كيف تحافظ على النمو الاجتماعي الصحي لدى طفلك في ظل التعليم المنزلي؟

سواء كنت قد بدأت للتوّ رحلتك في التعليم المنزلي، أو كنت في ذلك باعتباره وضعا مؤقتا بفعل الجائحة ولأن المدارس تُغلق أبوابها وتلجأ للتعليم عن بُعد، فمن المُحتمل في الوضعين السابقين أن السؤال الأول الذي يُطرح عليك أو تسأله نفسك يتعلّق بالتنشئة الاجتماعية، وهو: كيف سيكون أطفالك اجتماعيين بشكل صحي وسليم إذا كانوا يتعلَّمون في المنزل وليس في بيئة مدرسية؟

 

وهذا مصدر قلق شائع، لقد قضى معظمنا طفولته في عملية تعليمية تقليدية، ندرس في مدارس محاطين بمدرسين وأطفال آخرين يوميا، وخلال هذه العملية يكون التفاعل الاجتماعي جزءا جوهريا من تجربتنا التعليمية. لكن اطمئن، فالتعليم المنزلي عادة لا يتم حصريا في المنزل، وبصفتك ولي أمر سيكون عليك بذل المزيد من الجهد للتنشئة الاجتماعية الإيجابية لأطفالك، فقط تابع السطور التالية لتتعرّف على كيفية القيام بهذا.

 

home schooling

من المهم أولا فهم المقصود بمصطلح "التنشئة الاجتماعية"، تُشير التنشئة الاجتماعية إلى التفاعل الاجتماعي، ولكنها تُشير أيضا إلى الفهم والتعلُّم للتعامل بالأعراف الاجتماعية وقواعد السلوك في المجتمع. يرى معظم العلماء أن تفاعل الأقران، الذي يحدث بشكل عام في المدرسة، هو عنصر حاسم في هذا النوع من التنشئة الاجتماعية.

 

ومع ذلك، يجادل العديد من الذين يتبنّون فكرة التعليم المنزلي بأن التنشئة الاجتماعية التي يتلقّاها الأطفال في المدرسة غير طبيعية وضارة، وأنه غالبا ما يكون الطلاب الذين يتلقّون تعليمهم في المنزل أكثر ثقة بالنفس من أطفال المدارس. الأسباب الكامنة وراء ذلك هي أن الهيكل في حالة التعليم المنزلي مختلف تماما وأكثر تجهيزا للحياة الواقعية، وأن الأطفال الذين يدرسون في المنزل لا يقعون في كثير من الأحيان ضحية للتنمر. نتيجة لذلك، ينمو هؤلاء الأطفال واثقين من أنفسهم ويصبحون بالغين واثقين من أنفسهم أيضا، ويتعاملون بشكل أفضل مع الناس بشكل عام.

 

يرى مؤيدو التعليم المنزلي أن التنشئة الاجتماعية تبدأ دائما في المنزل، فالطفل الذي لم يبلغ من العمر ما يكفي لدخول المدرسة تتم تنشئته الاجتماعية بطريقة عائلية، سيتعلَّم الأطفال من عائلاتهم والمحيطين بهم كيفية التصرُّف والتفاعل في البيئات الاجتماعية، وكيفية التعاون، وكيفية حل المشكلات، وكيفية التصرُّف بشكل عام ببساطة. أما في نموذج التعليم المدرسي التقليدي، فالأمور مختلفة تماما. هناك القليل جدا من الحرية الممنوحة للأطفال الحاضرين، فيتعلَّم الأطفال أنه يجب عليهم اتباع التعليمات، وأنه ينبغي لهم طلب الإذن قبل التحرُّك أو التحدُّث، والوقوف في الصف، وهذا في وجهة نظر مؤيدي التعليم المنزلي ليس تنشئة اجتماعية بقدر ما هو تكيُّف وتنميط.(1)

home schooling

تُخبرنا الأبحاث أن الأطفال الذين يدرسون في المنزل يمكن أن يكونوا اجتماعيين بشكل جيد وسويّ، سواء من حيث تعلُّم الأعراف الاجتماعية للمجتمع أو من حيث التفاعل الاجتماعي. يمتلك العديد من الأطفال الذين يدرسون في المنزل شبكات اجتماعية كبيرة وتقويمات اجتماعية نشطة، ولدى هؤلاء الأطفال مدرسون يأتون لهم في المنزل، بالإضافة إلى إمكانية اشتراكهم في الرحلات الميدانية، والذهاب في مواعيد للعب مع أقرانهم، والاشتراك في فصول الباليه أو الجمباز، والرياضات الجماعية، ودروس الموسيقى، وغيرها من الأنشطة.

 

ولكن ما يراه المُعارضون للتعليم المنزلي أنه قد لا يكون مستوى التفاعل الاجتماعي الذي تُوفِّره هذه الأنشطة مناسبا لتطور كل الأطفال الشخصي والاجتماعي. ببساطة، تختلف الأسر والأطفال الذين يدرسون في المنزل عن بعضهم بعضا، وقد يكون ما هو مناسب بالنسبة لعائلة تقوم بالتعليم المنزلي غير مناسب ولا مُحتمل بالنسبة لعائلة أخرى، فمثلا، الطفل الذي يدرس في المنزل ويزدهر اجتماعيا ويشارك في العديد من الأنشطة لا يُعبِّر عن تجربة طفل يدرس في المنزل يعيش في مكان منعزل ولديه عدد قليل من المنافذ الاجتماعية، كما أنه ليس كل الآباء لديهم الإمكانية أو الاستعداد النفسي لإشراك أطفالهم في أنشطة مختلفة ومتنوعة ومتابعتهم بها.

 

الأمر يختلف تماما من حالة لأخرى، فقد يجد الأطفال الذين قد يتعرّضون للتنمر في المدرسة أن التعليم المنزلي تجربة اجتماعية إيجابية للغاية، لكن من ناحية أخرى فإن الأطفال الذين يتلقّون تعليمهم في المنزل من قِبَل والديهم الذين يسيطرون بعناية على حياتهم وأنشطتهم الاجتماعية قد يجدون التعليم المنزلي معوقا اجتماعيا. وبالمثل، حتى مع عدد الأنشطة والمنافذ الاجتماعية نفسها، قد يجد الطفل الانطوائي التعليم المنزلي تجربة اجتماعية مثالية بينما قد يشعر الطفل المنفتح بالوحدة والتقزُّم.(2)

 

عنوان ميدان

home schooling

صحيح أنه يمكن أن تكون التفاعلات الاجتماعية مع البالغين الموثوق بهم، مثل الآباء وأفراد الأسرة الآخرين والمعلمين، مفيدة للأطفال، لكن من المهم للغاية أيضا أن يلعب الأطفال مع الأطفال الآخرين، الأمر لا يتعلّق فقط بوجود رفقاء في اللعب، فالتنشئة الاجتماعية الجيدة تُعلِّم طفلك كيفية التعامل مع النزاعات مع الآخرين وحلها، وكيفية القيام بأشياء أساسية مثل المشاركة والتعاون واحترام المساحة الشخصية لطفل آخر والتحلي بالاحترام والتعاطف بشكل عام.

 

سيُخبرك معظم المدرسين المنزليين أن الشيء الذي يجب أن تضعه في اعتبارك بشأن التعليم المنزلي هو أن جزءا صغيرا منه هو الذي يحدث في المنزل. يستطيع معظم الأطفال إنهاء دروسهم أو عملهم الأكاديمي في غضون ساعات قليلة، ولا يزال لديهم عدّة ساعات مُتاحة كل يوم للقيام بأنشطة أخرى، ومعظم هذه الأنشطة تتضمن تفاعلات مع الآخرين، (3) ومن الأشياء التي يُمكنك القيام بها:

 

  • اشترك في مجموعات الآباء الذين يُعلِّمون أطفالهم منزليًا:

هذه المجموعات من أفضل الطرق للتواصل مع عائلات التعليم المنزلي الأخرى، وحتى يتمكّن أطفالك من اللعب والتعلُّم مع أطفال هذه العائلات. سيُمكِّنك هذا من التعرُّف على تجارب الآخرين، والاستفادة من سلبياتها والتعلُّم من إيجابياتها، كما سيُتيح لك الفرصة لتتعرف على أفكار جديدة وأماكن أنشطة ورياضات يُمكن أن تصطحب طفلك إليها. (4)

 

  • الاشتراك في الرياضة التي يُفضِّلها طفلك:

kid sport

إذا كان لديك طفل رياضي، فإن انضمامه إلى فريق رياضي يُعَدُّ طريقة رائعة لتكوين صداقات مع أقران في عمره. تتضمن الرياضة العديد من المهارات المهمة التي تريد أن يتعلّمها طفلك، مثل العمل الجماعي والتواصل وإدارة المشاعر وحل المُشكلات والنزاعات.

 

  • التعرّف على هواية أو موهبة طفلك وإشراكه في أنشطة تخصها:

اعتمادا على ما يُثير اهتمام طفلك، يُمكنك البحث عن الأنشطة المُتعلِّقة بهذ الاهتمام التي تُمكِّنه من مقابلة أطفال ومراهقين متشابهين معه في التفكير. على سبيل المثال، يمكن لدروس الفنون والرقص والموسيقى أو الرسم أن تساعد طفلك على مقابلة آخرين لديهم اهتمامات مماثلة لاهتماماته، ويُمكنهم أن يُشاركوا بعضهم ويطوّروا بعضهم بعضا في هذه الاهتمامات. (5)

 

  • التطوع:

تطوَّعْ مع طفلك للخدمة في دار للأيتام أو مأوى للمشردين أو مطبخ لإطعام الفقراء. يمكن للأطفال الأكبر سنا التطوع في فصول لمحو أميّة الكبار، أو مساعدة الأطفال الأصغر سِنًّا منهم والمتعثرين دراسيا، أو المشاركة في المعارض الخيرية التي يذهب عائد البيع بها للأعمال الخيرية. (6)

 

  • سجِّلْ لطفلك في الفصول الدراسية:

حتى بدون تسجيل طفلك في برنامج مدرسي ليوم كامل، هناك العديد من الفصول الدراسية ذات التوجُّه الأكاديمي التي يمكنك أن تجدها، سواء أكان فصلا دراسيا لتعلُّم العلوم أو القيام بالتجارب المعملية، أو فصلا دراسيا لدراسة التكنولوجيا والحاسبات والروبوتات، أو فصلا دراسيا لتعلُّم لغة. كذلك، تُقدِّم العديد من المراكز غير الربحية والبيئية والمتاحف وحتى المكتبات المحلية دروسا تعليمية للأطفال من جميع الأعمار. هذه الفصول من الطرق الرائعة لكي يعتاد طفلك على بيئة تشبه الفصول الدراسية ويتفاعل مع الآخرين.

 

  • اذهبا للتنزه بشكل دوري:

اللعب مع الأطفال

يحتاج الأطفال الذين يتلقّون تعليمهم في المنزل إلى أشعة الشمس والحركة مثل أي طفل. اصطحب طفلك لزيارة أقرب حديقة بشكل متكرر، واذهب معه أيضا إلى حديقة الحيوان والحدائق النباتية، بالطبع يوجد في هذه الأماكن أطفال آخرون، وهو ما قد يساعد طفلك على التفاعل وتكوين صداقات سريعة.

 

  • الاشتراك في المعسكرات والمُخيمات الصيفية:

يمكن أن تكون المعسكرات الصيفية الخارجية تجربة جيدة للأطفال الذين يتعلّمون منزليا. هناك العديد من أنواع المعسكرات الصيفية وفقا لاختلاف مجالات الاهتمام، ستجد المعسكرات الصيفية التقليدية، والمعسكرات الرياضية، ومعسكرات الموسيقى. عرِّفْ طفلك بميزانيتك المُحددة للمخيم الصيفي، وإلى أي مدى ترغب في السماح له بالسفر، واسمح له باختيار المعسكر الذي يرغب في حضوره. المخيم الصيفي هو فرصة للابتعاد عن جو المنزل وحتى عن سيطرة الوالدين وقبضتهم، كما أنه فرصة للتعرُّف على أصدقاء جدد وتكوين ذكريات دائمة. (7)

 

  • كن على استعداد لبذل المزيد من الوقت والجهد:

قد لا تُلبي الفصول أو النوادي الأسبوعية حاجة طفلك إلى التفاعل الاجتماعي. يرى الأطفال الذين يذهبون إلى المدرسة أطفالا آخرين يوميا، لكن ضمان حصول الأطفال الذين يدرسون في المنزل على وقت كافٍ مع أصدقائهم سيستغرق منك بذل المزيد من الجهد. شجِّعْ طفلك على تكوين صداقات مع أطفال آخرين في منطقتك ورحِّبْ بهؤلاء الأطفال الجيران في منزلك. رتِّبْ أوقاتا لطفلك للقاء الأصدقاء الذين يعيشون في مكان آخر، سواء في حديقة أو متحف أو في منازل بعضهم بعضا. امنحهم الوقت لتطوير علاقات مستقلة عنك، ولبناء صداقات خارج الأنشطة الخاضعة للإشراف، وتذكَّرْ أن الرفاه الاجتماعي لطفلك لا يقلّ أهمية عن رفاهه الأكاديمي.

 

  • استمع لطفلك:

احترام الطفل

إذا أخبرك طفلك أنه يشعر بالوحدة أو يحتاج إلى مزيد من الوقت مع الأصدقاء، فاستمع إليه. أيضا عند التخطيط للأنشطة التي سيتم إشراكه فيها في بداية العام، استمع لرغباته وتعرَّفْ على تفضيلاته، اسأل طفلك عما يُثير اهتمامه، وما الذي يحتاج إليه ويبحث عنه فيما يتعلق بالأصدقاء والوقت مع الأصدقاء. يختلف كل طفل عن الآخر، فبعضهم أكثر انطوائية والبعض الآخر أكثر انفتاحا، لذلك لا ينبغي أن تفترض أنك تعرف تلقائيا ما يحتاج إليه طفلك، قد يحتاج طفلك أيضا إلى المساعدة في تكوين صداقات جديدة؛ تأكَّد من التحدث معه حول الشكل الذي يبدو عليه الصديق في رأيه، وساعده على تعلُّم كيفية إنشاء صداقات جديدة.

 

  •  تعزيز الاستقلال:

عندما يكبر طفلك، يجب أن يكون لديه المزيد من المُدخلات في أنشطته ووقت أطول بعيدا عن الإشراف الأبوي المباشر. تعتبر سنوات المراهقة بشكل خاص فترة انتقالية للأطفال، حيث يكبرون ويتجهون نحو المزيد من الاستقلال. قد يعني هذا السماح لطفلك بالتسكع مع أصدقائه في المركز التجاري بمفرده، أو توصيل طفلك إلى السينما لمشاهدة عرض مع أصدقائه. قد يمنح العمل في وظيفة بدوام جزئي لابنك المراهق الفرصة لاكتساب الاستقلال وتطوير المهارات أثناء مقابلة أشخاص جدد في العمل أو تكوين صداقات جديدة. استمع لابنك واحتياجاته أثناء انتقاله من مرحلة الطفولة إلى مرحلة البلوغ. (8)

_____________________________________________________________________

المصادر

  1. The Ultimate Guide to Homeschooling Socialization
  2.  Homeschooling & Socialization
  3. Homeschool & Socialization: How to Keep Your Child Connected
  4. Helping a Homeschooled Child Keep in Touch with School Friends
  5. 10 Ways to Socialize Your Homeschooler
  6. 20 Ways to Socialize Your Homeschool Child
  7. How To Keep Kids Socialized While Homeschooling
  8. How Can I Socialize My Homeschooled Child?

حول هذه القصة

تكشف الدراسات بالسنوات الأخيرة أن النظام الغذائي لأطفالنا يُحدِّد قدراتهم المعرفية ومستوى ذكائهم، فكيف يمكن لك الحد من المشكلات التي يمكن أن يواجهها طفلك بالاعتماد على غذاء جيد؟.. إليك هذه النصائح.

Published On 19/8/2021

رغم أن فصام الطفولة من الأمراض النادرة جدا فإنه يجب الانتباه للأمر، إليك بعض علامات التحذير التي تُمكّنك من تنبيه طبيب طفلك والحصول على العلاج الذي يمكن أن يساعد بتحسين الحالة مبكرا.

Published On 14/6/2020
المزيد من مقالة
الأكثر قراءة