صديق لا صاحب.. هكذا تغير المنصات الرقمية مفهوم الصداقة الذي عرفناه

"لديّ أصدقاء، رُبما يعيشون على بُعد مئات الأميال مني، ورُبما لا يُمكنني التحدث معهم إلا من خلال الشاشة، ومع ذلك؛ هم أصدقائي".

(فرانشيسكا زابيا)

تُشارك (ص.خ) "ميدان" قصتها، فتاة تبلغ من العمر 26 سنة، عاشت لسنوات تُراقب نتوءا صغيرا يتوسط مساحة أسفل الرقبة، وكانت تؤجل إجراء عملية جراحية "بسيطة" لإزالته، حيث قيل لها بعد الكشف إنه كتلة دهنية لا تضر. حددت موعد العملية "البسيطة"، وقبل أن تدخل غرفة العمليات قرّر الطبيب إعادة الفحص، وطلب عدة تحاليل إضافية، وبعد إعادة الفحص تبيّن أنه ورم سرطاني يحتاج إلى مشوار طويل من العلاج. (ص.خ) كغيرها من الناس، وقع سماع النتيجة لم يكن سهلا عليها، وكان مستبعدا جدا. يتخبط المُصاب حينها بين الرغبة في الانزواء بعيدا عن أي شيء في الدنيا، وبين الانغماس في كل شيء في الدنيا رغبة في التشبع بالدعم المعنوي، والبحث عنه، وتخزين أكبر مخزون ممكن قدر المستطاع.

لجأت إلى صديقة مقربة افتراضية، تعيش معها -لسنوات- بين صفحات فيسبوك الزرقاء، تُشاركها همومها، تبكي معها، وتُهنئها في كل مناسبة. انتظرت (ص.خ) من صديقتها دعما أكبر من الذي حصلت عليه، لكن صديقتها كانت تُبرِّر فترات غيابها وانشغالها بأن لها حياة هي الأخرى، وتعيش على بُعد آلاف الكيلومترات في قارة أخرى، ولا تستطيع أن تكون موجودة على مدار الساعة، أو أن تضغط زر "قف" لحياتها لتستطيع المشاركة في مشوار علاج صديقتها.

تزايد اللوم والعتاب، والمحاسبة على فترات الغياب، والحساسية المبالغ بها، حتى نزلت الصداقة لأدنى مستويات التواصل، واحدة تقول أنا أستحق الدعم، وأخرى تقول أنا أدعم باستطاعتي. فهل مفهوم الصداقة على الإنترنت مُعقد، أم أننا نتعامل مع شيء آخر؟

 

"أروع ما تُقدمه التكنولوجيا ومواقع التواصل القاعدة الجماهيرية العريضة التي تُتيح لك على الدوام التعرف على أصدقاء جُدد يشاركونك الشغف نفسه".

(جاكلين ميدلتون)

إن عقودا من البحث مضت في اكتشاف الصفات الأساسية للصداقة الحقيقية والصحية، ولكنها تناولت الصداقة "وجها لوجه"، أي تلك الواقعية، ولم يُعرَف الكثير عن الصداقات والعلاقات في المساحات الرقمية. وفقا لتوليف بحثي من جامعة كاليفورنيا (1)، فإن العديد من السلوكيات الرقمية تخدم الغرض نفسه وتشمل الصفات الأساسية نفسها مثل الصداقات "وجها لوجه". حاول الباحثون في هذا الموضوع إيجاد أوجه الشبه بين نوعَيْ الصداقة، الرقمي والواقعي، وارتكزوا على عدة مفاتيح للمقارنة: التعبير عن الذات، الرفقة، مناقشة الخلافات وحل النزاعات، الدعم المعنوي، المصداقية.

كشفت النتائج جانبين، أحدهما تمثّل في الأثر الإيجابي للصداقات الرقمية، وهو أنها تُفسح المجال الأكبر والأطول للحديث، في الصباح والمساء دون إزعاج الطرف الآخر، وأيضا إتاحة المزيد من الوقت للتحكم في العواطف والوصول لمنطقة الهدوء قبل صياغة أو إرسال رد مزعج. أما الجانب السلبي فيتمثل في إمكانية تضرر الصداقات من خلال الشائعات والقيل والقال، التي تنتشر بشكل أسرع وأبعد عبر الفضاء الإلكتروني، وتُعلق ستيفاني ريش، إحدى الباحثات المشاركات في هذه الدراسة: "الصداقات المبنية على التواصل الرقمي قد تبدو مُربكة بسبب ديمومة المعلومات والسرعة التي تنتقل بها، ولكن في جوهرها، يبدو أن الصداقات -بنوعيها- لها الخصائص الرئيسية نفسها ويتشابهان في الغرض من وجودهما".

لكن هذا التواصل الرقمي يُجبرنا على إعادة التفكير وإعادة تصوُّر طبيعة العلاقة الشخصية وقضايا أوسع من الصداقة، حيث يبدو أن الروابط الشخصية تتطور أو تستمر ضمن حدود افتراضية جديدة، ولم تعد تنشأ فقط في البيئات المحلية والعائلية أو تقع حصرا في حدود المجتمع المكاني. التغيير الرئيسي هو الانتقال لبيئة متعددة الوسائط، التي أدّت إلى ظهور تقنيات جديدة لربط الناس، وترتَّب عليها تغييرات رئيسية في القواعد والأعراف غير الرسمية التي تحكم التواصل -ومن ثمّ الصداقة-. تناقش الدكتورة ديبورا تشامبرز هذه النقطة في كتابها "وسائل التواصل الاجتماعي والعلاقات الشخصية"، وتحاول الإجابة عن سؤال: كيفَ يُحكم على العلاقة الرقمية على أنها "صداقة"؟

 

"أفَضِّل السير مع صديق في الظلام على السير وحدي في النور".

(هيلين كيلر)

تُحاول الدكتورة تشامبرز في كتابها أن تُسلِّط الضوء على مفاهيم جديدة خُلقت مع التحوُّل الرقمي، واصفة أن العلاقات الرقمية تُشكِّل "تضامنا خفيا" مهما جدا للنسيج المجتمعي والروابط المعاصرة، بل وتعتقد أيضا -مُستندة إلى بعض الدراسات- أن الصداقات أصبحت أكثر أهمية من الأسرة والأقارب في العصر الحديث، ولكنهما -الأسرة والأصدقاء- يتقاربان من حيث المعاني والتوقعات والسلوك، لافتة النظر أيضا إلى أن التواصل المعاصر أتاح المجال "للاختيار"، أي إنها علاقات غير مفروضة على الفرد، بل هو يُحدد اختياره، فيلجأ عادة لاختيار صداقة وتواصل مثالي، حيث يضمن لهم -اختيارهم- مساحة لبناء قصصهم الخاصة عن الذات من خلال روابط مرنة.

في الوقت نفسه، تجلب التقنيات الجديدة أعباء جديدة في طريقها، حيث إنه في مثل هذه العلاقات قد لا يكفي التبرير عن سبب عدم انتظام التواصل أو التفاعل، بل قد يُقرأ أيضا على أنه دليل على نقص الاهتمام والتقدير للصداقة. هذا ما يُناقشه كتاب "علم الاجتماع الرقمي" حيث يكتب المؤلفان: "يؤدي استخدام الشباب لمواقع التواصل الاجتماعي إلى إنشاء ملف تعريف شخصي يكون مرئيا باستمرار لأولئك المدرجين كونهم أصدقاء، ومن الشائع أن ينشر الشباب تحديثات يومية عن أنفسهم لأصدقائهم، وكما يلاحظ الباحثون، فإن ملفات التعريف هي أماكن رئيسية لتمثيل الصداقة، وهناك مجموعة متنوعة من الطرق للإشارة إلى شدة العلاقة المعينة من خلال التمثيلات والتفاعلات النصية والمرئية".

 

"أصبحت التكنولوجيا الحديثة ظاهرة شاملة للحضارة، لقد أصبحت القوة المحددة لنظام اجتماعي جديد، ولم تعد فيه الكفاءة -تقنيّا- خيارا، بل ضرورة مفروضة على كل نشاط بشري".

(جاك إيلول)

صاغ باري ويلمان مصطلح "الفردانية الشبكية" (2) عام 2000 ونشره لأول مرة في كتابه "شبَكي: نظام التشغيل الاجتماعي الجديد" عام 2001، الذي يعني تحوُّل النموذج الكلاسيكي الذي كان يُصنِّف الترتيبات الاجتماعية التي تشكَّلت حول بيروقراطيات هرمية أو مجموعات اجتماعية متماسكة، مثل الأُسر ومجموعات العمل، إلى "أفراد متصلين"، باستخدام الوسائل التي يوفرها تطور تكنولوجيا المعلومات والاتصالات. وعلى الرغم من أن التحوُّل إلى الفردانية الشبكية بدأ قبل ظهور الإنترنت، فإنه تعزّز من خلال تطوير شبكات التواصل الاجتماعي، وعلى أساسه تتميز شبكات الاتصال الحاسوبي هذه بأشكال غير محكمة التنظيم من الشبكات الشخصية، بدلا من مجموعات اجتماعية متماسكة ومحدودة.(3)

كتاب "شبَكي: نظام التشغيل الاجتماعي الجديد"

وهذه العلاقات التي يغيب عنها التماسك الشديد وتتبع سلسلة حديثة من القواعد "المُعاصرة" التي تحكم على متانة الصداقة من عدمها حسب التفاعلات -وأشياء أخرى- تصل بسرعة شديدة للهشاشة، فالأصدقاء الرقميون حساسون جدا تجاه التفاعلات، غياب "زر الإعجاب" هو تنبيه بأن هناك أمرا ما، بل هو نهاية العلاقة بصمت، تكتب ها وِن يو(4): "في معظم الأحيان، بدلا من طلب التوضيح (أو الاتصال)، نفترض تلقائيا أن غياب التفاعل يعني نهاية الصداقة أو العلاقة". الأمر الآخر الذي يلعب على وتر الحساسية تجاه الصداقات الرقمية أن وسائل التواصل تُظهر ما إذا كان الشخص متصلا أم غير مُتصل، ممّا يجعل بعض الأصدقاء يشعرون بالإهمال وعدم التقدير لعدم إعطائهم أولوية الرد على رسائلهم.

 

"تُولد الصداقة في اللحظة التي يقول فيها أحدهم للآخر: "أنت أيضا! كنتُ أظن أنني وحدي من يَشعر بذلك"".

(سي. إس. لويس)

"فرّقتنا وصديقي الوظيفة بعد سنوات الدراسة، بينما سَمَحَت لنا شبكات التواصل بالبقاء مُتصلين، قابلته بعد أكثر من 10 سنوات ولم أشعر بأننا افترقنا. تَعرّفت على صديقة نرويجية من خلال شبكات التواصل، كنا لا نمل الحديث ونتشوق للمقابلة الشخصية، وعند التقائنا بالكاد استطعنا الحديث، ولا أعتقد بأننا سنُكرر اللقاء. بينما وجدت نفسي فجأة أُقصيت من خانة أصدقاء صديق على الإنترنت، دون مُقدمات، أرهقني التفكير في السبب أو الخطأ الذي ارتكبته"، كان هذا ما كتبه الرئيس التنفيذي لـ "Mobicip.com" سورين راماسوبو(5) في محاولته لاستيعاب الفروقات بين الصداقات الواقعية والافتراضية. كما تعتقد شيري تيركل(6)، أستاذة الدراسات الاجتماعية للعلوم والتكنولوجيا في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، أن الإنترنت يُقدِّم لنا "وهم الصداقة دون متطلبات الرفقة"، وهذا يُرضي النفعية اللحظية للحياة الحديثة -العصرية- من حيث إننا نحظى باهتمام فوري ونُسمَع في جميع الأوقات، نظرا لانتشار الشبكة في جميع المناطق الزمنية، وبالتالي، فإننا لسنا وحدنا أبدا، لكن هذا لا يعني أننا لسنا وحيدين.

يعتمد تصوُّر الصداقات أو فهمها على عُمر المستخدم، الباحث جون سولير، في دراسته (7)، يُجادل بأن الناس "يفصلون حياتهم على الإنترنت عن حياتهم غير المتصلة بالإنترنت"، فـ "المواطن الرقمي"، الذي ينمو مع فيسبوك وإنستغرام، يجد الفروق غامضة بين الصداقات على الإنترنت وخارجه، حيثُ ربطت مواقع الشبكات الاجتماعية الهوية الرقمية بشكل أقوى ومتكرر في الحياة الواقعية. على الجانب الآخر وجد بحث (8) "Pew Research" أن معظم "الصداقات الرقمية" تبقى في الفضاء الرقمي، حيث التقى 20% فقط من المراهقين بصديق عبر الإنترنت شخصيا.

يبدو أن الدراسات والأبحاث ستستمر في طريقها للكشف عن أسرار أخرى، نفسية أو اجتماعية أو بين بين، حيث لا يُمكننا في العصر الحديث اعتبار الإنترنت أو مواقع التواصل الاجتماعي مُجرد فسحة بسيطة في اليوم لا تتجاوز الـ 15 دقيقة. علينا الاعتراف أن الشبكات باتت جزءا حقيقيا من يومنا، وبالتالي لا يُمكننا النظر لمُحتوى هذه الشبكات من علاقات أو صداقات على أنها أقل حقيقة من شبكة الإنترنت نفسها، والريبة ستبقى تُغلِّف هذه العلاقات حتى نفهمها أو رُبما عندما نستطيع تسميتها بما يُناسبها.

______________________________________________

المصادر

  1. Are the Qualities of Adolescents’ Offline Friendships Present in Digital Interactions?
  2. The Future of Networked Individualism.
  3. Social Network Sites as Networked Publics: Affordances, Dynamics, and Implications
  4. TECHNOLOGY AND FRIENDSHIP
  5. Friendship in the Time of Technology
  6. Sherry Turkle
  7. The Online Disinhibition Effect
  8. Teens, Technology and Friendships

حول هذه القصة

يكون الواحد منا في أضعف حالاته في الوقت الذي يقرر فيه الذهاب إلى غرفة العلاج النفسي، الأمر الذي قد يُعطي الطبيب أو المعالج الفرصة لممارسة سلطة عليك. فما الذي يجب أن تعرفه قبل الذهاب إلى الطبيب النفسي؟

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة