شعرة تفصل بينهما.. كيف تُفرِّق بين أن تكون قويا أو مُتسلِّطا؟

 "تستطيع أن تعرف شخصية الإنسان مما يقوله هو عن الآخرين أكثر مما يقوله الآخرون عنه"

(ليو ايكمان)

   

"أدركت شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح"، جملة تكررت كثيرا بين مُجلدات "ألف ليلة وليلة"، تلك الليالي التي حاولت فيها شهرزاد أن تسرد من الحكايا ما يُنقذ رقبتها ورقاب النساء من حد سيف الملك شهريار. بالنظر للصورة الكبرى، وللمحاولة أن نحكم بإنصاف على جانبي هذه الحكاية، سنرى شكلين واضحين من القوة؛ القوة الحكيمة التي تنبع من الداخل، والقوة التي تُصاحب السلطة والسيطرة من الخارج. لكن القوة كمفهوم، كما تُوضحه الأخصائية النفسية أمينة الرجوب في حديثها لـ "ميدان"، له بُعد أكثر عمقا:

   

هي الإرادة والقدرة على تغيير حياة الفرد وحياة من حوله. وبعيدا عن حكايا القرون القديمة والوسطى للحضارات السابقة، هناك نماذج عدة في التاريخ ومن الحاضر التي يُمكننا أن نُسقط عليها مفهوم القوة، ولكن بين إيجابياتها وسلبياتها، نرى أن ما يُحكَم عليه أنه "قوة" ليس سوى سلوك آخر له ملامح القوة. فما الفرق؟ وهل يُمكن أن تكون القوة صفة سلبية في الفرد؟

 

     

    

مفهوم القوة

"يمكن تحقيق كل شيء في عزلة إلا تكوين الشخصية"

(ستندال)

   

في حديث مع الأخصائية والاستشارية النفسية أفين محمود، الحائزة على إجازة في الإرشاد النفسي، تقول لـ "ميدان" إن مُصطلح "قوة الشخصية" يُفسَّر بطريقة مُختلفة من شخص لآخر، فهُناك مَن يُفسِّره بأنه فرض السيطرة على الآخر، وهناك مَن يُفسِّره بأنه زيادة من الحدية في التعامل مع الغير. ولكنها ترى أن مُصطلح القوة -في الغالب- مُغاير تماما لما يحكم عليه الناس بأنه قوة. فبالنظر للصورة الكُبرى، فإن الشخصية بشكل عام هي مجموعة من السمات الوراثية أو التكييفية (المُكتسبة من البيئة)، هذه السمات تؤثر بشكل مباشر على العناصر الأساسية البنيوية المكونة لشخصية الفرد، فكلما زاد أو نقص من اتزان عنصر مُعين، أثّر ذلك بشكل مباشر على الشخصية بشكل عام، لتُكوِّن شخصية حدية، ضعيفة، واثقة، قوية، وهكذا.

      

    

وتُوضح الأستاذة أفين أن قوة الشخصية صفة مُكتسبة، حيثُ يُمكن اكتسابها من خلال التطوير المستمر لبعض المهارات التحفيزية والتطويرية. وإن أكثر ما يُميّز الشخصية القوية بعض الصفات العملية مثل:

– وضوح التعبير عن الرأي أثناء الحوار.

– المُرونة وتقبُّل الأفكار وتبادلها مع الغير.

– الثبات على الرأي الشخصي ولكن دون التمسُّك به بتزمّت، بل ببسط المساحة للنقاش.

– تقبُّل النصيحة.

– التميز بالتفكير البُعدي (مهارات التخطيط، التحرك المستقبلي).

– القدرة على اتخاذ القرارات في أغلب الأحيان، دون تعميم صحة قراراتهم المأخوذة.

– يتميزون بقابلية الاندماج والانخراط بالمجتمع، على عكس "راغبي فرض السيطرة" الذين يتصفون بالعزلة.

      

تُكمل الأستاذة أفين محمود لتقول إنه من الضروري أن نُميِّز بين الأقوياء وبين الراغبين في فرض السيطرة، فهناك حُكم خاطئ يُكسب هذه الصفة لغير الأقوياء، بل للمسيطرين، وبهذا تتشوه إيجابيات القوة بإسقاط مفاهيم السيطرة التي ستُسيطر بدورها على مشهد "تعريف القوة".

  

أشكال القوة الإيجابية

    

"قوي الشخصية عندما يواجه مصيبة يعود إلى نفسه، فهو يفرض طابعه الخاص على الفعل، ويتحمل المسؤولية عنه، ويتملكه"

(شارل ديغول، سياسي)

  

في مقابلة لـ "ميدان" مع الأخصائية النفسية وضابط الارتباط في اللجنة الدولية للإغاثة في الأردن، أمينة الرجوب، تقول إن أول شكل إيجابي للقوة هي القوة الضمنية التي تُخلَق مع الفرد، وتؤكد أننا جميعا باختلاف أعمارنا وخلفياتنا الثقافية المُتباينة نملك من القوة الضمنية (الداخلية) القدر الكافي الذي من شأنه أن يؤثر على الثقة بالنفس بعلاقة طردية، كلما زادت القوة الضمنية، زادت ثقتنا بأنفسنا. لكن العوامل الخارجية، والضغوطات النفسية، قد تُضعف من كثافة هذه القوة في الفرد نفسه، فيظن أنه "لم يَعُد يحتمل" أو "لا يستطيع أن يخطو خطوة إضافية إلى الأمام". وفي رأيها، إن استذكار إنجازات الشخص في حياته كفيلة بإعادة شحنه بما خسره من مخزون قوته الداخلية، فترى أن كل فرد هو قصة نجاح فردية، عليه أن يستذكر -على الدوام- كمّ المِحَن والعقبات التي واجهته وتخطاها ليستطيع من بعدها متابعة السير في مخطط حياته.

  

تنتقل للشكل الإيجابي الثاني، "القوة بـ"، القوة التي تُستمد من الآخر، العائلة، الصديق، القريب، الزوج. في كثير من الأحيان نحتاج إلى أولئك الذين يمدّوننا بالقوة الإيجابية، فتقول الرجوب: "من الضروري أن نلجأ لمن نرتاح لإيجابيتهم بشرط تعاطفهم معنا، أما أولئك الأقوياء -حتى ولو كانوا ثقة- الذين لا يملكون أي تعاطف تجاهنا أو تجاه ما نواجه فلن يُفيدوننا، بل على العكس". وفي المقابل؛ أن نملك القوة الكافية لنكون الطرف الذي يُمكن أن يلجأ له الصديق أو القريب الذي يحتاج إلى قوتنا لتدعمه أو تُرشده، وهو شكل ثالث من أشكال القوة، التي تتمثّل في القدرة على المشاركة والاتحاد والدعم، كالمشاركة في الأفراح والأتراح، أو الانتخابات مثلا.

  

القوة على..
محاولة السيطرة على الغير أو سلب حقوق الغير هي شكل من أشكال القوة السلبية التي ترتبط ارتباطا وثيقا بالعنف
    

"ربما صحّ القول إن العبقرية هي اجتماع النقائض في شخصية واحدة"

(علي الوردي)

  

تستطرد الأستاذة الرجوب وتُكمل لـ "ميدان" منتقلة إلى أشكال القوة السلبية، وهي التي تتمثّل في فرض السيطرة كما وضّحت الأخصائية أفين سابقا، فتقول الرجوب إن محاولة السيطرة على الغير أو سلب حقوق الغير هي شكل من أشكال القوة السلبية التي ترتبط ارتباطا وثيقا بالعنف، فتقول إن أحد الأسباب الجذرية للعنف كسلوك، أو جرائم العنف بشكل عام، يتمثّل باختلال توازن القوة وسوء استخدام السلطة. وتُوضح الأسباب الفرعية التي تؤدي إلى العنف، والتي تُصاحب سوء استخدام القوة كسُلطة، مثل الجهل، والعادات والتقاليد، وظروف الحرب، والفقر، مؤكدة أن وجود سبب من الأسباب الفرعية ليس بالضرورة سيولِّد العنف، ولكن الاختلال الجذري في القوة حتما سيؤدي إلى العُنف وأذى الغير.

  

هذا تماما ما شرحه باستفاضة الدكتور مصطفى حجازي في كتابه "التخلف الاجتماعي: مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور"، عندما عرّف التخلف بأنه "القهر" الذي يتعرض له الفرد، والقهر بنظره هو التسلط على الآخر واستخدام القوة كسُلطة، مثل تسلط الحكومة على الشعب، تسلط المعلم على تلاميذه، تسلط الزوج على زوجته، تسلط الأم على أطفالها، وأخيرا، تسلط الطفل على الحيوانات. حيث يُشكِّل القهر سلسلة تربط حلقات مكونة من أفراد المجتمع، فكل صاحب سُلطة أو قوة يبحث عن الأضعف ليُمارس سلطته عليه، وكل ضعيف سيجد الأضعف منه ليمارس عليه بعض القوة، وبهذا يُصبح القهر (التخلف) مرضا يُصيب جذور المجتمع، ويصبح ثقافة وأسلوب تعامل يحتاج إلى سنوات طوال لمعالجته.

     

أحجية الشخصية..


  

"من المهم أن تعرف شخصية المريض أكثر من أن تعرف المرض الذي يحمله المريض"

(أبقراط، طبيب 370-460 ق.م)

   

في محاضرة قدَّمها البروفيسور من جامعة كامبريدج براين ليتل، (1) على منصة "تيد" (TED)، حاول من خلالها فك شيفرات ما يُكوِّن شخصية كل فرد منا، وأكّد أن الاختلاف والتفرد يُعَدُّ ميزة من مزايا شخصية كل فرد منا، كالبصمة، لا يمكنها أن تتطابق مع بصمة أحد آخر. وقال إنه هو شخصيا يُعَدُّ من الشخصيات الانطوائية التي تجد نفسها أكثر إنتاجا في الأجواء الأقل تحفيزا والأكثر عُزلة وهدوءا، ولكنه يحتاج بين فترة وأخرى إلى أن يُغيِّر من نمط شخصيته والانتقال للتحلي بسمات الشخصيات الانفتاحية، كالحديث أكثر، والتفاعل الذي يُعَدُّ أعلى من مستوياته الطبيعية في حياة شخص انطوائي مثل براين.

      

  

كانت هذه المحاضرة امتدادا لما قدَّمه البروفيسور من تأثير شخصياتنا على حيواتنا في كتابه "أنا ونفسي ونحن" (Me, myself, and us). في العقود القليلة الماضية، حوّلت الأبحاث العلمية الجديدة الأفكار القديمة حول طبيعة الشخصية الإنسانية وأكسبتها ملامح أكثر وضوحا، وقام علماء الأعصاب وعلماء الأحياء والعلماء النفسيون بإعادة النظر في نظريات فرويد ويونج وكذلك علم النفس الإنساني في الستينيات، مما رفع تصنيفات أنواع الشخصيات، وتطوير أدوات وأساليب جديدة لاستكشاف مَن نحن. كان البروفيسور الشهير وعالم النفس الرائد في مجال البحوث بريان ر. ليتل في طليعة هذا العلم الجديد، في كتابه يشارك ثروة من البيانات الجديدة والرؤى الاستفزازية حول مَن نحن، ولماذا نتصرف بالطريقة التي نتصرّف بها، وما يمكننا وما لا نستطيع تغييره، وكيف يمكننا أن نزدهر وأن نحتفظ بطبيعتنا المتفردة. (2)

     

هذا الكتاب يستكشف بعض الأسئلة المتأصلة في جذور وعي الإنسان بنفسه، ويُثير بعض التساؤلات حول إمكانية ضبط سمات شخصياتنا بدءا من عمر الثلاثين، أم إن الفرد منا قادر على ضبط نفسه في سن أصغر من الثلاثين مثلا. ويربط البروفيسور ليتل تصرفاتنا وسلوكياتنا، الإيجابية منها والسلبية على حدٍّ سواء، ربطا وثيقا متنبئة بدورها بوضعنا الصحي والاجتماعي، وإلى أي مدى تؤثر شخصيتنا في تطوراتنا على مشاريعنا الشخصية أو تقدُّمنا المهني أو الحياتي. ويُلقي الضوء أيضا على جزئية التفرُّد بالشخصية، بين أن تكون ميزة أو أن تكون عيبا يرفض الشخص التخلي عنها وتغييرها رغم ما يراه من ضرر يُلحقه بالغير نتيجة تفرُّده! تدور الحلقات جميعها لتصب في مركز الدائرة المشترك، ألا وهو "وعي الإنسان بنفسه"، ربما مَن يصفك بالقوة، أو مَن التبس عليه وصف تسلُّطك بالقوة، لم يكن يقصد أن يمنحك هذه الصفة، ولكنه لم يجد من الكلمات ما يُصوِّر تسلُّطك بطريقة لطيفة سوى أن يقول إنك "قوي". فإن كنت تملك سلطة ما، فعليك مراجعة نفسك وأن تحكم على نفسك بنفسك، وأن تجيب بكامل وعيك؛ هل أنت قوي أم مُتسلِّط؟

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة