14 صفة نفسية يشترك بها عشاق دونالد ترامب

تمهيد: شهد العالم أمس السادس من يناير 2021، أحداثا غير معتادة، لقد قام أنصار الرئيس المنتهية ولايته دونالد ترامب، إثر دعوته لهم، باقتحام مقر الكونجرس الأميركي في واشنطن، أثناء جلسة مشتركة لمجلسي النواب والشيوخ، للاعتراض على تصديق الكونغرس على نتائج انتخابات الرئاسة التي خسر فيها ترامب أمام جو بايدن. انتشرت في كل أنحاء العالم صور أنصار ترامب في حالة من الفوضى والهرج في مشاهد أقرب لحالة سريالية غريبة من الصعب استيعابها خصوصا عندما تحدث في ديمقراطية راسخة وعريقة. تحولت احتجاجات أنصار ترامب لأعمال عنف نتج عنها وفاة 4 أشخاص واعتقال 52 آخرين. في هذه المقالة المنشورة على موقع "سيكولوجي توداي" في 2018، يحلل عالم الأعصاب "بوبي أزاريان" طريقة تفكير أنصار ترامب الأوفياء، ولماذا يحظى الرجل بكل هذا التأييد العنيد من أتباعه.

 

شئنا أم أبينا، فمن واجبنا أن نحاول فهم ظاهرة دونالد ترامب بما أنَّها عمّت البلاد كليا وتقسّمها بلا هوادة أيضا. أكثر ما يحيّرنا في هذا المشهد هي المنعة السياسية الواضحة التي يحظى بها ترامب. كما أقرّ هو نفسه حتى قبل الفوز بالانتخابات الرئاسية: "إنّ بوسعي الوقوف في منتصف الجادة الخامسة وإطلاق النار على أحدهم دون خسارة أصوات الناخبين". من سوء حظّ الأميركيين أنّ هذا الادعاء بنبرته الجامحة يبدو أقرب للحقيقة منه إلى الخيال. وحريّ به أن يدفعنا لاستكشاف العلم الكامن خلف هذا السلوك الإنساني الخاصّ، بحيث نتعلّم منه، وربّما نحصّن أنفسنا ضدّه.

 

إحقاقا للحق، نعترف بأن الكذب ليس بالجديد على السياسيين لدى كلا الطرفين، لكن وتيرة وجسامة أكاذيب الرئيس الحالي ينبغي أن تدفعنا جميعا للتساؤل لماذا لم تؤدِّ تلك الأكاذيب إلى تدمير مسيرته السياسية، وعملت عوض ذلك ربما على تمكينها؟ وعلى نحو مماثل، فإن علينا أن نتساءل لماذا لم تعمل بياناته التحريضية وفضائحه العديدة على إغراقه؟ إننا نتحدث عن رجل نشر له تسجيل يقول فيه: "عندما تكون نجما، سيسمحنَ لك بذلك. بإمكانك فعلُ أي شيء. حتى سحبُهنّ من فروجهنّ". أن تنجو سياسيًّا من ذلك الفيديو ليس بالأمر الطبيعي، ولا حتى قريبا من الطبيعي، فهكذا تسريب كان من شأنه أن يقضي على باراك أوباما أو جورج بوش إن ظهر قبل الانتخابات بأسابيع.

مع أنَّ عشرات المحللين النفسيين قاموا بتحليل ترامب، هادفين إلى تفسير المنعة السياسية التي يحظى بها الرجل، فإنَّ من المهم أكثر فهم عقول أنصاره الأوفياء. ومع أنَّ العديد من المقالات الشهيرة سلط الضوء على جملة من الأسباب التي تقف وراء الدعم العنيد الذي يحظى به، يظهر أنه ليس هناك تحليل شامل يجمعها كلّها، وبما أنّ هُناك طلبا مُلِحًّا على هذه المعلومات، حاولت أن أوفّر التحليل في أدناه. وقد أخذت بعض التفسيرات من ورقة نُشرت عام 2017 في مجلة "علم النفس الاجتماعي والسياسي" لعالم النفس وأستاذ جامعة سانتا كروز البروفيسور توماس باتيجرو. بعضها الآخر طُرح عام 2016، من قبلي، في عدد من المقالات والتدوينات لمنصّات نشر مثل "علم النفس اليوم". وعدد منها استلهمت كتابته من الأفكار المعمَّقة لعلماء نفس من أمثال شيلدون سولومون، الذي أرسى قواعد أحد الأعمال المؤثرة "نظرية إدارة الذعر"، ودافيد دانينغ، الذي قام بالشيء نفسه في "تأثير دانينغ كيرغر".

 

هذه القائمة ستبدأ بالأسباب الأكثر اعتدالا للتأييد الذي يحظى به ترامب. وفيما نحن نمضي، ستصبح التفسيرات أكثر إثارة للقلق، وعند الخاتمة، سنكون وصلنا إلى النواحي المرَضِيَّة منها. من المهمّ التشديد على أنَّ مناصري ترامب ليسوا كلُّهم عنصريين، ولا مضطربين نفسيا، أو أشخاصا سيئين في صميمهم. إنَّه لمن الضارّ لمجتمع أن يُحاول أولئك الذين يحملون الشهادات ويعتلون المنصّات شيطنة خصومهم السياسيين أو تصويرهم كمرضى نفسيين عندما لا يكونون كذلك. الآن وقد قلت ذلك، فإنِّ من الضارّ أيضا التظاهر بأنه ليس هُناك عوامل نفسية وعصبية واضحة يقوم عليها الشيء الكثير من الولاء المحموم لأنصاره. الظاهرة النفسية الموصوفة أدناه تتصل في مجملها بأولئك المناصرين الذين سيتبعون ترامب إلى الهاوية. إنهم أولئك الذين سيقفون إلى جانبه مهما كانت الفضائح التي سترى طريقها إلى النور، وأيا كان نوع الدليل على سلوك مشين وغير قانوني قام بارتكابه.

 

بالنسبة لبعض الأثرياء هو ببساطة شأن مالي. ترامب يعرض تخفيضات على الضرائب للأثرياء ويريد التخلص من قرار حكومي يحدّ من جني الأموال لرجال الأعمال، حتى عندما يكون ذلك القرار موجودا بهدف حماية البيئة. أما آخرون، من أمثال عمّال "السترات الزرق"، تروقهم حقيقة أن الرئيس يُحاول إعادة الوظائف إلى أميركا من أماكن مثل الصين. والبعض، وهم بالفعل غير عنصريين (أولئك الذين سنتطرق إليهم لاحقا)، يريدون ببساطة سنّ قوانين ضد الهجرة، لأنهم يعرفون أن بلادا بأبواب مشرعة ستكون غير قابلة للاستمرار.

[youtube https://www.youtube.com/watch?v=eXSXbe-qYzg]

هؤلاء الأشخاص وضعوا مخاوفهم الخاصّة قبل الوازع الأخلاقي. بالنسبة إليهم، لا يُشكّل فارقا إن كان يسحب الفروج، أو إن تعاون فريق حملته مع روسيا لمساعدته في هزيمة خصمه. ولا نعرف إن كان هؤلاء الناس ملتزمين بترامب إلى ما لا نهاية كما هو حال البعض، لكننا قد نعرف ذلك قريبا مع اقتراب تحقيق مولر من الانتهاء.

 

وفقا لدراسة رصدت نشاط الدماغ أثناء مشاهدة المبحوثين لأربعين دقيقة من الإعلانات السياسية ومقاطع المناظرات من المرشحين الرئاسيين، فإن ترامب يمتاز بقدرته على إبقاء الدماغ منتبها. في حين لم تتمكن هيلاري من لفت انتباه الدماغ بذات المدة، تمكّن ترامب من إبقاء الانفعالات النفسية والانتباه مرتفعين أثناء فترة المشاهدة. هذا النمط من النشاط لوحظ حتى عندما أدلى ترامب بملاحظات قد لا يتفق الأفراد معها بالضرورة. من الواضح أن براعة الأداء واللغة المبسطة تلقى صدى على المستوى الغريزي لدى البعض.

 

جوهريا، قد يرجع جزء من وفاء الجماهير لترامب لإدمان أميركا على برامج التسلية وتلفزيون الواقع. بالنسبة للبعض، لا يهمُّ ما يقوله ترامب فعلا لأن مشاهدته مسلية. مع دونالد، فإنك دائما ما تُترك للتساؤل حول الأمر المشين التالي الذي سيتلفظ به أو يقوم به. إنه يبقينا على حوافّ مقاعدنا، ولهذا السبب، بعض أنصار ترامب مستعدون للتغاضي عما يقوله. إنَّهُم سعداء طالما أن التسلية متواصلة.

 

البعض يدعم ترامب لأنه ببساطة متمرد أو يُضفي الفوضى على النظام السياسي. قد يشعر البعض بهذا النوع من البغض إزاء المؤسسة وشخصية ديمقراطية مثل هيلاري كلينتون بحيث يكون دعمهم لترامب بمنزلة الإصبع الأوسط في وجه واشنطن. قد يكون لدى هؤلاء الناس مشاكل أخرى مثل رغبة دفينة للتصيد للآخرين أو الهوس بالشماتة.

 

أظهر العلم أن الدماغ المحافظ تكون لديه استجابة خوف مفرط عندما يُواجه بمحفزات يراها مصدر تهديد. دراسة من عام 2008 في "مجلة العلم" وجدت أن لدى المحافظين رد فعل نفسي أقوى إزاء مصادر الضجيج المخيفة والصور الدموية مقارنة بالليبراليين.

 

دراسة لتفاعل الدّماغ وجدت أن أولئك الذين يميلون إلى اليمين السياسي لديهم لوزية دماغية أكبر حجما، وهي جزء من الدماغ ينشط كهربيا في حالات الخوف والقلق. بينما وجدت دراسة تصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي تعود لعام 2014 أن من الممكن التنبؤ إذا ما كان المرء محافظا أو ليبراليا بمجرد النظر إلى نشاط الدماغ خلال مشاهدة لقطات مقززة أو مخيفة، أو أجساد مشوهة. بشكل محدد، أدمغة أولئك الذين يقرّون بأنهم محافظون ولّدت نشاطا إجماليا أعلى عند الاستجابة للصور المزعجة.

 

هذه الاستجابات الدماغية هي تلقائية ولا يؤثر فيها المنطق أو العقل. طالما أن ترامب يواصل تصوير المهاجرين المسلمين واللاتينيين كتهديدات محدقة، فإن أدمغة الكثير من المحافظين ستُبرق طوعا وتماما مثلما تفعل مصابيح إنارة يتحكم فيها مفتاح كهربائي. الخوف يُبقي أتباعه في حالة نشاط وتركيز على الأمان. وحينما تعتقد أنك وجدت مخلصك، فإنّك تصبح أقل اكتراثا بملاحظاته المهينة والتقسيمية.

 

هناك نظرية مدعومة جيدا من علم النفس الاجتماعي، تُعرف بـ "نظرية إدارة الذعر"، وهي تفسر أسباب فعالية اتجار ترامب بالخوف. تقوم النظرية على حقيقة مؤداها أن البشر لديهم وعي مميز بحقيقة أنّهم فانون. إنّ حتمية موت الإنسان تخلق رعبا وجوديا وقلقا يئزُّ تحت السطح. لكي يتمكّنوا من إدارة هذا الذعر، يتبنّى البشر آراء ثقافية عالمية، كالأديان، والأيديولوجيات السياسية، والهويات القومية، التي تعمل بمنزلة عازل يبث في الحياة القيمةَ والمعنى.

 

إنَّ نظرية إدارة الذعر تتنبأ بأن الناس عندما يتم تذكيرهم بفنائهم، وهو ما يحدث عبر الاتجار بالخوف، فإنهم سرعان ما سيُدافعون عن أولئك الذين يشاركونهم رؤية العالم والهوية الإثنية والقومية، ويتصرفون بعدائية أكبر إزاء أولئك المختلفين عنهم. مئات الدراسات دعمت هذه الفرضية، وبعضها على وجه التحديد أظهر أن تحفيز مشاعر الموت ينحو لأن يذهب بالناس إلى اتجاهات سياسية يمينية.

 

إن التذكير بالموت لا يؤجّج القومية فحسب، بل إنه قد يؤثر على عادات التصويت لصالح مرشحين رئاسيين أكثر محافظة. وبصورة هي أكثر إثارة للقلق، في دراسة مع طلاب أميركيين، وجد العلماء أن التذكير بالفناء زادَ من دعم الطلاب للتدخلات العسكرية المتطرفة من قِبل القوات الأميركية التي يُمكن أن تقتل آلاف المدنيين في الخارج. ومن المثير للاهتمام أن التأثير كان موجودا فقط لدى المحافظين. عبر تعزيز المخاوف الوجودية باستمرار، قد يكون ترامب يخلق حالة نفسية تجعل الدماغ يستجيب على نحو إيجابي أكثر منه سلبي للتصريحات المتعصبة والخطابات التقسيمية.

إن كان المرء يفتقر إلى المعرفة والذكاء الكافيين، فإنه سيظل جاهلا بأن الشخص الفلاني يفتقد للكفاءة في أداء مهمة ما، وهذا يتضمن الحكم السياسي

بعض من يدعمون ترامب إما تعوزهم المعلومات وإما أنّ لديهم معلومات خاطئة حيال القضايا المتداولة. عندما يخبرهم ترامب أن الجريمة على أشدها في الولايات المتحدة، أو أن الاقتصاد هو أسوأ مما كان عليه في أي وقت مضى، فإنهم ببساطة يصدقونه. إن تأثير دانينغ كيرغر يفسر كيف أن المشكلة ليست فقط في أنهم يتلقون معلومات خاطئة، وإنما أنهم غير واعين كليا لمسألة تلقيهم معلومات خاطئة. وهو ما يخلق مشكلة إضافية.

 

لقد أظهرت الدراسات بأن الأشخاص الذين تعوزهم الخبرة في بعض نواحي المعرفة عادة ما يُعانون من تحيز إدراكي يحول دون إدراكهم بأنهم يفتقرون للخبرة. بصفته عالم نفس فإنَّ دافيد دانينغ يورد هذا الأمر في افتتاحيته لصحيفة "بوليتيكو"، قائلا: "إن المعرفة والذكاء المطلوبين لكي تبلي حسنا في مهمة ما هي في العادة ذاتها الصفات المطلوبة لكي تُدرك أن شخصا ما غير بارع في أداء تلك المهمة. وإن كان المرء يفتقر إلى المعرفة والذكاء الكافيين، فإنه سيظل جاهلا بأن الشخص الفلاني يفتقد للكفاءة في أداء مهمة ما، وهذا يتضمن الحكم السياسي". إن هؤلاء الناس يتعذر تنويرهم لأنّهم يعتقدون أن هذه مهمتهم هم.

 

الحرمان النسبي يشير إلى تجربة الحرمان من شيء يعتقد الناس أنهم جديرون به. إنه السخط الذي يشعر به الإنسان عندما يقارن مكانته في الحياة بمكانة أشخاص آخرين يشعر أنهم مكافئون له أو من منزلة أدنى إلا أنهم وبشكل غير منصف يحظون بحياة أكثر نجاحا منه.

من بين التفسيرات الشائعة لجماهيرية ترامب ضمن الناخبين غير المتعصبين هو الاقتصاد. لا شك بأنَّ بعض داعمي ترامب غاضبون ببساطة لأنّ الوظائف الأميركية هي من نصيب الصين والمكسيك. وهو على وجه التحديد أمر متفهَّم، وإن كان هؤلاء الأوفياء عادة ما يتجاهلون حقيقة مؤدَّاها أن بعض هذه الوظائف تذهب إلى بلدان أخرى بسبب الوتيرة المتسارعة للأتمتة. إنَّ أنصار ترامب هؤلاء يمرون بحرمان نسبي، وهو منتشر في الولايات الفاصلة (الولايات التي تحسم التصويت) مثل ولاية أوهايو وميشيغان وبنسلفانيا. هذا النوع من الحرمان يُشار إليه بوصفه "نسبيا" كنقيض لـ "قاطع"، لأن الشعور به عادة ما يستند إلى إدراك واهم بالجدارة.

 

"التواصل البين جماعاتي" مصطلح يشير إلى التواصل مع أعضاء جماعة أخرى من خارج جماعة الفرد، وهو ما أثبت بالتجربة أنه يحد من التحيز. وبالتالي، فإن من المهم ملاحظة وجود دليل متزايد على أنَّ مناصري ترامب البِيض قد اختبروا تواصلا أقل وبشكل ملحوظ من الأميركيين الآخرين.

 

على سبيل المثال، وجدت دراسة من عام 2016 أن "…العزل الإثني والعرقي للبيض عن الجماعات الأخرى على المستوى المناطقي هو أحد أقوى المتكهِّنات بدعم ترامب"، وقد واصل هذا التلازُم حضوره حتى في ظل وجود عشرات المتغيرات الأخرى [في الدراسة]. واتساقا مع هذه النتيجة، وجد الباحثون أنفسهم أن دعم ترامب ارتفع كلّما كان المصوِّت أبعد عن الحدود المكسيكية. هذه التحيزات العرقية قد تكون مستترة أكثر منها واضحة. انظر (رقم 14).

مع أنه قد يبدو أن جماعة نظرية المؤامرة، الذين يدعم غالبيتهم دونالد ترامب وحلفاءه المعاتيه من أمثال أليكس جونز وشادوي كانون، شاذون عن المجتمع الحديث، فإن بعضهم قد يعاني أمراضا نفسية تتضمن جنون الارتياب والتوهُّمات، مثل الشيزوفرينيا، أو أنّهم أقلُّ ضعفا من ذلك، مثل أولئك الذين يمتلكون شخصيات فصاميّة النوع. إن الرابط بين الاضطرابات الفصامية والاعتقاد بنظريات المؤامرة يستندُ إلى أدلة معقولة، وقد برهنت دراسة حديثة نُشرت في مجلة أبحاث الطب النفسي على أنه لا يزال منتشرا جدا بين السكان.

 

فالباحثون وجدوا أن أولئك الذين يُرجّح أن يكون لديهم إيمان أكبر بنظريات المؤامرة الغريبة، كالفكرة بأن حكومة الولايات المتحدة صنّعت وباء الإيدز، سجّلوا نقاطا أعلى عند مقياس "المعتقدات الغريبة والتفكير السحري"، إنَّ أحد ملامح التفكير السحري هو الميل لعقد صلات بين أشياء لا يربطها في الواقع شيء. إن دونالد ترامب وحلفاءه في عالم الميديا يستهدفون هؤلاء الناس بشكل مباشر. لن يكلّفك الأمر سوى زيارة لأحد مواقع اليمين البديل ونقاشاته لكي ترى الدليل على هذا التلاعب.

 

النرجسية الجماعية هي عبارة عن اعتقاد غير واقعي مشترك بعظمة جماعة المرء القومية. وهو عادة ما يطرأ عندما ترى الجماعة التي تعتقد أنها تُمثّل "الهوية الحقّة" لبلد ما، أي "الجماعة الداخلية" وهي في هذه الحالة الأميركيون البيض، بأنَّها تخسر امتيازاتها لصالح جماعات خارجية تتقدم عليها "دون وجه حق". إنَّ هذه الظاهرة النفسية ترتبط بالحرمان النسبي (رقم 6).

 

نُشرت دراسة في مجلة علم النفس الاجتماعي وعلم الشخصية وجدت رابطا مباشرا بين النرجسية القومية الجماعية وبين دعم دونالد ترامب. هذا التلازم اكتشفه باحثون بجامعة وارسو، والذين أجروا مسحا على 400 أميركي بسلسلة من الأسئلة حول المعتقدات السياسية والاجتماعية. وفي حين أن نرجسية الفرد تسبب العدوانية إزاء الأفراد، فإنَّ النرجسية الجماعية تتضمن مواقف سلبية وعدوانية إزاء الجماعات "الدخيلة" (الجماعات الخارجية)، التي تُرى بوصفها تهديدا.

 

إنَّ دونالد ترامب يؤجج النرجسية الجماعية بخطابه مفرط القوموية المناهض للمهاجرين والنخب. وبإشارته إلى مناصريه، وهي جماعة بأغلبية بيضاء، بأنهم "وطنيون حقيقيّون" أو "أميركيّون حقيقيون"، فإنه يعزز اتجاها من الشعبوية يلخّص "سياسات الهوية"، وهو مصطلح يرتبط عادة باليسار السياسي. إنَّ سياسات الهوية الخاصة باليسار، وإن كان يُساء فهمها أحيانا، تهدف بشكل عام إلى تحقيق المساواة. في حين أن اليمين يستندُ [من خلال هذه السياسات] إلى الاعتقاد بأن قومية المرء أو عرقه متفوقان أو أنَّهما يخوّلانه الحصول على النجاح والثروة لا لسبب آخر غير الهوية.

السلطوية عادة ما يولدها الخوف، وتجعل من الأسهل على القادة الذين يبالغون في تهديدهم أو تخويفهم الحصول على الولاء

إنَّ نزوع الهيمنة الاجتماعية (SDO) المرتبط بالشخصية السلطوية (رقم 13)، وإن كان يختلف عنها، يحيل إلى أشخاص يفضّلون هرمية اجتماعية للمجموعات، وبالتحديد، البنية التي تهيمن فيها جماعات من مكانة عُليا على الجماعات الأقل شأنا. أولئك المصابون بهذا النزوع هُم في الغالب شخصيات مهيمنة، متعنتة، وتقودها المصلحة.

 

إن خطابات ترامب تلقى استحسان أولئك الذين يعانون نزوع الهيمنة الاجتماعية عبر الفصل الواضح المتكرر الذي يُقيمه بين الجماعات التي تمتلك بشكل عام مكانة أعلى في المجتمع (الأميركيون البيض)، وأولئك الذين يُعتقد أنهم ينتمون إلى مكانة أدنى (المهاجرون والأقليات). دراسة من عام 2016، لـ 406 بالغ أميركي نُشرت العام الفائت في مجلة الشخصية والفروق الفردية وجدت أن أولئك الذين سجلوا نقاطا مرتفعة في كل من السلطوية ونزوع الهيمنة الاجتماعية كانوا أكثر ميلا لاختيار ترامب في الانتخابات.

 

السلطوية تشير إلى مؤازرة أو دعم الطاعة الصارمة للسلطة على حساب الحرية الشخصية، وعادة ما ترتبط بشحّ الاهتمام بآراء وحاجات الآخرين. الشخصية السلطوية، عادة ما تشخَّص باعتقاد بوجوب الطاعة التامة والكلية للسلطة. أولئك الذين لديهم هذا النوع من الشخصية عادة ما يظهرون العدوانية تجاه الجماعات الخارجية، والخنوع للسلطة، ومقاومة التجارب الجديدة، وتكون لديهم نظرة شديدة الهرمية للمجتمع. السلطوية عادة ما يولدها الخوف، وتجعل من الأسهل على القادة الذين يبالغون في تهديدهم أو تخويفهم الحصول على الولاء.

على الرغم من أن الشخصية السلطوية موجودة لدى الليبراليين، فإنها شائعة الانتشار أكثر في أوساط اليمين حول العالم. خطابات الرئيس ترامب، المرصعة بعبارات استبدادية من قبيل "فاشلون" و"كوارث كليًّا" هي جذابة بحكم الطبيعة لأصحاب هذه الشخصية. لقد أظهر بحث بأن المصوت الجمهوري في الولايات المتحدة سجّل نقاطا أعلى من الديمقراطيين في معايير السلطوية قبل ظهور ترامب في المشهد السياسي، في حين وجد مسح أجرته صحيفة "بوليتيكو" في 2016 أن من لديهم سلطوية مرتفعة قاموا بتفضيل ترامب المرشح آنذاك، وهو ما أفضى إلى تنبؤ دقيق بأنّه سيفوز، وإن قالت الاستطلاعات عكس ذلك.

 

إجمالا سيكون من المجحف وغير الدقيق القولُ بأن كل واحد من مناصري ترامب منحاز ضد أقلية إثنية ودينية، لكنه سيكون من غير الدقيق بالدرجة نفسها القول بإنَّ قلة منهم هي كذلك. فالحزب الجمهوري، منذ "إستراتيجية الجنوب" في عهد نيكسون، لجأ تاريخيا إلى تكتيكات اتسمت بالتزمّت، مثل الخطابات المرصعة بعبارات "صفير الكلاب"، وهي كلمات مشفرة تضمر تحيزا ضد الأقليات.

 

ومع أن صافرات الكلاب في الماضي كانت غير ملحوظة، فإنها في عهد ترامب مباشرة على نحو صادم. ولا إنكار أنه يلقى قبولا في أوساط مناصريه عندما يسمّي المسلمين بـ "الخطرين" والمهاجرين المكسيكيين بـ "المغتصبين" و"القتلة" بشكل مبطّن. وبما لا يثير الدهشة ربما، أظهرت دراسة أُجريت مؤخرا أن دعم ترامب متلازم مع مقياس معياري للعنصرية الحديثة.

____________________________________________

هذا التقرير مترجم عن psychology today ولا يعبر بالضرورة عن موقع ميدان.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

لحكايا معسكرات الاعتقالات تاريخ مرير وحكايا اتفقت جميعها في مضمونها من قتل للأطفال وتهجير وتفكيك أسري، وليس العصر الحالي بأفضل حال. هذا التقرير يستعرض أبرز تلك القصص والتجارب.

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة