نظرية التعلق.. كيف تؤثر السنوات الأولى من عمرنا على سلوكنا العاطفي للأبد؟

 

"لا يعيش الإنسان بالحليب وحده، فالحبّ عاطفة لا تمنحها زجاجة حليب مجرّدة من العواطف".
(هاري هارلو)

تماما مثلما ينمو الطفل في سلوكه وإدراكه، ينمو الإنسان عاطفيا واجتماعيا منذ لحظة ميلاده. ظلّ النمو العاطفيّ والاجتماعيّ مسألة مُبهمة شديدة التعقيد، ويطرح ذلك تساؤلات عدّة، لماذا نجد أحد الأطفال أكثر لُطفا من الآخرين؟ ولماذا يتصرّف بعض الأطفال بعدوانية؟ ولماذا يبدو البعض أكثر استقرارا عاطفيا من البعض الآخر؟ كانت هذه هي الأسئلة المبدئية التي انطلق منها علماء النفس والاجتماع، لكنّ المفاجأة الصادمة انبثقت لاحقا في سلسلة الدراسات والتجارب التي أثبتت أنّ طبيعة استقرارنا العاطفي والنمط العاطفي الذي نتّخذه مع شركائنا أو أزواجنا وأصدقائنا في المستقبل إنّما يتأثّر بصورة واضحة بالشهور والسنوات الأولى من طفولتنا. فكيف يحدث هذا؟

 

بدأت القصّة في بدايات القرن العشرين، حينما لاحظ المُحلّلون النفسيون أنّ نسبة كبيرة من الأطفال الذين ينشؤون في دور الأيتام، أو في سكنات الرعاية الاجتماعية التي يتلاشى فيها التواصل العاطفيّ الحميميّ بين الأطفال ومُقدِّمي الرعاية الأساسية (الوالدين، الأجداد، الأخوة، الأقارب…) غالبا ما يكونون غير مُستقرّين عاطفيا.(1)

 

لوحظ أنّ غياب عناصر الاهتمام والرعاية في الطفولة وعند الرضاعة يتسبّب في اختلالات عاطفية وسلوكية واجتماعية، إذ قد يتسبّب هذا الحرمان في نشأة أطفال لا يشعرون بالأمان الاجتماعي ويفتقدون القدرة على بناء وتطوير العلاقات الاجتماعية والعاطفية بصِيَغ سليمة وآمنة، وهو تشخيص لاضطراب أُطلق عَليه لاحقا اسم اضطراب التعلّق الانفعالي (Reactive Attachment Disorder)*، في مقابل اختلال عاطفيّ آخر يجعل الطفل يألف الغرباء بشكل مفرط، ويبحث لدى المارّة والغرباء عن إنشاء علاقة حميمية عائلية تماثل علاقة الأم أو الأب المفقودة، وهو ما يُسمّى باضطراب الانخراط الاجتماعي غير المنضبط (Disinhibited Social Engagement Disorder).*

ليس التواصل الاجتماعيّ والعاطفيّ مع الرضيع شيئا كَمَاليا أو ترفيهيا كما يبدو للوَهلة الأولى. في الحقيقة، يُمكِن للحرمان العاطفي والإهمال الاجتماعيّ بحالته القصوى أن يُؤدّي إلى وفاة الرضيع، وإن اكتملت تلبية حاجاته الضرورية الأخرى من طعام وشراب.* الاهتمام العاطفي بالطفل من خلال الحديث معه ومداعبته وإشعاره بالحُبّ وخلق اهتمام تواصلي بين مُقدّم الرعاية والطفل ضروريّ للغاية لبناء أرضية اجتماعية آمنة لدى الطفل. ومن المدهش ما يُنبؤنا به العِلم في كَون الإهمال الاجتماعيّ التامّ والحرمان العاطفي للرضيع يؤدّي إذا ما استمرّ لأكثر من ستّة أشهر متواصلة إلى عَطَب اجتماعيّ دائم وفشل عاطفيّ يُلازم الطفل لبقية حياته.*

 

ونتيجة لهذه الملاحظات، أجرى عدد كبير من الباحثين سلسلة من التجارب والدراسات لفهم طبيعة النموّ العاطفيّ والاجتماعيّ لدينا، الأمر الذي انبثق عنه لاحقا مفهوم مركزيّ جدّا في الخبرة البشرية، أُطلِق عليه اسم نظرية التعلّق (Attachment Theory)، والتعلّق هو مجموعة المشاعر والروابط والرغبات الحميميّة التي نخلقها ونبنيها مع عناصر محدّدة تمنحنا الرعاية والدفء والحنان عند ولادتنا في طفولتنا، وعنصر التعلّق هو الشخص الذي يمنحنا وجوده الأمان، ويتسبّب غيابه لنا بالخوف والقلق والإرباك. فما التجارب التي أُجريت وفجّرت لنا أبعاد هذا المفهوم المركزيّ المَدعو بالتعلّق؟ لنُلقِ نظرة على ذلك.

 

في المنتصف الثاني من القرن العشرين، أجرى الطبيب النفسانيّ هاري هارلو سلسلة من التجارب القاسية على مجموعة من القردة لدراسة أثر انفصال الأُمّهات عن أطفالهن الرُضّع في مراحل مختلفة من حياتهم. أثارت تجارب هارلو حفيظة الوسط العِلمي حول مدى أخلاقيتها، إذ تُوضَع تجارب هارلو القاسية في أعلى لائحة المُعترضين على التجارب التي تُجرَى على الحيوانات. لقد استخلص هارلو الكثير من النتائج العلمية المدهشة، لكنّها قاسية في الوقت نفسه، ممّا دفع العديد من الباحثين للتساؤل: "لماذا كانت هذه التجارب ضرورية؟ الكلّ يعلم أنّ الحُب ضروري، فَلِمَ تعذيب صغار القِرَدة لإثبات هذا الأمر؟". (2)

قام هارلو بفصل المواليد والرُضّع من القِرَدة عن أمّهاتهم بعد ساعات قليلة من ولادتهم، ومن ثمّ وُضع أطفال القردة في أقفاص منضبطة الحرارة، حيث يوجَد في كلّ قفص نَوعان من المُجسّمات الاصطناعية مصنوعان على هيئة الأمّ، أحدها مُجسّم مَعدنيّ يحتوي على زجاجة تدرّ الحليب، والثاني مُجسّم ملفوف بقطعة قماش ناعمة، لكنّها لا تدرّ أيّ طعام أو شراب.

 

كانت أولى ملاحظات هارلو أنّ صغار القردة تُفضِّل إمضاء وقتها متشبّثة بمُجسّم الأمّ الناعم الذي يمنحها الأمان أكثر من تفضيلها للمُجسّم الذي يمنحها الحليب. يلعب اللمس المباشر بين جسم الأمّ وجسم الرضيع دورا مُهمّا في منح الشعور بالأمان ومن ثمّ تشكيل تعلّق عاطفي آمن بين الطرفين، وهو أمر صار لاحقا جزءا أساسيا من فهمنا العلميّ لطبيعة العلاقات العاطفية والاجتماعية لدى الثدييات، بما فيها الإنسان.(3)

 

لاحقا، قام هارلو بإدخال مجسّم غريب مثير للخوف، وهو عبارة عن دُمية مُتحرّكة لحيوان الدُبّ، تدخل القفص فتُثير الذعر، وكان ما حدث هو أنّ صغار القردة سرعان ما كانت تركض هربا متشبّثة بمُجسّم الأمّ الناعم احتماء به بدل المُجسّم الحديدي. لكنّ الّلافت هو ما حدث حين نزع هارلو مجسّم الأمّ القماشيّ الناعم، وأبقى المجسّم المعدني الذي يدرّ الحليب، ومن ثمّ أدخل دمية الدُبّ المتحركة للقفص، فما حدث كان غريبا تماما، إذ لم تهرب الأطفال لتحتمي بالمجسّم الحديديّ وبدلا من ذلك، سارع الأطفال بالتكوّر على أنفسهم، آخذين بالبكاء وهم يهزون بأجسامهم للأمام والخلف وبهيئة يحتضنون بها أنفسهم.(4)

 

استنتج هارلو العديد من الملاحظات الأخرى، إذ عند وضع الأطفال وسط مساحة غريبة فإنّها تتّخذ من مجسّم الأم قاعدةَ أمان كمركز الدائرة، مثل برج حماية لتستكشف المكان الغريب من حوله، آخذة بالذهاب والإياب إلى مركز الدائرة الآمن، ألا وهو مجسّم الأم القماشيّ الناعم. وبحسب هارلو، لقد كان مجسّم الأم المعدني ملائما من ناحية وظيفية بيولوجية، فهو يدرّ الحليب، لكنّه لَم يكن ملائما من الناحية النفسية، فنحن نحتاج إلى رعاية حميمية باعتبارها حاجة ضرورية، إذ ليس بالحليب وحده يعيش الإنسان.(5)

تبيّن أيضا أنّ التعلّق العاطفي يؤثّر في الطرفين، فالأمّهات اللواتي نُزعت أطفالهنّ منهن عند ولادتهم، صِرنَ لاحقا أمّهاتِ بلا أمومة، فعند إرجاع أطفالهنّ إليهن بعد ثلاثة أشهر، وُجِد أنّ الأمهات كنّ يمارسن، سلوكيات الإهمال والرفض والإساءة للأطفال الرضّع وكأنّهن فقدن قدرات الرعاية الحميمية. ما هو لافت ومحزن هنا هو أنّ الأطفال استمرّوا بمحاولات غير معدودة لتأسيس تواصل حميميّ مع أمّهاتهم على الرغم من رفضهنّ لهم وعلى الرغم من إهمالهم وتجاهلهم، وهو أمر لوحظ لاحقا لدى أطفال البشر أيضا، وكأنّ الطفل يقول لأمّه: رغم إساءتك لي فإنّه ليس لي سواك، لَم أستغنِ عنكِ.(6)

 

تلعب الفترة الزمنية عاملا مهمّا في مسألة التعلّق، إذ تبيّن لهارلو أنّه من الممكن أن نتدارك المشكلات الاجتماعية والعاطفية التي تنشأ لدى الطفل إذا لَم تتجاوز فترة الإهمال الاجتماعيّ والعاطفي المدّة الحرجة وهي ثلاثة أشهر متواصلة، أمّا بعد هذه المُدّة فيبدو للأسف أنّ الأعطاب الاجتماعية والاختلال العاطفيّ سيلازم الطفل بصورة كبيرة في حياته(7)، وسيصعب إعادة الأمور إلى وضعها السليم.(8)

 

أعقبت دراسات هارلو دراسات استخلصت الأبعاد العملية للتجربة، مثل ممارسات الرعاية الصحّية البشرية التي تخصّ حديثي الولادة، وأحد أمثلتها رعاية الكانجرو (Kangaroo Care) التي تُوصي بممارسات الّلمس المباشر المنتظم والمستمرّ بين الأم ورضيعها أو بين الرُضّع ومقدّمي الرعاية الأساسيّة، الأمر الذي ينتج عنه تحسّن على مستوى الصحة الجسدية والنفسية للطفل وحتّى في خفض معدّلات الوفيات للأطفال الخدج.*

 

في مكان آخر وفي سياق متصّل، قام عالِم الحيوانات الشهير كونراد لورينز، بدراسة ظاهرة أطلق عليها اسم التطبّع (Imprinting)، وهي تُعبّر عن ميل صغار الحيوانات في مراحل مُعيّنة من عمرهم بالتعلّق بأقرب كائنات توجد حولها ومن ثمّ محاكاة تصرّفاتها وحركاتها. تُوجَد هذه الظاهرة بحسب لورينز بالفطرة لغايات تطوّرية تتعلّق بتعلّم الأبناء من الآباء آليات جمع الغذاء والهرب من الأعداء والبقاء على قيد الحياة.(9)

لكنّ لورينز تنبّه إلى أنّ هذا التطبّع يحدث في فترة حساسة من عمر الرُضّع والأطفال، إلى درجة أنّها يمكن أن تحدث مع أي عنصر يُستدخَل بشكل أقرب من الأمّ أو الأب، فقد استطاع لورينز كما يظهر بالصورة أدناه أن يجعل صغار البطّ تتطبّع به بحيث تلاحقه حيثما يذهب وتبقى ملاصقة له ولتحرّكاته، وقد استطاع أيضا أن يجعل صغار بطّ آخرين يعقدون التطبّع مع أجسام متحرّكة أخرى مثل جمادات آلية متحرّكة (10). بمعنى أنّ هذا التطبّع هو جاهزية بيولوجية موجودة في العديد من الحيوانات تحدث في مرحلة حرجة (نافذة عُمرية) يُحاكي فيها المولود والطفل سلوك الكبار والآباء ليتعلّم منهم ويكتسب مهارات الهرب والبقاء وجمع الغذاء ونحوه.

يبدأ التعلّق منذ الشهور الأولى من عمر الأطفال، ويصل تجلّي أنماط التعلقّ إلى قمّته في السنة الثانية تقريبا، ثُمّ يبدأ بالانحسار التدريجي مع التقدّم بالعمر، كلّما صار الطفل أكثر استقلالية وأكثر اعتمادا على نفسه. بشكل عام، فإنّ الأطفال يبدؤون بتمييز وجوه أمّهاتهم عند عمر ثلاثة أشهر. وفي عمر الأشهر 6 إلى 7، يتجلّى قلق الانفصال لدى الطفل (Separation Anxiety)، وهو القلق والبكاء الذي يحدث حين يلحظ الطفل عدم وجود مُقدِّم الرعاية الأساسيّ مثل الأب أو الأمّ وغيابهما أو ابتعادهما، أمّا في حالة الأطفال المكفوفين فإنّهم يبدؤون بالقلق والبكاء إذا لم يعودوا يسمعوا صوت أمّهاتهم أو صوت تحرّكاتهم المألوفة.(11)

 

بناء على ملاحظات هاري هارلو، قام الطبيب النفسي جون باولبي وعالمة النفس ماري آينسورث بإجراء تجربة علمية على أطفال البشر لدراسة أنماط التعلّق لدى الإنسان بناء على شكل قلق الانفصال الذي يستجيب به أطفال تتراوح أعمارهم من سنة إلى سنة ونصف. سُمّيت التجربة التي قام بها باولبي وآينسورث باسم تجربة "موقف الغريب"، بحيث تترك الأم طفلها في غرفة مليئة بالدُّمى، ثُم ينضمّ للطفل شخص غريب وودود يقضي بعضا من الوقت في الغرفة بجانب الطفل، ثُمّ تعاود الأمّ الدخول للغرفة.

 

عند دخول الأمّ للغرفة، يستجيب الأطفال بأربع طرق رئيسية:

  1. أطفال يُرحّبون بقدوم أمّهم ويتودّدون إليها بشكل طبيعي وعواطف مستقرّة وسعيدة، وهؤلاء يُشكّلون نمط التعلّق الآمن (Secure attachment style).
  2. أطفال يتجاهلون تماما عودة الأم، أي يلحظون دخولها الغرفة ولا يُبدون أي ردّة فعل، وهؤلاء يُشكّلون نمط التعلّق التجنّبيّ (Avoidant attachment style).
  3. أطفال يستجيبون بشكل غاضب ومنزعج ويرفضون تودّد الأم لهم، ولكنّهم في الوقت نفسه يتشبّثون بها ويبقون بالقرب منها، ويُشكّل هؤلاء نمط التعلّق المتردّد (Ambivalent attachment style).
  4. أطفال يستجيبون بطُرق متناقضة وغير مفهومة، مثل أن يقتربوا من الأم بينما ينظرون إلى مكان آخر وكأنّهم شاردو الذهن، أو أن يتصرّفوا تصرّفات غريبة مثل ضرب الأم أو الهرب منها والمعاودة إليها، وهؤلاء يُشكّلون نمط التعلّق المضطرب (Disorganized attachment style).

من ناحية إحصائية فإنّ معظم الناس (أكثر من النصف) يمكن أن نُصنِّفهم تحت خانة نمط التعلّق الآمن، فيما تتوزّع البقية على أنماط التعلّق غير الآمنة الثلاث: التجنّبي، المتردّد، المضطرب. مع الأخذ بعين الاعتبار أنّ بعض الثقافات تختلف عن بعضها الآخر من حيث توزيع الأنماط، فمثلا تُشير بعض الدراسات إلى أنّ أطفال الكيان الصهيونيّ في المستوطنات يُشكّلون أنماط تعلّق متردّدة أكثر من أقرانهم في الغرب والدول الأخرى.*

 

لكن ما علاقة ردود الأفعال هذه لغياب الأم بسلوكيات الطفل الاجتماعية والعاطفية؟

بشكل عام، فإنّ كل نمط من أنماط التعلّق يرتبط بحسب عدد من الدراسات بعدد من السلوكيات الأخرى. مثلا يواجه الأطفال التجنّبيون مشكلات في الإفصاح عن مشاعرهم ولديهم نظرة دونية لذواتهم في مقابل الأطفال الذين يشكّلون نمط تعلّق آمنا، إذ يبدون أكثر ثقة بأنفسهم، وأكثر انخراطا اجتماعيا. أمّا الاطفال الذين يشكّلون نمط تعلّق مضطربا فهم في المدارس أكثر عدوانية وأكثر انفعالية وإزعاجا من باقي أقرانهم.(12)

 

تنشأ أنماط التعلّق غير الآمنة بسبب العديد من السلوكيات التربوية الخاطئة، والكثير من الإهمال والحرمان العاطفي. الأسباب الدقيقة للكيفية التي تحدث بها أنماط التعلّق غير الآمنة ما زالت غير معروفة تماما، لكن هناك العديد من النظريات العلمية والملاحظات الطبية التي يوردها بعض المختصّين كأمثلة وسلوكيات تربوية خاطئة قد تتسبّب في حصول التشوّه في أنماط التعلّق، نشرح بعضا منها.

 

يشرح الطبيب والبروفيسور دانيال جاي سيجيل في كتابه "The Whole Brain Child" بعض التصرّفات التي قد تتسبّب في تشويه نمط التعلّق لدى الطفل. ففي حديثه عن نمط التعلّق المضطرب، يذكر سيجل أنّ رؤية الطفل للوالدين وهما غاضبان قد يتسبّب له بالخوف والذعر، وحينها سينصحه عقله باللجوء والهرب إلى عناصر الحماية والأمان، وهُم أهله الذين هُم أنفسهم مصدر الخوف، هكذا وفي حال كان الموقف شديدا ومتكرّرا ينهار النظام الإدراكي للطفل، لأنّه مذعور، بينما مصدر الأمان الوحيد لديه هُم أنفسهم مصدر الذعر، ممّا يتسبّب في تشظّي وتشوّه نمط التعلّق لديه، متسبّبا له بنمط تعلّق مضطرب.(13)

أمّا في حالة نمط التعلّق التجنّبي، فيشرح سيجل شعور الطفل بعدم وجود نيّة حقيقية للأهل أو مُقدّمي الرعاية في الوجود حوله أو الاقتراب منه. ففي حالة كان الأهل يقضون وقتا طويلا في الخارج أو كثيري السفر والغياب خلال اليوم، يصل الطفل إلى قناعة أنّه غير مهم بالنسبة لأهله، وأحيانا وفي حالات حادّة قد يشعر بعدم وجوده الحسّي، وحين يكبرون فإنّ نظامهم الإدراكي يتأسّس فقط على فكرة الوجود الماديّ بالنسبة للآخرين، وهو ما يجعلهم يفتقدون القدرة على التعبير عن ذواتهم المعنوية ومشاعرهم وآمالهم وأفكارهم، فيصيرون أكثر تجنّبا.(14)

 

وفي حالة نمط التعلّق المتردد، يضع سيجل أحد الأمثلة حول الإرباك الذي يحدث لدى الطفل حين يأتيه شعور حقيقيّ بالجوع ويطلب الطعام أو الحليب ثُمّ يقابل بتعنيف أو صراخ من قِبل مقدّم الرعاية، الأمر الذي سيُثير فيه الذعر والخوف، والذي سيجعل الطفل يرتبك إدراكيا حيال حوائجه والطريقة التي يجب أن يشعر بها حيالها، الأمر الذي يجعله أكثر تردّدا وقلقا وأكثر شكوكية تجاه ما يشعر به.(15)

 

يجدر بالذكر أيضا أنّ هناك ترابطا بين انتقال أنماط التعلّق غير الآمنة من الأمّهات أو مقدّمي الرعاية إلى الأطفال، فالأمّهات اللواتي يعانين من نمط تعلّق تجنّبي لا يستطيع الإفصاح عن مشاعره وانفعالاته الداخلية بثقة وأمان غالبا ما ينقلن هذه السلوكيات والتصرفات والطريقة في التعاطي مع المشاعر إلى أبنائهن.*

 

وقد يسأل القارئ ما أفضل الكُتب التي تُقدِّم توصيات تربوية للأهل ومُقدّمي الرعاية لكي يُشكّلوا نمط تعلّق آمنا لدى أبنائهم؟ أقترح هُنا كتاب "Raising a Secure Child, Kent Hoffman".

 

استخدم المختصّان النفسيان ميلان وكاي ييركوفيتش نظرية التعلّق وقاموا بتوظيفها لبناء نموذج بحسب الملاحظات التي شاهدوها في عياداتهم من قِبَل المراجعين لديهم بخصوص المشاكل العاطفية والأسرية والزوجية. وتخلص ملاحظات الزوجين ييركوفيتش إلى ملاحظة مفادها أنّ شكل تفاعلنا بالعلاقة العاطفية مع أزواجنا وشركائنا والمشكلات التي نعاني منها إنّما تتحدّد بحسب الطريقة التي نشأنا بها. وبحسب نموذج ييركوفيتش ينقسم الأشخاص في العلاقات إلى خمسة أنماط، هي: المُبهج، الضحية، المُتحكِّم، المتذبذب، المتجنّب.(16) والأوصاف المطروحة لنشأة كلّ نمط هي أوصاف عامّة توصيفية لغايات التقريب وليست حصرية أو حرفية بالضرورة.

 

الوصف: ينشأ المُبهِج لدى عائلة شديدة الحِرص والمثالية وكثيرة الانفعال والغضب، يطمح المُبهِج خلال طفولته لإرضاء والديه ويبذل وسعه وأقصى جهده لكي لا يثير غضبهما، ولكي يقوم بالأمور على أتمّ وجه. هذا السلوك يبقى ملازما له عند بلوغه ونضجه، فهو لا يشعر بالراحة عند حدوث الخلافات مع شريكه العاطفي تماما كما كان يحدث مع أهله، سرعان ما يبادر بالاعتذار والتأسّف، ويحاول أن يقلّل الخلاف قدر الإمكان، ويسعى جاهدا لإرضاء شريكه وإسعاده.

 

المشكلة: تكمن المشكلة في شخصية المُبهِج في كونه يسعى لتعويض الأشخاص من حوله طوال الوقت، يريد أن يرضي الجميع على حساب نفسه، ويقضي وقته وجهده محاولا قراءة الآخرين وتوقّع رغباتهم وتحقيقها لهم بعيدا عن انشغاله بنفسه.

 

التوصيات: يقترح ييركوفيتش أنّ على شخصية المبهج أن يسعى لتعميق فهمه لذاته، وأن ينظر في داخله، أي فيما يريده هو؛ لا ما يريده الآخرون فحسب، وأن يكون أكثر واقعية بتقبّله وإدراكه أنّه لا يستطيع أن يُبهِج الناس من حوله دائما، إذ إن توقّعه هذا سيعود عليه بالخيبة والحزن.

 

الوصف: ينشأ الضحّية في منزل شديد التوتّر ولوالدين شديدي التحكّم بالأمور، وبعد عدد من المحاولات والتوبيخ المتواصل، يقرّر الضحّية أن يتحرّك على الهامش بخفّة وصمت، لكي لا يلحظ أهله تصرفّاته، وبالتالي يحمي نفسه من التوبيخ والمشكلات.

 

المشكلة: يتسبّب هذا النمط بنوع من الانسحاب السلوكيّ، إذ يقضي الضحايا حياتهم يتصرّفون من خلف الكواليس وبالهامش، ويخافون أن يتّخذوا قراراتهم بأنفسهم، فنمط أهلهم التحكّمي يجعلهم أكثر تعودا على هذا الطريق من العيش، ومن ثمّ فهم غالبا يرتبطون بأشخاص متحكّمين تماما كأهلهم، وللأسف فإنّهم يعانون من القلق والاكتئاب وصورة متدنّية عن الذات.

 

التوصيات: يقترح الاستشاريان ييركوفيتش على الضحّية أن يتعلّم أن يُحبّ ذاته، وأن يحترم صورة شخصيته، وأن يقف مدافعا عن نفسه في مواجهة الآخرين، وأن يتعلّم أن يوجد بحضوره التّام لا الانسحابيّ والهامشي مهما تتطلّب منه ذلك في البداية الانخراط في المشكلات والمتاعب.

 

الوصف: ينشأ المتحكِّم في منزل مُهمَل، أهله غير حريصين، وضمن بيئة متروكة بلا نظام على عشوائيته، لذلك يتعلّم خلال طفولته كيف يحلّ مشكلاته بنفسه، وكيف يتخذ قرارته لوحده دون اللجوء للآخرين. ولأنّه مُهمَل يشعر بالتأثّر والضعف الداخلي والذي يحاول أن يستعيض عنه من خلال السيطرة على الآخرين وعلى حياته بالتفصيل.

 

المشكلة: يملك المتحكّمون خططا صلبة وغير مرنة لطريقة سير الأمور، ويحبّون أن يُملوها على الجميع من حولهم، وهو ما يتسبّب لهم بالمتاعب على المستوى العاطفيّ والاجتماعيّ. كما أنّهم يسيطرون على مشاعرهم السلبية بإقصائها وعدم فهمها، باستثناء الغضب، فهو الشعور السلبيّ المركزيّ الوحيد لديهم للسيطرة على الآخرين ولكي تسير الأمور بالطريقة التي يريدون.

 

التوصيات: يُوصي الاستشاريان ييركوفيتش شخصية المتحكّم أن يتعلّم كيف يتخلّى عن خططه أحيانا، وأن يدير غضبه، وأن يتعلم أن يثق بالآخرين وأن يمنحهم الفرصة للقيام بالأمور على طريقتهم.

 

الوصف: ينشأ المتذبذب لدى والدين لا يمكن التنبّؤ بسلوكهم، ويقومون بكثير من التواصلات العاطفية غير المتّسقة وغير المفهومة، فهُم أحيانا شديدو العناية والاهتمام وأحيانا شديدو الغياب والإهمال، وفي كل مرة يحاول فيها الطفل أن يبني نسقا منطقيا في ذهنه، ويجرّبه، يجد ردّة فعل متناقضة مع ما سبقها، الأمر الذي يجعله شديد القلق تجاه العلاقات مع الآخرين.

 

المشكلة: يتعلّق المتذبذب بسرعة ويصاب بالذهول والحماس للعلاقات الجديدة ويمجّدها بطريقة قدسية. تكمن المشكلة لدى المتذبذب في أنّه يشعر بقلق عاطفي كبير وتخوّفات غير منطقية بسبب الطبيعة التي اكتسبها من أهله، فحين يغيب شريكه لبعض الدقائق، ويحاول الاتصال به ولا يجده، قد يصاب بهلع كبير ظنّا منه أنّ الآخر قد قرّر التخلّي عنه.

 

التوصيات: ينصح ييركوفيتش المتذبذب في أن يتمهّل على الدوام وأن يُعطي الأمور وقتها، وألا ينكبّ على العلاقات باندفاعية ولا يقرّر على عجالة أو يفترض أيّ افتراض حادّ تجاه الآخر من أنّه يريد تركه أو الاختفاء أو نحوه من المخاوف العاطفية.

 

الوصف: ينشأ المتجنّبون في منزل يغيب عنه مقدّم الرعاية الأساسية (الأب أو الأم…)، ومنزل تغيب عنه عواطف الحنان والحبّ بشكلها الصريح، ويتعلّم المتجنّبون كيف يضعون مشاعرهم جانبا نتيجة لهذا الحرمان، ويتعلمون أن يبقوا لوحدهم وأن يستقلّوا بمساحات خاصة بحياتهم.

 

المشكلة: نتيجة لتجنّبهم مشاعرهم الداخلية، يميل المتجنّبون -وبشكل مُفرِط- إلى المنطق والعقلانية والعملية أكثر من المشاعر والعواطف في علاقاتهم العاطفية إلى حدّ يبلغ الصلابة والجفاف الخطابي. ولهذا فهم يشعرون بعدم الارتياح حين يفصح الآخر عن مشاعر أو عواطف متقلّبة لا يمكنهم أن يفهموها بشكل عقلانيّ ومنطقي.

 

التوصيات: يوصي ييركوفيتش المتجنّب بأن يتعلّم كيف يفصح عن مشاعره بأريحية، وأن يسمح بين الحين والآخر لعواطفه وحدسه ومشاعره أن تُملي عليه بعض القرارات بدل صرامة المنطق والعقل الدائم.

 

بعد هذا كلّه، يتبيّن بصورة لا لبسَ فيها أهمّية وأثر تجارب الطفولة والنشأة التربوية على شكل تواصلنا الاجتماعي وعلاقاتنا العاطفية. ومن هنا، يجب ألّا نستهين بإهمال الأطفال أو تجاهلهم أو تشويش إدراكهم عبر تقلّب مزاجيّ حادّ في التعامل معهم، ممّا يُحدِث ضررا في عملية تكوينهم الداخلي، نفسيا، والخارجي، اجتماعيا. أخيرا، إن كنت تود أن تتعرّف على نمط التعلّق العاطفي لديك، إليك هذا الاختبار العِلميّ هُنا.

________________________________________________________

المصادر

  1.  Robin M. Kowalski, Drew Westen – Psychology (2010)
  2.  Ropert M. Sapolsky, Why Zebras Don’t Get Ulcers? (1994)
  3.  Robin M. Kowalski, Drew Westen – Psychology (2010)
  4. المرجع السابق.
  5.  Robin M. Kowalski, Drew Westen – Psychology (2010)
  6. المرجع السابق.
  7.  Michael Rutter, Maternal Deprivation, 1972-1978: New Findings, New Concepts, New Approach (1979)
  8. ت
  9.  Konrad Lorenz, Studies in Animal & Human Behaviour (1970)
  10.  Robin M. Kowalski, Drew Westen – Psychology (2010)
  11.  Robin M. Kowalski, Drew Westen – Psychology (2010)
  12. المرجع السابق.
  13.  Daniel J. Siegel, The Whole Brain Child (2011)
  14.  المرجع السابق
  15.  المرجع السابق
  16.  Milan and Kay Yerkovich, Ho w We Love: Discover Your Love Style, Enhance Your Marriage (2006)

حول هذه القصة

رغم أن فصام الطفولة من الأمراض النادرة جدا فإنه يجب الانتباه للأمر، إليك بعض علامات التحذير التي تُمكّنك من تنبيه طبيب طفلك والحصول على العلاج الذي يمكن أن يساعد بتحسين الحالة مبكرا.

14/6/2020
المزيد من مقالة
الأكثر قراءة