خلق المواطن العاري.. كيف تساوت الأنظمة الغربية مع نظيرتها المشرقية في صناعة المراقبة؟

في المقالة التَّالية، من مجلّة غلوبال فيو بوينت، يحاول جون غراي، الأستاذ الشرفي في الفكر الأوروبي بكليّة لندن للاقتصاد، تفسير المراقبة الشاملة شرقا وغربا بوصفها امتدادا لقيم التنوير، حيث أدّت الفردانية والتحديث الاقتصادي إلى إبادة الأشكال التقليدية للحياة، والتي وفّرت نظامها الخاص من المراقبة غير الرسمية عبر الجيرة ورفقة العمل. تلك الإبادة نتج عنها نموذجان من المراقبة الحديثة لا يختلفان كثيرا في الغاية النهائية: مراقبة كل شاردة وواردة بحجة توطيد التقدم الاجتماعي، بشكل يتفوق في فظاعته على ذلك المتخيل في رواية "1984" لجورج أورويل.

 

التحرُّك المتوازي باتجاه المراقبة الشاملة من قِبل المجتمعات الشرقية والغربية يكشف عن تحوُّل فكري لافت. برغم صعود الشعبوية، لم تزل الولايات المتحدة، ومعها الكثير من بلدان أوروبا، تتبِّع مُثُل الحرية والحقوق الفردية المستمدة من مفكرين ليبراليين مثل جون لوك وجون ستيوارت ميل. لكن بجانب التأكيدات الرسمية على فرادة الحضارة الصينية وقيمة الأخلاقيّات الكونفوشية، فالرَّئيس تشي يحكم الصين بالاستناد إلى أفكار مستمدة من الغرب أيضا.

 

بالإضافة إلى أفكار كارل ماركس، يتردد صدى أفكار الفيلسوف الإنجليزي جيريمي بنتام في العقيدة الصينية الرسمية. ومع أنهما مختلفان إلى حدٍّ كبير، فإن كليهما ملتزم بمشروع التنوير الذي يُعظِّم العقل والتقدُّم على حساب التقليد الذي يُدين مجتمعات الماضي بوصفها مجتمعات مغلقة وجامدة وسلبيَّة وقمعية. بالإقلاع عنها فقط، يتحرّر بنو البشر حقا ويتعزز الرفاه الاجتماعي بحدّه الأقصى.

 

الحقيقة المتناقضة هنا هي أن الشرق والغرب منقسمان حول أفكار التنوير بشأن التحرر الإنساني، لكنهما في الشقّ العمليّ منها يتبنّيان نُظُما مماثلة من المراقبة الشاملة الآنيّة. ففي كلتا الحالتين، أدّى منطق التنوير إلى ضبط اجتماعي متزايد. وتسارع هذا الاتّجاه مع التهديد الذي فرضه فيروس كورونا، إذ بات جدال المراقبة ضرورة مُلِحَّة تحت وطأة الحاجة إلى مراقبة صحّة السكان وحمايتهم من العدوى.

في البلدان الغربية، أدّت العولمة والتغير التكنولوجي المطّرد إلى تفكيك المجتمعات التي نشأت حول المراكز الصناعيّة في الماضي. مع تفتيت هذه المجتمعات، انتهت فعاليّة نظم المراقبة غير الرسمية من أقران وجيران حفظوا لها النظام. كما أن التنقّل المتزايد لليد العاملة أفضى إلى النتيجة ذاتها. الالتزام بشركة واحدة أو صناعة أو مهنة واحدة مدى الحياة يكون شبه مستحيل عندما يكون توزيع اليد العاملة في تبدّل مستمر، هكذا لا تعود الجيرة ولا أماكن العمل مصدرا لتعزيز نماذج السلوك بما كانت تحمله من ضبط اجتماعي غير رسمي إلى الحد الذي بلغته سابقا.

 

نتيجة لذلك، بتنا نرى اعتمادا متزايدا على تقنيات المراقبة. على سبيل المثال، كاميرات البوابات الأمامية حاليا تحمي البيوت من اللصوص، وفيديوهاتها المتصلة بالإنترنت تُطلع المقيمين الغائبين عن بيوتهم بشأن ما وصلهم من طرود أو إن عُبِث بها. أحرارا في السعي وراء أهدافنا الشخصية، بتنا نعتمد على الآلات لكي تحيطنا بالأمن الذي اعتبرناه مسلَّمة حينما كنا نعمل ونعيش داخل مجتمعات صحيّة.

للمفارقة فإن الرأسمالية الغربية تُحرِّكها أخلاقية فردانية. الفضيلة الأم للرأسمالية في الغرب لم تعد تُلقَّنُ على أنها التفوُّق الإنتاجي، إذ لم يعد من الممكن اعتبار هذه التفوق أمرا مفروغا منه في العديد من النواحي التي باتت الصين تتقدم فيها حثيثا، مثل تعلم الآلات والتقانة الحيوية. بدلا من ذلك، باتت ميزة الرأسمالية الغربية هي تعزيز الحرية الفردية. واضمحلال المجتمعات الذي أدّت إليه الأسواق المتفجّرة النموّ ليس، من هذا المنظور، خسارة اجتماعية، إنما مكسب إيجابي لها. فبما أنهم في حلٍّ من التعلق بأي مكان معيّن، بات بإمكان بني البشر في الاقتصاد ما بعد الصناعي أن يتحوّلوا إلى أفراد مستقلّين بذاتهم تحتفي بهم النظرية الليبرالية أيما احتفاء.

 

بالتأكيد إن الأمور لم تسِر على أحسن حال بهذه الطريقة. وكما يشير السوسيولوجيّ الفرنسي من القرن التاسع عشر إميل دوركايم، فقد تَمثَّل الوجه الآخر للاستقلالية الذاتية الهائمة على وجهها في الاغتراب – مجتمع فاقد لأي قواعد سلطوية. مع اقتلاعهم من مجتمعاتهم المسوَّرة، يعاني الكثير من الناس من أسقام الانعزال وانعدام الغاية. تفكك العائلة، وإدمان المخدرات، والمرض العقلي، جميعها أصبحت منتشرة وفي طور التحوُّل إلى أمر اعتيادي. في ظل هذه الظروف من الاضطراب الاجتماعي، أصبحت تقنيات المراقبة بدائل للمجتمعات التي دمرتها الرأسمالية الغربية، إذ تحل الكاميرات المنتشرة انتشارا واسعا محل الأعين الفضولية للجيران. ثمن الفردانية، كما يتضح، هو فقدان الخصوصية.

 

هنا، لا تختلف الصين كثيرا. على مدار القرن الأخير، تقطعت أوصال البنى الاجتماعية مرارا وتكرارا بفعل عدد من الأحداث. الانهيار الوشيك للدولة الصينية تحت ضغوط أمراء الحرب المحليين والغزو الياباني، صعود ماو إلى السلطة، الوثبة الكبيرة إلى الأمام والثورة الثقافية، عملت جميعها، بالترافق مع التحركات السكانية الضخمة التي تطلَّبها إدخال التصنيع بأسلوب الدول الرأسمالية، على هدم المجتمعات التقليدية. وقد تكون عملية التغيير هذه هي التي جعلت من الممكن حصول التقدم الاقتصادي الذي عرفته البلاد خلال العقود الماضية.

الوثبة الكبيرة إلى الأمام

حينما هاجم جون ستيوارت ميل الصين لغرقها في حالة من "الجمود" في مقالة بعنوان "في الحرية" عام 1859، فضح محدودية فلسفته الليبرالية، إذ نَسَبَ تقدم البلدان الغربية إلى أسلوبها المُتمثِّل في إعلاء شأن الفردانية، وحذّر بالقول إنها إنْ توقفت عن ذلك، فإن أوروبا "ستأخذ في التحوُّل إلى صين أخرى". لم يجل بباله قطّ أن الفترة غير المسبوقة من التقدم الاقتصادي قد تكون من مصاحبات الحرب واللا سلطوية والديكتاتورية. وقد كان الليبراليون الغربيون الذين يتوقعون اعتناق الصين في النهاية لقواعد الليبرالية الغربية يشاركون ميل رؤيته المحدودة، لكنهم غفلوا عن ملاحظة تراجع هذه القواعد في الغرب أيضا.

 

مع تباطؤ النمو الاقتصادي، تتشابه الصين اليوم مع الدول الغربية في طريقة تعاطيها مع مشكلة الضبط الاجتماعي، واستجابت بإنشاء نسخة تقنية متقدمة من نظام المراقبة الذي تخيله بنتام، المفكر البريطاني النفعي الذي عاش بين العامين 1748-1832. من غير الواضح ما إذا كانت النخبة المثقفة الصينية قد درست بنتام مع الاهتمام الذي أولته إلى مفكرين غربيين آخرين، لكن فكرة بنتام عن "أقصى حدٍّ من السعادة لأكبر عدد من الناس" عادة ما ترد بها في الخطاب الرسمي، وإنشاء الصين نظام المكافأة الاجتماعية (الذي يعاقب الأفراد حال نشوزهم عن أعراف السلوك المتمدن) له العديد من الملامح المشتركة مع مشروع بنتام "البانوبتيكون" الكوني.

 

مع أننا نتذكر البانوبتيكون بوصفه خطة للسجن المثالي المصمم بحيث يكون النزلاء تحت المراقبة اللصيقة طيلة الوقت، فإن بنتام قصد له أن يكون نموذجا للمؤسسات الاجتماعية من كل الفئات. وكان ينبغي لأماكن الورشات والمصانع والمدارس والمستشفيات أن يُعاد تصميمها وفق خطوط مماثلة بحيث تُسهِّل المراقبة الشاملة الآنية وتعديل السلوك.

 

كان الهدف من "البانوبتيكون" هو زيادة الفعاليّة الاجتماعية وحسن الحال عموما. لم تُحيَّد الحرية الشخصية بالكامل، بما أن بنتام قد أجاز للناس اتخاذ القرار في المواضع التي يكونون فيها أقدر على ذلك، لكن الحرية جاءت بعد الأهداف الكلية لفلسفته الشمولية. في هذا الجانب، كان بنتام يتوافق مع مجايليه من مفكري التنوير، الذين تطلَّعوا إلى المستبدّ المستنير لتعزيز قضية التقدم، وقام بنتام نفسه برحلة طويلة إلى روسيا أملا في لفت أنظار الإمبراطورة، كاترين الثانية، إلى أفكاره وتنفيذ نسخ من مشروع البانوبتيكون تحت رعايتها. صحيح أنه عاد بخفَّيْ حُنين، لكننا نريد إثبات أن قيم التنوير التي صدّرها الغرب إلى الدول غير الغربية لم تكن ليبرالية دائما. فصحيح أن البلشفية اكتسبت بعضا من الملامح الروسية الفارقة، غير أن لينين وآخرين اعتبروا البلشفية استمرارية لتفكير حاضر في التنوير بشأن الديمقراطية تعود جذوره إلى اليعاقبة الفرنسيين. إن ما أخذته روسيا عن الغرب كان قيما تنويرية لا ليبرالية فحسب.

سجن "البانوبتيكون"

ينطبق الأمر عينه على نظام المراقبة الذي يُشيَّد حاليا في الصين. كما هو بانوبتيكون بنتام، فإن الأهداف تربوية في جزء منها. فنظامُ المكافأة الاجتماعية لا يتوقف عند تعزيز القواعد ومعاقبة منتهكيها، لكنّه أيضا يعلمها ويغرسها. إن الهدف هو تذويتها في السكّان بحيث تصبح بحكم العادات، فالهدف ليس تأديب السكان، بل إعادة تشكيلهم. وهنا بالإمكان التقاط نقطة السيرورة من خلال المشروع الماوي. إن الغاية النهائية المتخيلة هي تغيير السيكولوجيا الإنسانية.

 

سيقول العديد من الناس إن هذا مشروع شمولي، وهم غير مخطئين في ذلك. فبما أنه يتضمن المعاقبة دون إمكانية التعويض القانوني، فإنه يطمس الحد الفاصل بين الدولة والمجتمع بطريقة من الممكن إيجادها في الأنظمة الشمولية. عبر محاولته إعادة تشكيل البشر باستخدام سلطان الدولة الذي يطول كل جوانب الحياة، فإن المشروع يستوفي شرطا أساسيا آخر للشمولية.

 

في الوقت نفسه، فإن تجربة المراقبة الصينية ليست مختلفة تماما عن تلك التي تُجرى وتُستخدم في الغرب. تستخدم العديد من الشركات الغربية الكبرى التكنولوجيات الجديدة لمراقبة السلوك الذي يرونه معاديا للمجتمع ومعاقبته. بالإمكان حظر المستخدمين للأبد من "Airbnb" دون إخبارهم بالسبب أو أي إمكانية بالاستئناف، و"أوبر" و"واتساب" لديهما سياسات مماثلة. شركات التأمين على الحياة تفرض مزيدا من الرسوم بفضل المعلومات التي تجمعها من منشورات وسائل التواصل الاجتماعي. حتى وإن كانت تنفذها شركات خاصة، فإن تأثيرات المراقبة على هذا النطاق ليست مختلفة جذريا عن تلك التي تنفذ في نظام المكافأة الاجتماعية الصيني.

بالنسبة إلى كثيرين في النسخة الرائجة من الليبرالية، فما من خطب في مراقبة سلوك الناس إن كانت النتيجة هي توطيد التقدم الاجتماعي. ويحضُرنا هنا تسويغ ريتشارد ثالر وسوزان سانستين في كتابهما الأفضل مبيعا لعام 2008 "دفعة: نحو تحسين القرارات المتعلقة بالصحة والثروة والسعادة" بالقول إن "الأبويّة الليبرتارية" (وهي الفكرة القائلة إن تأثير مؤسسات القطاعين الحكومي والخاصّ في السلوك بالترافق مع احترام حرية الاختيار أمر ممكن ومشروع، وتنفيذ هذه الفكرة – مـ ) إنما تتصور إعادة تشكيل خيارات المواطنين بهدف تأمين النتائج الأفضل للصالح العام.

 

كما هو حال بنتام، فإن ثالر وسانستاين يؤكدان أن الكثير من السلوك الإنساني ينبغي أن يظل في إطار الحرية الشخصية، لكنهما مثله أيضا لا يرسمان حدودا واضحة لسلطة الحكومة عند تحديد مواطن التدخل. ليس من الصعب أن نتخيل تحوُّل "الأبوية الناعمة" التي يناصرانها إلى "شمولية ناعمة" لا يمكن فيها لأي جانب من جوانب السلوك الإنساني أن يُعتَق من إسار الهندسة الاجتماعية. المراقبة الشاملة هي المنطق الداخلي لمجتمع "يُدفَع للتصرُّف بشكل ما".

 

وهذا مهم، لأنه يشير إلى ثغرة في كتاب شوشانا زبوف الأخير بالغ التأثير "عصر رأسمالية المراقبة". بالنسبة إلى زبوف، فإن ما يدفع المراقبة الشاملة هو مراكمة رأس المال، حيث تستخدم شركات البيانات الضخمة المعلومات التي تجنيها من المستخدمين بهدف تسليع التجارب الشخصية وزيادة أرباحها وأرباح الشركات التي تبيع هذه المعلومات، وهذا بالنتيجة تطبيق لنظرية كارل ماركس حول القيمة الفائضة في الصناعات المبنية على المعرفة في البلدان الغربية.

كتاب شوشانا زبوف "عصر رأسمالية المراقبة"

لكن بإمكان المراقبة الشاملة أن تخدم أغراضا أخرى بجانب مراكمة رأس المال. في الغرب، فإنها تؤدي وظيفة أبوية من الرأسمالية. أما في الصين، فإنها تعمل بوصفها نسخة افتراضية من الديمقراطية المباشرة. تستطيع النخب الصينية الحاكمة استخدام منصات وسائل التواصل الاجتماعي مثل "ويبو" و"ويتشات" لاستكشاف وإرضاء حاجات الناس. على الأقل هكذا يُسوَّغ استخدام وسائل التواصل الاجتماعي في مراقبة الآراء أحيانا في الدوائر الرسمية الصينية.

 

مع ذلك، فمن الواضح أن من الممكن استخدام المراقبة الشاملة ببساطة كأداة لسلطة الدولة. عبر إنتاجها صورة أكثر كمالية عن سلوك المجتمع والفرد عما كان ممكنا في السابق، فإن بإمكانها تأسيس دولة أكثر عدوانية وقمعية من أي دولة وُجِدت فيما مضى. إن الاحتمال الأكثر ظلامية من ذلك المتخيل في رواية "1984" لجورج أورويل. ففي ديستوبيا أورويل، ظل كثير من الشرائح السكانية دون مراقبة. في المستقبل الذي يتكشّف، لا أحد -باستثناء نخبة محدودة ربما- سيُفلت من المراقبة.

 

إساءة استخدام تكنولوجيا المراقبة ليست الأمر الوحيد الذي يمكن أن يُفضي إلى هذه النتيجة، فالفلسفات التنويرية السائدة في الشرق والغرب تشير إلى الاتجاه ذاته. وفي الحالتين، تعمل عناصر لا ليبرالية في التنوير على تشكيل التفكير السياسي. في الصين، استُورِدت الأفكار اللا ليبرالية من الغرب. في الغرب نفسه، أخذت ليبرالية التنوير منعطفا لا ليبرالي، ونظريات "الدفعة" الأبوية الجديدة ما هي إلا جزء من نقلة أوسع تنصّب التقدم الاجتماعي أولوية على الحرية الفردية.

ومن الأمثلة على ذلك، عمليّات البحث عبر الإنترنت عن تصريحات تُجرِّم الأفراد واتّهامهم باعتناق مواقف رجعية، إذ يعيش الأكاديميون والشخصيات العامة حاليا في خطر فقدان مصادر رزقهم إن انتهكوا ما يُعتبر سلوكا تقدميا. مع استخدامها كمطهّر للحياة العامة من هؤلاء الأشخاص، تتيح وسائل التواصل الاجتماعي بناء الأرثذوكسيّة الفكرية والسياسية وتعزيزها. لكن النقطة المحورية فيما يخص هذا النوع من القمع هي أن تعزيزه لا يتم من خلال الدولة، بل من خلال المجتمع المدني؛ الشركات، والجامعات والمنافذ الإعلامية.

 

لقد فُسِّرت المراقبة الشاملة ضمن محددات اقتصادية بوصفها شرطا للرأسمالية المعاصرة. على سبيل المثال، تقييمات نظام المكافأة ضرورية إن أردنا توزيع القروض بشكل مفيد، لكنها تعرّضت أيضا للهجوم كأداة أرويليّة للطغيان، وهي بالتأكيد كلا الأمرين معا. لكن ثمة منطق أعمق من هذا هنا. في الصين بقدر ما هو في الغرب، تتطلّب الرأسمالية المعاصرة زوال أساليب الحياة التقليدية والمجتمعات التقليدية أيضا، فالاغتراب المترتب عن ذلك يُولِّد اضطرابا اجتماعيا مستفحلا تتكفل المراقبة باحتوائه. في الوقت نفسه، فإن الإعلام الجديد وأساليب المراقبة يُستخدمان بهدف غرس سلوكيات ومواقف يتطلبها تصوّر تقدُّمي لفكرة المواطنة. على سبيل المثال، فإن من الممكن الدفاع عن مراقبة الطريقة التي يتخلص الناس فيها من قمامتهم أو مراقبة قوانين السير كمحاولة لتوطيد المسؤولية الاجتماعية والبيئية.

 

لكن صعود المراقبة يعكس ما هو أكبر من احتياجات المجتمعات المتشظيّة في الشرق والغرب، إنه أيضا يُعبِّر عما تعتبره تلك المجتمعات إنجازها الرئيسي: احتمالية التقدم لأبنائها كافة. إن مشاريع التنوير للتحرر الإنساني تزيل البنى الاجتماعية التقليدية دون تقديم بدائل فعّالة. والمراقبة الشاملة الآنية، وهي حل تقني للاضطراب الاجتماعي، ما هي إلا بديل للمجتمعات التي دمّرها عالم ما بعد التنوير.

_______________________________________________________________

هذا التقرير مترجم عن: Tribune Content Agency ولا يعبر بالضرورة عن موقع ميدان.


حول هذه القصة

إن البيانات الضخمة وخوارزمياتها ليست مجرد شيء في حياتنا، بل هي حالة نعيش داخلها ولا يمكن الهرب من تأثيرها مهما حدث.. لذا إذا لم نتمكّن بعد من التخلُّص من عنصريتنا، فكيف ستفعل تلك الخوارزميات ذلك؟!

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة