الطبيعة ضد الإنسان.. هل يتحول الخطاب البيئي إلى فاشية جديدة؟

في زمن الكوارث الطبيعية والأوبئة يظهر الحديث عن ضرورة احترام وخضوع الإنسان للطبيعة بشكل متكرر، والاعتراف بكونه ضيفا ثقيلا على هذا العالم، وأنه يعيش بجانب نظام طبيعي داخله كائنات حية تشاركه هذا العالم وربما تسكنه من قبله، وأن تلك الكوارث والأوبئة وما يترتب عليها من خسائر في الأرواح والأموال هي تدخُّل مُعجِز من الطبيعة من أجل إعادة التوازن للعالم أو انتقام وعقاب من الطبيعة للإنسان لانتهاكه لها، وانتشرت بالتوازي مع ذلك صور الحيوانات وأسماك الدولفين وهي تتحرك بحرية في شوارع وأنهار المدن المغلقة، ولقطات السماء الصافية بعد أن خلت من دخان المصانع، كإعلان عن تعافي "الطبيعة الأم" من صخب الإنسان.

 

ومع دخول الإنسانية جميعا إلى حالة الحظر والحزن والخوف، كان غريبا وغير تقليدي أن ترتفع أصوات ليس فقط تحتفي بجمال وروحانيات الطبيعة، ولكن بفيروس كورونا الذي يحصد عشرات الآلآف من الأرواح ويحاصر الإنسانية كلها، وتخيُّله هو ذاته لقاحا للأرض من فيروس الإنسان الذي خرّب صفاء الطبيعة وتوازن العالم.

 

يمكن أن يقال الكثير عن تعامل الحضارة الحديثة مع الطبيعة، لكن السؤال: كيف يمكن لمجموعة من بني الإنسان تبني خطاب ضد السلامة الإنسانية، والاحتفاء بفيروس يحصد أرواح عشرات الآلاف كأنه نصر عظيم للطبيعة، فهل الإنسانية والطبيعة في حالة صراع؟

يرى الفيلسوف المسلم علي عزت بيغوفيتش(1) أن الأديان السماوية الثلاثة (اليهودية، المسيحية والإسلام) كانت سببا في تحوُّل جذري في وعي الإنسان بذاته وإحساسه بتميُّزه عن سائر المخلوقات التي تشاركه الحياة في هذا العالم، إذ ولّدت الرسالات السماوية إحساسا عند الإنسان في العصور القديمة والوسطى بأنه جزء من نظام كوني روحاني فريد، وهو مستخلف فيه لتعميره وتلبية احتياجاته، ما عزّز عند الإنسان إحساسه بمركزيته في العالم وأولوية حياته على حياة سائر المخلوقات.

 

وفي كتابه "الجذور اللاهوتية للحداثة"، يذهب الكاتب مايكل ألين غيليسبي إلى أن أساس الرؤية الحداثية للإنسان قد ذهبت خطوة إضافية للأمام بعد الأديان الثلاثة، عبر علمنة رؤيتها للإنسان بوصفه سيد هذا العالم ومالكه والمتصرف الأوحد في كل موارده لا مستخلفا فيه فقط، فالتصور الإبراهيمي التوحيدي الذي اعتبر الإنسان ظل الإله في الأرض حسب التصور المسيحي/اليهودي، أو خليفة الله في الأرض حسب التصور الإسلامي، تم علمنته، فمن مفهوم الخلافة أصبح الإنسان الحديث هو سيد هذا العالم وسيد جميع المخلوقات ومالك جميع الموارد، كانت هذه الفكرة بحسب مايكل آلين هي المنطق الثقافي الذي ساهم في إنتاج الثورة الصناعية في غرب أوروبا في القرن الثامن عشر، وهي الثورة الصناعية التي غيّرت شكل الحياة على كوكب الأرض طيلة قرون تلت بعد ذلك(2).

 

كانت الثورة الصناعية أكثر ثورة جذرية في التاريخ الإنساني، إذ قلبت حياة الإنسان في كل مكان امتدت إليه، فالنظم الاجتماعية والسياسية والأخلاقية للمجتمع الزراعي الرعوي الذي عاش بداخله الإنسان القديم والوسيط لقرون تبدلت بشكل جذري، واقتُلِعَ الإنسان من عالمه الأخضر الهادئ الرتيب وأُلقِيَ به في مدن صناعية رمادية باهتة، حيث ساعات العمل الطويلة والأجور الزهيدة والحياة الصاخبة غير المستقرة، والإحساس بالاغتراب والهشاشة المتولد عن ذلك، وظهرت التفاوتات الطبقية والسياسية وما صاحبها من عنف وغليان سياسي وصراعات ثورات وثورات مضادة، فضلا عن طبيعة تحلُّل الأخلاق والروابط الاجتماعية التي سادت المجتمع القديم لصالح أخلاق وقيم نفعية مادية وروابط تحكمها المصلحة بدلا من صلات الدم والقرابة القديمة.

وخلق انتشار هذا النمط من الحياة الصناعية الحضرية الحديثة شعورا بالحنين إلى الحياة الريفية، التي أُضفِي عليها طابع مثالي، كلما ابتعد عنها الإنسان وانهمك أكثر في المجتمع الصناعي الجديد، كان هذا الحنين على أشده في البلدان التي عرفت أكثر عمليات التصنيع سرعة وعنفا، وأيضا لدى الفئات التي تضرّرت من عمليات تحطيم العالم القديم لصالح العالم الصناعي الحديث(3)، فمثلا تركت عملية التصنيع والحضرنة العنيفة والمتسارعة والمصاحبة لاستبداد سياسي في ألمانيا القرن التاسع عشر ندوبا عميقة في الثقافة السياسية الألمانية، مما خلق أساطير سياسية عن نقاء وروحانية الطبيعة وحياة الفلاحين مقابل شيطنة تامة للتصنيع والحداثة الصناعية، وأدى إلى قيام حركة قوية تجاه العودة للطبيعة بين الشباب الألمان، وقد قام القوميون والفاشيست في وقت لاحق باستغلال مثل تلك الرعوية الرومانسية والأيديولوجية الفلاحية في النصف الأول من القرن العشرين لإنشاء أيديولوجيات سياسية تنتقد الحداثة والرأسمالية والتصنيع باسم نقاء الحياة الفلاحية التقليدية الألمانية(4).

 

وظهر جذر إيكولوجي/بيئي كذلك من اليسار، ففي الوقت الذي استفادت فيه البرجوازيات الأوروبية الكبيرة من الثورة الصناعية، لم تنلَ الفئات الأقل حظا إلا الفتات، هنا ظهرت النسخة الأولى من الحركات الاشتراكية، وهي الحركات الاشتراكية المثالية (ما قبل الاشتراكية العلمية الماركسية)، دعت تلك الحركات لتفكيك الصناعة والعودة إلى تضامن ومشاعية المجتمع الزراعي الرعوي التقليدي والعيش من خير الطبيعة البرية، وحاولت تلك الفئات كذلك تكوين مجتمعات صغيرة تعيش في حالة الطبيعة المسالمة في شكل قرى صغيرة تأكل من الزراعة والرعي وتعادي المجتمعات الصناعية الرأسمالية، لاحقا ستستلهم الحركات اليسارية من تلك التجارب والمشاعر لتُشكِّل أيديولوجيا طوباوية شيوعية تحترم الطبيعة وتقضي على اغتراب الإنسان الذي أبعدته الصناعة عن جذوره في الطبيعة(3).

 

هكذا ظهرت الأيديولوجيا الإيكولوجية/البيئية إلى الوجود كرد فعل على التصنيع، وظلّت دائما كذلك، وتشكّلت جذورها في الأيديولوجيات ذات النزعة الرومانتيكية* المناهضة للرأسمالية -الفاشية والاشتراكية-، إلا أنه سرعان ما بدأت الإيكولوجية في تأسيس نفسها بشكل مستقل، خاصة بعد أن اتجهت النماذج الفاشية والاشتراكية في كلٍّ من الاتحاد السوفيتي وألمانيا النازية إلى حالة من التصنيع المكثف والمحموم وتدمير الريف الألماني والروسي لصالح المدن الصناعية، وبهذا صار الانتصار للبيئة والحنين إليها أيديولوجية ناقدة للمجتمع الصناعي الحديث برمته أيًّا كانت توجّهاته السياسية(4).

 

تقوم الإيكولوجية على افتراض أن الثورة الصناعية قائمة على الافتراض الحداثي الذي وضّحه مايكل آلين غيليسبي في كتابه "الجذور اللاهوتية للحداثة" كما أسلفنا بأن البشر هم سادة العالم الطبيعي وأن موارده مسخرة لمنفعتهم، وعلى هذا قامت كل الأيديولوجيات السياسية الحديثة، لذلك أصبحت الاشتراكية والفاشية جزءا من المشكلة، وليست جزءا من الحل، في كتاب "نقطة التحول" يقتفي المنظر الإيكولوجي فريتوف كابرا جوهر هذه الرؤية الحداثية، ليصل إلى ما سماه البراديم (الديكارتي – النيوتني) الذي أنتج الثورة الصناعية، حيث العالم قبل ديكارت ونيوتن ينظر له على أنه كيان عضوي يحمل داخله شبكة حياة ثرية متنوعة ومتعددة، أما بعد رينيه ديكارت وإسحاق نيوتن فصُوِّر الكون على أنه آلة هندسية صماء والإنسان بوصفه الكائن العاقل هو المهندس الذي يمكنه بواسطة العلم التجريبي تشغيل هذه الآلة لصالحه، وبحسب فريتيوف كابرا كانت ثمار هذا التصور للإنسان والطبيعة، أي هيمنة البرادايم الحداثي الديكارتي-النيوتني، نهبا وتخريبا متواصلا من الإنسان للطبيعة استمر لقرون(4).

وبحسب منظرين إيكولوجيين مثل فريتيوف كابرا فإن الأزمة البيئية المعاصرة تحتاج إلى حل جذري، يتمثّل أولا في استبدال البراديم الحداثي بنموذج معرفي جديد، حيث يتمركز الخطاب الإيكولوجي على ما يسميه بنقد العجرفة الإنسانية، فبدلا من أن يحيا الإنسان على الأرض مثله مثل الأجناس المتنوعة التي تعيش عليها ويحترمها، يتصرف البشر كأنهم سادة ومُلّاك الطبيعة، ولهذا تُمثِّل الإيكولوجية نمطا جديدا من الانحياز الأيديولوجي، تتعلق رؤيته بالطبيعة كشبكة من العلاقات الثمينة والهشة بين الأنواع الحية بما في ذلك النوع الإنساني والبيئة الطبيعية، حيث لم يعد النوع الإنساني يُمثِّل مركز المسرح، وإنما صار يُنظر إليه باعتباره لا يمكن فصله عن الطبيعة التي تُحمِّله منطقها الخاص وعليها أن تدافع عن نفسها ضد تعالي الإنسان وعجرفته(4).

 

تطرح الإيكولوجية رؤية مختلفة بصورة راديكالية بشأن الطبيعة ومكان البشر فيها، رؤية تستند إلى المركزية الإيكولوجية وتتحدى المركزية البشرية، حيث تفصل الإيكولوجية نفسها عن الحركة البيئية الإنسانية التي تهدف إلى الدفاع عن البيئة من أجل الحفاظ على استدامة وحماية حياة الإنسان على الأرض، أما الإيكولوجية تعكس هذا الهدف، حيث ترى أن هدف الحياة البشرية ينبغي أن يكون الحفاظ على الطبيعة الأم وليس خدمة وجود الإنسان، فالإيكولوجية ترفض بصورة قوية الاعتقاد بأن الجنس البشري أكثر تفوقا أو أهمية من الأجناس والأنواع الأخرى أو أكثر أهمية من الطبيعة نفسها؛ باختصار تقوم الإيديولوجيا الإيكولوجية في مقابل الاعتقاد الحداثي الصناعي بتفوق الإنسان على الطبيعة بتسوية الإنسان داخل النظام الطبيعي العضوي، واعتبار توازن النظام هو الغاية والهدف النهائي لا حياة الإنسان(4).

بشكل عام بدأت الإيكولوجية كجزء من حركة رومانتيكية أوسع ضد التصنيع والحداثة والرأسمالية(5)، لكنها اصطحبت معها دائما جذورها التي تكوّنت مع الفاشية، جوهر الفاشية كان تصفية الجزء أو الفرد الذي هنا هو الإنسان نفسه لصالح الكل أو المجموع الذي هنا هو الطبيعة، حيث كانت الفاشية في السابق ترى الإنسان متلاحما بشكل عضوي مع الشعب والأرض والتراب القومي ضد الروابط الإنسانية المصطنعة البرجوازية والعمالية والبيروقراطية التي أسّستها الحداثة الصناعية(6)، في المقابل ترى الإيكولوجية الإنسان جزءا من كل، والكل هنا هو نظام طبيعي عضوي يشمل كل الكائنات الحية، وتؤمن -استمرارا للنزوع الفاشي- بأسبقية هذا النظام الطبيعي على حياة الإنسان، في فاشية عدمية وما بعد حداثية تُلغي أي تمايز بين الإنسان وبين الطبيعة، لا تنتصر لشعب معين أو لسلالة عِرقية بذاتها، بل فاشية ضد الإنسان ذاته لصالح الطبيعة(7).

 

ومنذ بداية أزمة الكورونا والتعطيل التام للمصانع والسفر وإغلاق المدن فضلا عن تعطيل نقل الحاويات النفطية عبر المحيطات، ارتفعت أصوات(7) على مواقع التواصل والمنصات الإعلامية تحتفي بفيروس كورونا الذي أتى لينتصر للطبيعة أمام غرور الإنسان وانتهاكاته المتكررة الممنهجة للطبيعة، الاحتفاء بفيروس كورونا الذي حصد أرواح مئات الآلاف من البشر وما زال يهدد أرواح ملايين آخرين في سبيل الانتصار لفكرة مثالية عن العالم الطبيعي الحيوي هو عين الفاشية، وفي جوهره ربما ليس بعيدا عن الخطاب النازي بالتضحية باليهود والمعاقين في سبيل نقاء العرق الآري الألماني.

 

في كتابه "دراسات معرفية في الحداثة الغربية"(8)، يتفق المفكر عبد الوهاب المسيري مع الطرح الإيكولوجي بأن علاقة الإنسان الحديث بالطبيعة كانت علاقة استعمارية إمبريالية، تعامل فيها الإنسان مع الطبيعة كمادة استعمالية يوظِّفها لصالحه، مردفا أن رد الفعل الإيكولوجي المثالي الفاشي كان إعلان تفوق وسمو الطبيعة على الإنسان وتحديد العلاقة بين الطرفين كعلاقة صراع يخضع فيها الإنسان للطبيعة، ويتفق المسيري مع طرح الفيلسوف طه عبد الرحمن(9) عن أن الخروج من هذا المأزق يكمن في الإيمان برؤية إنسانية أكثر رحابة، وفي أن الإنسان ليس منفصلا عن الطبيعة أو جزءا منها، بل هو كائن حي داخل نظام كوني روحاني فريد ومعجز مستخلف فيه لا سيد عليه، نظام كوني مشبع بآيات وآلاء في الطبيعة وفي الإنسان تُشير عند الكثيرين إلى قداسة ما خارج هذا العالم.

_________________________________________

هامش

*: ظهرت الرومانتيكية كحركة في الفن والأدب والفلسفة وحتى السياسة، لتواجه أولا اعتماد فلسفة التنوير على العقل بشكل أهمل المشاعر الإنسانية، ولتواجه المادية والتوجه سريع الإيقاع نحو الصناعة والمدن وإهمال الطبيعة، وتواجه المجتمع الصناعي المعقد الذي يفسد صفاء وبساطة النفس البشرية.

المصادر

  1. الإسلام بين الشرق والغرب، على عزت بيغوفيتش، ترجمة محمد يوسف عدس، دار الشروق.
  2. الجذور اللاهوتية للحداثة، مايكل آلين غيليسبي، ترجمة فيصل الفرهود،دار جداول.
  3. عصر الثورة، إريك هوبزباوم، ترجمة فايز الصياغ، المنظمة العربية للترجمة.
  4. مدخل إلى الأيديولوجيات السياسية، أندرو هيود، ترجمة محمد صفار، المركز القومي للترجمة.
  5. جذور الرومانتيكية، إيزايا برلين، ترجمة سعود السويدا، دار جداول.
  6. الفلسفة المادية وتفكيك الإنسان، عبد الوهاب المسيري، الشروق الدولية.
  7. Humans Are Not The Virus—Don’t Be An Eco-Fascist.
  8. دراسات معرفية في الحداثة الغربية، عبد الوهاب المسيري، مكتبة الشروق الدولية.
  9. روح الحداثة، طه عبد الرحمن، المركز الثقافي العربي.

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة