب موت الآلاف، بل بسبب الشلل الذي أصاب الحياة". 

    

    

في ظرف بضعة أيام، تحوّل النسق اليومي لحياة الملايين في إيطاليا، فهذا الشعب المعروف بمدى اجتماعيته وحبه للمرح وجد أفراده أنفسهم حبيسي منازلهم. وقد تحوّلت حياة عزت بدورها، فيومه الذي كان يقضيه بين دراسة وعمل وممارسة الرياضة والخروج لمقابلة الأصدقاء، بات يقتصر على المكوث في البيت. لم يستطع عزت التخلص من الإحساس بكونه محتجَزا، ولا المقارنة بين أيامه الآن التي يقضيها في هدوء بين جدران البيت ولياليه السابقة في شوارع روما المليئة بالصخب والحياة. 

  

يقول: "اكتشفت كم أحب هذه المدينة بكل تفاصيلها، الحلوة والسيئة على السواء. أود أن ينتهي هذا الوباء في أسرع وقت حتى أضم إليّ جيراني وأصدقائي الجدد، وأخبرهم كم أحبهم. أود أن أرى الشارع يضج بالحياة عندما أهبط إليه لأشرب سجائري، فاليوم، يملؤني منظره وهو خالٍ من الناس بالحزن. أدركت كم تزخر حياة الإنسان بأشياء مهمة لا يُدرك مدى أهميتها سوى عند فقدانها". 

  

وحتى ينتهي الوباء، يحاول عزت التعايش مع الحجر، الذي يرى أنه، كغيره من الأشياء الغريبة التي نجد أنفسنا بصددها في الحياة، لا يفلح التعامل معه بالخطط، بل بالتجربة، ويشغل وقته الآن بالعمل، وسماع "سيرة الأراجوز"، وقراءة "الحرافيش". 

   

مراوغة الملل بالكتابة

   

في روما غير بعيد عن عزت، تعيش الإيطالية فاليريا آنشي، لا تشغل فاليريا نفسها بقراءة القصص، بل بتأليفها. أصاب الوباء كل ما في حياة فاليريا بالشلل. فيما سبق، كانت فاليريا تعمل معدّة في برنامج يتناول التاريخ الطبيعي والفني لإيطاليا ويُعرَض على المحطات المحلية. خلال مراحل الإعداد، تسافر فاليريا إلى مدن كثيرة لإجراء التحضيرات، كان من المفترض أن تكون الآن في إحدى تلك الرحلات، لكن الفيروس كان له قول آخر. تروي فاليريا لـ "ميدان": "كنا في مرحلة ما قبل الإنتاج، نُعِدُّ للموسم الجديد ونُحضِّر القصص التي ستظهر فيه، وكان من المفترض أن نسافر هذا الأسبوع لإحدى المدن للتصوير، لكن كل شيء توقف".

   

ككثيرين ممن يعملون في صناعة السينما والتلفاز حول العالم، فقدت فاليريا وظيفتها بعد أن أغُلِقَت الأستوديوهات، وحال الحظر دون عودتها لإيقاع حياتها المعتاد: " قبل العزل، كانت حياتي اليومية هادئة، أقابل أصدقائي من آنٍ لآخر قبل أن أختفي وأسافر في رحلات العمل، وأحضر اجتماعات في مكتب القناة بروما للتحضير للموسم الجديد".

  

لكن كل شيء توقف؛ "كنت أذهب إلى النادي الرياضي لكنه أغلق أبوابه، واعتدت أن أجري في ساحة جميلة خارج بيتي لكنها أيضا أغُلِقَت. اليوم، قرأت أن السير في الشوارع ليس ممنوعا، لكنه غير مستحب على الإطلاق"، فحتى تمشي في الشارع، عليك أن تحمل ورقة مكتوبا عليها سبب خروجك من البيت، ولو لم تكن في الخارج لضرورة قصوى، فستتعرض لدفع غرامة باهظة. 

  

في البيت بلا عمل ولا شيء ضروري للقيام به، قرّرت فاليريا أن تتفرغ لخططها المؤجلة، وتشرع في تأليف كتاب، فهي أيضا كاتبة: "أدركت أن هذه هي أفضل فرصة لكي أبدأ في كل تلك الأشياء التي طالما ماطلت ولم أفعلها. وضعت لنفسي جدولا صارما موزعا بين العمل والدراسة، وأخصص بعض الوقت أيضا لتنظيف المنزل، ولممارسة هوايات كالبريكولاج. الكثير ممن أعرفهم مشغولون الآن بشكل يفوق كثيرا انشغالهم قبل الحظر". لكن أهم شيء، في وجه نظر فاليريا، هو أن تبتعد عن الأخبار: "كانت الأيام الأولى التي ظللت أتابع فيها تصاعد الأرقام هي الأسوأ على الإطلاق!".

    

متعة الشمس والهواء

    

إلى الآن، لم يصل انتشار المرض بروما في الجنوب إلى الأرقام المفزعة التي وصل إليها شمال البلاد، فقد كان في إقليم لومبارديا الشمالي أن بدأ كورونا في التفشي. ولهذا، سرى الحجر الصحى أول ما طُبِّق على مدن الشمال -قبل أن يُعمَّم لاحقا ليشمل إيطاليا بأكملها- والإجراءات التي اتُّخِذَت هناك اتَّسمت بالصرامة منذ اللحظة الأولى. 

   

في ميلان، عاصمة لومبارديا، حكى أحمد حسن لـ "ميدان"، مصري يعمل بشركة تأمينات في إيطاليا، عن تلك الإجراءات: "لا أحد يسير في الشوارع الآن، ممنوع الخروج بشكل قطعي إلا للضرورة القصوى. وأثناء سيرك في الشارع، يجب أن تُقدِّم تصريحا يُبيِّن سبب خروجك من المنزل". 

  

هنالك أربعة أسباب فقط يُسمَح في حالتها بالخروج: "الذهاب إلى الصيدلية، أو إلى المتجر، أو إلى المشفى، أو العمل". في حالة ذهابك لعملك، يجب أن تُقدِّم ما يُثبت ذلك، وفي كل الحالات، يكون عليك أن تُوضِّح للشرطة أي طريق ستسلك والعنوان المحدد لوجهتك. أما إذا خرجت من بيتك لأي سبب آخر، فستتعرض لدفع غرامة كبيرة، وفي بعض الأحيان قد تتعرض للمقاضاة والحبس.

    

في ظل تلك الأجواء، حتى الرحلة لشراء الطعام تصير عسيرة، يروي حسن لـ "ميدان": "منذ بضعة أيام، خرجت للمتجر واضطررت أن أقف في الخارج فترة طويلة. فلا يُسمح بدخول سوى عدد قليل من الأشخاص في المرة الواحدة، ويصطف الباقي في الخارج في طابور طويل على أن يترك كل شخص مسافة متر ونصف بينه وبين الآخرين".  

    

   

وفي ظل الانتشار السريع للوباء في لومبارديا، يختبر سكان الإقليم المرض عن قرب؛ فلم يعد الأمر بالنسبة إليهم يقتصر على سماع أخبار من بعيد عن الفيروس، بل يضرب بعضا من المقربين إليهم. كان هذا هو حال حسن، الذي أصاب فيروس كورونا والد أحد أصدقائه. حيث يقول لـ "ميدان": "بدأ الأمر معه بارتفاع في درجة الحرارة لم ينخفض خلال ثلاثة أيام، وفي اليوم الرابع، أخذوه للمشفى حيث اكتشفوا أنه مصاب بفيروس كورونا". اليوم، يعجز والد صديقه عن التنفس وحده، يجب أن يبقى طوال الوقت على أجهزة التنفس، وينام على بطنه حتى يتمكّن من استنشاق الأكسجين. 

   

وفي ذلك الوضع الصعب، تعجز عائلته عن معرفة أي شيء عنه، فهو معزول عن الجميع في مستشفى الحجر، يتصل الأطباء بأبنائه كل يوم في الواحدة ظهرا ليخبروهم عن آخر تطورات الحالة. في آخر اتصال، أخبروهم بأنه "قادر الآن على التبول بمفرده". 

   

في تلك الأجواء المشحونة بالحزن والتوتر، يزيد تقدير حسن للمتع البسيطة: "تغيرت حياتي تماما، أنا اليوم في البيت طوال الوقت، وفي العزلة، لا أجد ما يفرحني أكثر من الجلوس في الشرفة تحت أشعة الشمس، أستنشق هواء نقيا". 

   

لا وحدة في الفضاءات الإلكترونية

على عكس الكثيرين، لم يكن يحيى حسين، طالب ماجستير مصري يعيش في ميلان، يمتلك رفاهية عدم الاكتراث، فمرضه بالربو يجعل خطورة الفيروس مُضاعفة عليه، ولهذا، فكما أخبرنا ضاحكا: "كنت أول شخص في اعتقادي يتعامل مع الموضوع بجدية في إيطاليا". 

    

     

منذ قرابة الشهر، قبل حتى أن يُفرَض الحجر الصحي، وهو ملتزم بيته، لم يخرج سوى مرات قليلة لشراء الطعام، وفي أحد الصباحات الباكرة خلال رحلته للمتجر عند بدايات انتشار كورونا، وجد "إيطاليا كلها في الشارع". فالشعب الإيطالي، على حد قوله، "يعجز عن البقاء في البيت". 

   

يقول يحيى لـ "ميدان": "منذ أسبوعين، كان من المعتاد أن تجد الناس يخرجون للملاهي مساء ويسهرون في الخارج. وحتى أسبوع واحد، كان الكثيرون يخرجون للجري في الشارع وتمشية كلابهم". لكن بعد أن تصاعدت الأرقام وبدأ الكل في إدراك مدى خطورة الوضع، تغيّر كل شيء، "الآن، الشوارع خاوية تماما، وتطوف سيارات الشرطة وتوصي الناس بالبقاء في البيت". 

  

لكن هذا الوضع وإن كان لا مفر منه الآن، فقد خلق مشكلات كبيرة: "يعتمد الكثيرون على راتبهم من العمل لدفع إيجار المنزل، والآن وقد توقفوا عن العمل، لا يعرفون كيف يُدبِّرون أمرهم". ويحيى الذي يستطيع حتى الآن توفير نفقاته، وجد نفسه في مأزق مختلف: "أحتاج إلى أدويتي ووصفاتي الطبية، ولا أعرف لو مرضت ماذا سأفعل". فالآن، وفقا ليحيى، يتجنّب المعظم الذهاب إلى المستشفيات أو حتى طلب الطوارئ خوفا من العدوى. 

  

وفي العزل، يحاول الكل التحايل على الوحدة عبر الفضاءات الإلكترونية: "ننشد الونس في التواصل عبر الإنترنت. أجتمع مع أصدقائي ونتشارك الطبخ على الهواء، ونلعب معا على إنستغرام. الأسبوع القادم، رتبت مع ستة من أصدقائي لقاء على تطبيق "زووم"، أربعة منهم في ميلان، وواحد في أذربيجان، وآخر في الأردن".  وخلاف ذلك، يُشدِّد يحيى على أهمية أن ينشغل كل مَن يجد نفسه معزولا في منزله بشيء يعمل عليه: "لولا رسالة الماجستير، كنت سأُجن". 

—————————————————————

ملحوظة:

* بعض الأسماء غُيِّرت نزولا على طلب المشاركين في الحوار.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

بظل التأثيرات الواسعة لفيروس "كورونا" تُطرح الكثير من الأسئلة، والاستفسارات حول طبيعة الفيروس، وقدرتنا على التعامل معه، وعن مستقبل المرض.. إليكم أبرز هذه التساؤلات والتي يجيب عنها الدكتور ليث العملة.

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة