مراقبة الحبيب والتجسس عليه.. هوس مرضي أم حماية من الخداع؟

 

"هُناك خط رفيع يفصل بين الدعم والمُطاردة، لنحرص جميعا على البقاء في الجانب الأيمن لهذه العبارة"

(جوس ويدون)

يُؤمن "جو" بالحب من النظرة الأولى، وهذا ما يجعله يذوب في حب "بيك" فور دخولها للمكتبة التي يعمل بها كبائع للكتب. ويبدأ بترجمة أي تصرف منها -خلال وجودها في المكتبة، الوجود الذي استمر لأقل من خمس دقائق- على أنه محاولة منها للفت انتباهه، أو توضيح أنها تبادله الإعجاب. وتستمر أحداث مسلسل YOU في توثيق محاولات جو الخلّاقة في التقرب من "حبيبته" التي قرر وحده أنها حبيبته، ورسم خيالا ومستقبلا بعيدا معها. وخطّط للتقرب منها، فبحث عنها في وسائل التواصل الاجتماعي، وأطلق الأحكام على شخصيتها من بعض الصور، ووجد عنوان منزلها، وراقبها، وحفظ تفاصيل حياتها، واجتهد في كل مرة لأن يكون في نفس المكان الذي تتواجد به -دون أن تعلم أنه موجود-.. عقله يُبرر كل هذا على أنه "يحمي قلبه ومشاعره من الخذلان". وما أن تنجح خطته في التقرب من بيك، لا يجد مبررا واحدا للتوقف عن مراقبتها، وتتبع حديثها حتى مع صديقاتها.

يتوسع نطاق التجسس ليشمل كل من حولها، وفي سبيل حمايتها وحماية حبه -كما يعتقد- يلجأ لتصفية كل من حولها، التلاعب بالحقائق، قَتْل صديقها السابق وصديقتها، ومحاولة إيذاء طبيبها النفسي، حتى يصلها الدور هي نفسها. تصعب رؤية الحدود في العلاقات العاطفية، حين يعتقد الشخص أن الحب أو أي دافع عاطفي آخر يعد مبررا للفضول الزائد، المراقبة، التجسس، التتبع، واختراق المساحات الشخصية بطريقة "مريبة" ومؤذية للطرف الآخر. ويصعب أيضا على المتتبع نفسه أن يرى أنه يتخطى الحدود، يُصبح مُدمنا على معرفة تفاصيل التفاصيل حتى غير المهم منها، تغيب الثقة تماما ويجد مبررا على الدوام يدفعه للبحث علّه يجد مستورا مهما! ولفهم كل هذا، كان يجب الإبحار في عقلية المتتبع نفسه، فهل يُمكن أن يكون كل هذا مبَرّرا؟

مسلسل you (مواقع التواصل)

لفهم الدوامة التي يدور بها المتلصص، يجيبنا الأستاذ المساعد في الطب النفسي بجامعة نيومكسيكو في الولايات المتحدة، الدكتور همّام يحيى، على بعض الأسئلة فيقول لـ"ميدان" إن هناك عاملان أساسيان يلعبان دورا هاما في فهم الدوافع التي تدفع المتتبع للمراقبة. العامل الأول طبيعة الشخص المُتلصص، والعامل الثاني طبيعة العلاقة بين الطرفين. حيث أن طبيعة العلاقة أو تعريفها بمعنى أدق، يعتبر التلميح الأوضح لفهم فعل التتبع. كيف يُعرّف كل شخص العلاقة، أو كيف يراها كل طرف. حيث أن لكل طرف مفهوم للعلاقة، بالإضافة لسلسلة من الأعراف الاجتماعية التي تُحدد ما المقبول وما المرفوض في هذه العلاقة. ويُشير د. همّام إلى أن طبيعة الشخص نفسه قد تجعله متتبعا في أكثر من علاقة، كطبع في الشخص نفسه ولكن بنسبة تختلف من علاقة لأخرى.

على سبيل المثال؛ العلاقة بين الأب وابنه، أو بين الأم وابنتها، أو حتى بين الأزواج. علاقة قد يكون إطار المراقبة بها مطاطي يصب في صالح الطرفين أو لحماية أحد الأطراف. وهذا بالفعل سؤال -رُبما- أثار حفيظة أحد رواد منصة Quora حيث سأل: لماذا يتجسس الناس؟ فكانت إجابة دكتور الفلسفة روبرت لاتا: يُمكنني القول إن الحق في الخصوصية ليس مُطلقا، ستجد للبعض مُبررات تدفعهم للتجسس. فعلى سبيل المثال؛ الأم تتجسس على ابنتها البالغة من العمر 13 عاما، لتعرف هل جربت التدخين أم لا، يُمكنها أيضا أن تتواصل مع صديقاتها بغية الوصول لمعلومة مُعينة بهدف الحماية، وكأم لها الحق في ذلك، فهي في موضع المسؤولية! والزوجة أيضا؛ تتجسس على زوجها إذا ما اشتمت رائحة خيانة. وستجد أن البعض يتجسس لاستخدام المعلومات التي يحصلون عليها بطريقة سيئة، ولكن ستجد أن البعض يَعُدّ تجسسه مُبررا. منهم من يتجسس ليؤذي غيره، ومنهم من يبتغي مساعدة الآخرين، والبعض الآخر بهدف حماية نفسه، والبعض لا يدفعه سوى فضوله والتسلية. ولكن مرة أخرى، الحق في الخصوصية ليس مُطلقا. (1)

"المُطارة والتتبع هما السم البطيء للقتل المخطط"

(د. جاغاديش كومار)

    

يُكمل الدكتور همّام يحيى لـ"ميدان" موضحا أن التلصص يرتبط عادة بسياق عاطفي، نهاية علاقة، انتهاء زواج، أو سيناريو انفصال وأحد الطرفين غير راض عن هذا الانفصال، بل ويرفض أن ينفصل فيميل لمراقبة حبيبه السابق، ليرى هل من جديد؟ هل من علاقة جديدة؟ ومن هذا الشخص الجديد -إن وجد-؟ ويُضيف أيضا، أن النهايات غير الواضحة أو التي لم تكن مرضية للطرفين، ترتفع بها نسبة التلصص، بحيث يبحث الفرد عن أجوبة واضحة يفهم منها الذي حدث! ويعتمد أيضا على التكوين النفسي لشخصية الفرد نفسه، بعض هذه الأنماط:

* الشخصية الاتكالية: هو اضطراب في الشخصية، بحيث يدفع الشخص الاتكالي إلى الاعتماد بشكل مرضي على شريكه في العلاقة، بمعنى نفسي وعملي، وسواء كانت علاقة عاطفية أو غير عاطفية. ويميل الشخص الاتكالي إلى إظهار سلوك المحتاج، السلبي، التشبث، وخوف شديد من الانفصال -حتى على مستوى الصداقة-. وهذا ما يدفعه للتلصص ومعرفة تفاصيل التفاصيل عند انتهاء العلاقة. (2)

    

    

* الشخصية النرجسية: يرى الشخص النرجسي كل ما هو مخالف لرغباته على أنه نوع من الإهانة، والاعتداء عليه. ويضرب د. همّام مَثَل (الحماة والكنة) موضحا أن بعض الأمهات اللاتي يملكن نزعات نرجسية يشعرن بالانتقاص عندما يتزوج الابن، بحجة أنهن يملكن هذا الابن ومن المُهين أن يخرج عن سيطرتهن أو أن يملكه غيرهن. وهذا يدفعهن للتلصص على تفاصيل -غير مهمة- لأخبار أبنائهم وزوجاتهم. وكذلك الأمر يحدث في سياق عاطفي، الشخص النرجسي يرى هجره عدوان عليه وغير مقبول. وعدة دوافع تدفعه للتلصص، الأذى النفسي، بمعنى أن يشعر الشخص الآخر بأن سعادته توقفت حين هجَر، ولن يكون سعيدا مع أي أحد آخر.. وهكذا. (3)

     

* الشخصية العدوانية (الاعتلال الاجتماعي): يُعتبر الآخر مُستباحا بالنسبة لأصحاب هذه الشخصية، لا يمكن للأشخاص الذين يعانون من هذا الاضطراب -عادة- الوفاء بالمسؤوليات المتعلقة بالأسرة أو العمل أو الدراسة. لديهم القدرة على التلاعب بالأشخاص، ومعاملتهم بقسوة ولا مبالاة قاسية، ولا يشعرون حتى بالذنب أو الندم على سلوكهم. (4)

   

* الشخصية الحدية: هو اضطراب في الشخصية يجعل الشخص ذو حساسية عالية مبالغ فيها تجاه فكرة الرفض مصحوبة باحتياج مَرَضي للآخر. يُصاب صاحب الشخصية بالرعب من فكرة الهجر ويندفع لاتخاذ إجراءات عنيفة لتجنب الرفض الحقيقي أو حتى المُتخيل. (5)

   

يُنهي الدكتور همّام نقاشه مع "ميدان" بالإشارة لدور مواقع التواصل الاجتماعي وبأنها أرض خصبة لجعل التلصص والتتبع عملية سهلة كسهولة شرب الماء. حيث أنها توحي بالقرب وبانعدام المسافة إلى درجة تؤدي لاقتحام خصوصية الأفراد، والتدخل في شؤون بعضهم البعض، دون أن يشعروا بأن هناك خطب ما في تصرفهم. فكل ما يفصل بينك وبين شخص ما "ضغطة" على زر، وكل ما يُقرب بينك وبين شخص نفس الضغطة على نفس الزر لتجد نفسك في شاشة تحرس محادثة خاصة تستطيع حينها التحدث عن أي شيء خاص أو عام. ويرى د. همّام أيضا أن مواقع التواصل الاجتماعي غيّرت مفهوم الخصوصية بشكل كامل، فأنت بإمكانك أن تتابع أحدهم -أيّ كان مجاله- لتعرف من هم أصدقائه، أين سافر، مع من يَعمل، وماذا كان عشاءه بالأمس.. هو أمر يجعل المتلصص يرغب بالمزيد، فما المانع من معرفة المزيد عنك!

ويرى أيضا أن الوحدة التي تُعاني منها شريحة واسعة من المجتمع بسبب أنماط التواصل الحديث والتي حدّت من العلاقات الاجتماعية بشكلها ومفهومها السابق، جعلت من التتبع والتلصص سلوك ينتشر. فسابقا حين كنت تُنهي علاقة ما مع أحدهم، أو تنفصل عن زواج ما، فإن طرق التقاطع مع الشخص السابق لا تكاد تُرى إلا صدفة. أما اليوم ومع تواجد مواقع التواصل، أصبح تجاوز الأشخاص أصعب، والفضول لمعرفة المزيد أكثر.

"ستعلم أنك تجاوزت شخص ما في اللحظة التي تتوقف بها عن تتبع حساباته على مواقع التواصل الاجتماعي"

(نيتيا باراكاش)

    

تُعتبر تجربة التعرض للمطاردة، التتبع، أو التلصص، تجربة مؤذية بحسب نوع الشخصية المُطاردَة. فبعض الشخصيات ستميل للتجسس بهدف الأذى النفسي، الابتزاز، التهديد والتخويف. ولكن الضحية ستتساءل: "لماذا حدث هذا لي؟". لا شك أن أصابع الاتهام لن تُوجه للضحية، في النهاية، هو تصرف نابع من المُطارد نفسه ولم يطلبه الطرف الآخر ولم يكن خطأه من الأساس، ويعود هذا لعدة أسباب، منها:

الرفض: المُطارد المرفوض، وهو النوع الأكثر شيوعا وخطورة. رفض العلاقة مع شخص ما قد يجرحه، وقد يشعر بالإهانة وبأنه جريح يتلصص ويُطارد بهدف الدفاع عن النفس والتعافي. تعتريهم رغبة مركبة من المُصالحة والانتقام. (6)

* هَوَس الحُب الحقيقي: تُسيطر عليهم الأوهام العاطفية، يعتقدون بأن الضحية "حبهم الحقيقي" الذي رسموه في مخيلتهم. يميلون إلى محاولة إشباع ضحاياهم بالتميز وبرغبات أخرى تتسق مع مفهومهم للحب والرومانسية. المطاردون الذين يبحثون عن العلاقات الحميمية لا يخشون العقوبات القانونية، بل يرونها الثمن في سبيل الحصول على "الحب الحقيقي"! هؤلاء بحاجة لعلاج نفسي مكثف. (7)

* غير المؤهلين: المُطارد غير المؤهل يعلم بأن الضحية غير مُهتمة بوجود علاقة معه، ولكنه يعتقد أن سلوكه وملاحقته الفظة "يُمكنها" أن تؤدي لعلاقة ما مُستقبلا. هم محدودين من الناحية الفكرية ويفتقرون للمهارات الاجتماعية. (8)

* المُطارد المُمتعض: شخصية تُعاني من اضطرابات وهمية مُصابة بجنون العظمة، يشعرون بالظلم بشكل عام ويختارون ضحاياهم بشكل عشوائي، يتلذذون بالابتزاز والتخويف دون سبب مباشر نابع من الضحية. (9)

مواقع التواصل الاجتماعي ساحة تغذية للذين يميلون للتجسس والمراقبة، فهى أداة تجعلهم يشعرون بأنهم يسيطرون عليك

* الاعتداء الجنسي: يتجسسون ويتلصصون بهدف الكشف عن نقاط ضعف الضحية، ونادرا ما يقدمون التحذيرات؛ لذا لا تشعر الضحية بأي خطر.

بالتأكيد يُمكن لأي شخص أن يكون مُتتبعًا، بدءًا من الفتاة الأكثر هدوءا، وصولا للشاب الودود جدا. والأمر لا يقتصر على جنس دون الآخر، فالمتتبعين يمكن أن يكونوا من الرجال والنساء، ومن أي عرق، ومن أي طبقة اجتماعية، وبأي وضع مادي. فالأسطورة التي تقول "احذر الغريب" قد تكون خاطئة تماما عندما يتعلق الأمر بالهَوَس والتعلق والتجسس. وهناك بعض العلامات التي تدلك على أن التعامل مع الشخص (Y) مريب، منها: (10)

* معرفة الكثير من التفاصيل عنك قبل أن تُقدمها: نعم، يُشبهون المباحث في اقتناص أكبر قدر ممكن من المعلومات حول الشخص. ولا يُمانعون -على الإطلاق- من سؤال الناس المحيطين بك بهدف معرفة الأكثر عنك. أسئلة قد تبدو للبعض غير مهمة، مثل مكان العمل، طرق المواصلات التي تستخدمها، صالة الرياضة التي ترتادها، وما إلى ذلك.

* يسألونك أسئلة تفصيلية متعلقة بنشاطك على مواقع التواصل الاجتماعي: إن مواقع التواصل الاجتماعي ساحة تغذية للذين يميلون للتجسس والمراقبة، أداة تجعلهم يشعرون بأنهم يسيطرون عليك، سيدرسون حساباتك على مواقع التواصل الاجتماعي بشكل يومي، سيبادرون بالسؤال عن الشخص الذي معك بالصورة، أو عن المكان الذي التقطت به الصورة.. فإن كانت العلاقة لا تتحمل كل هذه التساؤلات فربما عليك تقييمها والتفكير فيما لو كان الشخص يميل لمراقبتك.

* سلوك التملك: إنها من العلامات الواضحة، تجدها بين بعض الأصدقاء وفي الكثير من العلاقات أيضا. إن المتجسس أو المطارد يحب أن يتملكك له وحده، لا يحب أن يشاركك أحد معه، صديق أو حبيب أو أيّا كان. أنت ملك خاص له وحده، وإن حاولت رسم الحدود سيجعلك تشعر بأنه من الصعب الفرار.

   

"إن ثمّة موازاة بين تكوين الفرد وتكوين المجتمع، حتى لنقول عنهما أنهما جملة واحدة كتبت في الفرد بأحرف صغيرة وكُتبت هي نفسها في المجتمع بأحرف كبيرة، وإنك لتستطيع أن تفهم الفرد على غرار ما تراه في تكوين المجتمع، كما تفهم المجتمع على غرار ما تراه في تكوين الفرد"

(في حياتنا العقلية، زكي نجيب محمود)

في نشرته الأسبوعية، تحدث الكاتب مارك مانسون عن ثنائية الفرد والمجتمع، وكيف أن كل طرف هو مجرد انعكاس للآخر. فيقول أن أحد أشهر أفكار الفيلسوف اليوناني "أفلاطون" هي التوازي بين الفرد والمجتمع. يعتقد أفلاطون أن ثقافة المجتمع تعمل بنفس الطريقة التي تعمل بها سيكولوجية الفرد: لكل منهما هوية مميزة تسمح له بفصل نفسه عن الآخر. لكل منهما آليات معينة للتغذية المرتدة وحماية مصالحه الخاصة وتعزيزها، وكلاهما ينهار عندما تصبح أنظمة معتقداته متناقضة ذاتيا. جادل أفلاطون أنه عندما يصبح عدد كافٍ من الأشخاص مختل وظيفيًا، فسوف ينعكس هذا الخلل في المجموعة الأكبر، مما يتسبب في خلل في المجتمع. وبالمثل، إذا بدأت المجموعة الأكبر في الانهيار مُحدثة خللا وظيفيًا، فسوف ينعكس ذلك على المكونات الفردية لتلك المجموعة من خلال التوتر والقلق والصراع الداخلي. (11)

في عام 2006، أجرى عالم النفس برايان سبيتزبرغ في جامعة ولاية سان دييغو دراسات تمثيلية واسعة النطاق حول سلوك الملاحقة في ثلاث قارات. وذكر أن 2-13 ٪ من الذكور و8-32 ٪ من الإناث يقعون ضحية للمطاردة والتلصص في مرحلة ما من حياتهم، وفي معظم هذه الحالات، يكون الشخص مطاردًا من قبل شخص يعرفونه. أدرجت هذه الدراسة في كتابه The Dark Side of Relationship Pursuit: From Attraction to Obsession and Stalking (الجانب المظلم للسعي وراء العلاقة: من الجذب إلى الهَوَس والمُطاردة) إلى جانب العديد من التحليلات التي رآها البروفيسور سبيتزبيرغ تُعزز من رغبة الفرد في اتباع هذا الطريق. في سؤاله عن نظرته التي يربط بها تأثير المجتمع على الفرد، يُخبر "ميدان" أنه لطالما افترض أن طبيعة وآثار المطاردة والسعي غير المرغوب فيه تجاه شخص آخر من المحتمل أن تكون مختلفة نوعيًا في التوزيع والكثافة والتكافؤ استنادًا إلى عوامل ثقافية.

يُخبر الدكتور سبيتزبيرغ "ميدان" أن البلدان والثقافات التي قد تكون أسوأها وأكثرها عُرضة لوجود هذه المشكلة تُعاني قلة في البحوث الجادة التي تُناقش هذه المُشكلات. هذا صدى للتمييز الثقافي العميق الذي يرتكز على بعض الأديان، وبعض الثقافات، وبعض الحكومات، وتقاطعات هذه المؤسسات. هذه بالتحديد هي السياقات الأقل اهتمامًا بإلقاء الضوء على مثل هذه العمليات بسبب التحامل الاستثنائي الذي ستكشفه عن رعايتهم لأسرابهم ومواطنيهم. ولأن هذه التوجهات الاستبدادية نفسها تجاه المجتمع مرتبطة بتوجهات غير متكافئة بشكل خاص بين الجنسين، فإن أصوات الضحايا، خاصة الضحايا من النساء، يتم إسكاتها على نحو مضاعف -بسبب نقص البحوث حول المشكلة، والافتقار إلى السياقات التي تشعر بها النساء بأن بإمكانهن التحدث من خلال القنوات العادية وضمان القبول الثقافي والشرعية.

إلى جانب إشارته لسلبية آثار المطاردة التي يقول فيها: "أتوقع تضخيمها في السياقات الثقافية التي تكون فيها أشكال معينة من العدوان مثل المطاردة شديدة التمييز بين الجنسين. في سياق تتعرض فيه النساء للاغتصاب الجماعي أو الخوف من جرائم الشرف، حيث يتم مساواتهن قانونيا واجتماعيًا مع وضع "الملكية" ويقول أيضا بأنه يتم حرمانهن من المساواة في الوصول لوضع قانوني محمي بموجب القانون مقارنة بالرجال، ثم يصبح الإيذاء بالعنف يشمل كلّا من المناخ النفسي المُحفز للقلق بالإضافة إلى الصدمة في حالات محددة من العنف والإيذاء.

غالبًا ما تكون المُطاردة جريمة تتلذذ وتستفيد بشكل خاص من ترويع أهدافها، وعندما تفرد حملة الترهيب والابتزاز والتخويف جناحيها على شخص يعيش يوميًا بالفعل في سياق تناقص الحقوق والفعالية الاجتماعية والسياسية، فمن المحتمل أن يتضخم الترهيب. يُوضح البروفيسور نُقطة غاية في الأهمية، حيث يُخبر "ميدان" أنه من الواضح أن جرائم "الشرف" نادرا ما تظهر في الثقافات الغربية، لكنها لا تزال مجرد شكل متطرف من أشكال نزع الشرعية عن صوت المرأة وحقوقها في العلاقات الشخصية. كل هذه الملاحقة والمُطاردة تفعل ذلك إلى حد ما -سوف يستخدم الملاحقون فقط التكتيكات والإستراتيجيات بدرجات أكبر أو أقل عندما تبدأ ثقافاتهم في استخدام بعض التكتيكات والاستراتيجيات بشكل مختلف هي أيضا.

يُنهي البروفيسور برايان سبيتزبيرغ حواره مع "ميدان" بالقول: قراءتي للأدب تقودني إلى التخمينات التالية. أولاً، التغييرات في القوانين والتغيرات في الثقافة يعزز بعضها بعضًا، يمكن أن تؤدي التغييرات الطفيفة في الثقافة إلى تحفيز التغيير القانوني، ويمكن أن يؤدي التغيير القانوني إلى تحفيز التغييرات الثقافية المكملة للتغيير الثقافي ككل. إذا كان هذا صحيحًا، فالتقدم من أي نوع على أي من الجانبين أمر مهم لزيادة المساحة للآخرين للمضي قدمًا. ثانياً، الأبحاث تدل على وجود أدلة مترابطة على أن قوانين الادعاء الأكثر صرامة فيما يتعلق بالمطاردة والجرائم المرتبطة بالمطاردة لها بعض التأثير العام الكبير في ردع الجريمة. إلى جانب تعزيز الأمان النفسي والبدني للضحايا.

ثالثًا، يصبح إصدار قوانين ضد جرائم المطاردة والجرائم المتعلقة بالمطاردة أكثر فعالية عندما تتبناه المؤسسات والجمعيات الأخرى. فعندما بدأ التشريع المناهض لمعاقبة المطاردة في الولايات المتحدة، كانت هذه موجة مهمة من الوعي، ووجد المدعون أدوات أكثر قوة في صناديق أدوات تنفيذ القانون الخاص بهم، لكن لم يكن هذا ممكنًا إلا في مجموعات النساء، وجمعيات العنف المنزلي، ومجموعات الحرية المدنية. بحيث أصبح موقف الضحية المتمثل في القوانين مؤسسية حقًا ومقبولة بطرق لا يمكن تجاهلها بسهولة من قبل إنفاذ القانون والقانون المحلي والأحزاب القضائية.

يُشير في الختام إلى توفر بعض الدراسات هنا وهناك تقارن بين الظواهر المتربصة التي تُحفز هذه الظاهرة، ولكن هناك عدد قليل للغاية في سياقات الشرق الأوسط وجنوب شرق آسيا وأفريقيا أو أمريكا الجنوبية، وبالطبع لا يوجد أي بحث من أي نوع في الدول الاستبدادية البحتة. (على سبيل المثال: روسيا، الصين، كوريا الشمالية). كان هناك تقرير رئيسي منذ عدة سنوات مضت حول قضايا المضايقة بين الجنسين في مصر، وأيضا دراسة حالة عرضية أو عينة صغيرة من الدراسة النوعية للجرائم ذات الصلة في إيران والهند، وما إلى ذلك، لكن من الصعب للغاية استخلاص استنتاجات قابلة للتعميم مع مثل هذه البحوث المحدودة، ولا يُمكن إسقاط النتائج بناء على ما هو في الثقافة الغربية المختلفة.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

هل يكفي مجرد الحب لاستمرار العلاقة، أم أن أشياء أخرى مطلوبة لاستمراريتها؟ هل ادعاء الحب غير المشروط بين فردين هو أمر يمكن حدوثه، أم محض ادعاء خيالي رسمته الأفلام والروايات؟

"أظن أن الناس لا يُحبونني"، "الناس لا يحبونني". صيغتان لا تحملان نفس المعنى، بل تختلفان كُليًّا في تفسيرهما ومعناهما النفسي. فما الأبعاد النفسية لكل صيغة؟.. الإجابة بهذا التقرير.

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة