فلسفة "إيكيجاي".. كيف وجد اليابانيون طريقهم للصحة والسعادة بعد دمار الحرب؟

ميدان – ميدان – إيكيجاي صورة 2

قبل نحو 15 عاما، كان الصحفي الإسباني "فرانسيسك ميراليس" يتردد على اليابان لزيارة صديقه هيكتور غارسيا المقيم هناك، وفي إحدى المرات قررا الذهاب معا لمدينة أوكيناوا التي يتركز فيها أكبر عدد من المُعمِّرين في العالم، قابلا كثيرين منهم، وأسرهما "اللطف الاستثنائي" و"الفرح غير العادي" لسكانها رغم أن أغلبهم من المُعمِّرين، وتساءلا عن السبب في امتلاكهم كل هذا الشغف للحياة، وكأنه "احتفال بكل شروق جديد للشمس"، وكانت الإجابة المتكررة من كلمة واحدة: "إيكيجاي".

  

يقول فرانسيسك ميراليس: "كان لدى الجميع "إيكيجاي"، أي دافع مهم يمنحهم القوة للنهوض من السرير في الصباح"، وقد صارت هذه الفلسفة اليابانية موضوعا لكتاب "إيكيجاي: أسرار اليابان لحياة طويلة وسعيدة" الذي نشره فرانسيسك وهيكتور عام 2016 وتم بيعه في 30 دولة.(1) (2)

    

  

لماذا يبتسم الناس في الشرق؟

السعي وراء المزيد من المال والانهماك في العمل لساعات طويلة أدّى إلى زيادة معدل القلق والاكتئاب ومشكلات النوم وتدهور الحالة الصحية في الكثير من دول العالم، ولهذا اتّجه الكثيرون نحو الشرق بحثا عن سبب الابتسامة الصافية على وجوههم حتى مع تقدُّمهم في العمر، إنهم يعانون من أمراض مزمنة أقل من أقرانهم في العمر نفسه ويُظهِرون قدرا يُحسَدون عليه من الحيوية.(3) تشير تقارير منظمة الصحة العالمية إلى أن اليابانيين هم الأطول عمرا بمتوسط يبلغ 83 عاما، ودائما ما تم ربط ذلك بالنظام الغذائي الصحي لليابانيين، لكنه ليس السبب الوحيد في الحقيقة، فهناك سبب يدفعهم لمواصلة الحياة بالدأب ذاته حتى مع تقدُّم العمر، إنها فلسفتهم في الحياة "إيكيجاي" وتعني "سبب الوجود".(4)

  

لم تكن اليابان بعيدة عن المشهد العالمي وتحدياته، منذ واجهت خلال الحرب العالمية الثانية هجمات متعددة راح ضحيتها نحو 200 ألف ياباني، وصار على الجيل السابق العمل لدفع البلاد وإصلاح ما دمّرته الحرب، واستطاعت اليابان بحلول عام 1965 أن تعود لتصبح إحدى أهم الدول الصناعية، ومؤخرا تشهد البنيات الاجتماعية تغيُّرا كبيرا بعد أن تسبّب تدهور الاقتصاد في اختفاء الوظائف الدائمة، والمزايا التي اعتاد اليابانيون على التمتع بها، ومع شيخوخة السكان يعلم الجيل الحالي أنه سيقضي سنوات طويلة بعد التقاعد، لذا يُعيد كثير منهم التفكير في "إيكيجاي"، وهي الفلسفة التي تساعدهم في استيعاب أحداث الماضي العصيبة ومواجهة الحاضر والمستقبل بأقل قدر من التوتر.(5)

  

"إيكيجاي" لا تعني في الحقيقة تحقيق السعادة فقط، إنها البحث عن معنى للحياة بأن يبحث كل فرد عما يُجيده ويتحمّس له ويُفيد به العالم كل يوم، وهكذا يتمتع بقدر أكبر من احترام الذات لأنه يشعر أن وجوده في العالم له سبب وضرورة، وتكون النتيجة تحقيق السعادة، وبالفعل تحتل اليابان المرتبة 51 من أسعد الدول في العالم وفقا لتقرير السعادة العالمية لعام 2017 الذي ترعاه الأمم المتحدة. يقول خوسيه إلياس فرنانديز، عضو الكلية الرسمية لعلماء النفس في مدريد، إن العثور على دور لنا في الحياة يجعل كل ما نقوم به أكثر سهولة ومتعة، ويدفعنا للقيام بما هو أكبر من قدراتنا بحماس وشغف.(6)

 

التدفق والتواصل مع الطبيعة

  

"التدفق" كما عرّفه عالم النفس والكاتب ميهالي كسيسنتميهالي جزء من "إيكيجاي"، ويعني الانغماس في عمل ما بتركيز وطاقة ومتعة دون الالتفات لأي شيء آخر حتى لو اضطر الشخص للتضحية بأمور أخرى، والابتسامة أحد قوانين "إيكيجاي" التي لاحظها فرانسيسك وهيكتور في كتابهما إلى جانب التواصل مع الطبيعة، والتفكير في الواقع دون القلق بشأن الماضي أو المستقبل، ودون الاكتراث بما ليس في أيدينا تغييره.(7) أحد مواطني أوكيناوا قال للمؤلفين: "سر عمري الطويل هو أنني كنت أقول لنفسي دائما: "ببطء"، "بهدوء"، دون تسرع كبير ستعيش أطول بكثير"، ويخبرهما آخر بالسر: "افتح قلبك لكل الناس بابتسامة طيبة".(8)

  

يُعرف أهل أوكيناوا أيضا بالتفكير الإيجابي والقدرة على التكيُّف مع الأحداث الصعبة، وتجاوزها بصمود مع التركيز على أهدافهم دون الاستسلام للإحباط، وقد نُكبت المدينة في الحرب العالمية الثانية بمقتل آلاف من سكانها، وتجاوزت الأمر من خلال "ichariba chode" وهي عبارة يابانية تعني "إننا قد نلتقي مرة واحدة من قبيل المصادفة، لكننا صرنا أصدقاء مدى الحياة"، وهي التي تدفعهم لمعاملة كل الأفراد بود كما لو أنهم أصدقاء حتى لو تعرفوا عليهم للتو.

  

الصلات الاجتماعية الجيدة

لدى اليابانيين شعور كبير بالانتماء إلى المجتمع، وهم يحافظون على علاقات أسرية جيدة، ويجتمع أهل أوكيناوا في مجموعات صداقة تُسمى "Moai"، وهي مجموعات من الأشخاص ذوي الاهتمامات المشتركة، وتعني مواي "الاجتماع من أجل هدف مشترك" باللغة اليابانية، وتعتبر مجموعات دعم اجتماعي لها تأثير استثنائي إيجابي على حياة الناس.(9) يتعيّن على أعضاء مواي دفع مبلغ شهري لتنظيم الاجتماعات أو العشاء أو الألعاب أو الاستمتاع بأي هواية مشتركة، والأموال التي لا تُستخدم في هذه الأنشطة يتم التبرع بها لأحد الأعضاء لمساعدته، وهكذا يسهم الوجود في مواي في الحفاظ على الاستقرار العاطفي والمالي.

  

في أوكيناوا أيضا طريقة مختلفة للعمل، تعتمد على التطوع لا على المساهمة المالية، ويقوم مجلس المدينة بتنظيم المهام بحيث يشعر كل فرد بأهميته كجزء من المجتمع، وهكذا يكون لدى الفرد هدف في الحياة (أي إيكيجاي) وعلاقات اجتماعية جيدة، كما أن الاحتفالات عنصر أساسي في الحياة في أوكيناوا، والموسيقى جزء من حياتهم اليومية.(10)

   

  

ليس هناك تقاعد

تتجاوز أعمار كثير من سكان أوكيناوا مئة عام، في العقد التاسع من عمرها تستيقظ أكيرا كل يوم لتذهب إلى الحقول وتزرع الطماطم، ثم تمشي إلى المتجر بجوار الشاطئ لتبيعها، وأخيرا تذهب إلى مركز المجتمع لتُعِدَّ الشاي الأخضر للأصدقاء وأفراد العائلة. لا يوجد في اللغة اليابانية كلمة "تقاعد"، مع التقدم في السن تقل المهام ولا يعود هناك سبب للتوتر، لكن يبقى لكل فرد عمل يحرص على القيام بها مهما كانت بساطته، ولا يتوقف أبدا، ولهذا يحرص كل فرد على أن يبقى في صحة جيدة لتُمكّنه من أداء مهمته.

  

بينما اعتدنا في العصر الحديث على البدء بالعمل الشاق ويليه الاستسلام للإرهاق، والاستلقاء بعد يوم عمل طويل على الأريكة أمام شاشة التلفاز أو وسائل التواصل الاجتماعي، كما لو كنا نقول لأنفسنا: "أستحق هذا بعد الكثير من العمل"، فالعادة في اليابان أن ينشغل كل فرد بعمل ما طوال الوقت وتحقيق التوازن بين العمل البسيط في حالة الإرهاق، والعمل الجاد في الأوقات المخصصة لذلك (11). ومن قواعد "إيكيجاي" الأخرى التي يتّبعها اليابانيون:

    

يحرص اليابانيون على الاستمتاع بحياة هادئة بعيدا عن السرعة والضجيج
  

– تناول طعام صحي: يحتوي نظامهم الغذائي على كثير من الخضراوات والتوفو، وقليل من اللحوم والأغذية المُصنَّعة، والعادة أن يتناول اليابانيون طعامهم في أطباق صغيرة ويتوقفون قبل الشبع التام، حين يمتلئ 80٪ فقط من المعدة، حتى لا يقوم الجسم بعملية هضم طويلة، وهم يحرصون على تناول الماتشا.

ممارسة رياضة خفيفة: لا يمارسون أنشطة رياضية عنيفة، لكنهم يتحركون كل يوم، المشي أو البستنة هي عادات يومية، لدى كل مُسنٍّ تقريبا بستان يرعاه ويدعوه للنشاط لكي يحصل في نهاية الموسم على الليمون وبعض الخضراوات لبيعها في السوق المحلية.

كثير من الهدوء: يحرص اليابانيون على الاستمتاع بحياة هادئة بعيدا عن السرعة والضجيج.

إدارة الوقت: تفسح لهم مجالا للراحة وتقلل مستويات التوتر.

العناية بالبشرة: لا تتعرض اليابانيات لأشعة الشمس دون استخدام كريم الحماية من الشمس، ويغسلن بشرتهن بالماء النقي ليلا، ويحرصن على شرب بضعة لترات من الماء يوميا تحفظ ترطيب البشرة بشكل ملائم.

     

   

كيف تعرف "إيكيجاي" الخاص بك؟

لا يعني "إيكيجاي" مجرد تحديد أهداف خاصة والسعي لتحقيقها، يقول ميراليس إن البحث عن "إيكيجاي" الخاص بكلٍّ منا يتطلّب الإجابة عن الأسئلة التالية:

 

– هل تحب العمل الفردي أم العمل في مجموعة؟

– ما الأنشطة التي تستمتع بالقيام بها؟

– ما الأعمال التي تجد سهولة في إنجازها؟

– ما الأنشطة التي كانت تروقك في الطفولة؟ الأنشطة الفنية أم مساعدة الآخرين أم التفكير العلمي؟ يمكن من خلال هذا السؤال التوصل إلى "إيكيجاي" الخاص بك.

  

  

الخطوة التالية هي تطوير قدراتك فيما يمكنك عمله بحيث يضيف كل يوم جديد قدرة أكبر لديك على القيام بالعمل، تتعلم كلمة جديدة في اللغة التي تدرسها، أو تكتب صفحة كل يوم في الكتاب الذي تؤلفه، وتلي هذه الخطوة النظر فيما إذا كان أسلوب حياتك يُمكِّنك من العمل الذي اخترته أم لا، وتقوم بتغيير جذري فيها يسمح لك بالقيام بهذا العمل، مثلا أن تختار أصدقاء وتستبعد آخرين، أن تختار محل سكنك. (13)

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

نظرا لنمط الحياة الاستهلاكي تولدت لدينا رغبة لانهائية للاستهلاك نتيجة للضغوط التي نتعرض لها بحياتنا اليومية.. فكيف يتم خداع المستهلكين بتزييف شعورهم بالسعادة من أجل تحصيل مكاسب لصالح الشركات الرأسمالية؟!

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة