"مخطوفون ذهنيا بالكونغرس".. كيف يفسر العلم تحكم ترامب في أنصاره؟

أثناء إحدى جولاته الانتخابية عام 2015، بمدينة برمنجهام بولاية ألاباما الأميركية، قال(1) الرئيس الأميركي الذي انتهت ولايته دونالد ترامب إنه في يوم 11 سبتمبر/أيلول من عام 2001 كان في ولاية نيوجيرسي، حيث يقطن الكثير من العرب، رأى آلاف الناس يهتفون فرحين بسقوط برجَيْ مركز التجارة العالمي، ثم انطلق من هذا الادعاء قائلا إنه يود وضع قيود على المساجد في الولايات المتحدة، لأن "ما حدث من قبل لن يحدث مرة أخرى".

 

وعلى الرغم من أن ترامب نفسه كان قد تراجع(2)عن هذا الادعاء، كما أن أحدا لم يؤكده، سواء بشكل شخصي أو إخباري، فإنه -مثل بقية ادّعاءاته- انطلق كالنار في الهشيم على أية حال. في الواقع، ليست تلك هي المرة الأولى التي تبنّى فيها ترامب نظريات مؤامرة بلا دلائل، بل وكان مباشرا وواضحا في ذلك أثناء احتياجه إلى الهجوم على معارضيه، في أثناء الترشيحات للانتخابات الأميركية 2016 مثلا كان قد زعم أن والد السيناتور الأميركي تيد كروز، أحد المرشحين، شارك في عملية قتل الرئيس الأميركي جون كيندي.

 

قبل الانتخابات الأخيرة، شارك ترامب تغريدة تُروِّج لنظرية مؤامرة(3) تقول إن بايدن، منافسه في الانتخابات الرئاسية، قتل عن عمد مجموعة من ضباط الجيش المشاركين في عملية اغتيال بن لادن للتستُّر على الحقيقة التي تقول إنه لم يمت وفشلت المهمة في عام 2011، وفي أثناء تولّي أوباما قال إنه(4) ساعد داعش عمدا للازدهار وللتغلغل، وعلى الرغم من أن كلًّا من تلك النظريات يمكن أن تكون صحيحة، فإن ترامب فعل ذلك بدون دليل واحد فقط على صحتها.

وبالطبع يتضح ذلك بصورة أكبر أثناء أزمة كورونا المستجد، فبينما يفشل الرئيس في إدارة الأزمة إذا به في أكثر من موضع يُروِّج مباشرة لنظريات مؤامرة، وصل الأمر إلى حد مشاركته لأحد فيديوهات الطبيبة "ستيلا إيمانويل"، التي تقول إن الهيدروكسيكلوروكين هو العلاج الوحيد الصحيح لـ "كوفيد-19″، وهو أيضا وسيلة وقاية فعّالة، وأضافت في الفيديو نفسه أنها تمكّنت من علاج مئات المرضى بهذا العقار، وأنها -وهي النقطة التي نود الانتباه لها- لا تعرف بالتحديد مَن يمنع هذا الدواء عن الناس، وما مصالحه، مع تشكيك مباشر في البحث العلمي الخاص بهذا النطاق.

 

إيمانويل(5) هي أحد المؤمنين بنظرية المؤامرة، ويمتد الأمر وصولا إلى تصوُّراتها أن الإصابة بالإجهاض أو تكيُّس المبايض هي أعراض مباشرة لوجود حيوانات منوية خاصة بالجن الذي مارس الجنس مع هؤلاء السيدات اللائي عانين من تلك المشكلات الطبية، تؤمن كذلك بنظرية مؤامرة تُشير إلى أن كائنات فضائية من فصيلة الزواحف تُدير الحكومة الأميركية، وأن أشياء مثل هاري بوتر وبوكيمون هي وسائل الماسونية للسيطرة على الأطفال وتعليمهم أساسات السحر.

 

تكرّر الأمر نفسه قبل أيام، حيث دعا ترامب أتباعه للاحتشاد أمام الكونغرس أثناء جلسة إعلان فوز بايدن برئاسة الولايات المتحدة الأميركية، لأن هناك مؤامرة أخرى، فالانتخابات(6) قد "سُرقت" من الأميركيين، وأن الديمقراطيين "سيُخرِّبون" البلاد، الأمر الذي تطوَّر ليصبح مشهدا كارثيا لاقتحام مبنى الكونغرس، مع وفاة 5 أشخاص.

 

لكن ترامب ربما لا يهتم بذلك، حيث لا مشكلة لديه في أن يُروِّج لنظريات المؤامرة ما دامت ستخدم أهدافه، مثل الفوز بالانتخابات، أو تجنُّب الاتهام الشعبي بالفشل في إدارة الأزمات، أو حتى الإفلات من المحاسبة بعد خروجه من سُدَّة الرئاسة، فربما يستخدم ترامب ورقة "إشعال الفوضى" إذا لاحقه القضاء لأي سبب بعد خروجه من البيت الأبيض.

 

في كتابه "نظريات المؤامرة: السرية والقوة في الثقافة الأميركية" أشار مارك فينستر، الأستاذ بكلية القانون بجامعة فلوريدا عام 2008، إلى أن معتنقي نظريات المؤامرة ليسوا فقط مجموعة من المصابين بمستويات غير مَرَضية من الذهان، فالبعض يُروِّج عمدا لنظريات المؤامرة لأنها تخدمه سياسيا بقوة، وتحشد أنصاره في مواجهة معارضيه دون حاجة إلى اللجوء للمنطق والعقلانية، خاصة حينما تُهينهم وتُشوِّه صورتهم عمدا.

 

في الواقع، فإن الدعم السياسي لنظرية المؤامرة لم يكن حكرا على ترامب، وخلال أزمة "كوفيد-19" كُشفت كميات هائلة من "بوتات الإنترنت" التي تنشر الأخبار الكاذبة ونظريات المؤامرة عمدا عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وقد أشار البعض بأصابع الاتهام إلى الإدارة الروسية التي تُتهم عادة بهذا النوع من النشاطات.

 

وكان إيليا يابلوكوف(7)، الباحث من جامعة ليدز البريطانية، قد استند إلى تعريف مارك فنستر لنظرية المؤامرة بوصفها نظرية شعبوية للسلطة، مُشيرا بالفعل -عبر تحليل مُمنهج لمواد قناة "روسيا اليوم"- إلى أن السلطات الروسية ربما تعمل على تأكيد الفكرة المؤامراتية لدى الجمهور، لأنها الأقدر على إقناع الناس بنزع الشرعية من السياسات الأميركية الخارجية وإضفائها على السياسات الروسية الخارجية. ليس الأمر فقط أنك لو كنت ضعيفا في مواجهة طرف سياسي آخر فإن شيئا لن ينقذك سوى إقناع أتباعك أن هناك مؤامرة ما، بل أيضا يقول إن المكوّن التآمري هو جزء جوهري من العملية السياسية المعاصرة.

 

لكن السؤال الأهم وسط كل تلك الفوضى هو لِمَ يفعل الناس ذلك؟ لِمَ تؤثر نظريات المؤامرة عليهم إلى الحد الذي تنسحب معه عقولهم من أدمغتهم فجأة، فيتصرّفون بكل غضب وعدوانية ولا عقلانية حينما يطلب منهم رجل مثل ترامب ذلك؟ الإجابة عن هذا السؤال لا شك ستخرج بنا من أبواب السياسة قليلا لننطلق إلى علم النفس.

 

يمكننا أن نتأمل ما يسميه "توماس جيلوفيتش" و"لي روس"، أستاذا علم النفس الإدراكي من جامعة ستانفورد في كتابهما "أكثر الناس حكمة" (The Wisest One in the Room)، بـ "الواقعية الساذجة"، وهي ميل الإنسان إلى الاعتقاد أنه يرى العالم بشكل موضوعي وصحيح، وأن أي شخص "طبيعي" من المفترض أن يرى العالم بالطريقة نفسها.

 

كتاب "أكثر الناس حكمة"

مع قناعاتنا بأننا على صواب، سوف نضع "هؤلاء" الذين لا يتفقون مع آرائنا السياسية والاقتصادية والعقائدية في قائمة خاصة نسميها "هُم"، تلك المجموعة "المختلفة عنّا"، المتحيزة، الجاهلة، غير العقلانية، التي لا تستمع للصواب (رأينا)، بينما نحن عقلانيون وأكثر كفاءة وخبرة، ثم نبدأ بعد ذلك في تعديد مزايا مجموعتنا الخاصة ومدى عقلانيتها في مقابل لا عقلانية، وغباء، وعجرفة المجموعة الأخرى.

 

يمكن لذلك أن يدفعنا كي نُنفق مما نملك من وقت وجهد ومال في سبيل الإعلاء من شأن مجموعتنا تلك، ويُشير اصطلاح(8) "المحسوبية داخل المجموعة" (In-group favoritism) إلى أن أفكارا تبدو سطحية أو تافهة للغاية قد تُفرِّق تماما بين مجموعتين من البشر، بحيث يدافع كل طرف عن مجموعته وكأنها حرب هُوية، حرب حياة أو موت!

 

في علم النفس الاجتماعي والإدراكي نتعلّم أن البشر ليسوا عقلانيين بالكامل، وأن تفضيلاتهم بالأساس قائمة على انتماءاتهم السياسية والدينية، هناك درجة من "القَبَلية" في تفكيرنا جميعا، حيث يساعدنا انتماؤنا لتوجُّه سياسي ما على تعريف هويّاتنا، ما نحن عليه، ويُعزِّز إحساسنا بذواتنا، وهو ما يمكن أن يكون أكثر أهمية بالنسبة إلينا من الدقة في مسألة ما. هنا، سوف نميل إلى تصديق الأفكار التي تتماشى مع آراء حزبنا، مهما كانت غير معقولة، بل سنتعامل معها على أنها حقائق.

 

بل يصل الأمر إلى ما هو أعمق من ذلك، فقد يتطور الأمر في مرحلة ما لنسأل أنفسنا: ألا يمكن أن تكون هناك مؤامرة؟ إذا كان الصواب -صوابنا- واضحا إلى هذا الحد، ألا يمكن ألا يكون هؤلاء معارضين فقط، بل هم متآمرون يودون القضاء علينا، وعلى الصواب؟!

 

في الواقع، يمكن أن تلاحظ ذلك بوضوح في حالة اقتحام الكونغرس الأخيرة، أحد أكثر المشاهد لفتا للنظر كانت لشاب يرتدي قرنين على رأسه، يُدعى هذا الشاب "جيك أنجلي"، هو ورفاقه من أتباع(9) نظرية مؤامرة تسمى "QAnon"، وتتضمّن ادعاءات تقول إن هناك خطة سرية مفصلة للتخلُّص من ترامب وضعتها "الدولة العميقة"، وهو اصطلاح طالما استخدمه ترامب، وتسعى الخطة لانقلاب عسكري بقيادة أوباما وهيلاري كلينتون.

 

وترى النظرية أن هؤلاء في الدولة العميقة يودّون القضاء على ترامب لأنه سيكشف سرهم الأكبر ويقوم باعتقالهم وقتلهم، والسر أنهم مجموعة من عبدة الشيطان وتجار الأطفال الذين يودون السيطرة على العالم، وهم يمتلكون من الموارد ما يكفي لذلك، الغريب في الأمر أن ترامب قال ذات مرة إنه سمع أن رواد هذه الحركة "يحبون هذا البلد جدا"(10).

 

هذه الدرجة من التطرف في سلوكنا البشري يمكن التحكم بها. في تجارب(11) لفيل فيرنباش، من جامعة بون، سنة 2013، كان واضحا أن هؤلاء الذين عُرِّفوا الحقائق بهدوء وعقلانية تراجعوا بشكل واضح عن تطرفهم، كذلك فإن تجارب عاموس تفرسكي ورفاقه في التسعينيات(12) أثبتت أنه على الرغم من التحيز فإن الأمور كانت أكثر "لطافة" حينما قُدِّمت للجمهور بصورة هادئة.

 

لكن ذلك يحدث فقط في الأوقات العادية، أوقات الاستقرار، أمّا حينما يقوم رئيس الولايات المتحدة الأميركية نفسه بالضغط على هذا الوتر الحساس لدى أتباعه، فإن الشعرة العقلانية الرفيعة التي تربطنا بالواقع تنقطع، كيف يمكن أن تتصرف إذا كانت الرسالة التي يعطيها أحدهم إليك يوميا هي أن بلادك سُرقت منك، وأن هناك مَن يريدون تخريبها، وهم ليسوا عربا أو لاتينيين أو من أصول آسيوية فقط، بل هم أميركان مثلهم لكنهم فقط من الحزب الآخر؟!

 

في مجموعته الخاصة من التجارب، خلال عدة عقود مضت، يشير إيميل برونو (13) من معهد "إم آي تي" (MIT)، وهو مدرس كان يعمل متطوعا للخدمات الاجتماعية والطبية في المناطق التي تشهد حروبا، الذي التفت فيما بعد لدراسة علم نفس الصراع السياسي، إلى أنه كلما ازداد التطرف انخفضت درجات تعاطف الناس تجاه الآخرين في حالة الخلافات السياسية، انخفضت لدرجة الشماتة في موت الآخرين! وكان ذلك أكثر وضوحا كلما ازداد الخلاف السياسي، وأقل وضوحا كلما انخفض.

 

إن مواطنا عاديا، في أية دولة في العالم، بما فيها دولنا العربية، قد يتحول إلى جندي مجهول في جيش الهجوم المتطرف على المهاجرين أو المختلفين في الرأي أو المعتقد الديني أو السياسي في أية لحظة إذا تمكّن سياسي ما من العبث بعواطفه تجاه مجموعته، الأسوأ من ذلك أننا نعيش في عالم متوتر حقا، ومع صعود التطرف السياسي أصبحنا في عصر دأب الكثيرون على تسميته "عصر ما بعد الحقائق" (14) (Post Truth Era)، حيث لا يمكن أن نتوقع إلا المزيد من الكذب والإقصاء وإطلاق الأحكام العنصرية المتطرفة، فقط بغرض نيل مكانة سياسية.

——————————————————————————————————————————–

المصادر

  1. Donald Trump Calls for Surveillance of ‘Certain Mosques’ and a Syrian Refugee Database
  2. Trump’s Revised 9/11 Claim
  3. As Trump’s chief conspiracy theory suffers a major blow, he reaches for more desperate ones
  4. Trump tweets of Obama administration ‘supporting’ ISIS
  5. Trump promotes a doctor who has claimed alien DNA was used in medical treatments
  6. 5 كلمات نطق بها ترامب "تثير القلق" في واشنطن
  7. Conspiracy Theories as a Russian Public Diplomacy Tool: The Case of Russia Today (RT)
  8. In-Group Favoritism Is Difficult to Change, Even When the Social Groups Are Meaningless
  9. QAnon: What is it and where did it come from?
  10. المصدر السابق
  11. Political Extremism Is Supported by an Illusion of Understanding
  12. العقلانية في أزمة – هل دخلت ما بعد الحداثة من باب علم النفس | مرايا
  13. MIT neuroscientists explore how longstanding conflict influences empathy for others
  14. Post-Truth and Its Consequences: What a 25-Year-Old Essay Tells Us About the Current Moment
المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

عقد موقع “ميدان” مقابلة مطوّلة مع الدكتور أسامة أبو ارشيد حول تزايد الاستقطاب الداخلي بالولايات المتحدة وتأثيره على العرب والمسلمين ومدى التغيّر المرتقب لحضور الرئيس الأميركي المنتخب جو بايدن للحكم.

مجموعة من الظواهر النفسية تتصل في مجملها بأولئك المناصرين الذين سيتبعون ترامب إلى الهاوية. إنهم أولئك الذين سيقفون إلى جانبه مهما كانت الفضائح التي سترى طريقها إلى النور.. تعرف عليهم.

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة