دولة ضارية ومجتمع مهمَّش.. كيف فسّر عالم الاجتماع نزيه الأيوبي مُعضلة تخلُّف العرب؟

عشرة أعوام كاملة أمضاها "نزيه الأيوبي" وهو يخوض غمار بحثه الدؤوب في تاريخنا، ليخرج بمجموعة من أهم الكتب التي تناولت تاريخ العالم العربي وطبيعة الأزمة التي يعيشها. عاش نزيه الأيوبي حياة قصيرة، فمات وهو ابن خمسين عاما فقط داخل غرفة بإحدى بنايات العاصمة البريطانية لندن، بعد أشهر قليلة من إتمامه كتابه الأهم "تضخيم الدولة العربية: أزمة السياسة والمجتمع في الشرق الأوسط"، الكتاب الذي ستزداد أهميته وستتسابق دور النشر الأجنبية والعربية على نشره مع انطلاق الربيع العربي، ليصبح الكتاب واحدا من أهم المراجع لكل دارسي شؤون العالم العربي.

تكمن عبقرية كتاب "تضخيم الدولة العربية" وفرادته فيما قدمه من مقاربة جديدة لفهم جذور الاستبداد والعجز المستمر في التحول نحو الديمقراطية والحريات السياسية، وهي مقاربة بعيدة عن التحليلات القومية التي تربط أزمات المنطقة بالاستعمار الأجنبي وإسرائيل، أو بالثقافة والدين والتراث. فقد اعتمد الأيوبي، الذي درس في جامعة أكسفورد، على تأريخ وتحليل الاقتصاد السياسي والحراك الاجتماعي للمنطقة ككل، وارتباطهما بتطور الاقتصاد العالمي الحديث، للوقوف على طبيعة الأزمة وجذورها العميقة. فما الذي وصل إليه الأيوبي بعد رحلته الطويلة؟

التفكير مع ماركس ضد ماركس

للوهلة الأولى، قد يظن القارئ أن نزيه الأيوبي يقدم أطروحة ماركسية لتحليل الاجتماع والسياسة في مصر والشام والعراق، لكن مع قليل من التأمل والتعمق في الكتاب نكتشف أن نزيه يستخدم المفاهيم الماركسية من أجل تجاوزها، مستخدما مناهج تحليلية أكثر جدة وأوسع من المفاهيم الماركسية الكلاسيكية. تحدث الماركسيون الكلاسيكيون عن نمط الإنتاج الآسيوي أو الشرقي بوصفه بنية تحتية للاستبداد التقليدي الموجود في الشرق، والذي يحول دون ظهور مجتمع حديث رأسمالي وديمقراطي هناك، ما يعني أن الاستبداد الذي تعاني منه مجتمعاتنا نتيجة اقتصادية حتمية، وهو أمر شبيه بالحتمية الثقافية التي تحدث بها المستشرقون عن الدين والتراث الإسلامي بوصفه عائقا أمام تطور العالم العربي.

بيد أن نزيه يتفق مع الماركسية في نقطة مهمة، وهي أن معظم أشكال السلطة تكمُن جذورها في القواعد الاقتصادية المكوِّنة لها، حيث استخدم على وجه الخصوص المصطلح الماركسي المفتاحي "نمط الإنتاج"، قائلا بأن أنماط الإنتاج تفرض سلسلة كاملة من الخيارات السياسية والأيديولوجية الممكنة التي قد تتبعها المجتمعات في أوضاع تاريخية محددة. لكن نزيه سرعان ما يتجاوز الماركسية، فهو لا يرى نمط الإنتاج مقولةً أوليةً مطلقة تُحدد كل شيء، إذ إن الأفكار والثقافة والأديان كثيرا ما تكتسب "استقلالية معينة تمكِّنها من عبور السياق الاجتماعي-التاريخي الذي نشأت منه في المقام الأول، وينطبق هذا بصورة خاصة على الدين الذي يبدو أنه يلبي حاجة نفسية حقيقية جدا لدى كثير من البشر".

يُمثِّل مفهوم نمط الإنتاج أحد المفاهيم التأسيسية في علم الاجتماع، وهو -بلا جدال- الإضافة الأهم للماركسية في عالم العلوم الاجتماعية، ويدخل بنا نزيه الأيوبي عبر هذا المفهوم إلى صُلب الإشكال السياسي التاريخي في العالم العربي. ونمط الإنتاج أشبه بنموذج اجتماعي يشمل القوى الفاعلة في عملية الإنتاج، أي التقنيات والوسائل المادية وغير المادية التي تقوم المجتمعات عن طريقها باستغلال الطبيعة وإنتاج السلع، مثل الحيوانات والمصانع والآلات وغيرها. ما يهُمنا في مفهوم نمط الإنتاج هو تحليل علاقات الإنتاج نفسها، التي تشير إلى كيفية تنظيم النظام الاجتماعي المصاحب لقوى الإنتاج تلك، أي ملكية قوى الإنتاج وأساليب التحكُّم فيها، وأشكال العمل المصاحبة لها، وتوزيع الأدوار بين الشرائح الاجتماعية، وتوزيع القيمة والأرباح الناتجة عن العملية الإنتاجية، وأشكال بيع المنتجات والسلع وتداولها. بقول آخر، نمط الإنتاج هو بناء اجتماعي يصف المجتمعات ويحللها في خضم حركتها من أجل توفير أسس الحياة المادية وتنظيمها.

 

من خلال هذا المفهوم التأسيسي، يأخذنا نزيه الأيوبي إلى نقطة تالية: إذا كان لدينا نمط إنتاج، يصير لدينا -بالتبعية- تشكيلة اجتماعية، وهي بحسب نزيه الأيوبي مقولة تحليلية "تصف الشريحة الاجتماعية التي يفترض أن تكون قد نشأت من، وتمحورت حول، نمط إنتاج محدد، بما في ذلك الطبقات والعشائر والعائلات، بل وحتى الأمم والشعوب التي قد يُنشئها نمط إنتاج بعينه". ويمكن هنا توضيح معنى التشكيل الاجتماعي، سواء كان طبقة حديثة أو عشيرة تقليدية، بالقول إن التشكيل الاجتماعي هو الوسيط بين أنماط الإنتاج أو الطبيعة أو الاقتصاد من جهة، والصورة النهائية للمجتمع بقوانينه وثقافته وأخلاقياته العامة من جهة أخرى.

"إن التشكيلة الاجتماعيّة تعادل [المجتمع ككل]، أو المنظومة الاجتماعية في جوانبها الاقتصادية والسياسية والثقافية/الأيديولوجية، التي تجعل المنظومة تعمل وتبقي على نفسها، بمعنى أنها تعيد إنتاج ذاتها، وعليه، ففي حين أن أنماط الإنتاج هي بناءات نظرية لتجريد نمط اجتماعي-اقتصادي معين، فإن التشكيلات الاجتماعية كيانات تاريخية ملموسة يمكن توصيفها بالاسم والمكان والتاريخ"

(نزيه الأيوبي)

هنا تحديدا يكمن تجاوز نزيه الأيوبي للماركسية الكلاسيكية، كغيره من بني جيله من الأكاديميين الغربيين الذي اشتبكوا مع الثراء النظري للماركسية وتجاوزوه في الوقت نفسه نحو آفاق تحليلية ونظرية أكثر رحابة وأقدر على التفسير. وتتمحور فكرة نزيه عن التشكيلات الاجتماعية في أنها تحمل بداخلها إمكانات ثقافية أو أخلاقية تسهم في تشكيل نمط الإنتاج، أي أن الثقافة والقوانين والمدونات الفقهية تسبق أحيانا نمط الإنتاج وتعيد تشكيله وتضفي الشرعية على علاقات الإنتاج. لعل هذا التجاوز البسيط والبديهي للماركسية هو ما ساعد نزيه الأيوبي في الوصول إلى قلب الأزمة السياسية في العالم العربي، مستخدما المقولات الماركسية، ومتجاوزا إياها في تحليل منطقة بعيدة بدرجة كبيرة عن العالم الذي نشأ فيه ودرسه كارل ماركس.

البرجوازية المفقودة.. أزمة الهيمنة الطبقية

استطاعت البرجوازية الغربية أن تشكِّل دولة تحترم وجودها بوصفها طبقة سياسية، ما خلق حالة توازن وتداخل بين سلطة الدولة والمجتمع (وسائل التواصل)

عند فهم التاريخ الغربي، يتفق نزيه الأيوبي مع التصور العام لغالبية المؤرخين وفلاسفة السياسة والاجتماع، فيقول إن نمط الإنتاج الرأسمالي الصناعي أنتج التشكيلة الاجتماعية المعروفة اليوم في الأدبيات بالطبقة الرأسمالية أو البرجوازية، والمصاحبة لنمط الإنتاج الصناعي والتجاري. وقد وعت تلك الطبقة طبيعة مصالحها جيدا بحُكم نشأتها، ومن ثمَّ بات لديها -وفق المعجم الماركسي- وعي طبقيّ، وأصبحت طبقة سياسية تسعى لتشكيل مجال سياسي وقانوني وثقافي وأخلاقي يساعدها على إدامة وجودها، ما أفضى تاريخيّا إلى ظهور قوانين تحمي الملكية الخاصة والأسواق المفتوحة، وتنظِّم العمل وحركة التجارة، وتفرِّق بين الحيز العام حيث سُلطة الدولة، والحيز الخاص المملوك للأفراد. وقد ساعد ذلك على بروز مفهوم المجتمع المدني، وهو حيز عام خارج نطاق أجهزة الدولة، يسمح للأفراد بتنظيم أنفسهم وتجميع مطالبهم وتبادل رؤاهم وأفكارهم بحرية نسبية في شكل مؤسسات حزبية ونقابية وجماعات ضغط ولقاءات جماهيرية، من أجل المشاركة في الحياة السياسية والبرلمانية ثمَّ إدارة الدولة نفسها.

لم تكن هذه الحركة التاريخية -بحسب نزيه الأيوبي- ممكنة الحدوث دون نمط إنتاج واضح ومحدد، هو نمط الإنتاج الصناعي الرأسمالي، الذي تصاحبه شبكة من علاقات الإنتاج تقوم على ملكية طبقة معينة لقوى الإنتاج ملكية خاصة لا عامة، فضلا عن حاجة مالكي الإنتاج هؤلاء إلى قوى عاملة وأجهزة أمنية وصحية، وخدمات ومرافق ولوائح وقوانين تنظم الإنتاج، وثقافة وتعليم يؤهلان السكان لاستخدام قوى الإنتاج التي يجري تحديثها باستمرار. وتمثِّل كل علاقات الإنتاج تلك النواة الأساسية للدولة الحديثة في الغرب، إذ استطاعت البرجوازية الغربية أن تشكِّل دولة تحترم وجودها بوصفها طبقة سياسية، ما خلق حالة توازن وتداخل بين سلطة الدولة والمجتمع، فصار الحيز السياسي مرتبطا بالحيز الاقتصادي والاجتماعي، وتلك النقطة الأخيرة تحديدا هي جوهر الديمقراطية الغربية الحديثة، والمحرِّك الأول للحداثة والديمقراطية في الغرب، كما يُفصِّل الأيوبي، ومن ثَم فإن غيابها هو جوهر إشكالية العالم العربي "المأزوم".

تاريخيا، امتلكت المجتمعات المسلمة أنماط إنتاج متنوعة تنوعا واسعا منعت مراكمة الثروة، فحالت دون ظهور تشكيل اجتماعي بعينه من صفوف المجتمع على حساب بقية الطبقات المجتمعية. فقد كانت هناك أنماط إنتاجية زراعية وبدوية ورعوية وغيرها قائمة على الخراج والفتح العسكري والإقطاع، فضلا عن علاقات الإنتاج التكافلية والعائلية، وتمَفصلتْ أنماطْ الإنتاج تلك مع بعضها بعضا طوال الوقت وتداخلت فيما بينها، لترسم ملامح اقتصاد حركي غير احتكاري، وتضفي حيوية واستقلالية على جميع شرائح المجتمع المسلم التقليدي القديم. غير أن ما يؤكد عليه نزيه بعد تلك الجولة البانورامية في التاريخ العربي، هو أن الحيز السياسي ظل يتمتع هو الآخر باستقلالية كبيرة عن مصالح قوى المجتمع المادية، مثلما تمتعت تلك القوى المجتمعية باستقلالية عن السلطة.

"خلال معظم مراحل تطور الدولة العربية، لم يكن هناك نمط واحد ومهيمن للإنتاج يسود المجتمع، بل مجموعة من الأنماط [المُتمَفصلة] بعضها أهم من البعض في أزمان معينة أو في أقاليم معينة"

(نزيه الأيوبي )

ترتب على غياب نمط إنتاج رأسمالي صناعي ضعفُ الطبقة البرجوازية المحفِّزة للحداثة الديمقراطية وللمجتمع المدني في العالم العربي

لم تسمح نظم الإنتاج وحركة المال والثروة في المجتمعات العربية بظهور طبقة برجوازية قوية تستطيع مراكمة الثروة وفرض هيمنتها على المجتمع، وكان هذا الأمر صحيا وطبيعيا من أوجه عدة في زمن السلطة التقليدية السابقة على الحداثة، بيد أنه بات جوهرَ الأزمة السياسية التي تحياها مجتمعات العالم العربي اليوم. ويشرح نزيه الأيوبي أنه "في الأزمنة الحديثة يمكن اعتبار الاستعمار الغربي قد أفضى إلى ضمِّ العالم العربي إلى النظام الرأسمالي العالمي وتعزيز الدولة البيروقراطية، ومن منظور عالمي فلا بد أن يستنتج المرء أن النمط الرأسمالي للإنتاج بات يؤطِّر الدولة العربية، إن لم يكن نافذا فيها. ولكن هذا الضم والتأطير لم يعنِ بالضرورة أن النمط الرأسمالي للإنتاج هو النمط الوحيد، لكنه بات يتمتع باليد العليا بوتيرة متزايدة".

ترتب على غياب نمط إنتاج رأسمالي صناعي ضعفُ الطبقة البرجوازية المحفِّزة للحداثة الديمقراطية وللمجتمع المدني في العالم العربي، وحال هذا التشظي في أنماط الإنتاج في العالم العربي "دون ظهور طبقة اجتماعية سائدة ذات أيديولوجيا اجتماعية مهيمنة من شأنها أن تلقى قبولا داخليا من لدن الأغلبية بصفتها معبّرة عن مصالح المجتمع واهتماماته. في الواقع، كانت الوسيلة الوحيدة للتأثير في السياسات هي تولِّي السيطرة المباشرة على ماكينة الدولة، فمتى ما احتلت جماعة أو كتلة معينة موقع السلطة فإنها عادة لا تنوي التخلي عنه، غير أن أساليب المحافظة على السلطة تختلف من حالة إلى أخرى. ففي الحالات التي تستلزم فيها المحافظة على امتيازات المجموعة التي استولت على الدولة وتعزيزها الحفاظ على الوضع القائم، فإن من شأن الطبقة المنغلقة الحاكمة أن تكافح من أجل أن تضم إلى صفوفها مجموعات أخرى بأسلوب زبائني إذا كان ذلك ممكنا. وتنطبق هذه الحالة على الأقطار المصدِّرة للنفط في بلاد الخليج على سبيل المثال.

الدولة الضارية.. الدولة الضعيفة

أهم صفتين وجدهما نزيه الأيوبي في المجتمعات ذات أنماط الإنتاج المتمفصلة هي: أولا، أن أنماط الإنتاج فيها تكون متشابكة تشابكا وثيقا مع أساليب القسر (ممارسة القوة الفيزيقية أو المسلحة)، وتكون هناك هيمنة للعنصر السياسي مع أهمية حاسمة لوجود الدولة، وذلك لأن الدولة تؤدي في هذا السياق وظيفة تعويضية، وتفرض نوعا معينا من الوحدة الرسمية على جسم لا يتصف بالتجانس أو التوازن الاجتماعي، الأمر الذي يتيح لها التمتع بدرجة عالية من الاستقلال الذاتي الاقتصادي والسياسي عن قوى الإنتاج والطبقات الاجتماعية المحلية، وجعل كامل المنظومة الاقتصادية والسياسية يعتمد اعتمادا وثيقا على إنفاق الدولة، ومن ثَم فإن دولة كتلك لا تدعم الاستقلال الذاتي للمجتمع، بل على العكس تزيد من تبعيته إليها.

بغياب الطبقة البرجوازية القوية، كانت الوسيلة الوحيدة للتأثير في السياسة هي "السيطرة المباشرة لماكينة الدولة على المجتمع، وتعزيز هذه السيطرة بالتوسع في الإنفاق العسكري والأمني، الذي بدوره يقوي جوانب القسر والقمع.

هذا الافتقار إلى شبكة مصالح راسخة وثابتة تدعم سياسات بعينها وتكون مصدر شرعية للسلطة من خارجها، يفسِّر السهولة النسبية التي تستطيع بها الحكومات العربية أن ترتد عن مواقفها السياسية على المستويين المحلي والدولي، فاشتراكيو الأمس المتحمسون هم ليبراليو اليوم المتفانون، وأتباع السوفيت بالأمس هم حلفاء أميركا اليوم، وأعداء إسرائيل قبل عقدين هم المتفاوضون مع زعمائها هذا العام، وكما قال "روبرت فان نيكرك"، الباحث الجنوب أفريقي في المؤسسات والأيديولوجيا، إن أيديولوجيا هذه الأنظمة "أيديولوجيا مزيفة"، تفصِّلها الأنظمة على مقاسها وفق احتياجاتها اللحظية.

بغياب الطبقة البرجوازية القوية، كانت الوسيلة الوحيدة للتأثير في السياسة هى "السيطرة المباشرة لماكينة الدولة على المجتمع، ومحاولة تعزيز هذه السيطرة من خلال التوسع في الإنفاق العسكري والأمني (الذي بدوره يقوي جوانب القسر والقمع التي تحفظ بها الدولة سيطرتها على المجتمع)، على حساب التنمية والتعليم والإصلاح؛ لضمان أطول مدة في الحكم، ويصوغ "إعجاز أحمد"، المفكر الهندي الماركسي، تلك الحالة قائلا: "في غياب برجوازية مهيمنة، وفي ظروف تكون فيها سياسة الجماهير سياسة عصيان مسلح في جوهرها، فإن الدولة تقوم على أساس من القسر والقمع الصريحين. وهكذا يكون لدى الجهاز القمعي ميل متأصل في هذه الحالة للهيمنة على الجهاز السياسي أيضا، وتميل القوات المسلحة إلى الاستيلاء على الجزء الأعظم من العائدات الوطنية".

تكمُن "الأزمة" بين الدولة العربية ومجتمعها إذن في تعبير الدولة الأمين عن المصالح الضيقة المباشرة لفئة محدودة من المجتمع، وقيامها بخلق وهم سياسي بأنها تعبر عن مصلحة عامة وفكرة جامعة من جهة أخرى. والنتيجة هي أن قوى الاختلاف داخل الدولة العربية لم تجد أمامها إلا أن تصير قوى مصادمة ومقاومة، مع انسلاخ الدولة عن المجتمع، بل وعزله والتسلط عليه، لتصير بذلك "دولة ضد مجتمعية"، تفرغ المجتمع المدني من مضمونه الاجتماعي ثم تسيطر على شتى أنحائه وتعيد صياغته على النحو الذي يناسبها.

يستدلّ نزيه الأيوبي على ذلك بانفجار الديون الخارجية في دول المشرق العربي كما في حالتي العراق ومصر، ويصفه بأنه "لم ينجم عن قروض لتمويل مشاريع إنمائية، بل لتغطية المصروفات العسكرية المتزايدة. ولم تستطع هذه الدول معالجة أزمتها عن طريق سياسات مالية صائبة، بل بتدخل عوامل خارجية، وهي اتفاقات إعادة برمجة الديون المبرمة مع صندوق النقد الدولي (المغرب والأردن)، والحصول على مساعدات مالية أميركية (مصر والأردن)، وتسهيلات روسية مالية وتجارية (سوريا)، وإلغاء القسط الأكبر من الديون الخارجية في إطار نادي باريس كما في حالتي العراق ومصر. أدت هذه الوسائل إلى فقدان الثقة بمالية الدولة، ناهيك عن شروطها التي تحد من سيادة الدولة".

ويختم نزيه الأيوبي تحليله قائلا: "يجب علينا أنّ نميز بين [الدولة القوية] و[الدولة الضارية]، فالدولة القوية تكمِّل المجتمع ولا تناقضه، ولا تظهر قوتها في إخضاعها للمجتمع، بل في مقدرتها على العمل مع مراكز القوى في المجتمع أو من خلالها، والدولة القوية هي التي تستطيع فرض أيديولوجيتها من غير استخدام مفرط للقسر والعنف، وهذا ينبع من أمر مهم هو أن الأيديولوجيا التي تريد فرضها الدولة هي أيديولوجيا تعبر عن مصالح القطاعات الأوسع والمهيمنة داخل المجتمع، ففي حالة كتلك تنسجم الغالبية العظمى من المجتمع مع سياسة البلاد في الشؤون الاقتصادية والاجتماعية، بينما الدولة الضاربة تكون على درجة من التضاد مع المجتمع بحيثُ إنَّها لا تستطيع أن تتعامل معه إلا من خلال القسر واستخدام القوة السافرة".

ويشير الأيوبي في هذا الصدد إلى "مايكل مان"، عالم الاجتماع الأميركي المعروف بجامعة كاليفورنيا لوس أنجِلوس، وإلى تمييزه بين السلطة "الاستبدادية" والسلطة ذات "البنية التحتية". ففي نظر الأيوبي، تعبّر "الدولة الضارية" عن النمط الأول، بينما الدولة القوية تجسد النمط الثاني. تكون القوة الاستبدادية للدولة كبيرة حينما تستطيع الدولة أو الجالسون على مقاعد الحكم التصرف متحررين من القيود الدستورية، وممارسة السلطة بشكل اعتباطي، وساعتها، كثيرا ما يكون الصخب والغضب الصادران عن القيادة لا يعنيان سوى القليل حينما يحين الوقت لترجمة هذا الأمر إلى واقع سياسي أو اجتماعي سليم. وعليه، كثيرا ما تكون الدولة العربية عنيفة لأنها ضعيفة، وفي الأمثال العربية الشائعة فإن "الآنية الفارغة هي وحدها التي تصدر أصواتا وضجيجا".

بشكل إجمالي، يعزو نزيه الأيوبي التراجع العربي إلى غياب القوة الاجتماعية المنظمة التي لديها مصلحة مباشرة في فرض المجال السياسي المفتوح على الدولة، واحترام الملكية الخاصة والحيزين العام والخاص، وخلق مجتمع مدني مفتوح ودولة تعبر عنه وتمثل مصالحه. لذا، وُلِدَت الدولة في مجتمعاتنا، على النقيض، بصفتها سلطة "خارجية"، ما أدَّى بها إلى أن تكون -هي وأفرادها وأجهزتها ومفكروها- هامشية بالمعنى السياسي، ومركزية بالمعنى الأمني والقمعي المادي الصلب فحسب. ولم تنجح الدولة العربية في تجاوز هامشيتها السياسية حتى في ذروة هيمنتها حين أمسكت بزمام الحكومة والتنظيم السياسي ووسائل الإنتاج والأيديولوجيا الرسمية. لم يكن غريبا إذن أن تداعت تلك الدولة العربية حينما تلقت أول صدمة في مواجهة جماهيرها، فتصدَّعت الواجهة المشيَّدة بعناية بعد الثورات العربية، كاشفةً عن شتى صنوف المسوخ المروِّعة التي ظن كثيرون أن التاريخ طوى صفحتها منذ أمد بعيد.

______________________________________________________

المصادر:

  1. نزيه الأيوبي، تضخيم الدولة العربية: السياسة والمجتمع في الشرق الأوسط، المنظمة العربية للترجمة.
  2. خالد عثمان الفيل، الاقتصاد السياسي للأيديولوجيا والدولة في العالم العربي.
المصدر : الجزيرة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة