"ذكر شرقي منقرض".. مَن المَلوم في مشكلات الزواج والطلاق؟

في مداخلة هاتفية لبرنامج "التاسعة" الذي يُقدِّمه الإعلامي "وائل الإبراشي" عبر القناة الأولى المصرية، صرَّح اللواء خيرت بركات، رئيس الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، أن آخر إحصائية لحالات الطلاق بمصر هي 225 ألف حالة في 2019، مقابل 201 ألف حالة في 2018، متابعا: "في مصر يحدث كل ساعة 106 حالة زواج، وفي الشهر 30900 حالة، أما حالات الطلاق فتحدث حالة طلاق واحدة كل دقيقتين و20 ثانية، وفي الساعة 27 حالة، أما اليوم 651 حالة، وأكثر من 7000 حالة طلاق في الشهر". (1)

 

قبلها بسنتين، كتبت جريدة "اليوم السابع" المصرية تقريرا عن عدد القضايا التي تُقام سنويا على مستوى محاكم مصر، من بينها "محاكم الأسرة" التي تستقبل سنويا نحو مليون و500 ألف دعوى قضائية، من بين 60 مليون قضية طبقا لما أعلنه المستشار محمود علاء، مساعد وزير العدل للتطوير التقني. (2)

 

في هذا السياق، الذي يعيش خلاله نحو ثلثي المصريين في مبارزات قضائية، تظهر أهمية المشروع الذي يعمل عليه الدكتور "محمد طه"، الأستاذ المساعد للطب النفسي بكلية الطب جامعة المنيا، وأستاذ العلاج النفسي الجمعي بالجامعة الأميركية بالقاهرة، خلال كتبه التي بدأ بإصدارها منذ عام 2016، بداية بكتاب "الخروج عن النص"2016، ثم كتاب "علاقات خطرة" 2017، ثم كتاب "لأ بطعم الفلامينكو" 2019، وحتى كتابه الأخير "ذكر شرقي منقرض"2020، الكتاب الذي وصل إلى الطبعة الثالثة، وتصدَّر قائمة الكتب الأعلى مبيعا في مصر 2020، وقد صدر عن دار الشروق المصرية للنشر والتوزيع.

 

يتناول فيه طه "الذكورية الشرقية" بوصفها مرضا منتشرا بالمجتمعات العربية والمجتمع المصري خاصة، مرضا يُصيب صاحبه بأعراض النرجسية والأنانية والغرور، "ويفسد روحه بالسادية والسيكوباثية وتحجر المشاعر.. ويصيب نفس صاحبه بالتسلط والفوقية والوصاية.. والكبر والغطرسة والعنجهية.. والظلم والتكبر والعدوان.. والنكوص والاتكالية والتنطع". (3)

جاء الكتاب في 342 صفحة وأربعة أبواب ليصف أعراض ذلك المرض وتلك المتلازمة صعبة العلاج، وكيف يُصنَع "الذكر الشرقي المنقرض" من خلال أساليب التربية الخاطئة والأوضاع الخاطئة للعلاقات في الأُسر المصرية، ثم في الباب الثالث يُوضِّح الكتاب مضاعفات ذلك المرض وخطورته الجمّة على المجتمع وظهوره في ظواهر اجتماعية مثل "الخيانة الزوجية" والتحرش الجنسي وازدياد حالات الطلاق، وأخيرا يشرح المؤلف في الباب الأخير جذر هذا المرض وبداية العلاج منه.

 

غير أن الكتاب بين ثناياه يطرح تساؤلا ضمنيا جذريا وهو: مَن المَلوم في صناعة هذا "الذكر الشرقي المنقرض"؟ وعلى مَن تقع مسؤولية "حقوق الرجال المهدرة" ومرض "الخوف" الذي يُهدِّد المجتمع كله؟

 

"فيه فرق كبير بين الرجولة والذكورة..

الذكورة هي النوع.. الرجولة هي الفكر..

الذكورة هي الجنس.. الرجولة هي السلوك..

الذكورة هي البيولوجيا.. الرجولة هي الموقف".

بتلك الكلمات افتتح الدكتور محمد طه كتابه، مُتحدِّثا عن الرجل الشرقي الذي "تجمعت عدة عوامل في العقود الأخيرة اختطفت من هذا الرجل رجولته، وتركت له -فقط- ذكورته. وأحرقت شهامته وشجاعته وجرأته، وأبقت على صوته وصورته وعضلاته.. حوَّلته من رجل حقيقي مبادر وحازم ومسؤول إلى رجل مزيف مُتباهٍ بخشونته وقسوته وافترائه".

 

ومن خلال إجابات وتعليقات فتيات وسيدات على أسئلة طرحها المؤلف على صفحته الشخصية على موقع "فيسبوك"، بالإضافة إلى خبرته المهنية بوصفه طبيبا نفسيا، قام في بداية الكتاب بتوصيف هذا "الذكر الشرقي المنقرض"، فهو شخص "متسلط" يريد أن يتحكم في شريكة حياته أو زوجته، شخص "شكاك بطبعه" لا يثق في زوجته أو خطيبته، شخص "مهتم بالأكل" ويجعل الطبخ من معايير تقييمه للأنثى، شخص "مهتم بالمستوى المادي لشريكة حياته" ولا يسمح لها بالاستقلال المادي عنه، شخص "لا يحب أو يشجع تعليم أو ثقافة شريكة حياته، وأحيانا يخاف ويتوجّس منهم"، فهو يخاف من المرأة المثقفة التي تُعارضه أو تًناقشه في قراراته أو أفكاره.

كما أنه شخص "مهتم بتقييم الممارسات الدينية" التي يراها المؤلف ليست معيارا حقيقيا لقياس التدين!، وهو كذلك شخص "متنمر" يعيب الصفات الخَلقية والخُلقية لمَن حوله خاصة السيدات، وهو شخص "لا يكتفي بزوجة واحدة"، فيسأل "خطيبته" عن رأيها في "تعدد الزوجات" منذ الجلسة الأولى للتقدم للخطبة، وهو شخص "مُتذاكٍ" يلعب دور الذكر الأذكى من الأنثى، وهو كذلك "شايف نفسه لقطة" وعنده نوع من الغرور يجعله يرى نفسه يتميز عن جميع البشر، وأخيرا هو شخص "غريب الأطوار" لديه أفكار غريبة ونوع من القلق الاجتماعي.

 

هذه السمات التي تُشخَّص مرض "الذكر الشرقي المنقرض" يوضح د. محمد طه أنها تُنتج أربعة أدوار خطيرة يلعبها "الذكر الشرقي" خلال حياته وخلال علاقاته مع زوجته وأمه، هي: "الذكر جوز أمه نفسيا"، "الذكر ابن أمه"، "الذكر ابن مراته"، "الذكر أبو مراته". وهي أدوار تراها كل أنثى، لدى زوجها أو أبيها أو ابنها، فيكون مطلوبا منها بوصفها زوجةً أن تُدلِّل زوجها مثل أمه، فتراعي كل شؤونه كطفل، وتخضع له وتتحمل قسوته وعنفه كأب لها، ولا تعصي له أمرا.

 

"الجبناء.. تُزوجتهم أمهاتهم"

ينتقل الكتاب لمحاولة تأطير هذه السمات الشخصية وتلك الأدوار التي يلعبها "الذكر الشرقي"، فيستعين بنظرية عالم النفس "سيجموند فرويد" حول "عقدة أوديب"، أوديب الذي اكتشف في الأسطورة الإغريقية التي كتبها "سوفوكليس" أن زوجته هي نفسها أمه، وأن زوجها الذي قتله "أوديب" هو أبوه الذي كان يقهره، فشعر "أوديب" بصدمة نفسية، وخرج من المدينة وفقأ عينيه وأصبح أعمى.

فقام "فرويد" بتحليل تلك الأسطورة وإسقاط نظريته عليها، فيصبح زواج "أوديب" من أمه نوعا من التقمص لدور أبيه "المعتدي القاسي" بعد قتله، حيث يتعلق الابن بأمه في سنواته الأولى لدرجة الرغبة في امتلاكها، لكنه يجد أباه منافسا قويا له لا يستطيع هزيمته فيتجه إلى تقمص دوره.

 

أما النسخة الأنثوية من هذه العقدة النفسية، فتسمى "عقدة إليكترا"، التي تُعبِّر عن تعلُّق البنت بأبيها في سنواتها الأولى، لكنها تجد في أمها منافسة قوية لها، فتحاول تقمص دورها، وبذلك تشعر أنها تنتمي أخيرا لعالم النساء، الذي تدخله عبر تقمص قيم وأخلاق أمها.

 

فيذهب "طه" إلى أن عقدة أوديب تلك هي مصدر "الموقف المبدئي المتحفز والمتربص والعدائي من الذكر لكل ما يرمز إلى "ذكر منافس"، لأن هذا "الذكر" لا يزال لم يتخلص من عقدة "أول ذكر نافسه على أول أنثى عرفها في حياته". إلا أن المؤلف يشرح أن الوضع في المجتمع المصري هو "مقلوب عقدة أوديب"، فيقول: "اللي بيحصل عندنا هو إن الأم هي اللي بتتعلق بابنها.. وبتحرك فيه المشاعر الأوديبية بغزارة.. وتنميها وترويها بإصرار.. وده بيحصل من صغره.. من أول ما تعتبره راجل البيت (رغم وجود أبوه).. من أول ما تتعامل معاه على أنه ذكر كبير، وهو في الحقيقة طفل صغير.. من أول ما تطلب منه يشكم ويحكم إخواته البنات اللي بيكونوا -أحيانا- أكبر منه".

 

فعندما يكبر هذا الطفل الذكر ويتحول إلى شاب مقبل على الزواج، وتظهر في حياته أنثى أخرى "تشتعل نار الغيرة.. وتتأجج ألهبة الانتقام.. وتبدأ حرب ضروس لا نهاية لها.. فتظهر الأم اللي بتغير من مكالمة تليفون ابنها للبنت اللي بيحبها.. والأم اللي بتعمل كل حاجة، بوعي أو بدون وعي، علشان تبوظ جوازة ابنها.. وكل اللي بنشوفه وبنسمعه عن علاقة الحماة الشرقية بزوجة ابنها مالهوش تفسير غير إن هذه الحماة متزوجة ابنها نفسيا.. وإنها تعيد تمثيل أسطورة أوديب بثلاثية أطرافها.. بس بشكل معكوس".

 

 (إعلان لإحدى شبكات المحمول برمضان 2020، استدل به الكتاب على انتشار "عقدة أوديب" بشكلها المعكوس بالمجتمع المصري)

 

هذا الاختلال الأول كما يذهب "طه" في العلاقة بين الأب والأم والابن وحتى الابنة هو المنبع الأساسي لحلقة من الاختلالات التي تتسرب إلى الحياة الزوجية للابن مع زوجته، وللابنة مع زوجها، وبالتالي يعيدون خلق الاختلالات نفسها في علاقتهم مع أبنائهم، لتستمر منظومة مختلة من العلاقات تُنتج هذا الرجل المُصاب بمرض "الذكر الشرقي المنقرض"، وتُنتج الزوجة المقهورة التي تُمرِّر قهرها لأبنائها فتتغوَّل في حياتهم وتجعلهم تابعين لها بالكامل.

 

وبذلك يصبح "الرجل المتزوج أمه نفسيا" هو الرجل "ابن أمه" الذي لا يستطيع أن ينضج بعيدا عنها، ولا حتى يتخذ قرارا إلا بعد موافقتها، وهو يصبح كذلك "الرجل ابن مراته"، لأن أمه قد تمادت في تدليله وحرمته من بلوغ نضج الاعتماد على نفسه وتحمل مسؤولية نفسه.

 

غير أن هذه الحلقة من الاختلالات داخل علاقات الأسرة المصرية ليست شذوذا أو خروجا عن "الرشد"، بل تغذيها منظومة مجتمعية من التصورات والثقافة، وميراث من الأمثلة الشعبية والأفلام السينمائية التي تُقدِّم الخبرات التي تُخزِّنها الأم وتُمرِّرها لأبنائها، وهذه العقلية المجتمعية التي تتجلى في الأمثلة الشعبية قد ذكرها المؤلف وأفرد لها فصلا لنقضها، إذ إنه يتهمها بشكل صريح بأنها من الأسباب الرئيسية لظهور هذا المرض عند "الرجل الشرقي"، فيقول عنها إنها "عقلية مجتمعية تظلم الرجل والمرأة على السواء.. تختزل المرأة في الخدمة.. وتختزل الرجل في الصرف.. ويبقى هو ده الجواز وهي دي الحياة الزوجية!".

 

بل يذهب "طه" أبعد من ذلك ويتهم "الأم" في المجتمع المصري بأنها هي الحاضنة لذلك "الذكر الشرقي المنقرض"، بالاستيلاء عليه والتغوُّل في حياته وتدليله: "وهو ده بالظبط التجسيد الحي لأسطورة "أمنا الغولة".. اللي بتحمل لابنها رسالة قاسية مغلفة بالسوليفان الفاخر محتواها: إوعى تكبر".

 

كما أنه يتهم "الأب" بأنه السبب في تعليم هذا "الطفل الذكر" أن الرجولة تعني قهر المرأة: "جزء أصيل من الذكورية الشرقية هي تلك السلطة الأبوية اللي بيمارسها الذكر على من حوله.. على أخته،على أخوه الصغير، على أمه أحيانا، على مراته أكيد، وعلى أولاده جدا.. سواء الذكور أو الإناث"، وبالتالي "الطفل ده مش بس هيقلد أبوه بوعي.. لأ.. هو هيتقمصه تلقائيا بكل ذرة في عقله الباطن.. هيتحول إلى نسخة طبق الأصل منه.. وفي الحقيقة هي مش بتكون طبق الأصل بالظبط.. هي عادة بتكون أسوأ وألعن من الأصل بمراحل"؛ فيظهر النموذج الرابع من "الذكر الشرقي المنقرض" وهو "الرجل أبو مراته" الذي يقهرها ويمارس عليها وعلى أبنائه العنف، وفي حالات أسوأ يمكن أن يظهر بصورة "العنتيل" (4) أو "المتحرش" أو الرجل الأناني البخيل الذي لا يرعى أسرته حتى ينتهي زواجه بالخلع أو الطلاق.

 

ويوضح "طه" أن كل الأطراف مسؤولة في حلقة مفرغة:

"أم غلبانة.. أبوها قهرها.. وزوجها خذلها.. ملقتش قدامها غير ابنها. ابن مضطر.. لبس دور مش دوره.. وماعرفش يلعب غيره.

وأب اتركن على جنب (بإرادته أو رغما عنه).. وأصبح خارج الصورة.. بره المعادلة.. ووقف يتفرج من بعيد.
وانتهى الأمر بأن الجبناء.. تزوجتهم أمهاتهم".

 

في الكتب الثلاثة التي أصدرها د. محمد طه، تحدّث فيها عن "العلاقات الخطرة" وعن رفض العلاقة مع الشخص "النرجسي" الذي يستغل شريكه عاطفيا، لكنه يأتي في هذا الكتاب ليقول إن نتيجة ما قدَّمه في كتبه السابقة قد أنتج مشكلة أخرى أشد تعقيدا، فيقول:

"وهنا بتظهر مشكلة أخرى.. مشكلة كبيرة وصعبة ومعقدة جدا.. مشكلة اسمها "الجرح النرجسي".. الجرح اللي بيحصل لما شخص نرجسي يتعرض للرفض أو للتقليل من شأنه.. وقد إيه ده بالنسبة له بيكون قاسي ومؤلم لدرجة قد تُخرجه أحيانا عن صوابه".

إذ يستخدم "طه" النرجسية مدخلا لفهم مرض "الذكر الشرقي المنقرض" عبر استخدام بحث ونظرية عالم النفس الألماني "هاينز كوهوت"، الذي فسَّر ظهور "النرجسية" عند الإنسان بسبب عدم إشباع "الاحتياج للظهور" (need to be seen) لدى الإنسان في طفولته، فيكبر هذا الطفل ويبقى لديه احتياج "باطني" جارف ليكون محل إعجاب الناس و"بؤرة أضواء الكون". وسمى "كوهوت" هذا الاحتياج غير المشبع بـ "النرجسية المَرَضية".

وهذه النرجسية المَرَضية تتجلّى في "شعور الشخص بالأهمية المبالغ فيها.. لا يقبل النقد.. لا يطيق الاختلاف.. بيستخدم اللي حواليه لمصلحته حتى لو كانوا أولاده.. بيغير من نجاح أي حد حتى لو كانت مراته.. هو عبارة عن بالونة كبيرة ضخمة منفوخة هواء لتعويض شعوره الداخلي العميق بالخواء وعدم الاستحقاق.. الشخص النرجسي ده حد وصّل له طول عمره أنه مايستهلش.. فقرر يصدق إن مفيش حد يستاهل غيره".

 

غير أن د. محمد طه يرى مرة أخرى أن هذا الأمر معكوس في مجتمعاتنا العربية، فيقول: "إحنا عندنا الأولاد "الذكور" مش بيوصل لهم إنهم مايستاهلوش.. لأ.. بالعكس.. ده -في أغلب الأحيان- بيوصل لهم إنهم يستاهلوا بزيادة.. بيرضعوا النرجسية مع اللبن.. بتتزرع فيهم النرجسية من طفولتهم زرعا.. بيتنفسوها مع الهوا اللي بيتنفسوه في بيوتهم".

 

"عندك أم بتربي ابنها على إنه ما ينفعش يجيب لنفسه كوباية ماية.. فما بالك بتنضيف مكانه وأكله وشربه وغسيله ومواعينه.. وعندك أب بيسمح لابنه يؤمر ويتحكم -وأحيانا يضرب- أخته الكبيرة.. وكمان يسهر ويصيع ويصاحب ويتحرش.. وفي الآخر يتقال له برافوا عليك أنت كده راجل.. عندك زوجة بيوصل لها في طفولتها إنها مينفعش تلبس ولا تخرج ولا تشتغل ولا تنام ولا تصحى إلا بأمر وموافقة ومباركة زوجها المقدس".

 

فينتهي "طه" إلى أن هذا "الذكر الشرقي النرجسي" هو ضحية تربية خاطئة وثقافة مختلة وموروث شعبي مليء بالكوارث النفسية، التي لا تقتصر آثارها على الرجل فقط، بل تمتد للأنثى فتجعل منها بذرة جديدة للمشكلة نفسها لتطرح "ذكرا شرقيا منقرضا" آخر.

 

وعبر "متلازمة ستوكهولم" يوضح "طه" كيف تتحوَّل الأنثى إلى جلادة لبنات جنسها: "لدرجة تبرير كل ما يمارسه الذكور عليهم شخصيا.. وبيدافعوا عن ظلم الذكور وقهرهم للإناث بشكل غريب ومدهش وغير منطقي.. يتهموا بنات جنسهم بالعهر والفجور، وأحيانا بالكفر، لما يحاولوا يقولوا للذكور من هذا النوع "لأ".. يطلبوا منهم الذل والخنوع والخضوع للمنظومة الذكورية الفاشلة بلا أي عقل أو تفكير أو فهم".

"وأي واحدة تخرج عن هذا المألوف.. وتحاول تعقل أو تفكر أو تفهم.. تنهال عليها الاتهامات والسباب والشتائم.. وكأنها خرجت من الملة.. ونظرة سريعة على جروبات الستات على السوشيال ميديا واللي بيحصل فيها هتوريك إن التشويه اللي حصل للستات ومن الستات أكتر بكتير من التشويه اللي حصل للرجالة".

 

وعبر طرح "طه" لسؤال: "إزاي الستات في مجتمعنا بيقهروا الستات اللي زيهم أكثر من قهر الذكور ليهم؟"، وإجابة السيدات عن هذا السؤال على موقع "فيسبوك"، ينتهي "طه" إلى أن "اللي بيدي الذكر حقه أكتر من حقه.. ست.. واللي بتبخس الست حقها.. برضه ست.. اللي بيقوي الولد.. ست.. واللي بيضعف البنت.. ست.. اللي بينصر الذكر.. ست.. واللي بيهزم المرأة.. ست.. المرأة قد تكون أحيانا أكثر ذكورية شرقية من الذكر الشرقي نفسه.. وفي مجتمعنا مش أحيانا.. ده غالبا".

 

ويتابع طه قائلا: "مجتمعنا من على الوش كده تشوفه أبوي ذكوري، إنما لو شلت الطبقة دي، هتلاقي تحتها طبقة أعمق عبارة عن تسلط واحدة ست كرهت نفسها والستات اللي زيها، وأنتجت عاهات ذكورية منقرضة. حتى ميل توازنات القوى المجتمعية لصالح الذكر، تلاقي اللي ماسك خيوطها واحدة ست.. فالذكور بمفردهم أضعف بكثير من إنهم يقهروا مجتمعات كاملة لعصور طويلة من غير واحدة ست بتقول: أيوه برافو يا حبيبي، إنت كده راجل، وإنتي يا حبيبتي استحملي شوية واستري نفسك".

 

والنتيجة يظهر هذا "الذكر الشرقي النرجسي" الذي يمارس السلطوية والعنف خارجيا بينما هو هش داخليا وغالبا ما يخضع لأمه ولا يستطيع العيش بدون مراعاة زوجته شؤونه، وبالتالي يكون عندنا: "ذكر مقسوم نصفين.. نصف شديد قاسي ومتسلط على امرأة في البيت.. ونصف ذليل وخاضع وخاشع لامرأة أخرى بره البيت.. ذكر فيه كل تناقضات الدنيا.. وكل المعايير المزدوجة.. وكل انفصامات الشخصية".

 

والغريب أن هذا التحليل الذي يطرحه د. محمد طه يتشابه على مقياس أكبر مع التحليل الذي قاله المفكر الراحل "جمال حمدان" حول "حاكم مصر" الذي يتعامل مع "مشكلة الأخطار الخارجية بالحل السياسي الناعم، بينما يتعامل مع المشاكل الداخلية مع شعبه بالحل العسكري الصلب". (5)

 

"الذكر الشرقي مرعوب من داخله..

خائف من أعمق أعماقه..

مليء بالهلع حتى النخاع".

يُرجِع د. محمد طه جذر مرض "الذكر الشرقي المنقرض" ومشكلة سلطويته المفرطة إلى "الخوف"، فالجانب الآخر من قصة الطفل الذكر الذي يتمتع بامتيازات غير محدودة في طفولته حتى يتحوَّل إلى "نرجسي"، هو الطفل الذي تُلقى عليه مسؤولية كبيرة منذ نعومة أظافره، مسؤولية "الرجولة" التي يترجمها الطفل بأنه غير مسموح له أن يعبر عن مشاعره؛ فيقول المؤلف: "بيوصل له إنه له السبق والتميز والأفضلية.. إنما الجانب الصعب من هذه الرسالة هو إنه ماينفعش يبكي، ولا ينفع يحتاج، ولا ينفع يقع من وقوفه الدائم في وضع الاستعداد".

 

"إنت قدام حد مش مسموح لدموعه إنها تنزل.. مش مسموح له يعبر عن فرح أو حزن أو رقص أو بُكا.. مش مسموح له إنه يحتاج حد يسمعه.. أو حد يحس بيه.. أو حتى حد يساعده.. مش مسموح له أصلا". ويستعين "طه" بالباحثة "برينيه براون" التي قضت عمرها تبحث حول فهم الشعور بالخزي أو بالعار، فوجدت أن أكثر ما يُسبِّب هذا الشعور لدى المرأة هو علاقتها بجسدها وتقبلها له، في ضوء انطباعات ورسائل المجتمع والأشخاص من حولها.

 

أما لدى الرجال، فوجدت "براون" أن أكثر ما يُسبِّب هذا الشعور هو "الخوف من الضعف.. الخوف من أن يبدو محتاجا.. الخوف من أن يظهر أمام الناس على أمنه مش كفاية.. والخوف من أن كل ده يتسبب في رفضه".

 

لكن هل هذا "الخوف" الذي سجن صاحبه وحوَّله إلى هذا النمط من الذكر المتسلط العنيف هو نتيجة التربية وثقافة المجتمع فقط؟ هنا يجب أن نبحث عن تفسير عند عالِم نفس آخر -يخالف فرويد- وهو "ألفريد أدلر"، الذي كان أول مَن شرح في كتابه "الطبيعة البشرية" شعور "الدونية" أو عقدة النقص، إذ يقول إدلر إن "فكرة العجز (الإحساس بالنقص) تتولّد عندما نطالب الطفل بأن يقوم بأكثر مما يستطيع، ويؤمن أنه عاجز عن التحكم في أي شيء ما عدا شيئين: سعادة وتعاسة الكبار. وهذا يؤدي إلى أن الطفل يستنتج أمرين: أنه غير مهم، ويصبح لديه اعتقاد بأن ليس له حقوق. ثم يبدأ التشكيك في كل ما يحيط به في بيئته المباشرة، ويبدأ في التساؤل عن مدى جدية وحقيقة الحياة نفسها. (6)

كما يُرجع إدلر نمط علاقات الإنسان بالعالم الخارجي إلى شكل علاقته بأمه عندما كان طفلا، فعندما لا تقوم الأم بتأدية دورها بشكل صحيح، يفشل أطفالها في تطوير أي شعور اجتماعي، وعندما تبالغ الأم بشدة في حماية أطفالها، يصبحون عاجزين عن تنمية أي شعور تجاه أي شخص آخر. وهذا يُحيلنا إلى عالِم نفس آخر -يخالف فرويد- وهو "إريك فروم" الذي يذهب في كتابه "المجتمع السليم" إلى أن المرض النفسي لا يصيب الأفراد فقط، بل كذلك يصيب المجتمعات، خاصة في العصر الحديث الذي تنتشر فيه قيم الرأسمالية والتنافس على العمل ومراكمة المال، وتنتشر فيه "الشمولية" والحكم الاستبدادي الذي يربي الخوف والنقص في نفوس أفراده.

 

وهذا ما وضحه د. مصطفى حجازي في كتابه "التخلف الاجتماعي: مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور"، إذ يقول في كتابه: "الإنسان المتخلف هو في النهاية الإنسان المقهور أمام القوة التي يفرضها السيد عليه، أو المتسلط، أو الحاكم المستبد، أو رجل البوليس، أو المالك الذي يتحكم بقوته، أو الموظف الذي يبدو وكأنه يملك العطاء والمنع، أو المستعمر الذي يفرض احتلاله.. ولا يجد الإنسان المقهور من مكانة له في علاقة التسلط العنفي هذه سوى الرضوخ والتبعية، سوى الوقوع في الدونية كقدر مفروض.. ويصل هذا الاختلال حدًّا تتحول معه العلاقة إلى فقدان الإنسان لإنسانيته، وانعدام الاعتراف بها وبقيمتها". (7)

 

فالاستبداد هو جذر المشكلة الحقيقي الذي تختل على إثره كل العلاقات بالمجتمع، ويصاب الذكور بالخوف نتيجة القمع والقهر الذي يتعرّضون له، مما يُسبِّب في روحهم هذا الشعور بالخوف والعجز الذي يُمرِّرونه لأبنائهم، بل يفسد هذا "التسلط" كل العلاقات بالمجتمع ويُحوِّله مع الوقت إلى مجتمع غير سوي على كل المستويات، ويُوضِّح حجازي ذلك فيقول: "يُعمَّم نموذج التسلط والخضوع على كل العلاقات وعلى كل المواقف من الحياة والآخرين والأشياء. تتسم علاقة الرئيس بالمرؤوس بهذا النمط التسلطي الرضوخي نفسه، كما تتسم به علاقة الرجل بالمرأة، والكبير بالصغير، والقوي بالضعيف والمعلم بالتلميذ، والموظف ورجل الشرطة بالمواطن، كل سلطة تصطبغ لا محالة بهذه الصبغة". (7)

 

"تثبت علاقة القهر والرضوخ بما تحمله من عنف في نسيج الحياة النفسية بجوانبها الانفعالية والعاطفية والذهنية. حتى الحب يُعاش في البلاد النامية تحت شعار التسلط والرضوخ، تسلط المحبوب ورضوخ الحبيب.. حتى حب الأم لأبنائها بكل ما يتميز به من حرارة عاطفية يغلب عليه الطابع التملكي".

لكن هذا التسلط وذلك القهر الذي يُجابهه الإنسان في كل مكان منذ طفولته لا يقدر على اختزانه، فهو من داخله يشعر بالهوان والنقص والعجز ويبحث عن القوة التي تُنقذ روحه المَهينة الجريحة، فيقوم بتمرير كل هذا القهر إلى العناصر الأضعف من حوله، "وهكذا توضع المرأة في أدوار الرضوخ التي تُفرض عليها: رضوخ للأب، وللأخ، ثم للزوج. تتحول إلى أداة للمصاهرة والإنجاب، إلى خادمة، إلى المعبرة عن المأساة، إلى الإنسان العاجز القاصر الجاهل الغبي الذي يحتاج إلى وصي"، ثم تعود الزوجة بدورها إلى ممارسة القهر نفسه على أبنائها بوصفها أُمًّا، في حلقة من تفريغ القهر تستمر إلى أن تُقطع تلك السلسلة من العلاقات الفاسدة.

 

تحدث د. محمد طه في كتابه عن الحقوق المهدرة للرجل، وسلبه حقه في التعبير عن مشاعره وضعفه منذ صغره، لكنه لم يخبرنا أن والد هذا "الذكر الشرقي المنقرض" هو الآخر ضحية مجتمع من القهر والاستبداد، ضحية تعاني من آلام مبرحة يُعوِّضها بإظهار القوة والعنف على زوجته وأبنائه، مثلما فعل والده وجده.

 

ربما يكون معالجة هذا "الذكر الشرقي المنقرض" خطوة نحو الحل، خطوة لقطع سلسلة العلاقات الفاسدة، لكن عندما يكون المجتمع كله "غير سوي" فالأمر أكبر من العلاج الفردي، الأمر يحتاج إلى تغيير شامل.

—————————————————————————————————–

المصادر

  1. رئيس جهاز الإحصاء: حالة طلاق كل دقيقتين في مصر.. وأكثر من 10 آلاف خلع في العام
  2. 60 مليون مصري متجرجرين في المحاكم.. القضاء ينظر 13 مليون قضية جنائية.. ومليون و500 ألف أسرة بيتخانقوا مع بعض في قضايا خلع وطلاق.. رفعت السيد: القاضى ينظر 800 قضية يوميا ونحتاج أكثر من 30 ألف قاض
  3. ذكر شرقي منقرض، د. محمد طه
  4. العنتيل: لفظ أطلقته الصحافة المصرية على حالات ظهرت بالمجتمع المصري، يقوم فيها الرجل بممارسة الجنس مع عدد كبير من النساء خارج إطار الزواج الشرعي.
  5. جمال حمدان، شخصية مصر (الجزء الرابع) – دراسة في عبقرية المكان
  6. ملخص كتاب الطبيعة البشرية
  7. د. مصطفى حجازي، التخلف الاجتماعي: مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور، ص40
المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

في زمن الآلات، والرغبات الفورية، والثقافة الاستهلاكية، تبدو الأشياء التي نطلب منها تحريك روحنا، والمواقف التي تهيج حياتنا العاطفية، اصطناعية، ألا يمكننا القول بأننا نميل إلى استغلال المشاعر بطريقة استهلاكية؟

14/2/2021
المزيد من مقالة
الأكثر قراءة