"ضد الهوس بالكمال".. كيف تساعدنا الفلسفة اليابانية في تقبل النقص؟

"تُركِّز ثقافتنا اليوم تركيزا مفرطا يكاد يكون حصريا على التوقعات والآمال الإيجابية إلى حدٍّ غير واقعي: كن أكثر سعادة، كن أكثر صحة، كن الأفضل، كن أحسن من الآخرين، كن أكثر ذكاء، وأكتر سرعة، وأكثر ثراء، وأكثر إغراء، وأكثر شعبية، وأكثر إنتاجية، وأكثر استقطابا لحسد الناس، وأكثر استقطابا لإعجابهم، كن كاملا مدهشا، وتبرَّز سبيكة ذهبية من عيار أربعة وعشرين قيراطا قبل إفطارك كل يوم وأنت تمنح زوجتك الجميلة وأطفالك قبلة الصباح، ثم انطلق بطائرتك الهليكوبتر الخاصة إلى عملك الرائع الذي يُرضي طموحك حيث تمضي أيامك في أداء مهام كبيرة المغزى إلى حدٍّ لا يُصدَّق، أعمال من المحتمل أن تُنقذ هذا الكوكب ذات يوم!"

(فن اللامبالاة لعيش حياة تخالف المألوف، مارك مانسون)

   

في عالم اليوم، نشأنا جميعا تحت تأثير ثقافة الكمال، تُحاصرنا دعوات السعي نحو الكمال من كل جانب؛ في لافتات الإعلانات الضخمة على الطرق السريعة، وعلى شاشات التلفاز، ووسائل التواصل الاجتماعي، صور كل ما فيها مثالي، بيوت فخمة منمقة، تسكنها عائلات سعيدة، أب أنيق يعود من العمل في سيارة فارهة، يدخل إلى بيته الفخم ليحتضن أبناءه بابتسامة على وجهه، وأم أنيقة لطيفة بمكياج كامل وشعر مرتب طوال الوقت وبشرة مشدودة وشفاه منفوخة وجسد مطابق لمقاييس مثالية، صغار مرتبو الملابس سعداء ومتوردو الخدود. صورة مثالية يسعى الجميع للوصول إليها، جزرة معلقة أمام أعينهم بلا أمل.

   

حتى في الأسواق ينظم الباعة الثمار "المثالية" في الأعلى، التفاحات الحمراء تامة الاستدارة منتظمة الشكل دائما في أعلى القفص بغض النظر عن طعمها. منذ الصغر تربينا على السعي نحو الكمال، وتحقيق الأفضل، وأن تصبح الأنجح أو الأجمل. محاصرون نحن بالرغبة في الوصول إلى الكمال، والهرب من آثار الزمن، نجري كالفئران في العجلة دون أمل في السكينة.

     

تمنحنا فلسفة "وابي سابي" الفرصة لبعض الهدوء، لالتقاط الأنفاس، وتأمل فعل الزمن وآثاره، والاحتفاء بها
    
الجمال في قبول التغير ومرور الزمن والفناء

تُقدِّم فلسفة "وابي سابي" اليابانية نموذجا جماليا مضادا للنموذج الجمالي الغربي الكلاسيكي الذي يسعى للمثالية. "إيجاد الجمال في الأمور الناقصة الفانية وغير المثالية"، هكذا عرّف ليونارد كورين "وابي سابي" في كتابه: "وابي سابي.. للفنانين والمصممين والشعراء والفلاسفة". "وابي سابي" هي فلسفة جمالية يابانية ترتكز على ثلاثة مبادئ أساسية هي: لا شيء يدوم وكل شيء في حالة تغير مستمر، لا شيء ينتهي (يكتمل)، لا شيء مثالي/كامل. وقد ظهرت في نهايات القرن الرابع عشر وأوائل القرن الخامس عشر في اليابان كرد فعل مضاد لانشغال المجتمع الياباني وقتها بالجمالية السائدة والمعنية بالزخرفة والفخامة والمواد الغالية، وبرزت بشكل خاص في طقوس تقديم الشاي في تفضيل استخدام الخزف الياباني التقليدي البسيط عن الصيني المثالي المتخم بالزخارف، وربما برزت كنتاج طبيعي لمجتمع يواجه الكثير من الزلازل والكوارث الطبيعية بشكل شبه معتاد كمحاولة للتصالح مع تهديدات الطبيعة وتقبلها والبحث عن الجمال فيها، والسير وفقا لقوى الطبيعة ومسار الزمن لا ضدهما.(1)(2)(3)

   

تصعب ترجمة الأصل الياباني ترجمة دقيقة، خاصة مع تطور دلالات لفظتَيْ "وابي" و"سابي" بمرور الزمن. لكن بشكل عام ترتبط لفظة "وابي" بالوحدة أو العزلة، ذلك النوع من الانعزال الذي يستشعره الناسك في الطبيعة النائية. أما "سابي" فترتبط بالذبول أو الصدأ أو أثر مرور الزمن على الأشياء. لذلك يمكن تفسير "وابي" بما تحمله البساطة من رونق، أما "سابي" فيمكن تفسيرها بحركة الدهر وما يتبعها من زوال.(4) (5)

    

تمنحنا فلسفة "وابي سابي" الفرصة لبعض الهدوء، لالتقاط الأنفاس، وتأمل فعل الزمن وآثاره، والاحتفاء بها. إن قبول عدم كمالية العالم من حولنا وتغيره وزواله والاحتفاء بهذه الحقيقة يحررنا من عبء السعي نحو كمال غير متاح، إذ ينبغي أن يكون لمرور الزمن القدرة على ترك بصمته على الأشياء. فالانحلال المادي والتآكل الطبيعي الحادث للمواد لا يجب أن يُقلِّل من جاذبيتها البصرية لكنه يُضيف إليها، حيث يمنح تغير الملمس واللون مساحة لخيالنا للولوج إلى الحكاية، والتورط والانشغال بالقطعة، وبما مرّت به وما آلت إليه. وبينما يستخدم التصميم الحديث مواد غير عضوية لمقاومة آثار الزمن، على العكس يتبنّى "وابي سابي" هذه الآثار ويُبرز هذه التحولات ويستخدمها كجزء من جمالية القطعة.

     

  

الجمال في النقص

في تطبيقها لـ "وابي سابي"، تحكي جريتشن روبرت قائلة: "في منزلي، يحمل الجدار الذي يقود إلى الطابق العلوي سلسلة من بصمات الأصابع الصغيرة، والتي تقبع أمامي لتذكرني بمهمة جديدة تُضاف إلى قائمة مهامي المنزلية مرة تلو الأخرى: تنظيف آثار الأصابع من على الجدار. لكن مؤخرا، بعد أن اعتنقت مبادئ "وابي سابي"، الفن الياباني في تقدير الجمال في عالم غير مثالي، لم أعد أرى آثار أصابع الصغار كشوائب عليَّ محوها ضمن قائمة مهامي المنزلية، وبدلا من التحسر على ما أصاب منزلي الجميل من اضمحلال، صرت أراها تروي حكاية.. حكاية رحلات صغاري الليلة إلى فراشهم".(6)

   

يبرز هذا الاحتفاء بالنقص في فن "الكينتوسوغي" الياباني، إذ يتم إصلاح أواني الفخار اليابانية بماء الذهب للصق الشقوق وإبرازها بدلا من تخبئتها، للاحتفاء بلحظة الكسر وتثبيتها كلحظة مهمة في تاريخ الإناء، وتأكيد قبول حتمية التغيير والفناء.(7)

   

"إن الأخطاء في معظم الأحيان ذات طبيعة مقدسة، لا تحاول تصحيحها، بل على العكس، حاول أن تفهمها بدقة ثم حاول أن تصقلها"

(سلفادور دالي، مذكرات عبقري)

    

فن "الكينتوسوغي" الياباني (مواقع التواصل)

     

بين قبول النقص والإهمال.. أمثولة سيد الشاي

يترك عدم الاكتمال مساحة للخيال والتأمل، والذي يؤدي بنا إلى إدراك قوى الطبيعة والزمن وتأثيرهما في تشكيل القطعة، والقبول بهما والتخلص من الاعتقاد بانفصالنا عما يحيط بنا من أشياء. يساعدنا ذلك على إدراك أنفسنا كجزء من العالم الطبيعي غير منفصلين عنه، وأننا مثل غيرنا من الأشياء تحت رحمة تقلبات الطبيعة والزمن. يمنحنا "وابي سابي" فرصة لرؤية ما نمر به يوميا مرور الكرام بنظرة جديدة تتفتح على الجمال الكامن فيه.(8) اعتاد الفنان جين ميشيل باسكيات على كتابة كلمات على لوحاته ثم شطبها، وعندما سُئل عن ذلك أجاب: "أنا أشطب الكلمات لترونها أكثر، فحقيقة كونها مطموسة تجعلك ترغب أكثر في قراءتها".(9)

 

 

لكن ذلك لا يعني الإهمال أو عدم الاهتمام، بل على العكس، إذ تهتم فلسفة "وابي سابي" بترتيب العناصر، لكن ترتيبها بشكل طبيعي يقبل النقص فيها، وربما يوضح المثال التالي الفارق: طبقا للحكاية التقليدية اليابانية فقد ذهب سين نو ريكو سيد الشاي الياباني لتعلم مبادئ ما يُعرف بسادو أو "طقوس الشاي اليابانية" على يد معلمه تاكينو جو، والذي طلب منه لاختباره أن يجهز الحديقة. نظف الشاب ريكو الحديقة وأزال عنها الشوائب، وفي النهاية هزّ شجرة الكرز، فتساقط منها القليل من الأزهار بشكل عشوائي على الأرض. هذا هو جوهر "وابي سابي". (10)

   

كيف نطبق "وابي سابي" في حياتنا؟

لا يحتاج الأمر إلى مهارات خاصة أو إلى إنفاق المزيد من الأموال، لكن جُلّ ما يتطلبه هو أن نهدأ قليلا، ونبطئ من إيقاعنا بعض الشيء لنُقدِّر الجمال الصامت العاري من الزخارف، وأن نطلق العنان لهذا التوق الإنساني للحكمة والأصالة والبحث عن التاريخ المشترك، أن نحول منظورنا من السعي نحو الكمال إلى تقدير ما هو قائم وتقدير النقص فيه. وعلى الرغم من النظرة السائدة لـ "وابي سابي" وتطبيقه باعتباره فلسفة جمالية، فإن بإمكاننا تطبيقه على الكثير من نواحي حياتنا، فالمعاناة والألم والقبح جزء من الحياة علينا أن نقدره ونقبله ونحتفي به، تماما كاحتفاء اليابانيين بالشقوق في أواني الفخار ولصقها بماء الذهب. لا يمكننا هنا وضع خطوات مختصرة وعملية على غرار كتب الأدلة لتطبيق "وابي سابي" في حياتنا، فهو كما سبق أن أشرنا فلسفة حياة كاملة، لكن يمكننا الإشارة إلى بعض النصائح التي تساعد على تطبيقها في بعض جوانب الحياة اليومية:

  

في البيت/ الديكور

   

يُستخدم "وابي سابي" على نطاق واسع في التصميم الداخلي، فهو يحتفي باستخدام قطع مصنوعة يدويا فريدة ومتميزة بدلا من القطع المكررة الموجودة في كل مكان. ولتطبيق "وابي سابي" ليس عليك أن تنفق الكثير من المال لشراء قطع الأثاث التي تبدو بمظهر قديم (vintage)، بل يمكنك انتقاء بعض القطع العزيزة على قلبك والمتوارثة في أسرتك، أو التسوق في أماكن بيع الأثاث القديم، أو حتى شراء قطع أثاث جديدة بسيطة وترك الزمن يقوم بفعله دون قلق. استخدم القطع المصنعة يدويا، اذهب في زيارات طويلة وممتعة لحوانيت الحرف التقليدية في مدينتك، واستمتع بهذا الجمال الفريد الكامن تحت أنامل الحرفيين المهرة. استخدم المواد الطبيعية مثل الخشب والأحجار والمعادن، وابتعد عن المواد المصنعة كالبلاستيك. استخدم لوحة ألوان طبيعية مثل تدرجات الأخضر والرمادي والألوان الترابية. سيخلق هذا نوعا من الوئام بينك وبين الطبيعة. لا تخزن القطع في الخزانات أو على الرفوف، واحرص على أن تكون كل القطع في بيتك جميلة أو مفيدة أو كليهما.(11) (12)

   

على مائدة طعامك

طبقا لسيمون براون مؤلف كتاب "وابي سابي العملي"، فإن طعامنا يجب أن يكون طبيعيا وبسيطا وأن تستخدم حدسك في إعداده، وهو ما يعني الارتجال عندما لا يتوافر أحد المكونات في المطبخ، والاحتفاء بالطعام المنزلي المعد بمحبة، واستخدام الخضر والفاكهة المزروعة في حديقتك أو المتاحة لدى باعة الخضر المحليين بدلا من تلك المعبأة في البلاستيك. لا تكتفِ بتذوق الطعام، بل استنشق الروائح، واستمتع بملامس الطعام المختلفة في فمك، استخدم التوابل الطازجة وحمّصها واطحنها بيديك، واطهُ الطعام على مهل.(13)

   

في الملابس والموضة

يتعلق الأمر بتقدير ما لديك من الملابس بدلا من السعي الدائم نحو امتلاك الجديد. تسعى أسواق الموضة السريعة كل موسم لخلق حاجات شرائية وهمية لدى المستهلكين، يساعدنا "وابي سابي" على مقاومة هذا. تأمل ما لديك، تأمل قطع الملابس التي اعتدت أن تحبها، حاول أن تتذكر لماذا أحببتها، وما تقوله عنك؛ عمن كنت ومَن أصبحت. لا يعني هذا أن عليك استخدام قطع الملابس المبقعة أو الممزقة البالية مما يشعرك بعدم الارتياح، لكنه يعني ألا تسارع بالتخلص من ملابسك لمجرد أنها لا تناسب موضة الموسم الحالي. يعتمد تطبيق "وابي سابي" فيما يخص الملابس على مزج القطع القديمة مع الجديدة، والحرص على اقتناء قطع ملابس مصنوعة من مواد مثل القطن والكتان والحرير الطبيعي، ومنتجات جلدية مصنوعة من الجلود الطبيعية، وكذلك اللجوء للملابس المصنوعة يدويا بدلا من منتجات الموضة السريعة، واللجوء لأسواق الملابس المستعملة وربما لدولاب جدتك أيضا.

     

    

في التجميل

بينما تحيط بنا من كل جانب إعلانات عمليات التجميل، ومستحضرات تعدنا بشباب دائم، وتعدنا بالتخلص من التجاعيد والشعر الأبيض، فعلى العكس يحتفي "وابي سابي" بمرور الزمن، فالانشغال بتثبيت الشباب هو انشغال بالركود والتوقف بدلا من التقدم في الحياة. إن كل أثر لجرح على جلدنا يذكرنا بقصة، والتجاعيد حول الفم تحكي عن ضحكاتنا، وتلك حول العينين تحكي عن الخبرات والسنين التي مرت بنا ومررنا بها. لا يعني هذا إهمال العناية الشخصية أو إهمال العناية بجمالك، بل على العكس، فإن العناية بالذات هي شكل من أشكال الحضور وتأكيد الوجود. لكن لا تسعَ لإخفاء تفاصيل وجهك، وتوحيد لون بشرتك، لا تجعل وجهك في الواقع شبيها لنتائج فلاتر إنستغرام على صورك، احتفِ بجمالك وبأثر الزمن عليه، واستخدم منتجات العناية التي تحافظ عليه دون إفراط.

   

في العلاقات

لا يوجد شخص مثالي، كلنا نحمل عيوبنا وشروخنا الشخصية، فالعيوب هي ما يربطنا بإنسانيتنا في أعمق نقاطها وأكثرها هشاشة. الأحكام منهكة للروح وللعلاقات، نحتاج إلى تعلم كيف نتقبل أنفسنا ونتقبل الشخص الآخر، كيف يمكننا الاستمتاع بالعلاقة وبما تتيحه من مشاعر وعاطفة دون محاولات مستمرة لإصلاح الطرف الآخر وتقويم عيوبه.(14)

"هناك شقوق في كل شيء.. هكذا فقط يتسلل الضوء إلى الداخل"

(ليونارد كوهين)

  

      

في العمل

تكرس أغلب بيئات العمل للتميز والوصول للكمالية، وهو ما يوحي بأنها ليست الساحة المثلى لتطبيق فلسفة "وابي سابي". لكن إذا فكرنا بعمق فتطبيق "وابي سابي" في العمل سيتيح مساحة لتحسينه بشكل كبير. سواء كنت موظفا أو صاحب عمل أو تعمل عملا حرا، فإن تبنّي "وابي سابي" في عملك يخلصك من العديد من الضغوط الناتجة عن العمل، كما يسمح لك بتطوير عملك، حيث تتاح لك الفرصة لرؤية الأخطاء والمشكلات بحجمها الحقيقي، والتخلص من التوتر والضغوط. حسنا، أنت تعرف الآن أن كل هذا سيمضي، وسيمر، فبدلا من الضغط الدائم الناتج عن السعي نحو المثالية والكمال ستدرك الجمال في الأخطاء، وستتسامح بشكل أكبر مع الأخطاء الخارجة عن إرادتك، بينما إن انشغلت بالعيوب والأخطاء الصغيرة ستجد نفسك منهكا وغير قادر على رؤية الصورة الكبيرة للعمل، وهو ما سيكلفك أكثر على المدى البعيد.(15)

   

أخيرا، إذا أردت البحث عن "وابي سابي" فابحث عنه في أسواق الملابس المستعملة، وفي دواليب الجدات، في حوانيت الملابس المطرزة يدويا، بعيدا عن المجمعات التجارية ذات الواجهات الزجاجية اللامعة، ابحث عنه في أسواق الخضراوات التقليدية، في كسرة الوزن في قصيدة المحب، ونداء البائع على بضاعته، في السن الناقصة في فم طفل، ومثيلتها في ضحكة العجوز، في الصداقة المستمرة رغم الانشغال واللوم والأخطاء.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

ما تقدمه من تعقيدات كارثية وما تفرضه من مشكلات في مواجهة عقلانية العلم وتصرفات العلماء في أثناء الثورات، هو لا شك واحد من أعظم المواجهات على ساحة العلم وفلسفته.

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة