كيف ينظر المصريون للمرأة؟.. 64 رسما بيانيا تكشف لك حقيقة نظرتهم!

في اليوم الثاني من يوليو/تموز 2020، ظهرت صفحة على موقع "إنستغرام" (Instagram) تُسمى "بلغ عن أحمد بسام زكي @assaultpolice" تحوي عشرات الشهادات ضد شاب عشريني وطالب بالجامعة الأميركية بالقاهرة من قِبل فتيات لم يعلنوا عن أسمائهن، أكّدن تعرّضهن لأنواع مختلفة من الاعتداءات الجنسية من قِبله. بعدها بدأت تظهر بلاغات عن وقائع تحرش واغتصاب ضد هذا الشاب في النيابة العامة، ليُسجن على ذمة التحقيق، وبعدها بأسبوع تقر الحكومة المصرية مشروع قانون لضمان سرية بيانات المجني عليهم في حالات التحرش.

 

وتتحوّل القضية إلى قضية رأي عام على مواقع التواصل الاجتماعي، التي غرقت بالنقاشات حول وضع المرأة المصرية وما تتعرّض له من إيذاء وتحرش، ومطالبة السلطة بمعاقبة المتهمين والمجرمين الذين امتلأت بهم الشوارع المصرية، حتى أضحت القاهرة -حسب تقرير لمؤسسة تومسون رويترز 2016- مصنفة كأخطر مدينة على النساء في العالم (1)، خاصة بعد حوادث القتل والسحل والتعرية لنساء شاركن في احتجاجات شهدتها العاصمة منذ 2011، وقالت المؤسسة في تحقيق شارك فيه خبراء بشأن إجراءات حماية النساء من العنف إن القاهرة احتلت المرتبة الأخيرة في تلك الحقوق، حيث شملت القائمة 19 مدينة كبيرة "10 ملايين نسمة على الأقل"، وجاءت العاصمة المصرية بعد نيودلهي وكراتشي وكينشاسا.(1)

 

لذلك، يبدو الأمر أكبر من مجرد حوادث ووقائع فردية يرتكبها مجرمون أو رجال مهووسون بأجساد النساء، الأمر الذي يستدعي فحصا أعمق في مخيلة المجتمع المصري عن صورة المرأة: سماتها وصفاتها وحقوقها ومكانتها ودورها، ولفهم تلك الصورة كان يجب الاستعانة بالدراسات البيانية والإحصائية والتحليلات الاجتماعية لتقديم صورة شاملة وواضحة عن المرأة في المجتمع المصري، فأولى خطوات تحقيق العدالة هي فهم القضية بشكل واضح، فكيف يرى المجتمع المصري المرأة؟

 

رغم القصص والحكايات التي حكتها عشرات الفتيات على وسائل التواصل الاجتماعي بعد ظهور قضية المتهم بالتحرش والاغتصاب "أحمد بسام زكي" فإن وسائل التواصل الاجتماعي لا تعكس الواقع الحقيقي للمجتمع، ربما تعكس تلك المواقع بما عليها من بيانات الاتجاهات السائدة لدى فئات ودوائر معينة، لكنها لا تُمثِّل أبدا واقعا يعيشه نحو مئة مليون مصري باختلاف خلفياتهم الطبقية والتعليمية والجغرافية والثقافية.

 

لذلك، ولفهم هذا الواقع شديد التعقيد والكثافة، لجأنا إلى دراسة إحصائية شاملة أعدّها المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية وصدرت بالقاهرة عام 2018، وقد اعتمدت على إجابات عينة ممثلة للجمهور المصري، قوامها 3000 شخص (1500 ذكور و1500 إناث) أعمارهم بين 18 حتى أكثر من 55 عاما، يسكنون بين المدن والريف، بحيث تغطي العينة الخصائص السكانية مثل التعليم والفئات العمرية والحالة الاجتماعية وغيرها، لتشمل العينة أشخاصا من العاصمة والمدن الرئيسية وحتى القرى والشياخات بمحافظات الوجه البحري والقبلي وحتى الصحراوي.

 

ويظهر ذلك جليا في القياس الأوّلي العام لمسألة حقوق المرأة، فالموافقة على الحقوق السياسية مثل "شغل وتولّي منصب رئيس الدولة أو رئيس الوزراء" تبدو متدنية عند كلٍّ من الذكور والإناث، مما يعكس الحالة الواقعية المتردية للواقع السياسي المصري ككل، بينما ترتفع نِسَب الموافقة لدى الإناث والذكور على الحقوق الشرعية والتي تمس الحياة اليومية والأسرية مثل "الحق في المهر والميراث واختيار الزوج وطلب الطلاق"، فيما تقل موافقة الذكور على أغلب الحقوق التي قد يراها الذكور تمس موازين القوة بين الرجل والمرأة في المجتمع المصري، فحقوق المساواة في التعليم والعمل والحقوق السياسية ما زالت تُواجه رفضا ليس فقط من الذكور، بل كذلك من جانب المرأة ذاتها في المجتمع المصري. أما قضية التحرش فقد وضّحت البيانات أن 46% من الذكور يرون أن المرأة هي المسؤولة عن التحرش مقابل 28% فقط من الإناث.

فتُشير البيانات بشكل مبدئي إلى أن قضية حقوق المرأة تتعلق برؤية المجتمع ذكورا وإناثا للمرأة، حيث تتموضع صورة المرأة في مخيلة المجتمع المصري على عدة مرتكزات أهمها: الصورة النمطية للمرأة في المجتمع المصري، العادات والتقاليد أو الثقافة السائدة في المجتمع والتي تُشكِّل ضغطا على كلٍّ من الرجل والمرأة، وأخيرا علاقات القوة بين الرجل والمرأة والتي تؤطرها علاقات القوة والسلطة داخل المجتمع وتتمظهر في قانون تمرير القهر الذي يسود في الدول الاستبدادية.(2)

 

كان أول ظهور لمفهوم "الصورة" في الدراسات الاجتماعية هو مفهوم صورة الذات (self-concept) الذي ظهر مع أعمال "كولي وميد" في سعيهما لوصف العلاقة بين السياق الاجتماعي ووظيفة الفرد داخله، ثم تطور المفهوم مع كتاب "تصوير الذات" الذي جاء فيه أن صورة الذات هي "كل الأفكار والمشاعر التي يُصِرّ عليها الأفراد في وصف ذواتهم"، ثم توسع المفهوم داخل سياق علم الاجتماع ليكون "كل الهويات والاتجاهات والمعتقدات والقيم والدوافع والخبرات التي يُعرِّف بها الأفراد أنفسهم".(3)

 

واستمر مفهوم "صورة الذات" في التطور خاصة مع "إرفنج جوفمان" الذي نحت مفهوم "الهويات الفاسدة"، وهي الهويات التي لا يرضى عنها النظام الاجتماعي فيقوم بوصمها واستبعادها، ثم نشأ مفهوم "الذات والآخر" مع جورج زيمل، حتى ظهر مفهوم "التمثيل" والذي شاع استخدامه في الأدبيات المعنية بالصورة، وكان يقوم على شقين هما: شق "التمثيل الرمزي"، وشق "التمثيل السياسي". حيث أثار هذا المفهوم عدة إشكاليات تتعلّق بإمكانية اختزال جماعة معينة في عدة صفات أو أشخاص محددين، ثم إشكالية الحقيقة ومدى مطابقة الصورة لواقعها، ثم إشكالية علاقات القوة والسلطة داخل المجتمع وإلى أي حدٍّ يمكن أن تُمثِّل الصورة سلطة رمزية أو أن يُمثِّل شخص مجموعة من الناس.

 

وفي المجمل كان تعريف "التمثيل" هو "درب من العمليات التي تدور حول طريقتنا في النظر إلى أنفسنا وإلى الآخرين، وطريقتنا في عرض أنفسنا وتقديم الآخرين واستحضارهم كما تصوّرتهم الثقافة التي تمارس التمثيل".

 

حتى تطوّر المفهوم إلى مفهوم "المتخيل"، والمتخيل هو "نسق مترابط من الصور والدلالات والأفكار والأحكام السابقة التي تُشكِّلها كل فئة أو جماعة أو ثقافة عن نفسها وعن الآخرين، فكل جماعة تُشكِّل صورا وأحكاما عن الجماعات الأخرى، ويتم ترسيخ هذه الصور والأحكام في الوعي واللا وعي الجماعي بمرور الزمن وبالقوة المادية والثقافية التي يتمتع بها التمثيل".

 

ومن كل تلك المفاهيم نشأ مصطلح "الصورة النمطية"، وهو في معناه الحرفي الصورة الثابتة، لكن في مدلوله الاجتماعي يُشير إلى مجموعة السمات التي تترسخ في وعي ولا وعي مجتمع ما، لتجنُّب محاولة معالجة واقع شديد التعقيد والاتساع والتسارع يستحيل معه صياغة صورة دقيقة ويفوق معه القدرة على الفهم الشامل له.

 

ومن وجهة نظر علم النفس الاجتماعي الذي يحاول الموازنة بين تأثير الظروف البيئية والاجتماعية على الإنسان وبين دور العمليات المعرفية والإدراكية الذاتية للفرد، فإن التنميط في أي مجتمع له عدة وظائف لها دلالات معينة، فالتنميط أولا يساعد في التفسير، ثم هو يحفظ الطاقة ويُمثِّل مشتركا ثقافيا عاما يمكن التعايش معه.

 

أي إن التنميط له أولا الوظيفة المعرفية التي تُشكِّل طريقة التفكير والتفسير لدى أفراد المجتمع، خاصة في مجتمع متعدد ومعقد ومتسارع، وثانيا الوظيفة النفسية بتقليل الأعباء والضغوط وطمأنة النفس وتبرير أفعال الذات وأخطائها والتقليل من تأنيب النفس وجلد الذات، خاصة في مجتمع استبدادي هيبة الرجل فيه ضائعة بالكامل، والوظيفة الاجتماعية بالحفاظ على بنية الجماعة الاجتماعية بتوفير طريقة للتواصل وإيجاد المشترك الثقافي حول مجموعات غير معروفة وغريبة بالنسبة للسائد العام، مثل المرأة كجنس آخر، أو مجموعة ثقافية منفصلة كمجموعة "الإسلاميين" مثلا.

 

في هذا السياق، يمكننا تقديم "الصورة النمطية" التي تكوّنت في المجتمع المصري عن المرأة عبر تقديم السمات العامة، ثم السمات الجيدة والسيئة للمرأة التي ترسّخت في وعي المجتمع ذكوره وإناثه، حيث تُوضِّح البيانات أن من السمات المترسخة في المجتمع المصري عن المرأة أن المرأة تتحكّم فيها العاطفة، وأنها "رغاية" كثيرة الكلام، وأنها تحتاج دائما إلى أن يكون هناك رجل مسؤول عنها، وأنها "نكدية" أو تُثير الشجار بشكل دائم، وتحتاج دائما إلى مَن يُوجّهها.

ومن السمات التي لم توافق عليها الإناث وأقرّ الذكور بوجودها بنسبة أعلى أن المرأة عادة تتحدث في الأمور التافهة، وليس لها القدرة على اتخاذ القرارات المهمة، وهي أقل رجاحة في العقل من الرجال. فيما وافقت الإناث بنسبة 48% على أنه من المستحب أن تكون للمرأة شخصية قوية، بينما رفض أغلب الذكور ذلك الأمر.

 

تُوضِّح البيانات السابقة السمات العامة التي يراها المجتمع المصري للمرأة، والتي نجد الاختلاف بداخلها شديد الوضوح بين رؤية الذكور والإناث، الاختلافات التي تتمحور بشكل أوّلي حول "توزيع الأدوار والمسؤولية" في المجتمع، ثم حول توزيع علاقات القوة بين الرجل والمرأة، فالرجال يميلون إلى الاستئثار بالسلطة، والسعي للشعور بالتفوق والقوة والاستقلالية والثقة بالنفس، ولعب دور القائد ورب الأسرة وعائلها وإصلاحها ورعاية شؤونها، ويريدون من الإناث الدور المقابل الذي يتمحور حول تكريس ذواتهن لرعاية أزواجهن وأبنائهن، وينسبون للإناث سمات الرقة والدفء وتَفَهُّم الرجل والتضحية لأجله وتربية الأبناء ورعاية الأسرة، بينما لعدة ظروف وسياقات اجتماعية وثقافية ترفض الإناث الخضوع بالكامل لتلك الأدوار، وهذا ما تُوضِّحه بشكل أكبر بيانات "الصفات الجيدة والسيئة للمرأة" كما يراها المجتمع المصري:

تُوضِّح البيانات السابقة الصفات الجيدة للمرأة المصرية كما يراها المجتمع المصري، حيث حصلت صفة "مُتحمِّلة للمسؤولية" النسبة الأكبر من إجابات الذكور 62% والإناث 86.5%، أما أقل نسبة في إجابات الذكور فقد حصلت عليها سمة "مُدبِّرة"، كما قلّت نِسَب المستجيبين من الذكور على صفات "مضحية ومكافحة"، وكلها صفات تتعلق بالسياق الاجتماعي والاقتصادي في مصر، والذي يغيب عنه كليا قيم العدالة بكل أشكالها، كما ينتشر فيه القهر والفقر، فليس من المستغرب أن تغلب فيه قيم المنافسة والحرص على قيم الإنصاف والعدل، لكن الغريب هو شبه الاتفاق بين المستجيبين من الذكور والإناث حول صفة "زوجة وفية"، فقد وافق عليها الذكور بنسبة 40% فقط، بينما ارتفعت نسبة الموافقة لدى الإناث قليلا لتكون 44% فقط.

 

أي إن أكثر من نصف المجتمع المصري يرون أن الزوجة المصرية غير وفية، لكن لا يمكننا إطلاق ذلك الحكم بناء على تلك البيانات، فالأمر يحتاج إلى مزيد من التدقيق، لذلك سنُعيد تقسيم عينة المستجيبين مرة أخرى بناء على المستوى التعليمي لنحصل على رؤية أوضح لفئات المجتمع المصري وتصوراتهم نحو الصفات الجيدة في المرأة المصرية.

تُوضِّح البيانات السابقة والتي قسّمت عينة الذكور والإناث إلى عدة فئات حسب مستوى التعليم، من المستوى أقل من المتوسط وحتى الجامعي فأعلى، أن رؤى الفئات لصفات المرأة متقاربة إلى حدٍّ كبير، حيث جاءت -كما في البيانات العامة- صفة "تحمل المسؤولية" بأكبر نسبة موافقة بين المستجيبين، بينما تقاربت رؤية الفئات للصفات الباقية، فنجد عند الذكور تقاربا كبيرا في النظر إلى المرأة في كل المستويات التعليمية، ولم تتخطَّ نِسَب المستجيبين الذين يرون أن الزوجة المصرية "وفية" حاجز 45%، أي أقل من النصف، وكذلك عند الإناث اللاتي لم ترتفع نسبة الموافقة على وفاء الزوجة المصرية إلا لدى فئة "التعليم الجامعي وفوق الجامعي"، ولم تتخطَّ حاجز النصف 50%، وتقل عند باقي الفئات التعليمية ليصبح مجموع نِسَب الإناث حول وفاء الزوجة المصرية 44.6% فقط!

 

بينما كانت الصفة التي تحمل النسبة الأقل في استجابات الإناث حول الصفات الجيدة للمرأة هي "مُدبِّرة" كما يرى الذكور، كما اتفقت أيضا الإناث مع الذكور حول الصفة الجيدة الأبرز لدى المرأة المصرية وهي "تحمل المسؤولية"، الأمر الذي يُحيل مرة أخرى إلى مدى تأثير السياق الاجتماعي والطبقي والاقتصادي على رؤية المجتمع المصري.

أما الصفات السيئة لدى المرأة المصرية، فقد جاءت استجابات الذكور والإناث في عينة الدراسة لتُبيّن أنها "رغاية/كثيرة الكلام" بنسبة 40.9%، وغيورة بنسبة 47.4%، ونكدية بنسبة 28%، ومتسلطة بنسبة 19%، أما أقل صفة حصلت على موافقة المستجيبين فكانت "مهملة في تربية أولادها" بنسبة 14.7%، فيما حصلت صفة "غيورة" على أعلى نسبة موافقة بين الذكور والإناث في عينة المستجيبين، حيث ترسم تلك الصفات ملامح الصورة العامة للمرأة المصرية، لكن هل تختلف رؤية الصفات السيئة لدى المرأة المصرية باختلاف مستوى التعليم أو بين الريف والحضر؟

تُوضِّح الخرائط الإحصائية السابقة أن الفئات التعليمية للمستجيبين من الذكور والإناث متقاربة إلى حدٍّ كبير، حيث ترتفع نِسَب ذِكْر صفات "الغيرة والنكد والعند" كصفات سيئة في كل الفئات التعليمية لدى الذكور، بل ترتفع نسبة ذِكْر تلك الصفات كلما ارتفع المستوى التعليمي، فنجد نسبة ذِكْر تلك الصفات عند فئة التعليم الجامعي وفوق الجامعي أعلى منها من فئة التعليم الأقل من المتوسط والمتوسط. ويتكرّر الأمر لدى المستجيبين من الإناث، حيث ترتفع نِسَب ذِكْر صفات الغيرة والعند في فئة التعليم الجامعي وفوق الجامعي. فهل تختلف تلك الصورة بين الريف والحضر؟

تُشير البيانات إلى أن التصورات حول الصفات السيئة للمرأة المصرية لا تختلف كثيرا بين الريف والحضر، ففي الريف ترتفع نِسَب ذِكْر صفات (رغاية 48%، عنيدة 49%، غيورة 43%، نكدية 33.5%)، لكنها لم تتعدَّ نسبة 50% على كل الأحوال. بينما في الحضر فالصفة الأكثر انتشارا في نظر الذكور هي "الرغي/كثرة الكلام" بنسبة44%، بينما في نظر الإناث فالصفة الأكثر انتشارا هي "الغيرة" بنسبة 48%، بينما جاءت صفتا العند والنكد بعد ذلك بنِسَب 40% و37% على التوالي من وجهة نظر الذكور.

 

وبسؤال المستجيبين حول الأسباب التي تدفع المرأة للعند والنكد، جاءت الإجابات كالتالي:

حيث ذكر الذكور أن السبب الأول الذي يجعل المرأة نكدية وعنيدة هو "عدم الرضا عن حالها" بنسبة 63%، ثم تلاه "عدم التوافق الزوجي" بنسبة 35%، ثم "عدم إشباع حاجاتها" بنسبة 31%، ويبدو التباعد بين استجابات الذكور كبيرا كأن هناك شيء مفقود في المنتصف بين "عدم الرضا" وبين "عدم التوافق الزوجي"، بينما تبدو استجابات النساء متقاربة، فقد أجمع أكثر من نصف الإناث أن السبب الأول هو "عدم الرضا عن حالها" بنسبة 55%، ثم تلاه "الإهمال" بنسبة 48%، ثم "سوء المعاملة" بنسبة 40%، ثم تأتي أسباب أخرى مثل الملل، وعدم الاقتناع بالزوج، وعدم إشباع الحاجة، وعدم التوافق الزوجي. فما الصفات التي يطلبها كل طرف من شريكه؟

ووفقا لكل الخرائط الإحصائية السابقة حول "الصورة النمطية للمرأة" في المجتمع المصري، يرتفع بشكل عام ذِكْر الذكور والإناث لسمات وصفات وأسباب تتعلق بالسياق الاجتماعي وظروف المعيشة وعدم الرضا العام عن الحال واعتراف بثقل متطلبات المعيشة وصعوبة المسؤولية، وبجانبها تظهر سمات تتعلق بتصورات المجتمع ككل وما ترسّخ في لا وعيه عن المرأة، بينما يبدو هناك اختلاف جلي حول تصور العلاقات بين الرجل والمرأة وأثرها على صورة المرأة، وكذلك الأدوار التي تلعبها المرأة، لذلك علينا فحص تفكير المجتمع المصري في المرأة بشكل أكثر تركيزا، خاصة الأدوار وما يتعلق بقضية العمل والأدوار التي يمكن أن تلعبها المرأة في المجتمع.

 

تطرح "الدراسات الاجتماعية" مقاربة لفهم "الصورة" التي تتكوّن في مجتمع ما عن فئة محددة مثل "صورة المرأة"، عبر إبراز دور "العمليات المجتمعية" التي تؤثر في جميع أفراد المجتمع، وتتكوّن تلك العمليات داخل نسق العلاقات بالمجتمع عبر تفاعل الأفراد مع بعضهم بعضا، والقيم التي تحكم تلك العلاقات وما يتداخل فيها من عادات وتقاليد أو شرائع أو قوانين أو ثقافة معينة، لتصبح تلك العمليات الاجتماعية أكبر من وجود الأفراد أنفسهم وسابقة على وجودهم، وبالتالي "فالصورة التي يُشكِّلونها عن أي جماعة أو فئة اجتماعية ليست من صنعهم، ومع ذلك فقد يُسهمون بنصيب في تغييرها، فصورة المرأة مثلا ليست نابعة من ذات المرأة، ولا من الجماعة التي تنتمي لها من بنات جنسها من النساء، ولكنها نتاج عمليات أكبر يظهر تأثيرها في تبني النساء أنفسهن لتصورات قامعة لهن، رغم إضرارها بهن".(3)

 

ففي منظور تلك "الدراسات" يفرض المجتمع معاييره على الفرد بتحديد ما ينبغي أن يعيه ويفهمه ويفعله، حيث تنقسم تلك الدراسات إلى مدرستين: الأولى هي مدرسة "التفاعلية الرمزية" التي تفترض أن البشر يتصرفون حيال الأشياء والعلاقات على أساس ما تعنيه لهم، وهذه المعاني نتاج التفاعل الاجتماعي في المجتمع الإنساني، ويقوم الناس طوال الوقت بتحوير وتعديل المعاني وتناقل تأويلاتها المختلفة، وعبر تلك الآليات يتكوّن ما يُسمى بـ "الثقافة" والتي تحوي عدة معايير ومحددات وأفكار وتأويلات للمعاني والقيم تصوغ التصورات والصور الذهنية التي يستخدمها المجتمع في تكوين ثقافة سائدة ومشتركة تُحدِّد أدوار الأفراد في المجتمع ورُتبتهم وتُميِّز الغريب عنهم.

 

أما المدرسة الثانية فهي "المدرسة النقدية" التي نشأت عبر دراسة اتجاهات التعصب والعنف ضد جماعات اليهود في ألمانيا النازية، ثم وضع نظريات لفهم كيفية تكوُّن الصور الذهنية في تمييز الفرد عن الجماعات الغريبة عنه، ودور سلطة الخطاب وخطاب السلطة الحاكمة في تكوين الصور الذهنية عن "الآخر" في عقول الناس، أي إن السلطة وممارساتها وقوانينها تساهم في تحديد أدوار كل فئة بالمجتمع، وكذلك يساهم الوضع الاقتصادي الذي تصنعه "الدولة" أو قوى المجتمع في تشكيل أدوار تلك الفئات، وإشعال المنافسة بينها على كسب الرزق واكتساب المكانة الاجتماعية. (3)

 

في هذا السياق، سنقوم بفحص مفهوم "الدور" والذي يشير إلى "مجموعة السلوكيات المتوقعة من شخص ما يحتل مركزا معينا في جماعة اجتماعية ما"؛ ومفهوم الدور يرتبط ببُعدين أساسين هما: تقسيم العمل، والمكون الثقافي الذي يتم في إطاره أداء هذا الدور، حيث تحتل قضية "عمل المرأة" مساحة كبيرة في النقاش الدائر -والذي لا ينتهي- حول حقوق المرأة والقضايا المتعلقة بها، فكيف يرى المجتمع المصري قضية عمل المرأة؟

تُشير البيانات إلى أن موافقة الرجال على أهمية العمل بالنسبة للمرأة في المجتمع المصري صغيرة جدا، فهي لا تزيد على 19.5% من إجمالي عينة الذكور في مقابل 45% من عينة الإناث، وبحسب البيانات يعتبر العمل ثانويا في حياة المرأة لدى 35% من الذكور في مقابل 21% من الإناث، كما يُفضِّل الذكور بقاء المرأة في البيت باعتباره المكان الطبيعي لها بنسبة 62% مقابل 39% للإناث، حيث يرى الذكور أن العمل عادة ما يأتي على حساب اهتمام المرأة بالأسرة بنسبة 37.8%. وفي الوقت نفسه، يرى 64.5% من الذكور و71% من الإناث أن العمل مهم في إعطاء الفرصة للمرأة للاعتماد على نفسها!

 

وبالنظر إلى مسألة تقسيم العمل في البيانات، فيرى 64% من الذكور و53% من الإناث أن المرأة لا تصلح لكل المهن والأعمال، بينما يرى 41% من الذكور و67% من الإناث أن المرأة تستطيع منافسة الرجل في العمل والتفوق عليه، وهو ما يعطي صورة أولية واضحة عن رؤية المجتمع المصري لقضية عمل المرأة وتفصيلاتها.

 

لكن ما دوافع عمل المرأة؟ هل هي الحاجة المادية فقط، التي وافق عليها 38% فقط من الذكور و19% من الإناث، أم أن هناك دوافع أخرى تختلف باختلاف الفئات العمرية ومستويات التعليم؟

تُوضِّح البيانات أن أهم دافع لعمل المرأة بحسب النوع وفئات السن العريضة هو "المشاركة في الإنفاق على الأسرة"، غير أن الفروق تبدو واضحة فيما يتعلّق بالدوافع الأخرى، لا سيما تحقيق الذات الذي ارتفعت نسبة التأييد له لدى الذكور في فئة الشباب إلى 57% في مقابل 38% لدى الفئة العمرية الأكبر من 55 عاما، أما لدى الإناث فقد ارتفعت قيمة تحقيق الذات في فئة الشابات إلى 63% مقابل 37.5% لدى الفئة العمرية الأكبر من 55 عاما. فهل المستوى التعليمي له أثر على دوافع المرأة للعمل؟

يبدو تأثير مستوى التعليم شديد الوضوح وشديد الارتباط بالوضع الاجتماعي والاقتصادي، حيث يرتفع دافع "المشاركة في الإنفاق على الأسرة" في فئة التعليم الأقل من المتوسط لدى الذكور والإناث، بينما الدافع الأكبر لعمل المرأة لدى الذكور من فئة التعليم المتوسط هو "تحقيق الذات" بنسبة 54.9%، بينما لدى الإناث من فئة التعليم المتوسط لا يزال ضمن الدافع الأعلى هو "المشاركة في الإنفاق على الأسرة" بنسبة 57.4%، ويتساوى معه دافع "الاستقلال والاعتماد على النفس" بنسبة 57.4% أيضا. أما في فئة التعليم الجامعي وفوق الجامعي لدى الذكور فالدافع الأكبر لعمل المرأة هو "تحقيق الذات" بنسبة 59.7%، مقابل نسبة 69.1% لدى الإناث.

 

ورغم وجود نسبة لا بأس بها ترى أهمية العمل بالنسبة للمرأة فإن الانسحاب من العمل أمر وارد ومتكرر في المجتمع المصري، خاصة في حالة إهمال شؤون البيت والأبناء، يُوضِّح الرسم البياني التالي أسباب ترك المرأة للعمل في كلٍّ من الريف والحضر من محافظات مصر:

تُظهِر البيانات أن سبب "إهمال شؤون البيت والأبناء" أتت بنسبة 54.4% في عينة الريف، وينخفض إلى 43% لدى عينة الحضر. غير أن رفض الزوج لعمل الزوجة لم يعد أحد الأسباب التي تحتل أهمية لدى عينة الحضر في مقابل استمرار هذا السبب بقوة أكبر في الريف، حيث أتى بنسبة 27.8% في الحضر مقابل 50.4% في الريف، ولعل الموافقة الكبيرة التي حصل عليها دافع الرغبة في المساهمة في نفقات الأسرة والتي ظهرت بوضوح في الحضر هي ما جعلت رفض الزوج لعمل المرأة كسبب وراء الانسحاب من العمل يبدو قليلا جدا في الحضر.

 

إلا أن البيانات سابقا قد وضّحت أن ثلث عينة الذكور 35.1% يرون أن العمل مسألة ثانوية في حياة المرأة أصلا، بينما لم يوافق على ذلك سوى 21.3% من الإناث، ورأى الذكور أن المرأة لا تصلح لكل المهن والأعمال بنسبة 64%، وقد وافقهم في الرأي 53.3% من الإناث، الأمر الذي يطرح سؤالا: ما الأعمال التي لا تصلح للمرأة حسب تصورات المجتمع المصري وما الأعمال التي تصلح للمرأة وتتفوق فيها؟

تقترب النِّسَب بين الذكور والإناث في الريف فيما يتعلق بمجالات العمل التي لا تصلح المرأة للقيام بها مثل النجارة والسباكة والميكانيكا والأعمال التي تحتاج إلى قوة عضلية. وتُوضِّح النِّسَب اختلافات كبيرة بين الريف والحضر، حيث جاءت نِسَب رفض عدم صلاحية المرأة للعمل بمجالات متعددة أقل كثيرا لدى الذكور في الحضر عنها في الريف، وبين الذكور والإناث في الحضر لا سيما فيما يتعلق بمهنة القضاء (38% من الذكور في مقابل 21.3% من الإناث)، والعمل بالسياسة (21.5% للذكور مقابل 8.9% للإناث)، والوظائف القيادية (15.8% للذكور مقابل 7.7% للإناث). أما الأعمال التي تتفوق فيها المرأة فيوضّحها الرسم البياني التالي:

 

فرغم إقرار جزء كبير من المستجيبين أن المرأة تستطيع العمل في مجالات متعددة، فإن تصور المستجيبين للأعمال التي تتفوق فيها المرأة جاء مؤكدا للتصور التقليدي لعمل المرأة، حيث يرى أغلب المستجيبين أن العمل الأول الذي تتفوق فيه المرأة والمناسب لها هو العمل المنزلي". وعلى مستوى الذكور جاء بعد العمل المنزلي وظيفة "التمريض" بنسبة 48.6%، ثم طبيبة أطفال بنسبة 45.6%، ثم السكرتارية والتدريس والبيع والشراء والعمل في الجمعيات الأهلية.

 

أما على مستوى الإناث فجاء بعد العمل المنزلي التدريس بنسبة 51.5%، ثم طبيبة أطفال أو مربية بنسبة 50.9%، ثم التمريض بنسبة 50.6%، ثم السكرتارية والتجارة، أما السياسة والقضاء فجاؤوا في ذيل القائمة، مما يطرح سؤالا: هل تصلح المرأة للعمل السياسي؟

تُوضِّح البيانات الانقسام الذي نجده عند الذكور في كل ما يخص المرأة من قضايا، حيث يرى ما يقارب من النصف صلاحيتها للعمل السياسي، بينما يرفض النصف الآخر دخولها لذلك المجال. أما في بيانات أسباب رفض دخول المرأة للمجال السياسي، فتتضح العوامل نفسها التي تحكم المخيال المصري، حيث يأتي دائما في الصدارة تأثير السياق الاجتماعي والسياسي، فقد عبّر 74% من الذكور و65% من الإناث أن السبب هو انعدام المهارة والثقافة السياسية اللازمة، وهو الأمر الذي يمكن تعميمه على المجتمع المصري كله رجاله ونسائه، ثم نجد تأثير علاقات القوة بين الجنسين وتصورات تقسيم الأدوار بين الرجل والمرأة والصورة النمطية للمرأة حاضرة في إجابة العينة بأن "المرأة لا تهتم بالسياسة"، وأنها تتحكّم فيها العاطفة.

 

وإذا كنا قد فحصنا تقسيم الأدوار في مخيال المجتمع المصري في المجال العام فيما يتصل بقضية عمل المرأة، فكيف تتوزع الأدوار بين الرجل والمرأة داخل المجال الخاص فيما يخص الحياة اليومية؟

 

يُشير علم النفس الاجتماعي إلى أن من أكثر مساوئ "التنميط" ليس فقط أنه يختزل جماعة أو فئة في صورة ذهنية قد تتسم بالسطحية، بل كونه يشوّش العالم في أعيننا، وهذا التشويش قد يؤدي إلى مشكلات اجتماعية منها ما قد يصل إلى احتقار فئة معينة أو المغالاة في تقدير الاختلاف بين الجماعات المختلفة، أو قد يؤدي الأمر إلى تحريف الواقع تماما، مثل أن ينطبع في ذهن المجتمع عبر الصور البراقة التي ينشرها الإعلام أن الأغنياء دائما يتصرفون بلباقة بينما يتسم الفقراء بضعف الإرادة والغوغائية، بينما الوقائع ليست دائما متفقة مع التوقعات التي تكوّنها الصور الذهنية النمطية.

 

والأخطر من ذلك أن الصور النمطية تُبرِّر العدوان وتصطف مع الاستبداد والقهر، وتنزع عن الآخر أي صفة وتسلبه حقه في أن يكون إنسانا. كذلك الأمر فيما يتعلق بالمرأة، حيث تشوش الصور النمطية عن المرأة حقوقها ومكانتها كإنسان أولا، فقد تنتشر صورة نمطية عن المرأة أنها "أداة للجنس فقط" أو أنها مجرد وسيلة للإنجاب واستمرار النسل، أو أنها رمز للشرف في مقابل العهر، وكل تلك الصور مخالفة بشكل كبير للواقع وتُسبِّب مشكلات خطيرة في التعامل بين الجنسين في إطار علاقة الزواج، وهو ما يستدعي فحص صورة المرأة والدور والمسؤولية المتوقَّعة منها داخل علاقة الزواج، وحقوقها وما تمتلكه من سلطة داخل تلك العلاقة بداية من اختيار الشريك وحتى قرار الإنجاب والطلاق.

تؤكد بيانات الدراسة ضرورة مشاركة الوالدين للفتاة في اختيار شريك حياتها، حيث أجاب بذلك 45.8% من المستجيبين، أي ما يقرب من نصف عينة الدراسة دون فروق تُذكر ما بين استجابات الذكور والإناث، أما حرية الفتاة في اختيار شريك حياتها فقد وافق عليه 27% من الذكور مقابل 34.5% من الإناث.

 

وقد أظهرت الدراسة بعضا من التباينات بين الريف والحضر فيما يتعلّق بحرية الفتاة في اختيار شريك حياتها بمفردها، حيث سجّلت النسبة بين عينة الحضر 34.2% مقابل 27.4% لعينة الريف بحكم العادات والتقاليد السائدة في الريف. أما في عينة الحضر فقد بلغت نسبة مَن يوافقون على حرية الفتاة في اختيار شريك حياتها بمفردها 40.1% من الإناث و28.3% من الذكور، وهو ما يُشير إلى التماسك السائد في أُسر الحضر وحرص الأسر على مستقبل بناتهن، وهو ما يُحيلنا للنقطة التالية وهي معنى الزواج في حياة المرأة ومدى أهميته لها في نظر المجتمع المصري.

أوضحت نتائج الدراسة أن نظرة المرأة للزواج باعتباره حماية وسترة لها قد احتل المرتبة الأولى في أهمية الزواج بالنسبة للمرأة بنسبة 57.5%، مع ملاحظة التوافق الكبير بين نظرة الإناث لأهمية الزواج في حياتهن ونظرة الذكور لأهمية الزواج في حياة المرأة، حيث بلغت النسبة بين الإناث 58.2% مقابل 56.9%، فالزواج بالنسبة للمرأة يعني الشعور بالأمان النفسي لوجود مُعين لها في الحياة، والأمان المادي من تقلبات الحياة والزمن، والأمان الاجتماعي الذي يوفر لها الحماية من نظرة المجتمع للفتاة العزباء وعدم القبول الاجتماعي لفكرة أن تعيش الفتاة بمفردها.

أوضحت نتائج الدراسة لعينة الذكور أن الزواج من وجهة نظرهم حماية وسترة للمرأة، وعلى وجه الخصوص بين شريحتَيْ الحاصلين على مؤهل أقل من المتوسط والمتوسط بنِسَب 63.8% و57.9% على التوالي، ثم جاءت أهمية الزواج بالنسبة للمرأة في تحقيق الاستقرار، أما في فئة المؤهل الجامعي وفوق الجامعي فاحتلّت قيمة الاستقرار المرتبة الأولى بنسبة 53.7%.

 

أما على مستوى عينة الإناث فقد أوضحت النتائج التقارب الشديد ما بين فئتَيْ الحاصلات على مؤهل أقل من المتوسط والمتوسط، حيث احتل النظر إلى الزواج باعتباره حماية وسترة المرتبة الأولى بنسبة 62.9% و61.2% على التوالي، أما في شريحة الحاصلات على تعليم جامعي وفوق جامعي فقد احتل الزواج كعامل استقرار المرتبة الأولى بنسبة 58.2%، تلاه اعتبار الزواج حماية وسترة بنسبة 50.4%، فيما حلّت قيمة "تكوين أسرة وإنجاب أطفال" في المرتبة الأخيرة عند جميع الشرائح، فما حدود السلطة التي تملكها المرأة في قضية الإنجاب؟ وما الدور المتوقَّع منها؟

تُشير البيانات إلى أن النسبة المُعبِّرة عن حق الزوجة في المشاركة في قرار الإنجاب عقب الزواج لدى الإناث ترتفع إلى 81.5% مقابل 73.1% لدى الذكور، أما ما يتعلق بقضية تنظيم المرأة للنسل حفاظا على صحتها فلم يوافق عليه من الذكور سوى الثلث تقريبا 29.3% مقابل 42.5% عند الإناث، مع استبعاد ملحوظ للاتجاه الذي يُحمِّل المرأة مسؤولية عدم الإنجاب أو إنجاب الإناث عند كلا الجنسين.

أوضحت البيانات أن 84.3% من المبحوثين يرون أن قرار الإنجاب يتخذه الزوجان معا لأنهما الأكثر دراية بشؤون الأسرة، في حين أجابت نسبة 12.7% بأن المتحكم في ذلك القرار هو الزوج وحده، إلى جانب نسبة ضئيلة لا تتجاوز 2.4% يرون أن مثل هذا القرار هو قرار الزوجة بمفردها.

 

وحسب المستوى التعليمي، أوضحت البيانات تقارب الفئات المختلفة في رؤيتهم لقرار الإنجاب وضرورة تشارك الزوجين في اتخاذه، وارتفعت نسبة الموافقة كلما ارتفع المستوى التعليمي عند كلٍّ من الذكور والإناث. إلا أن هذا التوافق في قضية اتخاذ قرار الإنجاب لا يعني التوافق في جميع قرارات الحياة الزوجية، خاصة مع ارتفاع حالات الطلاق في مصر مؤخرا بصورة كبيرة، مما يطرح عدة أسئلة عن سبب فشل الزواج ومَن المسؤول عن هذا الفشل.

تُشير النِّسَب الأكبر من المبحوثين إلى أن فشل الحياة الزوجية يتحمل مسؤوليته الزوجان معا. هذا الموقف يؤكده أكثر من ثلثي عينة الريف وأكثر من نصف عينة الحضر. ولكن في الترتيب الثاني يختلف الأمر قليلا، ففي حين أشارت عينة الريف إلى أن الأهل لهم دور في فشل العلاقة الزوجية بنسبة 15%، أشار ما يقرب من خُمس العينة إلى أن الزوجة هي الطرف المسؤول عن فشل الحياة الزوجية.

 

أما بحسب المستويات التعليمية، فقد أتفق أغلب المبحوثين من جميع الفئات التعليمية على أن الزوجين معا مسؤولان عن فشل الزواج، لكن كلما ازداد المستوى التعليمي للإناث يزداد تأكيدهن على مسؤولية الزوج في فشل العلاقة، والعكس صحيح بالنسبة للذكور، مما يلزم فحص مبررات طلب الطلاق عند الطرفين لتوضيح وجهة نظر كل طرف.

مثّلت "قسوة الزوج وسوء المعاملة" المبرر الأول الذي أجمع المبحوثون على أنه الدافع الأول الذي يُبرِّر للزوجة طلب الطلاق، ثم بعد ذلك تختلف طبيعة المبررات التي تدفع الذكور والإناث للطلاق. فالذكور أشاروا في المرتبة الثانية بنسبة 42% إلى مبرر الكراهية والتنافر النفسي، كما أشاروا بالنسبة ذاتها تقريبا إلى عامل إجبار الزوج لزوجته على العمل بينما هو عاطل لا يعمل، ثم يأتي سبب آخر مرتبط بما سبقه وهو "عدم الرغبة في تحمل المسؤولية"، وهو الأمر الذي يتسق مع الواقع المصري المجهول للكثيرين والذي تكدح فيه المرأة وتشقى وتسعى لكسب لقمة العيش بقدر يكاد يكون مساويا للرجل، ومع ذلك تتعرّض لبخس كبير لحقوقها.

 

أما بالنسبة للإناث فمن بين مبررات الطلاق أتت الخيانة التي أشار إليها أكثر من نصف الإناث، ثم البخل وعدم الرغبة أو عدم القدرة على تحمل المسؤولية، كما يظهر عامل "الكراهية والتنافر النفسي" والذي يُشير إلى حضور عامل إجبار الأهل للفتاة على الزواج برجل قد لا يكون بينهما توافق أو تقبُّل. ولو كانت هذه هي مبررات الزوجة، فما الأسباب التي تدفع الزوج للطلاق؟

تكشف البيانات أن الفئة الجامعية ذكورا وإناثا ركّزوا بشكل أقل من المستويات التعليمية الأخرى على دور "الكدر الزوجي" أو الخلافات الدائمة والنكد المستمر، والأزمات المادية التي تواجهها الأسرة، وهي الأسباب المتصدرة وراء الطلاق، ثم ركزوا أيضا -ذكورا وإناثا- بشكل أكبر على المبررات الأخرى مثل الشك في سلوك الزوجة، وإهمال شؤون البيت والأولاد، والخيانة، وتدخل الأهل في حياة الزوجين.

 

ولنستكمل الصورة كاملة لتصورات المصريين عن علاقة الزواج وتقسيم الأدوار داخله، علينا فحص توقعات كلٍّ من الطرفين عن الواجبات المتوقعة منهما، وهو ما تُوضِّحه الرسوم البيانية التالية:

فكما تُوضِّح البيانات، تحتل مسؤولية الزوج في الإنفاق على الأسرة في الريف المرتبة الأولى، تليها احترام الزوجة وتقديرها ثم تلبية طلباتها والإخلاص لها، أما في الحضر فجاء احترام الزوجة وتقديرها في المرتبة الأولى، ثم الإنفاق على الأسرة، ويتضح مدى حضور العامل الاقتصادي خاصة في مفهوم "القوامة" في ذهن المجتمع المصري ذكورا وإناثا.

أما بالنسبة لواجبات الزوجة، فقد أكّد كل المبحوثين، ذكورا وإناثا، ريفا وحضرا، أن طاعة الزوجة لزوجها من أهم واجباتها نحوه. وفي المرتبة الثانية اختلفت النِّسَب بين الريف والحضر، ففي حين تؤكد عينة الريف أهمية اهتمام الزوجة بزوجها وضرورة الاعتناء به ثم المحافظة على سمعته، تؤكد عينة الحضر هذا الواجب لكن بعد واجب الاحترام والمحافظة على أسرار البيت وعلى سمعته.

 

الأمر الذي يجعلنا نلتفت لقيم الطاعة والاحترام داخل العلاقات الزوجية في مصر، وماذا يحدث إذا تخلّت الزوجة عن طاعة زوجها أو احترامه، هذا ما يستدعي فحص قيم الطاعة والعقاب داخل العلاقات الزوجية لنستكمل رسم صورة تقسيم الأدوار وعلاقات القوة بين الرجل والمرأة في المجتمع المصري.

تُشير البيانات السابقة إلى أن الذكور هم الأكثر تأييدا لمسألة الطاعة، ويأتي تأييدهم بالنسبة الأعلى في "حق الرجل منع زوجته من السفر" بنسبة 80% للذكور في مقابل 53% من الإناث، ثم مسألة استئذان الزوج في كل ما تفعله الزوجة، أتى تأييد الذكور بنسبة 77% في مقابل 63% للإناث، أما طاعة الزوجة لزوجها طاعة عمياء أو مشروطة مقابل إنفاقه فقد أتت بنِسَب متقاربة 38% و34% على التوالي مقابل 22% و21% للإناث، مما يُشير إلى الحضور الكبير لقيمة طاعة الزوجة في المجتمع المصري، لكن ماذا يحدث في حالة عدم الطاعة أو الخلاف؟ هنا يحضر مفهوم العقاب، وهو ما تتضح أشكاله في الرسم البياني التالي:

تُوضِّح البيانات السابقة ميل عينة الدراسة بشكل عام إلى أن يكون "الهجر والتجاهل" من أشكال العقاب المعنوي الذي تُعاقَب به الزوجة. أما العقاب المادي "بالضرب" فيأتي في الترتيب الثاني لدى عينة الريف بنسبة 47%، يليه السب والإهانة بنسبة 40.4%. لكن لدى عينة الحضر يستمر تأكيد أولوية العقاب من نوع "الحرمان من المصروف" 39%، ثم المنع من الخروج من المنزل 38%، ثم يأتي الضرب في الترتيب الرابع 27%. وبالنسبة للإناث فإن الحضريات أكثر ميلا لعقاب الزوجة بأشكال العقاب المعنوي بدلا من الضرب مقارنة بالريفيات.

 

كما تُشير البيانات إلى أنه كلما ارتفع المستوى التعليمي للمبحوثين زاد رفضهم لأشكال العقاب البدني، فمثلا الذكور الحاصلون على تعليم جامعي أكثر تقبلا للهجر والتجاهل بنسبة 69.4% مقارنة بذوي التعليم المنخفض 53.1% وأشد رفضا للضرب 28%. فيما كان الجامعيون أيضا أميل للمنع من المصروف 42% مقارنة بأصحاب التعليم المنخفض 31%، لكنهم أقل تأييدا للسب والإهانة 24% مقارنة بذوي التعليم المنخفض 43%.

 

وبذلك اتّضحت صورة تقسيم الأدوار في المجتمع المصري وعلاقات القوة بين الرجل والمرأة، حيث تتفق البيانات وطرح الدكتور مصطفى حجازي في كتابه "سيكولوجية الإنسان المقهور" حول مبدأ تمرير القهر الذي يؤطِّر علاقات القوة بين الرجل والمرأة في المجتمع، حيث يتناسب القهر سواء في صورة العقاب البدني أو استلاب الحقوق أو بخسها أو قلة التقدير والاحترام الذي تتعرّض له المرأة مع درجة القهر والاستبداد والغبن في المكانة الاجتماعية الذي يتعرّض له الرجل، فكلما كان الرجل مغلوبا على أمره، لا يحظى بتقدير في المجتمع ويتعرّض لأشكال القهر والاحتقار كافة سواء من رؤسائه في العمل أو من رجال السلطة، وطالما يشعر بالقهر والفقر لدرجة العجز، فهو سيُمرِّر كل ذلك القهر والظلم على أي امرأة حوله بوصفها الإنسان الأضعف التي يستطيع إظهار سلطته عليها.

 

لذلك نلاحظ أنه كلما ارتفع تعليم الرجل وانتعشت حالته الاقتصادية أصبح أكثر إنصافا للمرأة ومعترفا بحقوقها، لكن هذا الأمر لا يسري في كل الأحوال، فهناك تلك الصورة النمطية السائدة في المجتمع عن المرأة، وهناك التصورات السائدة عن تقسيم الأدوار وعلاقات القوة في المجتمع، وهناك العادات والتقاليد، وهناك السياق الاجتماعي والاقتصادي والسياسي الذي تشكّلت كل تلك التصورات في ظله، فهل يستطيع التعليم والوعي وتقليل الفقر أن يساعد المرأة في نيل حقوقها؟ قبل الإجابة عن هذا السؤال يجب طرح سؤال أساسي: ما الحقوق الأساسية للمرأة؟ وما أوضاعها في المجتمع المصري؟

 

لا يمكن بشكل من الأشكال فصل "حقوق المرأة" عن قضية "حقوق الإنسان" بشكل عام، فإذا كانت كرامة الإنسان مُهانة، وتستبيح السلطة جسده وماله وممتلكاته، ويسحله الجنود في الشوارع، وتتخطفه أيدي حراس السلطة، ويسجنه ويعذبه جلادو السلطة، فماذا يتبقى من حقوقه؟ وكيف تحصل "المرأة" التي تعيش في ظروف من القهر والتسلط وانعدام الأمن على حقوقها الأساسية، بينما تستبيح السلطة وجلادوها أجساد الناس رجالا ونساء، وتعلمهم أن "البلطجة" والقوة هي الأسلوب الأوحد للحياة، وعلى القوي أن يأكل الضعيف، وعلى الضعيف أن يكذب ويسلك الطرق الملتوية لينجو بحياته.

 

كذلك لا تنفصل قضية "التحرش بالمرأة" عن هذا السياق، حيث تُشير الإحصائيات إلى أن 2.5 مليون سيدة تعرّضن للتحرش في 2014 فقط (3)، وهو رقم ضخم لا يمكن أن نفهمه إلا بعد أن نفهم وضع المرأة وكيف يُبرِّر المجتمع العنف ضدها، فبعدما رسمت البيانات والإحصاءات الصورة الذهنية لـ "المرأة" بالمجتمع المصري، ثم وضّحت البيانات شكل تقسيم الأدوار وعلاقات القوة بين الرجل والمرأة في المجتمع المصري، تُوضِّح البيانات هنا بعض الحقوق الأساسية التي يحق للمرأة أن تتمتع بها، ويقيس الصورة العامة بشأن الحقوق والقضايا التي تخص المرأة في المجتمع المصري.

تعكس البيانات السابقة صورة عامة عن وضع الحقوق في المجتمع المصري وليس حقوق المرأة فقط، فقد جاءت أقل نِسَب موافقة من الذكور والإناث في قضية "حق المرأة أن تشغل منصب رئيس الوزراء ومنصب رئيس الدولة"، حيث إن المجتمع المصري في معظمه ذكورا وإناثا ليس لهم الحريات السياسية الأساسية في المشاركة السياسية فضلا عن الترشح للمناصب السياسية.

 

وجاءت أعلى استجابة في القضايا التي تخص الحقوق الشرعية مثل حق المرأة في الحصول على نصيبها في الميراث وحقها في اختيار زوجها وحقها في طلب الطلاق. أما فيما يخص قضية التحرش فقد رأى 46.3% من الذكور و28% من الإناث، أي ما يزيد على ثلث العينة، أن المرأة هي المسؤولة عن التحرش بها، مما يستلزم فحص تصورات المبحوثين عن التحرش. لكن قبل ذلك علينا فحص مبررات التمييز ضد المرأة في التمتع ببعض حقوقها الاجتماعية والاقتصادية، حيث يُمثِّل "التحرش" صورة من العنف تُمثِّل ذروة التمييز والاحتقار من المرأة، وبالتالي يسبقه ويمهد له عدة تصورات تُبرِّر التمييز ضد المرأة، وأولها التمييز ضدها في قضية التعليم:

تُوضِّح البيانات أن أغلب المبحوثين سواء في الريف أو الحضر يرون أن "الجهل وعدم الوعي" و"لأن مصير البنت للزواج" على رأس الأسباب المؤدية لعدم حصول البنت أحيانا على فرص التعليم كالولد بنسبة 53% و51.3% على التوالي في الريف، و61.9% و45% على التوالي في الحضر، بينما سجّلت الأسباب المرتبطة بانخفاض دخل الأسرة وبُعد أماكن الدراسة عن المنزل نسبا أقل. لكن هل يؤثر المستوى التعليمي للأهل في فرصة البنت في التعليم؟

تُوضِّح البيانات أن مستوى التعليم عنصر مؤثر في توجيه استجابات الذكور والإناث، فكلما ارتفع مستوى التعليم كانت الاستجابات أكثر رشدا، فعلى سبيل المثال في حين احتل مبرر "لأن مصير البنت الزواج" المركز الأول لدى المبحوثين الحاصلين على مستوى تعليم أقل من المتوسط في عينتَيْ الذكور والإناث على السواء، فإن مبرر "الجهل وعدم الوعي" احتل المركز الأول لدى المبحوثين الحاصلين على مستوى تعليمي جامعي فأعلى بنِسَب 66% و69% في عينتَيْ الذكور والإناث على التوالي.

 

وكما يُمثِّل التعليم سلاح قوة وعلم في يد المرأة، فحرمانها منه ظلم وتمييز ضدها، كذلك يُشكِّل الميراث للمرأة مصدر قوة، ويُعَدِّ حقا شرعيا لها ضمنه لها الشرع بموازين وحسابات دقيقة، لكن المرأة في المجتمع المصري تتعرّض للاستيلاء على حقها في الميراث، وتُوضِّح البيانات التالية وضع حق المرأة في الحصول على نصيبها من الميراث:

وافق أغلب المبحوثين في الريف والحضر على أن تحصل المرأة على ميراثها كاملا بنسبة 80% في الريف و92% في الحضر. كما تُشير النتائج إلى أن هناك علاقة بين قبول ورفض حق المرأة في الحصول على ميراثها كاملا ومستوى التعليم بين الذكور والإناث على حدٍّ سواء، وكلما ارتفع مستوى التعليم ارتفعت نِسَب التأييد بين الذكور والإناث لحق المرأة في الحصول على ميراثها كاملا. لكن ما مبررات مَن رفضوا حق المرأة في الحصول على نصيبها من الميراث؟

كان السبب الأول لتبرير عدم حصول المرأة على ميراثها كاملا هو "كي لا يذهب الميراث خارج العائلة" بنسبة76.1% في الريف و69% في الحضر، واتفق أغلب المبحوثين في الريف والحضر على أن السبب الثاني لعدم حصولها على ميراثها هو "وجود رجل مسؤول عنها دائما" بنسبة 41% في الريف و49% في الحضر، ويعود السبب الثالث "لكونها لا تستطيع إدارته" بنسبة 38% في الريف ونسبة 24% في الحضر.

ومن الملاحظ أن تأييد هذه المبررات تتناقص كلما ارتفع مستوى التعليم، في حين جاء مبرر "العادات والتقاليد لا تحبذ" في المركز الرابع، بنسبة 18% بين الذكور والإناث على حدٍّ سواء. ويتضح مجددا أن الأسباب المرتبطة بالسياق الاجتماعي والاقتصادي بجانب الأسباب المرتبطة بالصورة النمطية حول سمات المرأة وعدم امتلاكها لإرادة وعقل مستقل لها تأثير كبير على تصورات المجتمع المصري واتجاهاته فيما يتعلق بقضايا حقوق المرأة، وهي التصورات التي لا تساعد فقط في سلب المرأة حقوقها الشرعية، بل أيضا تبرر العنف ضدها، وهذا ما تُوضِّحه الرسوم البيانية بشأن مبررات التحرش بالمرأة في المجتمع المصري:

أتى "سوء أخلاق المتحرشين" على رأس الأسباب المؤدية للتحرش بالمرأة في الحضر بنسبة 65%، في حين بلغت نسبة مَن يتبنّون هذا الرأي في الريف 47.7%. أما السبب الثاني للتحرش فهو "لبس المرأة وشكلها" بنسبة 58.5% في الحضر، حيث ترتفع نسبة الذين يركزون على هذا السبب بين الذكور في الحضر إلى 75%، بينما تنخفض بين الإناث إلى 43%، وأضاف آخرون "سلوك المرأة" وذلك بنسبة 59.9% في الريف، وتنخفض النسبة في الحضر إلى 48.7%.

 

واحتل "عدم استنكار المجتمع للتصرف" مرتبة متدنية كسبب من أسباب شيوع ظاهرة التحرش، حيث احتل المركز السادس في الريف بنسبة 19.6%، والمركز الرابع في الحضر بنسبة 33%. كما احتل سبب "عدم الجدية في عقاب المتحرشين" مرتبة متأخرة، فجاء في الحضر بنسبة 31.2%، والمركز الرابع في الريف بنسبة 31.2%.

أما حسب المستوى التعليمي فقد اتفق أغلب المبحوثين بين الذكور على أن "لبس المرأة وشكلها" على رأس الأسباب المؤدية للتحرش بالمرأة بنسبة 71.8%، وتُشير البيانات إلى أنه كلما ارتفع مستوى التعليم انخفضت نسبة تأييد هذا المبرر بين الذكور، كما أيّدت نسبة تُقارِب النصف من عينة الإناث لهذا المبرر بنسبة 53%، وتنخفض كلما ارتفع مستوى التعليم.

 

أما الأسباب التي تعود إلى المتحرشين أنفسهم فيأتي "سوء أخلاق المتحرشين" على رأس الأسباب المؤدية للتحرش بالمرأة من وجهة نظر الإناث بنسبة 59.7%، في حين بلغت نسبة مَن يتبنّون هذا الرأي بين الذكور 52.9%، أي أكثر من نصف العينة، وكلما ارتفع مستوى التعليم ارتفعت نسبة تأييد هذا المبرر بين الذكور والإناث.

 

بعد استعراض كيفية تفكير المجتمع المصري في المرأة، وتصوراته عن قضايا المرأة وحقوقها، وموقفه من العنف ضد المرأة والتحرش بها والأسباب المؤدية للتحرش، يأتي سؤال: هل يمكن أن يتغير وضع المرأة في المجتمع المصري؟

تُجيب البيانات عن هذا السؤال بأن الميل للتغيير في المجتمع المصري لا يزال حاضرا بشكل كبير، فقد جاوب أكثر من نصف العينة بإمكانية التغيير 56.8%، بينما عبّرت نسبة تُقارِب رُبع العينة بعدم إمكانية التغيير 25.2%، وأعرب الباقي عن عدم علمهم!

أما بالنسبة لمجالات وأشكال التغيير المطلوب، فتنقسم مجالات التغيير حسب البيانات إلى تغيير اجتماعي يتصل بطبيعة تفاعلات المرأة داخل الأسرة وخارجها، وتغيير ثقافي يتصل بتغيير صورة المرأة لدى المجتمع ولدى المرأة ذاتها، حيث حصل التغيير في الحقوق القانونية على أعلى نسبة لدى الذكور والإناث 55%، ثم تلاه التغيير في وعي المرأة بحقوقها وواجباتها بنسبة 44.5%، ثم التغيير في نظرة الناس لها 44.2%.

وعند النظر في دور المستوى التعليمي في تحديد أشكال التغيير، نجد بالنسبة للذكور أن مطلب "تغيير الحقوق القانونية" يحتل أعلى نسبة في جميع المستويات التعليمية، حيث تصل نسبته إلى 58.3% للأقل من المتوسط، و53.2% للمتوسط، و48.1% لفئة التعليم الجامعي فأعلى. أما مطلب "تغيير المسؤوليات الأسرية" فهو الأعلى في فئة الأقل من المتوسط بنسبة 48.1%. بينما يؤكد الجامعيون على مطلبين آخرين هما: "تغيير نظرة الناس للمرأة" بنسبة 41.6%، وتغيير وعي المرأة بحقوقها وواجباتها بنسبة 41%.

 

ويمكن القول إن الذكور المتعلمين تعليما جامعيا فأعلى يميلون إلى تغيير الوعي والثقافة المحيطة بالمرأة، وفي المقابل يرى الذكور ممّن نالوا تعليما أقل من المتوسط أن التغيير الأفضل هو تغيير الشروط الموضوعية التي تشمل تغيير الوضع القانوني وتغيير توزيع المسؤوليات الأسرية.

 

أما بالنسبة للإناث فإن مطلب "تغيير الحقوق القانونية" يحتل أيضا أعلى نسبة في كل المستويات التعليمية، فيما يوجد تباين واضح بين فئة الجامعيين فأعلى وفئة مَن تعلموا تعليما أقل من المتوسط. فمن ناحية يظل تأكيد فئة التعليم الأقل من المتوسط أكبر على ضرورة "تغيير توزيع المسؤوليات الأسرية"، بينما تؤكد الجامعيات على مطالب أخرى، وهي "تغيير نظرة الناس للمرأة وتحسين نظرة الناس للفتاة المتزوجة".

 

تُوضِّح البيانات السابقة مسألة التغيير في أوضاع المرأة، وهي البيانات التي قد تُعطي مؤشرات أولية حول تفكير وميل المجتمع المصري للتغيير في كثير من القضايا الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، كما تُوضِّح كل الإحصاءات أهمية التعليم وتؤكد أنه الأمل الوحيد في رفع الوعي والتغيير.

 

وهكذا وطوال رحلتنا السابقة قد رسمنا عبر البيانات صورة واضحة عن تفكير المجتمع المصري عن المرأة وقضاياها، الأمر الذي قد يكون الخطوة الأولى لإنصاف قضيتها العادلة ضد ظاهرة التحرش والعنف ضد المرأة.

_________________________________________

المصادر

  1. انتهاكات حقوق المرأة في مصر: تقارير دولية خطيرة وإنكار دائم من السلطات
  2. التخلف الاجتماعي: مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور، تأليف د. مصطفى حجازي
  3. الصورة الذهنية عن المرأة المصرية: الأبعاد والانعكاسات، المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية
  4. جميع الإحصائيات والبيانات مستمدة من دراسة "الصورة الذهنية عن المرأة المصرية: الأبعاد والانعكاسات" الصادرة عن المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية عام 2018
المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

يلتف المتحرشون بدائرة حول الضحية محاولون ملامسة جسدها مع دائرة أخرى من المتحرشين تلتف حول الدائرة الأولى لحمايتها، فيما أشير إليه بـ “دائرة الجحيم”.. إليك التاريخ الأسود للتحرش في مصر.

6/1/2020

تشهد مواقع التواصل الاجتماعي الكثير من الاستقطابات الثقافية. لكن لماذا بالآونة الأخيرة في مصر، بكل تلك التعقيدات السياسية والاقتصادية التي تمر بها، تتجدد الصراعات الثقافية والهوياتية بشكل مستمر؟

26/7/2020
المزيد من مقالة
الأكثر قراءة