كيف نجعل القراءة جزءا لا يتجزأ من حياة الطفل خارج المدرسة؟
إن حب القراءة هو أحد أعظم الهدايا التي يمكن أن يمنحها شخص بالغ لطفل. من الناحية العملية، تساعد القراءة ببراعة في إنجاز الواجبات المدرسية. لكنها أيضا توسع آفاق الأطفال في الوقت نفسه. إذ يمكنها مساعدة الأطفال القُراء على إدراك عالمهم الخاص بصورة أفضل، وعلى استكشاف عوالم أخرى.
غالبا ما يعتبر الآباء أن القراءة "شأن مدرسي"، وأمر تقع مسؤوليته على عاتق المعلمين. لكن تُظهر العديد من الأبحاث أهمية القراءة في المنزل وداخل المجتمع. كما يمتلك الأطفال الذين يقرؤون في المنزل مع آبائهم، أو أي من مقدمي الرعاية، ميزة تعليمية تدوم معهم طوال حياتهم. بل في حقيقة الأمر، تساعد القراءة الأطفال على تطوير المهارات اللغوية ومهارات القراءة والكتابة التي يحتاجون إليها لبدء برامج تعليم القراءة والكتابة (محو الأمية) الرسمية.
يمكن للآباء -بصفتهم أول وأهم معلمين في حياة أطفالهم- أن يجعلوا القراءة أمرا ممتعا؛ وهو ما يحفزهم على حب القراءة طوال حياتهم، وإن كان الآباء أنفسهم لا يستطيعون القراءة؛ يمكن أن يؤدي أشخاص آخرون هذا الدور، مثل الأشقاء الأكبر عمرا أو بعض الأصدقاء والأقارب.
نورد في هذا المقال بعض الأفكار التي تسهم في تشجيع الأطفال على القراءة من أجل المتعة والمرح، استنادا إلى دراساتِنا البحثية الخاصة حول دور الرسم والقراءة، من خلال الأعمال التي تقوم بها المنظمات المُخصصة لمحو الأمية وتعليم الأطفال القراءة والكتابة.
توضح هذه الأمثلة أنه يُمكن جعل القراءة ممتعة من خلال الربط بينها وبين اللعب؛ سواء كان ذلك بواسطة التمثيل، أو رسم الصور، أو التنكر في أزياء مرحة، أو صنع وابتكار مجسمات، أو الكثير من الأنشطة الإبداعية الأخرى. يفعل الأطفال ذلك بأنفسهم في بعض الأحيان. لكن يمكن أيضا للآباء والمعلمين القيام بتوجيه أنشطة اللعب.
استحداث عادة القراءة اليومية بانتظام يُعدّ أمرا مهما في المنزل. قد يكون ذلك في شكل "قراءة قصة ما قبل النوم"، أو قراءة الصلوات أو بعض النصوص والآيات من أحد الكتب المقدسة، أو القراءة المنتظمة في عطلة نهاية الأسبوع. عادة ما يرغب الأطفال الصغار في سماع القصة ذاتها المرة تلو الأخرى. يُعدّ هذا مهما لصقل معرفتهم الناشئة بالقراءة والكتابة بينما يتعلمون طريقة عمل وسير القصص، وكيفية "القراءة والمطالعة" مرارا وتكرارا.
يستمتع الأطفال بغناء الأناشيد والأغاني المنغّمة المسجوعة، وهذا نشاط ممتع لتنمية مهارة القراءة أيضا. إذ تسمح تلك الأغاني للأطفال باللعب مع الكلمات والأصوات، وتلك هي الخطوة الأولى نحو تطوير وعيهم (الفُونُولُوجِيّ) الصوتي والكلامي، وهي مهارة مُكمِّلة يجب تنميتها لتعلم القراءة.
وقبل كل شيء، يجب أن يقرأ مقدِّمو الرعاية لأطفالهم، باعتبار القراءة نشاطا يهدف إلى إدراك المعنى مع التركيز على الفهم. على سبيل المثال، إحدى نقاط الضعف في تعليم القراءة بمدارس جنوب أفريقيا هي أن المدارس غالبا لا تُركّز على استيعاب الأطفال للمعنى. يمكن للآباء أن يجعلوا القراءة مفيدة وذات مغزى بالسماح للأطفال بمعاينة أيّ نص وإلقاء نظرة تنبؤية عليه (بالنظر إلى العنوان والغلاف والصور قبل أن يباشروا القراءة) ومحاولة تخمين فحوى الكلمات والقصة التي يدور حولها النص.
وبينما يقرأون لهم، يمكن للآباء طرح بعض الأسئلة (لماذا فعل/فعلت ذلك؟ هل تعتقد أن ذلك هو التصرف الصحيح؟ في رأيك، ما الذي سيحدث بعد ذلك؟)، وربط القصة بحياة الأطفال وتجاربهم، وحملهم وتشجيعهم على اختلاق وتأليف نِهاياتهم الخاصة للحكاية.
يستمتع بعض الأطفال الأكبر سنا بالاحتفاظ بـ"مذكرات خاصة بالقراءة" حول الكتب التي قرؤوها، مع تدوين انطباعاتهم الشخصية. وقد تكون القراءة أيضا حافزا لهم يشجّعهم على كتابة قصصهم الخاصة. يمكن أيضا أن تكون الكتابة والتأليف للجريدة أو المجلة المدرسية أمرا مسلّيا وممتعا للغاية، ويمكن تَطويعه وتعديله ليتناسب مع التقنيات المتاحة في المدرسة.
تُخزن الكثير من المكتبات العامة مثل هذه الكتب. فلدى مكتبة "Nalibali" الإلكترونية مجموعة كبيرة من القصص المترجَمة إلى لغات جنوب أفريقيا. كما طور مشروع "تعليم القراءة والكتابة الأسري" (مشروع تعليمي يُعنى بأهمية دور الآباء في تعليم أطفالهم القراءة والكتابة) العديدَ من الأفكار الرائعة لتنمية مهارات القراءة، بما في ذلك المكتبات الخشبية الصغيرة (صناديق تحتوي على كتب، ويمكن لأي شخص أن يأخذ الكتاب الذي يريد من تلك الصناديق الخشبية، شرط أن يضع في المقابل كتابا آخر)، ونوادي القراءة، ومشروع يوميات أُومزالى نينغين (أو يوميات والد وطفل).
تحدَّث المعلّم البرازيلي الكبير باولو فريري عن "قراءة الكلمة ليتسنى لك قراءة العالم". وبيَّن كيف يمكن للقراءة بصورة مهمّة وإبداعيّة أن تساعد الناس في تغيير حياتهم وخَلق عالم أفضل. فالقراءة شيء أهمّ من أن يُلقَى على عاتق المعلمين وحدهم.
_________________________________________________
ملاحظة: *الأسماء المشار إليها في المقال ليست أسماء الأطفال الحقيقية.
ترجمة: فريق الترجمة
هذا التقرير مترجم عن: The conversation ولا يعبر بالضرورة عن موقع ميدان.