أزمة العلاقات العاطفية.. لماذا أصبح عُمر الحب قصيرا جدا؟

اضغط للاستماع

    

ليس أمرا بسيطا أن تحكي عن الحب أو تكتب حوله، لكنه ليس معقدا كذلك. بنظرة لمحيطك الاجتماعي، ستجد وصفات جاهزة لكيفية خوض "علاقة غرامية"، وعن "10 نصائح للحفاظ على زواج دافئ"، ولربما تعثّرتَ كذلك بدعاوى رفض الارتباط العاطفي من أساسه، وستلحظ بمدّ الخط إلى أقصاه تجارب بارزة في فرديتها واستثنائيتها وغرابتها. وبالتأكيد، لا بد أنك مررت بشخصيات تُصدِّر نفسها كمختصة في هذا النمط من العلاقات، خاصةً مع ما نعيشه في واقعنا بصورة مكثفة من تفكّك، وسيولة، وهشاشة في العلاقات الإنسانية، والتي ساهمت بصورة رئيسة في انتشار "كبسولات" التعامل مع المحبوب، أو التخلص منه!

  

تزخر صفحات التاريخ بقصص الحب، والهيام. وربما لأنها من التاريخ، فهي تحمل في مضمونها هالةً وأَلقا، وهي أقرب في استدعائها لحالة من "النوستالجيا" التي تحن للماضي، حيث الخير، والحب النقيّ. في "حي بني عامر"، تحديدا بوادي الحجاز العربية، نقلت لنا المرويات إحدى أجمل قصص الحب وأشهرها على الإطلاق، فمن منّا لم يسمع بليلى العامرية، ومجنونها قيس بن الملوح، ذلك الرجل الذي قضى حياته يهذي باسمها وحبه لها، وورد في الأثر أنهما تربيا في القبيلة ذاتها ونشأ بينهما حب متبادل لسنوات، وما أن كبرا وقد تقدم قيس لخطبة ليلى، حتى رفضه أهلها وزوجوها من غيره، وقال المجنون بعد ذلك:

     

"ولما تلاقينا على سفح رامة

وجدتُ بنان العامرية أحمرا

فقلت خضبت الكف على فراقنا؟

فقالت معاذ الله ذلك ما جرى

ولكنني لما رأيتك راحلا

بكيت دما حتى بللت به الثرى

مسحت بأطراف البنان مدامعي

فصار خضابا بالأكف كما ترى".(1)

   

ويقال، على اختلاف الروايات، إن ليلى توفيت من الكمد عليه بعد تلك الحادثة، وسرعان ما لحق بها هو الآخر، بعد أن جاب البلاد العربية وهو ينشد أشعاره عن حبه فيها، حتى وجدوه ملقى بين الصخور، وقد لقي حتفه.

      

لم يجد باومان تعبيرا أدق من "علاقات الجيب العلوي" لوصف العلاقات العابرة في زمن السيولة والتجديد المستمر
     

بعيدا عن صحة هذه المروية من عدمها، فالمراد هنا هو التنقيب عن المعنى الذي نرى عبره الكيفية التي اقترن فيها الحب بالخلود أو الموت أو النهايات القاسية، والذي يمتد بامتداد عمر الإنسان، وينتهي بانتهائه، أو يترك نقوشا في الذاكرة لا تغيب. حب قد يودي بالإنسان نحو الهلاك، أو الحياة السعيدة. لكنه على كل حال، يبدو أصيلا، لا عابرا. حينها، يستطيع الفرد أن يقول: "أحببت".

  

"هل أحببت يوما؟"، سؤال في حال طرَحته على الكثيرين ممن حولك، فإنه من السهل أن تلحظ الأعداد الممتدة من الأشخاص الذين مرّوا بالحب في حياتهم، وقد صاروا في حساب "تجربة العشق"، وقد تتراوح هذه التجربة بين بضعة أشهر إلى سنوات معدودة، فكيف صار عمر "الحب" أشهرا، أسابيع، أو حتى ليلة واحدة؟

   

الحب في زمن الاستهلاك

حين الحديث عن العلاقات الإنسانية وهشاشتها في العصر الحالي، تبدو العودة لأفكار عالم الاجتماع البولندي زيجمونت باومان أساسية، وذلك حينما صاغ في كتابه "الحب السائل" نظرية اجتماعية يُفسِّر من خلالها هشاشة العلاقات الاجتماعية، وسطحية الحب في العصر الحالي، إذ يستعرض، وبتحليل مركّز، الكيفية التي تتدخل فيها الرأسمالية وسياسات السوق في خيارات الفرد التي تبدو ذاتية في مظهرها، وتمتد لتطول حياته الاجتماعية، وترفع من قيم الفردانية والنرجسية وفق منطق اللذة والاستهلاك. والنتيجة، كمية كبيرة من النفايات، التي تختفي حياتنا داخلها.

  
في هذه الأجواء التي تستند على النسبية والميوعة، تختلط المفاهيم. من هنا، يبيّن باومان هذا الخلط القائم بين مفهوم الحب، وبين الرغبة، حينما يذكر: "الحب بطبيعته يسعى إلى إدامة الرغبة، وأما الرغبة فطبيعتها تهرب من قيود الحب" (2). لذلك، ما يحدث هذه الأيام، وما يُسمّى في العادة حبا، هو بالأساس صورة من صور تلبية رغبات الجسد كأي عملية استهلاكية، ويُسمّى بالخطأ حبا، فحتى ليلة واحدة من ممارسة الجنس باتوا يُسمّونها "ممارسة للحب".

        

  

وفق هذا التحليل، لم يجد باومان تعبيرا أدق من "علاقات الجيب العلوي" لوصف العلاقات العابرة في زمن السيولة والتجديد المستمر، فالحُب في زمن الاستهلاك، يشبه عملية التنقل السريـع، الشبيهة بإلقاء تذكرة القطار من جيبك العلوي بعد استهلاكها لحاجة محددة ووقتيّة، فبمجرد انتهاء الوظيفة الآنية للعلاقة، يُلقى بها، بكل سهولة، ودونما شعور بثقل التخلّي والفقد.

  

نظرية باومان تبدو مفسّرة لطبيعة العلاقات الإنسانية اليوم، وبالانطلاق منها، قمنا في "ميدان" بإجراء مجموعة من المقابلات الحيّة مع مجموعة من الشباب، والتي نسعى من خلالها إلى فحص طبيعة الحب والعلاقات العاطفية بالطريقة التي يتصوّرونها، أي كما يراها الإنسان، بتجربته الخاصة، الذاتية، بعيدا عن التعميمات/التفسيرات الكُليّة والنظريات الجاهزة. وفي هذه الرحلة من المقابلات، طرحنا عليهم التساؤل المركزي للتقرير: هل حقا بات عُمْر الحب قصيرا؟ ولماذا؟

   

من هنا، ينطلق "س.ل" في الحديث الذي تبنّى في مضمونه وجهة النظر التي ترى الهشاشة الواضحة للعلاقات الإنسانية والعاطفية في العصر الحالي، وفي سعيه لمناقشة أسباب الظاهرة ذَكَر لـ "ميدان" "أن منصات التواصل الاجتماعي وفّرت نوعا من السهولة في الوصول إلى الأشخاص، وقدرة سريعة على خلق التعارف، ففي الماضي كان الرجل يمكث شهورا لمعرفة اسم الفتاة التي أُعجب بها، أو يتحيّن الفرص للاقتراب منها، بينما الآن، نستطيع بواسطة فيسبوك العثور عليها ومحادثتها، والاقتراب منها إن نجح الأمر". مضيفا: "ثم إن من خلال هذا الاقتراب، وبعد نشوء العلاقة، ودون أي استخفاف بقدر الفتيات أو نوع من التشدد في النظر إلى العلاقات، يستطيع الشاب منا أن يحصل على الحب والجنس وإشباع رغباته، دون أن تُجبره الحالة على التورط بزواج وعلاقة دائمة ومسؤولية، وهو ما يخافه الرجال دوما".

   

يتوافق ما ذكره "س.ل" عن خوف الرجال من الارتباط مع ما ذكره الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه في كتابه "العلم المرح"، وذلك حينما تحدث عن الفرق في الحب بين الجنسين، إذ يرى أن الاختلافات البيولوجية بين الجنسين ترتبط بالأدوار المتعارضة التي يقوم بها كل جنس في العلاقات العاطفية، ويؤكد نيتشه أن الرجل والمرأة "ليس لهما حقوق متساوية في الحب"، لأن فهم الرجل للحب يختلف عن فهم المرأة، وتوقعات كل جنس عن الجنس الآخر مختلفة، كذلك التجارب التي يشاركونها مع الآخرين. ففي حين أن المرأة تستسلم تماما للحب، وتعتنقه كأنه عقيدة، "تعتنقه وتؤمن به برباطة جأش" (قصيدة 363)، فإن حب الرجل يتوقف على عطشه للتملك، فيرتوي أكثر من الحبيبة.
     
  

وفي نظرة تحليلية مختلفة، يرى "ع.ق في حديثه لـ "ميدان" " أن الإنسان الحالي بات يستطيع إدراك رغباته بصورة أفضل، فالإنسان قديما كان يرضى بما هو متوافر، ويتأقلم معه. ولكنّ اليوم، باستطاعة الفرد أن يطّلع على مئات الخيارات، والتي قد تُغيّر وجهة نظره بالشخص الذي سبق واختاره، وقد يرى فرصا أفضل له في غيره، فيقول لـ "ميدان": "قد أكون معجبا بفتاة ما، ولكنني أرى في اليوم عشرات الصور لفتيات أجمل منها وأكثر مثالية، وإن كنت غير مقتنع بها بشكل كافّ فستتغير وجهة نظري، وأختار ما أظنه أفضل لي"، ويُضيف مُفسِّرا: "في الحقيقة، لقد كنت أنا الطرف المقابل في هذه المعادلة، فقد حصل أن أحببت فتاة لسنوات، وقد تخلّت عني لأنها وجدت شخصا، من وجهة نظرها، يُحقِّق لها ما تُفضِّله في الحياة أكثر مني، وانتهت قصتنا بهذه البساطة".

  

تجربة "ع.ق" أدّت، بحسب وصفه، لتغيير وجهة نظره تجاه نفسه، وتجاه تصوّره للحب من الأساس، وامتد أثر هذه التجربة لتطال تصوراته تجاه العالم بأكمله. وفي نهاية حواره مع "ميدان" قال: "بعد تلك التجربة، رأيت كيف أن كل شخص يفكر بنفسه بشكل أكبر ويبحث عن منافعه من تلك العلاقات. لماذا لا أفكر أنا أيضا في نفسي؟ لم أعد بعد ذلك راغبا بالارتباط، فالارتباط سيحدّني، ويأخذ مني أكثر ما سيعطيني، أنا أرغب في السفر، وتطوير مهاراتي، وبناء نفسي، والارتباط يحتاج إلى مسؤولية وقيود، ومصاريف، فلماذا لا أقتصد بكل ذلك لنفسي، وأستمتع به".

   

يظن إنسان اليوم أن كثرة علاقاته وتجاربه، ستزيد من مُتعه وخبراته بالحب، إلا أن نهاية المطاف، ستقوده للتيه، فلا هو يعرف ماذا يريد، ولا كيف يقف وسط هذه الميوعة الشديدة
   

أما "ك.د"، وفي تصور قد يراه البعض متشائما، فقد عبّر لـ "ميدان" عن اقتناعه بأهمية العامل الاقتصادي في تفسير قِصر عملية الحب، إذ إن تقديس الأسرة بات اليوم ضربا من الأحلام التي كانت حاضرة في الماضي، فيقول لـ "ميدان": "في الماضي، كان الرجل والمرأة يتزوجان وينجبان أطفالا، يعكفان على تربيتهما، وينفقان عمرهما في سبيل ذلك، لكن اليوم، صار كلٌّ من الرجل والمرأة يهتم بنفسه ورغباته، حتى لو أدّى ذلك إلى الطلاق، دون إيلاء أي أهمية لما سيجري لأطفالهما نتيجة ذلك، لقد باتوا اليوم ينفصلون على أتفه الأسباب، وكل منهما قادر على تدبر وضعه اقتصاديّا، وبالتالي يمكن الاستغناء عن بيت الزوجية بسهولة".

   

أين الخلل؟

على الرغم من الاختلافات الظاهرة في مضمون المقابلات السابقة، فإنها تكاد تتفق على غياب ما يُعرف بـ "التضحية" من أجل الآخر، وعن سهولة التخلّي والاستبدال. بالتأكيد لا ينسحب هذا البُعد على العلاقات العاطفية كافة، لكن، لا يمكن بحال إغفال تفشّي هذه الظاهرة. وبالعودة لـ "باومان"، سنجد توافقا بينه وبين سمة "سهولة التخلي" التي اتفقت عليها مضامين المقابلات التي أجريناها. فالحب، كما يراه باومان، يرتبط بصورة عضوية بالاستثمار، الاستثمار عبر التقديم والتضحية، والرعاية، والسعي للحفاظ على الديمومة، وهذه الديمومة تُخلَق عبر الإحساس بالأمان الذي يتولّد في ذات الفرد وينعكس على الآخر، وهو ما يقود لترك الفرص الأخرى، ولو كانت أفضل.

    

  

بالانتقال لعلم النفس، أحد الحقول المعرفية الهامة لتحليل بواعث السلوك والمؤثرات المحيطة به؛ يستعرض أستاذ علم النفس بجامعة ييل روبرت ستيرنبرج، ما أسماه بنظرية "مثلث الحب"، والتي ترتكز على ثلاثة أضلاع، هي الحميمية (Intimacy)، والشغف (Passion)، والالتزام(3) (Commitment).  وبحسب ستيرنبرج، فإن الضلعين، الحميمية والشغف، لا يمكن أن يشكلا أساسا لعلاقة متينة، دونما التزام، وهو الضلع الثالث المهم، لاستمرار أي علاقة. صحيحٌ أن الالتزام، دونما حميمية وشغف لا يمكن إلا أن يقود لعلاقة باردة تلتزم بالظاهر، كأن تكون مُجبرا على استمرارية العلاقة لأنك لا تريد تحمّل تبعات الانفصال. إلا أن الحميمية والشغف كذلك يمكن أن يكونا لحظيين، ومُقتصرين على الموضوع الجنسي البيولوجي. وباستحضار أفكار باومان وستيرنبرج؛ يمكن بسهولة استنتاج تناقض كثير من هذه المعاني، بطبيعتها، مع قيم التحديث والاستهلاك السريع، وتنسحب كذلك على طبيعة الإنسان المتشبع بمفاهيم النفعية، والتركيز على المقابل المادي، فهو لا يرغب بدفع أثمان باهظة، ولا استثمار الوقت، ولا التضحية من أجل الحصول على مزايا التواصل الاجتماعي أو الاتصال الجنسي، فالبديل متوافر دائما، وبسهولة.

  

وحتى لا نبالغ باستثنائية العصر الحالي عن التاريخ الاجتماعي في طبيعة العلاقات الإنسانية، فقد سبق لابن حزم الأندلسي أن استشرف مظاهر "الحب السائل" لدى باومان في أحد أبواب كتابه الشهير "طوق الحمامة"، وهو الباب الذي بات أكثر انتشارا من غيره في الوقت الحاضر، وذلك حينما أفرد فصلا بعنوان "مَن أحب من نظرة واحدة"، إذ يقول "الحب بالقلب من نظرة واحدة ينقسم إلى قسمين: فالقسم الواحد هو أن يعشق المرء صورة لا يعلم من هي ولا يدري لها اسما ولا مستقرا، والقسم الثاني هو أن يعلق المرء من نظرة واحدة جارية معروفة الاسم والمكان"، ويورد ابن حزم في ذلك أخبار بعض الخلفاء ممن وقعوا في الحب إثر جوارٍ يرونهم في الأسواق. (4)

    

"طوق الحمامة" لابن حزم الأندلسي (مواقع التواصل)

  
في تفسيره لتلك الشخصية، يورد ابن حزم وصفا، يمكن استدعاؤه لتفسير طبيعة العلاقات الاجتماعية اليوم، حيث يرى أن النفس التي تقع في مثل هذا النوع من الهوى يغلب عليها طبائع محددة، فيقول: "من أحب من نظرة واحدة، وأسرع العلاقة من لمحة خاطر، فهو دليل على قلة الصبر، ومخبر بسرعة السلو، وشاهد الطرافة"، أي إن النفوس في هذا الباب من الحب يغلب على طبعها قلة الصبر، وتسرع في السلو، أي النسيان والهَجْر، أما الطرافة فهي الطرف من كل شيء، أي منتهاه، والمراد من المعنى هنا، سرعة انتهاء الحب وانقضائه، لأنه يَقرن الطرافة بالملل السريع، وقد جاء في المعجم العربيّ تاج العروس: "رجل طرف وطرف: لا يثبت على امرأة ولا صاحب"، وبذلك، فهذا النوع من الحب سريع النمو وسريع الفناء كما يرى ابن حزم، يعتمد على الشهوة في الغالب، على الرغم من أنه يبدو حقيقيّا في عذاباته، وقد لا نبالغ كثيرا إن قلنا إن هذه هي السِمة الغالبة في حب العصر الحديث.

  

وبالعودة للعصر الحديث، فإنه من المعلوم بمكان، أنّ كلَّ عصرٍ يعكس قيمه، والأغاني أحد أكثر الفنون شعبية وانتشارا، وهي بطريقة ما، تعكس جانبا من ثقافة العصر وروحه. فمن خلال بعض الأغنيات من العالم العربي والغربي، يمكننا رؤية جوانب من معنى العلاقات الإنسانية في زمننا:

  

ففي أحد الأغاني الشهيرة، يتحدث المغني الكولومبي "مالوما" (Maluma) في أغنيته "Mala mia" أي: "أعتذر"، ويقول فيها: "هل قبّلتُ صديقتك؟ أنا أعتذر، هل شربت كثيرا؟ أنا أعتذر، لكن هذه حياتي أنا، ولا يهمني رأيك فيها"، واصفا موقفه مع إحدى الفتيات في حفل بقوله: "رأيتك في حفلة وجاء صديقك المهمل، أنا هنا يا حبيبتي لكل شيء تريدينه، خذي رقمي لتتصلي بي لاحقا، هل دمرت خططك المستقبلية مع حبيبك؟ أنا أعتذر" (5).

       

يقول باومان "إنه عصر الفرصة القادمة، التي تجعل ما في يدك قابلا للتخلي عنه فلا ترتبط به بشدة"
     

تبدو معاني الأغنية جليّة، فالأمر ليس مرتبطا بقيم اجتماعية/ثقافية تؤسس لعلاقات متينة أو لاحترام علاقات قائمة، لكنها تتبدّل بالهوى، وهي عرضة للتحطّم على أنقاض العرض والطلب، وتبدو متأثرة، وربما خاضعة للطُرف كما حكى ابن حزم. عند هذه النقطة، تبدو الأزمة أكثر تركيبا من خصوصية المشاعر الفردية، واستثنائية العلاقات، فهي تقع داخل إطار ما يُعرف في علوم الاجتماع بـ "البُنية الاجتماعية"، والتي تشبه المناخ العام التي يتحرك الفرد بداخلها، ويتأثر ويؤثر فيها بمستويات مختلفة.

   

تقول "ص" لـ "ميدان": "وأنا صغيرة، حين كنت أرغب بشراء حذاء، كنت أخشى أن أجد في السوق ما هو أجمل منه، وأندم على اختياري، وكنت أتساءل كيف سأختار زوجي المستقبلي، أخشى أن اختاره اليوم فأجد بعد ذلك مَن يعجبني أكثر منه، إنها مسألة صعبة"، مضيفة: "وبالفعل، اليوم كلّما ظننت أنني وقعت في حب أحدهم، لا ألبث بعد مدة قصيرة حتى يعجبني شخص آخر".

  

يتفق مضمون الحديث، من حيث معناه ومآله، مع ما ذكره باومان بقوله، "إنه عصر الفرصة القادمة، التي تجعل ما في يدك قابلا للتخلي عنه فلا ترتبط به بشدة، وقد لا يكون شريكك الآخر راغبا أو قابلا لعلاقة طويلة تحرمه من فرص أفضل" (7).

     

الشباب العربي في معظمه يعاني من اكتئاب مزمن لا يتم تشخيصه، وبالتالي لا يتم علاجه، ويتم تفسير هذا الاكتئاب بمصطلحات الهدف منها جعل الحالة أشبه بالأمر الطبيعي
    

وفي مقابلة أخرى، تحكي "ش" لـ "ميدان": "أُصاب بالملل بعد فترة وجيزة من العلاقة، كلّما عرفت شخصا، تحمست في البداية، ولكن سرعان ما يصيبني الفتور، ولكن حتى أصدقك القول، منذ وفاة والدي وأنا أبحث عن الأمان الذي كان يعطيني إياه في رجل آخر، ولكنني حتى الآن لم أجده في أية علاقة".

  

وفق هذا الحال، اتجهنا لمقابلة الطبيب النفسي عبد الموجود ربيع ونقاشه حول الحالة التي يمر بها كثير من الشباب العربي في فهم ذواتهم، وعن طبيعة العلاقات الاجتماعية، ليقول  لـ "ميدان": "إن صح التعبير، فالمجتمعات العربية تمر بمرحلة من الهشاشة النفسية والشباب جزء منها، مجتمعات كانت منغلقة على نفسها وعلى عاداتها وتقاليدها فوجئت بانفتاح على العالم غير متدرج، المفاجأة الثانية كانت في طبيعة العالم الآخر؛ عالم سائل لا يربطه رابط سوى الفردانية وتعظيم الذات والطموحات الفردية، سائل في علاقاته الاجتماعية والعاطفية، فكان من الطبيعي أن تحدث هزّة في المجتمع والشباب، نتيجة الانغلاق ونتيجة الهشاشة النفسية". 

  
ويرى ربيع، أن هذه الهشاشة في العلاقات، تؤدي بالشباب، في الغالب، إلى الانعزال، وتبدية النفس أولا وأخيرا، ويضيف: "ما أسهل الوحدة؛ حل مُسكن لمشكلة أو ضغط ما. الشباب العربي في معظمه يعاني من اكتئاب مزمن لا يتم تشخيصه، وبالتالي لا يتم علاجه، ويتم تفسير هذا الاكتئاب بمصطلحات الهدف منها جعل الحالة أشبه بالأمر الطبيعي، كما أن النظرة للمستقبل ضبابية وتثير الرعب، تجعل كل امرئ يتشبث بنفسه وفقط؛ أنا ومن بعدي الطوفان".

  
ويُعدِّد ربيع لـ "ميدان" أعراض الاكتئاب التي كثيرا ما يتم الاستخفاف بها في مجتمعاتنا، وتتمثل في: "المزاج الحزين وانعدام الرغبة في إقامة الأنشطة التي كان يستمتع بها، الانسحاب الاجتماعي، اضطراب في الرغبة الجنسية. فمجتمعاتنا لم يصل لها ثقافة المرض النفسي بشكل كامل بعد، ويتم تفسير هذه الأمور بأشياء تبدو حيادية وتعطي انطباعا بطبيعية هذه الأمور".

    

  

في نهاية حديثه لـ "ميدان"، يُشخّص عبد الموجود ربيع، الواقع بقوله: "الشباب أصبح أنانيا، وفقدت العلاقات الاجتماعية والعاطفية والحميمية قدسيتها بحكم أمور كثيرة، أهمها تغيّر شكل المجتمع وروابطه، من العائلة الممتدة إلى العائلة النووية، ومن الترابط إلى السيولة في كل شيء تقريبا. هناك نموذج آخر تفسيري لما يحدث من وجهة نظر نفسية، وهو الشعور الدائم بالقلق نتيجة أمور كثيرة، أهمها فقدان الثقة بالنفس، التعرض لتعليقات سلبية، والوسيلة السريعة والمريحة لعلاج القلق -وهي وسيلة غير صحيحة وغير صحية- هي التجنب أو الانسحاب. نحن أمام جيل يعاني من الهشاشة النفسية والقلق والاكتئاب والانفتاح على عالم سائل وعائلات نووية ورغبة في الوحدة أو الانسحاب نتيجة مرض نفسي اجتماعي، لا يقدر العلاقات ولا يشعر بالأمان".

  

وفق هذه العوامل المركّبة، يرى باومان أن الحل، لم يَعُد خيارا فرديّا، فالمشهد برمته يحتاج إلى تغيير جذري، فقد أنتجت الرأسمالية والحداثة إنسانها الذي يناسبها وأنشأته لها الدولة عبر أدوات التربية والتثقيف على التفكير النرجسي والنفعية وفككت علاقاته وروابطه هيكليا عبر قرون، ولم يبقَ لتلك اللحظة سوى الأجساد. هذ الأجساد التي يصيبها الملل في النهاية، بل إنها كما يصفها عثمان أمين بأنها تقود لانخفاض في سقف الغايات، وتقلص في معنى السعادة (8)، وإذ يظن إنسان اليوم أن كثرة علاقاته وتجاربه، واحدة تلو الأخرى، ستزيد من مُتعه وخبراته في الحب، وضروبه عبر تلك التجارب، إلا أن نهاية المطاف، ستقوده للتيه، فلا هو يعرف ماذا يريد، ولا كيف يقف وسط هذه الميوعة الشديدة، سائرا في حركة لا نهائية تكاد تمثل مقولة زيجمونت باومان في كتاب حالة الأزمة حينما وصف العصر الحالي بقوله "نحن نعلم ما نهرب منه، ولكننا لا نعلم وجهتنا"(9).

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

"أظن أن الناس لا يُحبونني"، "الناس لا يحبونني". صيغتان لا تحملان نفس المعنى، بل تختلفان كُليًّا في تفسيرهما ومعناهما النفسي. فما الأبعاد النفسية لكل صيغة؟.. الإجابة بهذا التقرير.

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة